Ar-RaziAl‑Ahzab · 33:37–46

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:37–46

33:37–39Page 423

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾

وهُوَ زَيْدٌ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بِالتَّحْرِيرِ والإعْتاقِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ هَمَّ زَيْدٌ بِطَلاقِ زَيْنَبَ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ: أمْسِكْ أيْ لا تُطَلِّقْها. ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ قِيلَ في الطَّلاقِ، وقِيلَ في الشَّكْوى مِن زَيْنَبَ، فَإنَّ زَيْدًا قالَ فِيها إنَّها تَتَكَبَّرُ عَلَيَّ بِسَبَبِ النَّسَبِ وعَدَمِ الكَفاءَةِ. ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِن أنَّكَ تُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِزَيْنَبَ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ مِن أنْ يَقُولُوا أخَذَ زَوْجَةَ الغَيْرِ أوِ الِابْنِ ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى أنَّ النَّبِيَّ خَشِيَ النّاسَ ولَمْ يَخْشَ اللَّهَ بَلِ المَعْنى: اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ وحْدَهُ ولا تَخْشَ أحَدًا مَعَهُ وأنْتَ تَخْشاهُ وتَخْشى النّاسَ أيْضًا، فاجْعَلِ الخَشْيَةَ لَهُ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ أيْ لَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ وذَلِكَ لِأنَّ الزَّوْجَةَ ما دامَتْ في نِكاحِ الزَّوْجِ فَهي تَدْفَعُ حاجَتَهُ وهو مُحْتاجٌ إلَيْها، فَلَمْ يَقْضِ مِنها الوَطَرَ بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَسْتَغْنِ، وكَذَلِكَ إذا كانَ في العِدَّةِ لَهُ بِها تَعَلُّقٌ لِإمْكانِ شَغْلِ الرَّحِمِ فَلَمْ يَقْضِ مِنها بَعْدُ وطَرَهُ، وأمّا إذا طَلَّقَ وانْقَضَتْ عِدَّتُها اسْتَغْنى عَنْها ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَعَها تَعَلُّقٌ فَيَقْضِي مِنها الوَطَرَ، وهَذا مُوافِقٌ لِما في الشَّرْعِ لِأنَّ التَّزَوُّجَ بِزَوْجَةِ الغَيْرِ أوْ بِمُعْتَدَّتِهِ لا يَجُوزُ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَلَمّا قَضى﴾ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾

صفحة ١٨٤

أيْ إذا طَلَّقُوهُنَّ وانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّزْوِيجَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِقَضاءِ شَهْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ لِبَيانِ الشَّرِيعَةِ بِفِعْلِهِ فَإنَّ الشَّرْعَ يُسْتَفادُ مِن فِعْلِ النَّبِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ مَقْضِيًّا، ما قَضاهُ كائِنٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَزَوُّجَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها مَعَ أنَّهُ كانَ مُبَيِّنًا لِشَرْعٍ مُشْتَمِلٍ عَلى فائِدَةٍ كانَ خالِيًا مِنَ المَفاسِدِ فَقالَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ يَعْنِي كانَ شَرْعُ مَن تَقَدَّمَهُ كَذَلِكَ، كانَ يَتَزَوَّجُ الأنْبِياءُ بِنِسْوَةٍ كَثِيرَةٍ أبْكارٍ ومُطَلَّقاتِ الغَيْرِ. ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيِ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، والقَدَرُ التَّقْدِيرُ وبَيْنَ المَفْعُولِ والمَقْدُورِ فَرْقٌ مَقُولٌ بَيْنَ القَضاءِ والقَدَرِ، فالقَضاءُ ما كانَ مَقْصُودًا في الأصْلِ والقَدَرُ ما يَكُونُ تابِعًا لَهُ، مِثالُهُ مَن كانَ يَقْصِدُ مَدِينَةً فَنَزَلَ بِطَرِيقِ تِلْكَ المَدِينَةِ بِخانٍ أوْ قَرْيَةٍ يَصِحُّ مِنهُ في العُرْفِ أنْ يَقُولَ في جَوابِ مَن يَقُولُ: لِمَ جِئْتَ إلى هَذِهِ القَرْيَةِ ؟ إنِّي ما جِئْتُ إلى هَذِهِ وإنَّما قَصَدْتُ المَدِينَةَ الفُلانِيَّةَ، وهَذِهِ وقَعَتْ في طَرِيقِي، وإنْ كانَ قَدْ جاءَها ودَخَلَها. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَإنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ بِقَضاءٍ وما في العالَمِ مِنَ الضَّرَرِ بِقَدَرٍ، فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ المُكَلَّفَ بِحَيْثُ يَشْتَهِي ويَغْضَبُ، لِيَكُونَ اجْتِهادُهُ في تَغْلِيبِ العَقْلِ والدِّينِ عَلَيْهِما مُثابًا عَلَيْهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ، فَأفْضى ذَلِكَ في البَعْضِ إلى أنْ زَنى وقَتَلَ، فاللَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُما فِيهِ مَقْصُودًا مِنهُ القَتْلُ والزِّنا وإنْ كانَ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ.

إذا عَلِمْتَ هَذا فَفي قَوْلِهِ تَعالى أوَّلًا: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وقَوْلِهِ ثانِيًا: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ قالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ تَزْوِيجَنا زَيْنَبَ إيّاكَ كانَ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا مَقْضِيًّا مُراعًى، ولَمّا قالَ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا﴾ إشارَةً إلى قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ افْتَتَنَ بِامْرَأةٍ أُورِيا قالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا تَبَعِيًّا، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِالتَّوْلِيدِ والفَلاسِفَةِ بِوُجُوبِ كَوْنِ الأشْياءِ عَلى وُجُوهٍ مِثْلُ كَوْنِ النّارِ تَحْرِقُ حَيْثُ قالُوا اللَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَخْلُقَ ما يُنْضِجُ الأشْياءَ وهو لا يَكُونُ إلّا مُحْرِقًا بِالطَّبْعِ، فَخَلَقَ النّارَ لِلنَّفْعِ فَوَقَعَ اتِّفاقُ أسْبابٍ أوْجَبَتِ احْتِراقَ دارِ زَيْدٍ أوْ دارِ عَمْرٍو. فَنَقُولُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَقُولَ بِأنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُخْتارٍ في أفْعالِهِ أوْ يَقَعُ شَيْءٌ لا بِاخْتِيارِهِ، ولَكِنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: أجْرى اللَّهُ عادَتَهُ بِكَذا أيْ ولَهُ أنْ يَخْلُقَ النّارَ بِحَيْثُ عِنْدَ حاجَةِ إنْضاجِ اللَّحْمِ تَنْضَجُ، وعِنْدَ مِساسِ ثَوْبِ العَجُوزِ لا تُحْرَقُ، ألا تَرى أنَّها لَمْ تَحْرِقْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قُوَّتِها وكَثْرَتِها لَكِنْ خَلَقَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ بِمَحْضِ إرادَتِهِ أوْ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

فَنَقُولُ: ما كانَ في مَجْرى عادَتِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ تُدْرِكُهُ العُقُولُ البَشَرِيَّةُ. نَقُولُ: بِقَضاءٍ، وما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَقَعُ لِعَقْلٍ قاصِرٍ أنْ يَقُولَ لِمَ كانَ ولِماذا لَمْ يَكُنْ عَلى خِلافِهِ. نَقُولُ: بِقَدَرٍ. ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِينَ خَلَوْا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ يَعْنِي كانُوا هم أيْضًا مِثْلَكَ رُسُلًا، ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِحالِهِمْ أنَّهم جَرَّدُوا الخَشْيَةَ ووَحَّدُوها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ مُحاسِبًا فَلا تَخْشَ غَيْرَهُ أوْ مَحْسُوبًا فَلا تَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ ولا تَجْعَلْهُ في حِسابِكَ

صفحة ١٨٥

33:40–45Page 423

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥

O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ ما في تَزَوُّجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَيْنَبَ مِنَ الفَوائِدِ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ خالِيًا مِن وُجُوهِ المَفاسِدِ، وذَلِكَ لِأنَّ ما كانَ يُتَوَهَّمُ مِنَ المَفْسَدَةِ كانَ مُنْحَصِرًا في التَّزَوُّجِ بِزَوْجَةِ الِابْنِ فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنِ ابْنًا لَهُ لا بَلْ أحَدُ الرِّجالِ لَمْ يَكُنِ ابْنَ مُحَمَّدٍ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: النَّبِيُّ كانَ أبا أحَدٍ مِنَ الرِّجالِ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الذَّكَرِ مِن أوْلادِ آدَمِ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً﴾ [النساء: ١٧٦] والصَّبِيُّ داخِلٌ فِيهِ. فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ في الِاسْتِعْمالِ يَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ الكِبَرُ والبُلُوغُ ولَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنٌ كَبِيرٌ يُقالُ إنَّهُ رَجُلٌ.

والثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ ووَقْتَ الخِطابِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى كَوْنَهُ أبًا عَقَّبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ ما هو في حُكْمِ الأُبُوَّةِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ كالأبِ لِلْأُمَّةِ في الشَّفَقَةِ مِن جانِبِهِ، وفي التَّعْظِيمِ مِن طَرَفِهِمْ بَلْ أقْوى؛ فَإنَّ النَّبِيَّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، والأبُ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يُفِيدُ زِيادَةَ الشَّفَقَةِ مِن جانِبِهِ والتَّعْظِيمِ مِن جِهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ النَّصِيحَةِ والبَيانِ يَسْتَدْرِكُهُ مَن يَأْتِي بَعْدَهُ، وأمّا مَن لا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَكُونُ أشْفَقَ عَلى أُمَّتِهِ وأهْدى لَهم وأجْدى، إذْ هو كَوالِدٍ لِوَلَدِهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ مِن أحَدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَعْنِي عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ دَخَلَ فِيهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ فَعُلِمَ أنَّ مِنَ الحِكْمَةِ إكْمالَ شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَزَوُّجِهِ بِزَوْجَةِ دَعِيِّهِ تَكْمِيلًا لِلشَّرْعِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ يُفِيدُ شَرْعًا، لَكِنْ إذا امْتَنَعَ هو عَنْهُ يَبْقى في بَعْضِ النُّفُوسِ نُفْرَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ بِقَوْلِهِ ما فُهِمَ مِنهُ حِلُّ أكْلِ الضَّبِّ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَأْكُلْهُ بَقِيَ في النُّفُوسِ شَيْءٌ، ولَمّا أكَلَ لَحْمَ الجَمَلِ طابَ أكْلُهُ مَعَ أنَّهُ في بَعْضِ المِلَلِ لا يُؤْكَلُ وكَذَلِكَ الأرْنَبُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾

وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ السُّورَةَ أصْلُها ومَبْناها عَلى تَأْدِيبِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ اللَّهِ وهو التَّقْوى، وذَكَرَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أهْلِهِ وأقارِبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] واللَّهُ تَعالى يَأْمُرُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما يَأْمُرُ بِهِ أنْبِياءَهُ المُرْسَلِينَ فَأرْشَدَ عِبادَهُ كَما أدَّبَ نَبِيَّهُ وبَدَأ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ كَما قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ .

ثُمَّ هَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَنْسى ذِكْرَ اللَّهِ فَأُمِرَ بِدَوامِ الذِّكْرِ، أمّا النَّبِيُّ لِكَوْنِهِ مِنَ المُقَرَّبِينَ لا يَنْسى ولَكِنْ قَدْ يَغْتَرُّ المُقَرَّبُ مِنَ المَلِكِ بِقُرْبِهِ مِنهُ فَيَقِلُّ خَوْفُهُ فَقالَ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ فَإنَّ المُخْلِصَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وحَسَنَةُ الأوْلِياءِ سَيِّئَةُ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ لَمّا ذَكَرَ الذِّكْرَ وصَفَهُ بِالكَثْرَةِ إذْ لا مانِعَ مِنَ الذِّكْرِ عَلى ما بَيَّنّا.

صفحة ١٨٦

33:46Page 424

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦

And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ أيْ إذا ذَكَرْتُمُوهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذِكْرُكم إيّاهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ والتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وهو المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ وقِيلَ المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ وقِيلَ لِلصَّلاةِ تَسْبِيحُهُ بُكْرَةً وأصِيلًا إشارَةً إلى المُداوَمَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُرِيدَ العُمُومِ قَدْ يَذْكُرُ الطَّرَفَيْنِ ويَفْهَمُ مِنهُما الوَسَطَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ “ «لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم» “ ولَمْ يَذْكُرْ وسَطَكم فَفُهِمَ مِنهُ المُبالَغَةُ في العُمُومِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ يَعْنِي هو يُصَلِّي عَلَيْكم ويَرْحَمُكم وأنْتُمْ لا تَذْكُرُونَهُ فَذَكَرَ صَلاتَهُ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ. ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي يَهْدِيَكم بِرَحْمَتِهِ، والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، ومِنَ المَلائِكَةِ اسْتِغْفارٌ، فَقِيلَ: بِأنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا، وكَذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في لَفْظٍ جائِزٍ ويُنْسَبُ هَذا القَوْلُ إلى الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ فَإنْ أُرِيدَ تَقْرِيبُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ في غايَةِ القُرْبِ نَقُولُ: الرَّحْمَةُ والِاسْتِغْفارُ يَشْتَرِكانِ في العِنايَةِ بِحالِ المَرْحُومِ والمُسْتَغْفَرِ لَهُ، والمُرادُ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ فَتَكُونُ الدَّلالَةُ تَضَمُّنِيَّةً لِكَوْنِ العِنايَةِ جُزْءًا مِنهُما. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ بِشارَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ وإشارَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالسّامِعِينَ وقْتَ الوَحْيِ.

﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ عِنايَتَهُ في الأُولى بَيَّنَ عِنايَتَهُ في الآخِرَةِ وذَكَرَ السَّلامَ لِأنَّهُ هو الدَّلِيلُ عَلى الخَيْراتِ، فَإنَّ مَن لَقِيَ غَيْرَهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلى المُصافاةِ بَيْنَهُما وإنْ لَمْ يُسَلِّمْ دَلَّ عَلى المُنافاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في دُنْياهُ غَيْرُ مُقْبِلٍ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى اللَّهِ، وكَيْفَ وهو حالَةَ نَوْمِهِ غافِلٌ عَنْهُ وفي أكْثَرِ أوْقاتِهِ مَشْغُولٌ بِتَحْصِيلِ رِزْقِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شُغْلَ لِأحَدٍ يُلْهِيهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهو حَقِيقَةُ اللِّقاءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ: الإعْدادُ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلا حاجَةَ ولا عَجْزَ فَحَيْثُ يَلْقاهُ اللَّهُ يُؤْتِيهِ ما يَرْضى بِهِ وزِيادَةً، فَما مَعْنى الإعْدادِ مِن قَبْلُ ؟ فَنَقُولُ: الإعْدادُ لِلْإكْرامِ لا لِلْحاجَةِ وهَذا كَما أنَّ المَلِكَ إذا قِيلَ لَهُ فُلانٌ واصِلٌ، فَإذا أرادَ إكْرامَهُ يُهَيِّئُ لَهُ بَيْتًا وأنْواعًا مِنَ الإكْرامِ ولا يَقُولُ: بِأنَّهُ إذا وصَلَ نَفْتَحُ بابَ الخِزانَةِ ونُؤْتِيهِ ما يُرْضِيهِ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ لِكَمالِ الإكْرامِ أعَدَّ لِلذّاكِرِ أجْرًا كَرِيمًا والكِرِيمُ قَدْ ذَكَرْناهُ في الرِّزْقِ أيْ أعَدَّ لَهُ أجْرًا يَأْتِيهِ مِن غَيْرِ طَلَبِهِ بِخِلافِ الدُّنْيا فَإنَّهُ يَطْلُبُ الرِّزْقَ ألْفَ مَرَّةٍ ولا يَأْتِيهِ إلّا بِقَدَرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ مُناسِبٌ لِحالِهِمْ لِأنَّهم لَمّا ذَكَرُوا اللَّهَ في دُنْياهم حَصَلَ لَهم مَعْرِفَةٌ، ولَمّا سَبَّحُوهُ تَأكَّدَتِ المَعْرِفَةُ حَيْثُ عَرَفُوهُ كَما يَنْبَغِي بِصِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ واللَّهُ يَعْلَمُ حالَهم في الدُّنْيا فَأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ وقالَ: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾

صفحة ١٨٧

والمُتَعارِفانِ إذا التَقَيا وكانَ أحَدُهُما شَفِيقًا بِالآخَرِ والآخَرُ مُعَظِّمًا لَهُ غايَةَ التَّعْظِيمِ لا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُما إلّا السَّلامُ وأنْواعُ الإكْرامِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّورَةَ فِيها تَأْدِيبٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رَبِّهِ فَقَوْلُهُ في ابْتِدائِها: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ رَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ أهْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ عامَّةِ الخَلْقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شاهِدًا﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ شاهِدٌ عَلى الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وعَلى هَذا فالنَّبِيُّ بُعِثَ شاهِدًا أيْ مُتَحَمِّلًا لِلشَّهادَةِ ويَكُونُ في الآخِرَةِ شَهِيدًا أيْ مُؤَدِّيًا لِما تَحَمَّلَهُ.

ثانِيها: أنَّهُ شاهِدٌ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَلى هَذا لَطِيفَةٌ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ النَّبِيَّ شاهِدًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والشّاهِدُ لا يَكُونُ مُدَّعِيًا، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ النَّبِيَّ في مَسْألَةِ الوَحْدانِيَّةِ مُدَّعِيًا لَها لِأنَّ المُدَّعِيَ مَن يَقُولُ شَيْئًا عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، والوَحْدانِيَّةُ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ادَّعى النُّبُوَّةَ فَجَعَلَ اللَّهُ نَفْسَهُ شاهِدًا لَهُ في مُجازاةِ كَوْنِهِ شاهِدًا لِلَّهِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ شاهِدٌ في الدُّنْيا بِأحْوالِ الآخِرَةِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ والمِيزانِ والصِّراطِ، وشاهِدٌ في الآخِرَةِ بِأحْوالِ الدُّنْيا بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والصَّلاحِ والفَسادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا﴾ فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أُرْسِلَ شاهِدًا بِقَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويُرَغِّبُ في ذَلِكَ بِالبِشارَةِ، فَإنْ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ يُرْهِبْ بِالإنْذارِ ثُمَّ لا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بَلْ يَدْعُوهم إلى سَبِيلِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ أيْ مُبَرْهِنًا عَلى ما يَقُولُ مُظْهِرًا لَهُ بِأوْضَحِ الحُجَجِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .

وفِيهِ لَطائِفُ.

إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وشاهِدًا بِإذْنِهِ ومُبَشِّرًا، وعِنْدَ الدُّعاءِ قالَ: وداعِيًا بِإذْنِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَقُولُ عَنْ مَلِكٍ إنَّهُ مَلِكُ الدُّنْيا لا غَيْرُهُ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنٍ مِنهُ فَإنَّهُ وصَفَهُ بِما فِيهِ، وكَذَلِكَ إذا قالَ مَن يُطِيعُهُ يَسْعَدُ، ومَن يَعْصِيهِ يَشْقى يَكُونُ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ولا يَحْتاجُ إلى إذْنٍ مِنَ المَلِكِ في ذَلِكَ، وأمّا إذا قالَ: تَعالَوْا إلى سِماطِهِ، واحْضُرُوا عَلى خِوانِهِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى إذْنِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾ .

ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ يَقُولُ: إنِّي أدْعُو إلى اللَّهِ والوَلِيُّ يَدْعُو إلى اللَّهِ، والأوَّلُ لا إذْنَ لَهُ فِيهِ مِن أحَدٍ، والثّانِي مَأْذُونٌ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقالَتِي فَأدّاها كَما سَمِعَها» “ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ هو المَأْذُونُ مِنَ اللَّهِ في الدُّعاءِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وسِراجًا﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّهُ شَمْسٌ مَعَ أنَّهُ أشَدُّ إضاءَةً مِنَ السِّراجِ لِفَوائِدَ مِنها: أنَّ الشَّمْسَ نُورُها لا يُؤْخَذُ مِنهُ شَيْءٌ والسِّراجُ يُؤْخَذُ مِنهُ أنْوارٌ كَثِيرَةٌ، فَإذا انْطَفَأ الأوَّلُ يَبْقى الَّذِي أُخِذَ مِنهُ، وكَذَلِكَ إنْ غابَ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَذَلِكَ، إذْ كَلُّ صَحابِيٍّ أخَذَ مِنهُ نُورَ الهِدايَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» “ وفي الخَبَرِ لَطِيفَةٌ وإنْ كانَتْ لَيْسَتْ مِنَ التَّفْسِيرِ، ولَكِنَّ الكَلامَ يَجُرُّ الكَلامَ وهي أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَجْعَلْ أصْحابَهُ كالسُّرُجِ وجَعَلَهم كالنُّجُومِ؛ لِأنَّ النَّجْمَ لا يُؤْخَذُ مِنهُ نُورٌ بَلْ لَهُ في نَفْسِهِ نُورٌ إذا غَرَبَ هو لا يَبْقى نُورٌ مُسْتَفادٌ مِنهُ، وكَذَلِكَ الصَّحابِيُّ إذا ماتَ فالتّابِعِيُّ يَسْتَنِيرُ بِنُورِ النَّبِيِّ

صفحة ١٨٨

عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُؤْخَذُ مِنهُ إلّا قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِعْلُهُ، فَأنْوارُ المُجْتَهِدِينَ كُلِّهِمْ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ جَعَلَهم كالسُّرُجِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا سِراجٌ كانَ لِلْمُجْتَهِدِ أنْ يَسْتَنِيرَ بِمَن أرادَ مِنهم ويَأْخُذَ النُّورَ مِمَّنِ اخْتارَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ مَعَ نَصِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الصَّحابِيِّ فَيُؤْخَذُ مِنَ النَّبِيِّ النُّورُ ولا يُؤْخَذُ مِنَ الصَّحابِيِّ فَلَمْ يَجْعَلْهُ سِراجًا، وهَذا يُوجِبُ ضَعْفًا في حَدِيثِ سِراجِ الأُمَّةِ والمُحَدِّثُونَ ذَكَرُوهُ، وفي تَفْسِيرِ السِّراجِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْآنُ وتَقْدِيرُهُ: إنّا أرْسَلْناكَ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الكافِ أيْ وأرْسَلْنا سِراجًا مُنِيرًا، وعَلى قَوْلِنا إنَّهُ عُطِفَ عَلى مُبَشِّرًا ونَذِيرًا يَكُونُ مَعْناهُ: وذا سِراجٍ؛ لِأنَّ الحالَ لا يَكُونُ إلّا وصْفًا لِلْفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، والسِّراجُ لَيْسَ وصْفًا لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ سِراجًا حَقِيقَةً، أوْ يَكُونُ كَقَوْلِ القائِلِ: رَأيْتُهُ أسَدًا أيْ شُجاعًا فَقَوْلُهُ: ﴿وسِراجًا﴾ أيْ هادِيًا مُبَيِّنًا كالسِّراجِ يُرِي الطَّرِيقَ ويُبَيِّنُ الأمْرَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском