Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:55–71
33:55–56Page 426
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥
There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦
Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ الحِجابَ اسْتَثْنى المَحارِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الحِجابِ أوْجَبَ السُّؤالَ مِن وراءِ الحِجابِ عَلى الرِّجالِ، فَلِمَ لَمْ يَسْتَثْنِ الرِّجالَ عَنِ الجُناحِ، ولَمْ يَقُلْ لا جُناحَ عَلى آبائِهِنَّ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أمْرٌ بِسَدْلِ السَّتْرِ عَلَيْهِنَّ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِكَوْنِهِنَّ مَسْتُوراتٍ مَحْجُوباتٍ، وكانَ الحِجابُ وجَبَ عَلَيْهِنَّ، ثُمَّ أمَرَ الرِّجالَ بِتَرْكِهِنَّ كَذَلِكَ، ونُهُوا عَنْ هَتْكِ أسْتارِهِنَّ، فاسْتُثْنِينَ عِنْدَ الآباءِ والأبْناءِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ عِنْدَ الحِجابِ أمَرَ اللَّهُ الرَّجُلَ بِالسُّؤالِ مِن وراءِ حِجابٍ، ويُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُ المَرْأةِ مَحْجُوبَةً عَنِ الرَّجُلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وعِنْدَ الِاسْتِثْناءِ قالَ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ عِنْدَ رَفْعِ الحِجابِ عَنْهُنَّ، فالرِّجالُ أوْلى بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ الآباءَ لِأنَّ اطِّلاعَهم عَلى بَناتِهِنَّ أكْثَرُ، وكَيْفَ وهم قَدْ رَأوْا جَمِيعَ بَدَنِ البَناتِ في حالِ صِغَرِهِنَّ، ثُمَّ الأبْناءَ ثُمَّ الإخْوَةَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ. إنَّما الكَلامُ في بَنِي الإخْوَةِ حَيْثُ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَنِي الأخَواتِ؛ لِأنَّ بَنِي الأخَواتِ آباؤُهم لَيْسُوا بِمَحارِمَ إنَّما هم أزْواجُ خالاتِ أبْنائِهِمْ، وبَنِي الإخْوَةِ آباؤُهم مَحارِمُ أيْضًا، فَفي بَنِي الأخَواتِ مَفْسَدَةٌ ما، وهي أنَّ الِابْنَ رُبَّما يَحْكِي خالَتَهُ عِنْدَ أبِيهِ وهو لَيْسَ بِمَحْرَمٍ ولا كَذَلِكَ بَنُو الإخْوَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ مِنَ المَحارِمِ الأعْمامَ والأخْوالَ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا أعْمامِهِنَّ ولا أخْوالِهِنَّ؛ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عُلِمَ مِن بَنِيَ الإخْوَةِ وبَنِي الأخَواتِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ بَنِي الأخِ لِلْعَمّاتِ مَحارِمُ؛ عَلِمَ أنَّ بَناتِ الأخِ لِلْأعْمامِ مَحارِمُ، وكَذَلِكَ الحالُ في أمْرِ الخالِ.
ثانِيهِما: أنَّ الأعْمامَ رُبَّما يَذْكُرُونَ بَناتِ الأخِ عِنْدَ أبْنائِهِمْ وهم غَيْرُ مَحارِمَ، وكَذَلِكَ الحالُ في ابْنِ الخالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ مُضافَةٌ إلى المُؤْمِناتِ حَتّى لا يَجُوزَ التَّكَشُّفُ لِلْكافِراتِ في وجْهٍ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ هَذا بَعْدَ الكُلِّ، فَإنَّ المَفْسَدَةَ في التَّكَشُّفِ لَهم ظاهِرَةٌ، ومِنَ الأئِمَّةِ مَن قالَ: المُرادُ مَن كانَ دُونَ البُلُوغِ.
*
صفحة ١٩٦
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ عِنْدَ المَمالِيكِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّكَشُّفَ لَهم مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ السَّلامَةِ والعِلْمِ بِعَدَمِ المَحْذُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ في غايَةِ الحُسْنِ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ ما سَبَقَ إشارَةٌ إلى جَوازِ الخَلْوَةِ بِهِمْ والتَّكَشُّفِ لَهم، فَقالَ إنَّ اللَّهَ شاهِدٌ عِنْدَ اخْتِلاءِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، فَخَلْوَتُكم مِثْلُ مَلَئِكم بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى فاتَّقُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِئْذانِ وعَدَمِ النَّظَرِ إلى وُجُوهِ نِسائِهِ احْتِرامًا كَمَّلَ بَيانَ حُرْمَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ حالَتَهُ مُنْحَصِرَةٌ في اثْنَتَيْنِ حالَةَ خَلْوَتِهِ، وذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى احْتِرامِهِ في تِلْكَ الحالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ وحالَةَ يَكُونُ في مَلَأٍ، والمَلَأُ إمّا المَلَأُ الأعْلى، وإمّا المَلَأُ الأدْنى، أمّا في المَلَأِ الأعْلى فَهو مُحْتَرَمٌ، فَإنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ. وأمّا في المَلَأِ الأدْنى فَذَلِكَ واجِبُ الِاحْتِرامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الصَّلاةُ الدُّعاءُ يُقالُ في اللُّغَةِ: صَلّى عَلَيْهِ، أيْ دَعا لَهُ، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَعْقُولٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَدْعُو لَهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ لِلْغَيْرِ طَلَبُ نَفْعِهِ مِن ثالِثٍ. فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ بِمَعانٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ هُناكَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ جَعَلَ الصَّلاةَ لِلَّهِ وعَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى اللَّهِ، وهَهُنا جَمَعَ نَفْسَهُ ومَلائِكَتَهُ وأسْنَدَ الصَّلاةَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿يُصَلُّونَ﴾ وفِيهِ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا لِأنَّ إفْرادَ الواحِدِ بِالذِّكْرِ وعَطْفَ الغَيْرِ عَلَيْهِ يُوجِبُ تَفْضِيلًا لِلْمَذْكُورِ عَلى المَعْطُوفِ، كَما أنَّ المَلِكَ إذا قالَ: يَدْخُلُ فُلانٌ وفُلانٌ أيْضًا يُفْهَمُ مِنهُ تَقْدِيمٌ لا يُفْهَمُ لَوْ قالَ: فُلانٌ وفُلانٌ يَدْخُلانِ، إذا عَلِمْتَ هَذا، فَقالَ في حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّهم يُصَلُّونَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ في الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كالأصْلِ، وفي الصَّلاةِ عَلى المُؤْمِنِينَ اللَّهُ يَرْحَمُهم، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُوافِقُونَهُ فَهم في الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يُصَلُّونَ بِالإضافَةِ كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ أوْ مَندُوبَةٌ سَواءٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُصَلِّ، وفي المُؤْمِنِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ لِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَتَجِبُ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا تَجِبُ في غَيْرِ التَّشَهُّدِ فَتَجِبُ في التَّشَهُّدِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «سُئِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ“» .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا صَلّى اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى صَلاتِنا ؟ نَقُولُ: الصَّلاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ إلَيْها، وإلّا فَلا حاجَةَ إلى صَلاةِ المَلائِكَةِ مَعَ صَلاةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنَّما هو لِإظْهارِ تَعْظِيمِهِ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْنا ذِكْرَ نَفْسِهِ ولا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ، وإنَّما هو لِإظْهارِ تَعْظِيمِهِ مِنّا شَفَقَةً عَلَيْنا لِيُثِيبَنا عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن صَلّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» “ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَتْرُكِ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ مِنَّةِ أُمِّتِهِ بِالصَّلاةِ حَتّى عَوَّضَهم مِنهُ بِأمْرِهِ بِالصَّلاةِ عَلى الأُمَّةِ حَيْثُ قالَ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وقَوْلُهُ: ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أمْرٌ فَيَجِبُ ولَمْ يَجِبْ في غَيْرِ الصَّلاةِ فَيَجِبُ فِيها وهو قَوْلُنا السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ في التَّشَهُّدِ وهو حُجَّةٌ عَلى مَن
صفحة ١٩٧
قالَ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ وذَكَرَ المَصْدَرَ لِلتَّأْكِيدِ لِيُكْمِلَ السَّلامَ عَلَيْهِ ولَمْ يُؤَكِّدِ الصَّلاةَ بِهَذا التَّأْكِيدِ لِأنَّها كانَتْ مُؤَكَّدَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ .
33:57Page 426
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧
Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ .
فَصَّلَ الأشْياءَ بِتَبْيِينِ بَعْضِ أضْدادِها، فَبَيَّنَ حالَ مُؤْذِي النَّبِيِّ لِيُبَيِّنَ فَضِيلَةَ المُسْلِمِ عَلَيْهِ، واللَّعْنُ أشَدُّ المَحْذُوراتِ؛ لِأنَّ البُعْدَ مِنَ اللَّهِ لا يُرْجى مَعَهُ خَيْرٌ بِخِلافِ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ وغَيْرِهِ. ألا تَرى أنَّ المَلِكَ إذا تَغَيَّرَ عَلى مَمْلُوكٍ إنْ كانَ تَأذِّيهِ غَيْرَ قَوِيٍّ يَزْجُرُهُ ولا يَطْرُدُهُ ولَوْ خُيِّرَ المُجْرِمُ [ بَيْنَ ] أنْ يُضْرَبَ أوْ يُطْرَدَ عِنْدَما يَكُونُ المَلِكُ في غايَةِ العَظَمَةِ والكَرَمِ يَخْتارُ الضَّرْبَ عَلى الطَّرْدِ، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا مَلِكٌ غَيْرَ سَيِّدِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ إشارَةٌ إلى بُعْدٍ لا رَجاءَ لِلْقُرْبِ مَعَهُ؛ لِأنَّ المُبْعَدَ في الدُّنْيا يَرْجُو القُرْبَةَ في الآخِرَةِ، فَإذا أُبْعِدَ في الآخِرَةِ فَقَدْ خابَ وخَسِرَ؛ لِأنَّ اللَّهَ إذا أبْعَدَهُ وطَرَدَهُ فَمَنِ الَّذِي يُقَرِّبُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْصُرْ جَزاءَهُ في الإبْعادِ بَلْ أوْعَدَهُ بِالعَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ إيذاءَ اللَّهِ وإيذاءَ الرَّسُولِ وذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَيْنِ؛ اللَّعْنَ والتَّعْذِيبَ، فاللَّعْنُ جَزاءُ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن آذى المَلِكَ يُبْعِدُهُ عَنْ بابِهِ إذا كانَ لا يَأْمُرُ بِعَذابِهِ، والتَّعْذِيبُ جَزاءُ إيذاءِ الرَّسُولِ لِأنَّ المَلِكَ إذا آذى بَعْضَ عَبِيدِهِ كَبِيرٌ يَسْتَوْفِي مِنهُ قِصاصَهُ، لا يُقالُ: فَعَلى هَذا مَن يُؤْذِي اللَّهَ ولا يُؤْذِي الرَّسُولَ لا يُعَذَّبُ؛ لِأنّا نَقُولُ: انْفِكاكُ أحَدِهِما عَلى هَذا الوَجْهِ عَنِ الآخَرِ مُحالٌ لِأنَّ مَن آذى اللَّهَ فَقَدْ آذى الرَّسُولَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الآخَرِ وهو أنَّ مَن يُؤْذِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُؤْذِي اللَّهَ كَمَن عَصى مِن غَيْرِ إشْراكٍ، كَمَن فَسَقَ أوْ فَجَرَ مِن غَيْرِ ارْتِدادٍ وكُفْرٍ، فَقَدْ آذى النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَبُورٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَيَجْزِيهِ بِالعَذابِ ولا يَلْعَنُهُ بِكَوْنِهِ يُبْعِدُهُ عَنِ البابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكَّدَ العَذابَ بِكَوْنِهِ مُهِينًا لِأنَّ مَن تَأذّى مِن عَبْدِهِ وأمَرَ بِحَبْسِهِ وضَرْبِهِ؛ فَإنْ أمَرَ بِحَبْسِهِ في مَوْضِعٍ مُمَيَّزٍ، أوْ أمَرَ بِضَرْبِهِ رَجُلًا كَبِيرًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ هَيِّنٌ، وإنْ أمَرَ بِضَرْبِهِ عَلى مَلَأٍ وحَبْسِهِ بَيْنَ المُفْسِدِينَ يُنْبِئُ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، فَمَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنَ المُخَلَّدِينَ في النّارِ فَيُعَذَّبُ عَذابًا مُهِينًا، وقَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ السَّيِّدَ إذا عَذَّبَ عَبْدَهُ حالَةَ الغَضَبِ مِن غَيْرِ إعْدادٍ يَكُونُ دُونَ ما إذا أعَدَّ لَهُ قَيْدًا وغُلًّا، فَإنَّ الأوَّلَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا أثَرُ الغَضَبِ فَإذا سَكَتَ الغَضَبُ يَزُولُ، ولا كَذَلِكَ الثّانِي.
33:58Page 426
وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨
And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ .
لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى مُصَلِّيًا عَلى نَبِيِّهِ لَمْ يَنْفَكَّ إيذاءُ اللَّهِ عَنْ إيذائِهِ، فَإنَّ مَن آذى اللَّهَ فَقَدْ آذى الرَّسُولَ فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّكم إنْ أتَيْتُمْ بِما أمَرْتُكم وصَلَّيْتُمْ عَلى النَّبِيِّ كَما صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، لا يَنْفَكُّ إيذاؤُكم عَنْ إيذاءِ
صفحة ١٩٨
الرَّسُولِ فَيَأْثَمُ مَن يُؤْذِيكم لِكَوْنِ إيذائِكم إيذاءَ الرَّسُولِ، كَما أنَّ إيذائِي إيذاؤُهُ وبِالجُمْلَةِ لَمّا حَصَلَتِ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ صارَ لا يَكادُ يَنْفَكُّ إيذاءُ أحَدٍ مِنهم عَنْ إيذاءِ الآخَرِ كَما يَكُونُ حالُ الأصْدِقاءِ الصّادِقِينَ في الصَّداقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ احْتِرازٌ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ عُنْفٍ زائِدٍ، فَإنَّ مَن جُلِدَ مِائَةً عَلى شُرْبِ الخَمْرِ أوْ حُدَّ أرْبَعِينَ عَلى لَعِبِ النَّرْدِ آذى بِغَيْرِ ما اكْتَسَبَ أيْضًا، ومَن جُلِدَ عَلى الزِّنا أوْ حَدِّ الشُّرْبِ لَمْ يُؤْذَ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبَ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ لَمْ يُؤْذَ أصْلًا لِأنَّ ذَلِكَ إصْلاحُ حالِ المَضْرُوبِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا﴾ البُهْتانُ هو الزُّورُ وهو لا يَكُونُ إلّا في القَوْلِ، والإيذاءُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ القَوْلِ فَمَن آذى مُؤْمِنًا بِالضَّرْبِ أوْ أخَذَ مالَهُ لا يَكُونُ قَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا، فَنَقُولُ: المُرادُ والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ بِالقَوْلِ. وهَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ إظْهارَ شَرَفِ المُؤْمِنِ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهَ لُعِنَ، وإيذاءُ اللَّهِ بِأنْ يُنْكَرَ وُجُودُ اللَّهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ دَلائِلِ وجُودِهِ أوْ يُشْرَكَ بِهِ مَن لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ، أوْ مَن لا يَقْدِرُ ولا يَعْلَمُ، أوْ مَن هو مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ إلى مُوجِدٍ، وهو قَوْلٌ ذَكَرَ إيذاءَ المُؤْمِنِ بِالقَوْلِ، وعَلى هَذا خُصَّ الأنْبِياءُ بِالقَوْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ وأتَمُّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقْدِرُ أنْ يُؤْذِيَ اللَّهَ بِما يُؤْلِمُهُ مِن ضَرْبٍ أوْ أخْذِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ فَيُؤْذِيهِ بِالقَوْلِ، ولِأنَّ الفَقِيرَ الغائِبَ لا يُمْكِنُ إيذاؤُهُ بِالفِعْلِ، ويُمْكِنُ إيذاؤُهُ بِالقَوْلِ بِأنْ يَقُولَ فِيهِ ما يَصِلُ إلَيْهِ فَيَتَأذّى.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ هو أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ مُسْتَدْرَكٌ فَكَأنَّهُ قالَ: احْتَمَلَ بُهْتانًا إنْ كانَ بِالقَوْلِ وإثْمًا مُبِينًا كَيْفَما كانَ الإيذاءُ، وكَيْفَما كانَ فَإنَّ اللَّهَ خَصَّ الإيذاءَ القَوْلِيَّ بِالذِّكْرِ، لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ أعَمُّ ولِأنَّهُ أتَمُّ لِأنَّهُ يَصِلُ إلى القَلْبِ، فَإنَّ الكَلامَ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ واللِّسانُ دَلِيلُهُ ويَدْخُلُ في القَلْبِ والآذانُ سَبِيلُهُ.
33:59–60Page 426
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩
O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3
۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠
If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُ بُهْتانًا وكانَ فِيهِ مَنعُ المُكَلَّفِ عَنْ إيذاءِ المُؤْمِنِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِاجْتِنابِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها التُّهَمُ المُوجِبَةُ لِلتَّأذِّي لِئَلّا يَحْصُلَ الإيذاءُ المَمْنُوعُ مِنهُ. ولَمّا كانَ الإيذاءُ القَوْلِيُّ مُخْتَصًّا بِالذِّكْرِ اخْتَصَّ بِالذِّكْرِ ما هو سَبَبُ الإيذاءِ القَوْلِيِّ وهو النِّساءُ فَإنَّ ذِكْرَهُنَّ بِالسُّوءِ يُؤْذِي الرِّجالَ والنِّساءَ بِخِلافِ ذِكْرِ الرِّجالِ فَإنَّ مَن ذَكَرَ امْرَأةً بِالسُّوءِ تَأذَّتْ وتَأذّى أقارِبُها أكْثَرَ مِن تَأذِّيها، ومَن ذَكَرَ رَجُلًا بِالسُّوءِ تَأذّى ولا يَتَأذّى نِساؤُهُ، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ تَخْرُجُ الحُرَّةُ والأمَةُ مَكْشُوفاتٍ يَتْبَعُهُنَّ الزُّناةُ وتَقَعُ التُّهَمُ، فَأمَرَ اللَّهُ الحَرائِرَ بِالتَّجَلْبُبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ قِيلَ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يُتْبَعْنَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ يُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ لا يَزْنِينَ لِأنَّ مَن تَسْتُرُ وجْهَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لا يُطْمَعُ فِيها أنَّها تَكْشِفُ عَوْرَتَها فَيُعْرَفْنَ أنَّهُنَّ مَسْتُوراتٌ
صفحة ١٩٩
لا يُمْكِنُ طَلَبُ الزِّنا مِنهُنَّ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ لَكم ما قَدْ سَلَفَ بِرَحْمَتِهِ ويُثِيبُكم عَلى ما تَأْتُونَ بِهِ راحِمًا عَلَيْكم.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾
لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، والمُجاهِرِ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذِي يُظْهِرُ الحَقَّ ويُضْمِرُ الباطِلَ وهو المُنافِقُ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ أقْوامًا ثَلاثَةً نَظَرًا إلى اعْتِبارِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: وهُمُ المُؤْذُونَ اللَّهَ، والمُؤْذُونَ الرَّسُولَ، والمُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَ مِنَ المُسِرِّينَ ثَلاثَةً نَظَرًا إلى اعْتِبارِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: المُنافِقُ الَّذِي يُؤْذِي اللَّهَ سِرًّا.
والثّانِي: الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ الَّذِي يُؤْذِي المُؤْمِنَ بِاتِّباعِ نِسائِهِ.
والثّالِثُ: المُرْجِفُ الَّذِي يُؤْذِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإرْجافِ بِقَوْلِهِ: غُلِبَ مُحَمَّدٌ وسَيَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ وسَيُؤْخَذُ، وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا قَوْمًا واحِدًا إلّا أنَّ لَهم ثَلاثَ اعْتِباراتٍ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] حَيْثُ ذَكَرَ أصْنافًا عَشَرَةً، وكُلُّهم يُوجَدُ في واحِدٍ، فَهم واحِدٌ بِالشَّخْصِ كَثِيرٌ بِالِاعْتِبارِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أيْ لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ ولَنُخْرِجَنَّهم مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ وتَخْلُو المَدِينَةُ مِنهم بِالمَوْتِ أوِ الإخْراجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ، فَإذا أغْرَيْناكَ لا يُجاوِرُونَكَ، والأوَّلُ: كَقَوْلِ القائِلِ: يَخْرُجُ فُلانٌ ويَقْرَأُ؛ إشارَةً إلى أمْرَيْنِ.
والثّانِي: كَقَوْلِهِ يَخْرُجُ فُلانٌ ويَدْخُلُ السُّوقَ فَفي الأوَّلِ يَقْرَأُ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ، وفي الثّانِي لا يَدْخُلُ إلّا إذا خَرَجَ. والِاسْتِثْناءُ فِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُخْرِجُ أعْداءَهُ مِنَ المَدِينَةِ ويَنْفِيهِمْ عَلى يَدِهِ إظْهارًا لِشَوْكَتِهِ، ولَوْ كانَ النَّفْيُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ النَّبِيِّ لَأخْلى المَدِينَةَ عَنْهم في ألْطَفِ آنٍ [ بِقَوْلِهِ ] كُنْ فَيَكُونُ، ولَكِنْ لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لا يَقَعُ ذَلِكَ إلّا بِزَمانٍ وإنْ لَطُفَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ وهو أنْ يَتَهَيَّئُوا ويَتَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ.
33:61–63Page 426
مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١
Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢
[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.
يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣
People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾
أيْ في ذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يُجاوِرُونَكَ فِيهِ يَكُونُونَ مَلْعُونِينَ مَطْرُودِينَ مِن بابِ اللَّهِ وبابِكَ وإذا خَرَجُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنِ المَذَلَّةِ، ولا يَجِدُونَ مَلْجَأً بَلْ أيْنَما يَكُونُونَ يُطْلَبُونَ ويُؤْخَذُونَ ويُقْتَلُونَ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ .
يَعْنِي هَذا لَيْسَ بِدْعًا بِكم بَلْ هو سُنَّةٌ جارِيَةٌ وعادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ تُفْعَلُ بِالمُكَذِّبِينَ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أيْ لَيْسَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مِثْلَ الحُكْمِ الَّذِي يُبَدَّلُ ويُنْسَخُ فَإنَّ النَّسْخَ يَكُونُ في الأحْكامِ، أمّا الأفْعالُ والأخْبارُ فَلا تُنْسَخُ.
صفحة ٢٠٠
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾
لَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا أنَّهم يُلْعَنُونَ ويُهانُونَ ويُقْتَلُونَ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ حالَهم في الآخِرَةِ فَذَكَّرَهم بِالقِيامَةِ وذَكَرَ ما يَكُونُ لَهم فِيها فَقالَ: ﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يَتَبَيَّنُ لَكم، فَإنَّ اللَّهَ أخْفاها لِحِكْمَةٍ هي امْتِناعُ المُكَلَّفِ عَنِ الِاجْتِراءِ، وخَوَّفَهم مِنها في كُلِّ وقْتٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إشارَةً إلى التَّخْوِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَتى يَكُونُ الأمْرُ الفُلانِيُّ يُنْبِئُ عَنْ إبْطاءِ الأمْرِ، ألا تَرى أنَّ مَن يُطالِبُ مَدْيُونًا بِحَقِّهِ فَإنِ اسْتَمْهَلَهُ شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ رُبَّما يَصْبِرُ ذَلِكَ، وإنْ قالَ لَهُ اصْبِرْ إلى أنْ يَقْدَمَ فُلانٌ مِن سَفَرِهِ يَقُولُ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَتى يَجِيءُ فُلانٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَجِيءُ فُلانٍ قَبْلَ انْقِضاءِ تِلْكَ المُدَّةِ فَقالَ هَهُنا: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ يَعْنِي هي في عِلْمِ اللَّهِ فَلا تَسْتَبْطِئُوها فَرُبَّما تَقَعُ عَنْ قَرِيبٍ، والقَرِيبُ فَعِيلٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ولِهَذا لَمْ يَقُلْ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبَةً.
33:64–68Page 427
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤
Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥
Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.
يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦
The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."
وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧
And they will say, "Our Lord, indeed we obeyed our masters and our dignitaries,1 and they led us astray from the [right] way.
رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨
Our Lord, give them double the punishment and curse them with a great curse."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ يَعْنِي كَما أنَّهم مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا عِنْدَكم فَكَذَلِكَ مَلْعُونُونَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مُطِيلِينَ المُكْثَ فِيها مُسْتَمِرِّينَ لا أمَدَ لِخُرُوجِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ لَمّا ذَكَرَ خُلُودَهم بَيَّنَ تَحْقِيقَهُ وذَلِكَ لِأنَّ المُعَذَّبَ لا يُخَلِّصُهُ مِنَ العَذابِ إلّا صَدِيقٌ يَشْفَعُ لَهُ أوْ ناصِرٌ يَدْفَعُ عَنْهُ، ولا ولِيَّ لَهم يَشْفَعُ ولا نَصِيرَ يَدْفَعُ.
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يالَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ﴾ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا شَفِيعَ لَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ بَيَّنَ أنَّ بَعْضَ أعْضائِهِمْ أيْضًا لا يَدْفَعُ العَذابَ عَنِ البَعْضِ بِخِلافِ عَذابِ الدُّنْيا فَإنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ عَنْ وجْهِهِ الضَّرْبَةَ اتِّقاءً بِيَدِهِ فَإنَّ مَن يَقْصِدُ رَأْسَهُ ووَجْهَهُ تَجِدُهُ يَجْعَلُ يَدَهُ جُنَّةً أوْ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ كَيْ لا يُصِيبَ وجْهَهُ، وفي الآخِرَةِ ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فَما ظَنُّكَ بِسائِرِ أعْضائِهِمُ الَّتِي تُجْعَلُ جُنَّةً لِلْوَجْهِ ووِقايَةً لَهُ ﴿يَقُولُونَ يالَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ﴾ فَيَتَحَسَّرُونَ ويَنْدَمُونَ حَيْثُ لا تُغْنِيهِمُ النَّدامَةُ والحَسْرَةُ، لِحُصُولِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الخَلاصَ لَيْسَ إلّا لِلْمُطِيعِ. ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ يَعْنِي بَدَلَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أطَعْنا السّادَةَ، وبَدَلَ طاعَةِ الرَّسُولِ أطَعْنا الكُبَراءَ وتَرَكْنا طاعَةَ سَيِّدِ السّاداتِ وأكْبَرِ الأكابِرِ فَبَدَّلْنا الخَيْرَ بِالشَّرِّ، فَلا جَرَمَ فاتَنا خَيْرُ الجِنانِ وأُوتِينا شَرَّ النِّيرانِ، ثُمَّ إنَّهم يَطْلُبُونَ بَعْضَ
صفحة ٢٠١
التَّشَفِّي بِتَعْذِيبِ المُضِلِّينَ ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أيْ بِسَبَبِ ضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ حُصُولِ الأمْرِ المَدْعُوِّ بِهِ، والعَذابُ كانَ حاصِلًا لَهم واللَّعْنُ كَذَلِكَ فَطَلَبُوا ما لَيْسَ بِحاصِلٍ وهو زِيادَةُ العَذابِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ وزِيادَةُ اللَّعْنِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾ .
33:69–71Page 427
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩
O you who have believed, be not like those who abused Moses; then Allāh cleared him of what they said. And he, in the sight of Allāh, was distinguished.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠
O you who have believed, fear Allāh and speak words of appropriate justice.
يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١
He will [then] amend for you your deeds and forgive you your sins. And whoever obeys Allāh and His Messenger has certainly attained a great attainment.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن يُؤْذِي اللَّهَ ورَسُولَهُ يُلْعَنُ ويُعَذَّبُ وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إيذاءٍ هو كُفْرٌ، أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى الِامْتِناعِ مِن إيذاءٍ هو دُونَهُ وهو لا يُورِثُ كُفْرًا، وذَلِكَ مِثْلُ مَن لَمْ يَرْضَ بِقِسْمَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِحُكْمِهِ بِالفَيْءِ لِبَعْضٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ وحَدِيثُ إيذاءِ مُوسى مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قالَ بَعْضُهم هو إيذاؤُهم إيّاهُ بِنِسْبَتِهِ إلى عَيْبٍ في بَدَنِهِ، وقالَ بَعْضُهم: [ إنَّ ] قارُونَ قَرَّرَ مَعَ امْرَأةٍ فاحِشَةٍ حَتّى تَقُولَ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ مُوسى زَنى بِي فَلَمّا جَمَعَ قارُونُ القَوْمَ، والمَرْأةُ حاضِرَةٌ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِها أنَّها صَدَقَتْ ولَمْ تَقُلْ ما لُقِّنَتْ، وبِالجُمْلَةِ الإيذاءُ المَذْكُورُ في القُرْآنِ كافٍ وهو أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تَكُونُوا أمْثالَهم إذا طَلَبَكُمُ الرَّسُولُ إلى القِتالِ؛ أيْ: لا تَقُولُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ ولا تَسْألُوا ما لَمْ يُؤْذَنْ لَكم فِيهِ: ”وإذا أمَرَكُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ“ وقَوْلُهُ: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ أبْرَزَ جِسْمَهُ لِقَوْمِهِ فَرَأوْهُ وعَلِمُوا فَسادَ اعْتِقادِهِمْ ونَطَقَتِ المَرْأةُ بِالحَقِّ وأمَرَ المَلائِكَةَ حَتّى عَبَرُوا بِهارُونَ عَلَيْهِمْ فَرَأوْهُ غَيْرَ مَجْرُوحٍ فَعَلِمُوا بَراءَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَتْلِهِ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ، وعَلى ما ذَكَرْنا ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ أيْ أخْرَجَهُ عَنْ عُهْدَةِ ما طَلَبُوا بِإعْطائِهِ البَعْضَ إيّاهم وإظْهارِهِ عَدَمَ جَوازِ البَعْضِ، وبِالجُمْلَةِ قَطَعَ اللَّهُ حُجَّتَهم ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ أيْ ذا وجاهَةٍ ومَعْرِفَةٍ، والوَجِيهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وجْهٌ أيْ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِالخَيْرِ، وكُلُّ أحَدٍ وإنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْرُوفًا لَكِنَّ المَعْرِفَةَ المُجَرَّدَةَ لا تَكْفِي في الوَجاهَةِ، فَإنَّ مَن عَرَفَ غَيْرَهُ لِكَوْنِهِ خادِمًا لَهُ وأجِيرًا عِنْدَهُ لا يُقالُ: هو وجِيهٌ عِنْدَ فُلانٍ، وإنَّما الوَجِيهُ مَن يَكُونُ لَهُ خِصالٌ حَمِيدَةٌ تَجْعَلُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْرَفَ ولا يُنْكَرَ، وكانَ كَذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences