Ar-RaziFatir · 35:22–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:22–32

35:22–25Page 437

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢

And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1

إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣

You, [O Muḥammad], are not but a warner.

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤

Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥

And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ وفِيهِ احْتِمالُ مَعْنَيَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ كَوْنِ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى سَماعِهِمْ كَلامَ النَّبِيِّ والوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ دُونَ حالِ المَوْتى، فَإنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ المَوْتى والنَّبِيَّ لا يُسْمِعُ مَن ماتَ وقُبِرَ، فالمَوْتى سامِعُونَ مِنَ اللَّهِ، والكُفّارُ كالمَوْتى لا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم ولا يُسْمِعُهم، قالَ لَهُ هَؤُلاءِ: لا يُسْمِعُهم إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ صَخْرَةً صَمّاءَ، وأمّا أنْتَ فَلا تُسْمِعُ مَن في القُبُورِ، فَما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيانًا لِلتَّسْلِيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ نَذِيرًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إنَّما هو نَذِيرٌ بِإذْنِ اللَّهِ وإرْسالِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ تَقْرِيرًا لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: لِتَسْلِيَةِ قَلْبِهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ كانَ مِثْلَهُ مُحْتَمِلًا لِتَأذِّي القَوْمِ.

وثانِيهِما: إلْزامُ القَوْمِ قَبُولَهُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وإنَّما هو مِثْلُ غَيْرِهِ يَدَّعِي ما ادَّعاهُ الرُّسُلُ ويُقَرِّرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ .

يَعْنِي أنْتَ جِئْتَهم بِالبَيِّنَةِ والكِتابِ فَكَذَّبُوكَ وآذَوْكَ، وغَيْرُكَ أيْضًا أتاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا بِكَ، وصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، فَكَذَلِكَ نُلْزِمُهم بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهم رُسُلًا إلّا بِالمُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وقَدْ آتَيْناها مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ والكُلُّ آتَيْناها مُحَمَّدًا، فَهو رَسُولٌ مِثْلُ الرُّسُلِ يَلْزَمُهم قَبُولُهُ كَما لَزِمَ قَبُولُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ، وهَذا يَكُونُ تَقْرِيرًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أوَّلُها: البَيِّناتُ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ وهي أدْنى الدَّرَجاتِ، ثُمَّ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَكُونُ فِيهِ مَواعِظُ وتَنْبِيهاتٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخٌ وأحْكامٌ مَشْرُوعَةٌ شَرْعًا ناسِخًا، ومَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أعْلى مَرْتَبَةً مِمَّنْ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقَدْ تَنْسَخُ شَرِيعَتُهُ الشَّرائِعَ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ أحْكامٌ عَلى وفْقِ

صفحة ١٨

الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ، فَهو مِن أُولِي العَزْمِ، فَقالَ الرُّسُلُ تُبَيِّنُ رِسالَتَهم بِالبَيِّناتِ، وإنْ كانُوا أعْلى مَرْتَبَةً فَبِالزُّبُرِ، وإنْ كانُوا أعْلى فَبِالكِتابِ، والنَّبِيُّ آتَيْناهُ الكُلَّ فَهو رَسُولٌ أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ لِكَوْنِ كِتابِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن كُلِّ كِتابٍ.

35:26–27Page 437

ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ .

أيْ مَن كَذَّبَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ وبِالرَّسُولِ أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَذَلِكَ مَن يُكَذِّبُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ سُؤالٌ لِلتَّقْرِيرِ، فَإنَّهم عَلِمُوا شِدَّةَ إنْكارِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإتْيانُهُ بِالأمْرِ المُنْكَرِ مِنَ الِاسْتِئْصالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ .

وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْبارِ، وقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وذَكَرَ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ وقالَ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ الماءِ أقْرَبُ إلى النَّفْعِ، والمَنفَعَةُ فِيهِ أظْهَرُ، فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ في الرُّؤْيَةِ أنَّ الماءَ مِنهُ حَياةُ الأرْضِ، فَعَظَّمَ دَلالَتَهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي لِلتَّقْرِيرِ لا يُقالُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا، كَما أنَّ مَن أبْصَرَ الهِلالَ وهو خَفِيٌ جِدًّا، فَقالَ لَهُ غَيْرُهُ: أيْنَ هو، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: في المَوْضِعِ الفُلانِيِّ، فَإنْ لَمْ يَرَهُ، يَقُولُ لَهُ: الحَقُّ مَعَكَ إنَّهُ خَفِيٌّ وأنْتَ مَعْذُورٌ، وإذا كانَ بارِزًا يَقُولُ لَهُ: أما تَراهُ، هَذا هو ظاهِرٌ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَما قَرَّرَ المَسْألَةَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وظَهَرَ بِما تَقَدَّمَ لِلْمَدْعُوِّ بِصارَةٌ بِوُجُوهِ الدَّلالاتِ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صِرْتَ بَصِيرًا بِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَبْقَ لَكَ عُذْرٌ، ألا تَرى هَذِهِ الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُخاطَبُ مَن هو ؟ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: النَّبِيُّ ﷺ، وفِيهِ حِكْمَةٌ؛ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ، ولَمْ تَنْفَعْهم قَطَعَ الكَلامَ مَعَهم والتَفَتَ إلى غَيْرِهِمْ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا نَصَحَ بَعْضَ العَبِيدِ، ومَنَعَهم مِنَ الفَسادِ ولا يَنْفَعُهُمُ الإرْشادُ، يَقُولُ لِغَيْرِهِ: اسْمَعْ ولا تَكُنْ مِثْلَ هَذا ويُكَرِّرُ مَعَهُ ما ذَكَرَهُ مَعَ الأوَّلِ، ويَكُونُ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ نَقِيصَةٌ لا يَسْتَأْهِلُ لِلْخِطابِ، فَيَتَنَبَّهُ لَهُ ويَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ النَّقِيصَةَ.

والآخَرُ: أنْ لا يَخْرُجَ إلى كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنِ الأوَّلِ، بَلْ يَأْتِي بِما يُقارِبُهُ لِئَلّا يُسْمِعَ الأوَّلَ كَلامًا آخَرَ، فَيَتْرُكَ التَّفَكُّرَ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ النَّصِيحَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا اسْتِدْلالٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واخْتِيارِهِ حَيْثُ أخْرَجَ مِنَ الماءِ الواحِدِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةً، وفِيهِ لِطائِفُ:

الأُولى: قالَ: أنْزَلَ، وقالَ: أخْرَجْنا.

وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَتَهُ ونُعِيدُها، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ فَإنْ كانَ جاهِلًا يَقُولُ: نُزُولُ الماءِ بِالطَّبْعِ لِثِقَلِهِ، فَيُقالُ لَهُ: فالإخْراجُ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَقُولَ فِيهِ إنَّهُ بِالطَّبْعِ فَهو بِإرادَةِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أظْهَرَ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ.

ووَجْهٌ آخَرُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ عُلِمَ اللَّهُ بِدَلِيلٍ، وقَرُبَ المُتَفَكَّرُ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَصارَ مِنَ الحاضِرِينَ، فَقالَ لَهُ: أخْرَجْنا لِقُرْبِهِ.

ووَجْهٌ ثالِثٌ:

صفحة ١٩

الإخْراجُ أتَمُّ نِعْمَةً مِنَ الإنْزالِ، لِأنَّ الإنْزالَ لِفائِدَةِ الإخْراجِ، فَأسْنَدَ الأتَمَّ إلى نَفْسِهِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، وما دُونَهُ بِصِيغَةِ الغائِبِ.

35:28–30Page 437

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩

Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -

لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠

That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ .

كَأنَّ قائِلًا قالَ: اخْتِلافُ الثَّمَراتِ لِاخْتِلافِ البِقاعِ. ألا تَرى أنَّ بَعْضَ النَّباتاتِ لا تَنْبُتُ بِبَعْضِ البِلادِ كالزَّعْفَرانِ وغَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى: اخْتِلافُ البِقاعِ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ، وإلّا فَلِمَ صارَ بَعْضُ الجِبالِ فِيهِ مَواضِعُ حُمْرٌ ومَواضِعُ بِيضٌ، والجُدَدُ جَمْعُ جُدَّةٍ وهي الخُطَّةُ أوِ الطَّرِيقَةُ، فَإنْ قِيلَ: الواوُ في: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ما تَقْدِيرُها ؟ نَقُولُ: هي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: وأخْرَجْنا بِالماءِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفَةَ الألْوانِ، وفي الأشْياءِ الكائِناتِ مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ، رادَّةٌ عَلى مَن يُنْكِرُ الإرادَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِ الثِّمارِ.

ثانِيهِما: أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ تَقْدِيرُها: وخَلَقَ مِنَ الجِبالِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ ذُو جُدَدٍ.

واللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجِبالَ ولَمْ يَذْكُرِ الأرْضَ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٤) مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الأوَّلِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كانَ نَفْسُ إخْراجِ الثِّمارِ دَلِيلًا عَلى القُدْرَةِ ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ بَيانًا وقالَ: مُخْتَلِفًا كَذَلِكَ في الجِبالِ في نَفْسِها دَلِيلٌ لِلْقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الجِبالِ في بَعْضِ نَواحِي الأرْضِ دُونَ بَعْضِها، والِاخْتِلافُ الَّذِي في هَيْئَةِ الجَبَلِ فَإنَّ بَعْضَها يَكُونُ أخْفَضَ وبَعْضَها أرْفَعَ دَلِيلُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا وقالَ: جُدَدٌ بِيضٌ أيْ مَعَ دَلالَتِها بِنَفْسِها هي دالَّةٌ بِاخْتِلافِ ألْوانِها، كَما أنَّ إخْراجَ الثَّمَراتِ في نَفْسِها دَلائِلُ واخْتِلافَ ألْوانِها دَلائِلُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، الظّاهِرُ أنَّ الِاخْتِلافَ راجِعٌ إلى كُلِّ لَوْنٍ أيْ بِيضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها، لِأنَّ الأبْيَضَ قَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ الجِصِّ، وقَدْ يَكُونُ عَلى لَوْنِ التُّرابِ الأبْيَضِ دُونَ بَياضِ الجِصِّ، وكَذَلِكَ الأحْمَرُ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ البِيضَ والحُمْرَ مُخْتَلِفُ الألْوانِ لَكانَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ والأوَّلُ أوْلى، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: لَمْ يَذْكُرْ: مُخْتَلِفٌ ألْوانُها بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ والسُّودِ، بَلْ ذَكَرَهُ بَعْدَ البِيضِ والحُمْرِ وأخَّرَ السُّودَ الغَرابِيبَ، لِأنَّ الأسْوَدَ لَمّا ذَكَرَهُ مَعَ المُؤَكَّدِ وهو الغَرابِيبُ يَكُونُ بالِغًا غايَةَ السَّوادِ فَلا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلافٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قِيلَ بِأنَّ الغِرْبِيبَ مُؤَكِّدٌ لِلْأسْوَدِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، والمُؤَكِّدُ لا يَجِيءُ إلّا مُتَأخِّرًا، فَكَيْفَ جاءَ غَرابِيبُ سُودٌ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَرابِيبُ مُؤَكِّدٌ لِذِي لَوْنٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَوادُ غَرابِيبَ، ثُمَّ أعادَ السُّودَ مَرَّةً أُخْرى وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ مُضْمَرًا ومُظْهَرًا، ومِنهم مَن قالَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ﴾ اسْتِدْلالًا آخَرَ عَلى قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ دَلائِلَ الخَلْقِ في العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وهو عالَمُ المُرَكَّباتِ قِسْمَيْنِ: حَيَوانٌ

صفحة ٢٠

وغَيْرُ حَيَوانٍ، وغَيْرُ الحَيَوانِ إمّا نَباتٌ وإمّا مَعْدِنٌ، والنَّباتُ أشْرَفُ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَعْدِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَيَوانَ، وبَدَأ بِالأشْرَفِ مِنها وهو الإنْسانُ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّوابَّ، لِأنَّ مَنافِعَها في حَياتِها، والأنْعامَ مَنفَعَتُها في الأكْلِ مِنها، أوْ لِأنَّ الدّابَّةَ في العُرْفِ تُطْلَقُ عَلى الفَرَسِ وهو بَعْدَ الإنْسانِ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ فَذُكِرَ لِكَوْنِ الإنْسانِ مِن جُمْلَةِ المَذْكُورِينَ، وكَوْنِ التَّذْكِيرِ أعْلى وأوْلى.

* *

ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .

الخَشْيَةُ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ المَخْشِيِّ، والعالِمُ يَعْرِفُ اللَّهَ فَيَخافُهُ ويَرْجُوهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العالِمَ أعْلى دَرَجَةً مِنَ العابِدِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ (الحُجُراتِ: ١٣) فَبَيَّنَ أنَّ الكَرامَةَ بِقَدْرِ التَّقْوى، والتَّقْوى بِقَدْرِ العِلْمِ.

فالكَرامَةُ بِقَدْرِ العِلْمِ لا بِقَدْرِ العَمَلِ، نَعَمِ العالِمُ إذا تَرَكَ العَمَلَ قَدَحَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ، فَإنَّ مَن يَراهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمَ لَعَمِلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الخَوْفَ والرَّجاءَ، فَكَوْنُهُ عَزِيزًا ذا انْتِقامٍ يُوجِبُ الخَوْفَ التّامَّ، وكَوْنُهُ غَفُورًا لِما دُونَ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّجاءَ البالِغَ. وقِراءَةُ مَن قَرَأ بِنَصْبِ العُلَماءِ ورَفْعِ اللَّهِ، مَعْناها إنَّما يُعَظِّمُ ويُبَجِّلُ.

35:31Page 438

وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١

And that which We have revealed to you, [O Muḥammad], of the Book is the truth, confirming what was before it. Indeed Allāh, of His servants, is Aware and Seeing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ العُلَماءَ بِاللَّهِ وخَشْيَتَهم وكَرامَتَهم بِسَبَبِ خَشْيَتِهِمْ ذَكَرَ العالِمِينَ بِكِتابِ اللَّهِ العامِلِينَ بِما فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الذِّكْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ البَدَنِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ المالِيِّ، وفي الآيَتَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، فَقَوْلُهُ: إنَّما يَخْشى اللَّهَ إشارَةٌ إلى عَمَلِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ اللِّسانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى عَمَلِ الجَوارِحِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجانِبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَن يُعَظِّمُ مَلِكًا إذا رَأى عَبْدًا مِن عِبادِهِ في حاجَةٍ يَلْزَمُهُ قَضاءُ حاجَتِهِ، وإنْ تَهاوَنَ فِيهِ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَما عُدْتَنِي، فَيَقُولُ العَبْدُ: كَيْفَ تَمْرَضُ وأنْتَ رَبُّ

صفحة ٢١

العالَمِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَرِضَ عَبْدِي فُلانٌ وما زُرْتَهُ، ولَوْ زُرْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَعْنِي: التَّعْظِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّفَقَةِ، فَحَيْثُ لا شَفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، لا تَعْظِيمَ لِجانِبِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ كَيْفَما يَتَهَيَّأُ، فَإنْ تَهَيَّأ سِرًّا فَذاكَ ونِعْمَ، وإلّا فَعَلانِيَةً، ولا يَمْنَعُهُ ظَنُّهُ أنْ يَكُونَ رِياءً، فَإنَّ تَرْكَ الخَيْرِ مَخافَةَ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ مُراءٍ عَيْنُ الرِّياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا﴾ أيْ صَدَقَةً ﴿وعَلانِيَةً﴾ أيْ زَكاةً، فَإنَّ الإعْلانَ بِالزَّكاةِ كالإعْلانِ بِالفَرْضِ وهو مُسْتَحَبٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ، أيْ يُنْفِقُونَ لا لِيُقالَ إنَّهُ كَرِيمٌ ولا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ، فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ بائِرٌ، والتّاجِرُ فِيهِ تِجارَتُهُ بائِرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَتَوَقَّعُونَهُ ولَوْ كانَ أمْرًا بالِغَ الغايَةِ ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ يُعْطِيهِمْ ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ عِنْدَ العَمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَزِيدُهُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَما جاءَ في تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الأُجُورِ ﴿شَكُورٌ﴾ عِنْدَ إعْطاءِ الزِّيادَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو وُجُودُ اللَّهِ الواحِدِ بِأنْواعِ الدَّلائِلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ﴾ ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ وهو الرِّسالَةُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ وأيْضًا كَأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ﴾ تَقْرِيرًا لِما بَيَّنَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في تِلاوَةِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَتالِيهِ مُحِقٌّ ومُحَقِّقٌ، وفي تَفْسِيرِها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلَيَّ كِتابٌ مِنَ الأمِيرِ أوِ الوالِي، وعَلى هَذا فالكِتابُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ يَعْنِي الَّذِي أوْحَيْنا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلَيْكَ حَقٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو القُرْآنُ يَعْنِي الإرْشادَ والتَّبْيِينَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ، كَما يُقالُ: أُرْسِلَ إلى فُلانٍ مِنَ الثِّيابِ والقُماشِ جُمْلَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾ آكَدُ مِن قَوْلِ القائِلِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَقٌّ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: إنَّ تَعْرِيفَ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في الأكْثَرِ يَكُونُ نَكِرَةً، لِأنَّ الإخْبارَ في الغالِبِ يَكُونُ إعْلامًا بِثُبُوتِ أمْرٍ لا مَعْرِفَةَ لِلسّامِعِ بِهِ لِأمْرٍ يَعْرِفُهُ السّامِعُ، كَقَوْلِنا: زَيْدٌ قامَ، فَإنَّ السّامِعَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عارِفًا بِزَيْدٍ، ولا يَعْلَمُ قِيامَهُ فَيُخْبِرُ بِهِ، فَإذا كانَ الخَبَرُ أيْضًا مَعْلُومًا، فَيَكُونُ الإخْبارُ لِلتَّنْبِيهِ، فَيُعَرَّفانِ بِاللّامِ كَقَوْلِنا: زَيْدٌ العالِمُ في هَذِهِ المَدِينَةِ إذا كانَ عِلْمُهُ مَشْهُورًا.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ إذا كانَ لا خِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كُتُبِ اللَّهِ يَكُونُ خالِيًا عَنِ احْتِمالِ البُطْلانِ، وفي قَوْلِهِ: مُصَدِّقًا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وحْيًا؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا كاتِبًا، وأتى بِبَيانِ ما في كُتُبِ اللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وجَوابًا عَنْ سُؤالِ الكُفّارِ، وهو أنَّهم كانُوا

صفحة ٢٢

يَقُولُونَ بِأنَّ التَّوْراةَ ورَدَ فِيها كَذا، والإنْجِيلَ ذُكِرَ فِيهِ كَذا، وكانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ التَّثْلِيثِ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ القُرْآنَ فِيهِ خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لَمْ يَبْقَ بِهِما وُثُوقٌ بِسَبَبِ تَغْيِيرِكم، فَهَذا القُرْآنُ ما ورَدَ فِيهِ إنْ كانَ في التَّوْراةِ فَهو حَقٌّ وباقٍ عَلى ما نَزَلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ويَكُونُ فِيهِ خِلافٌ فَهو لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ.

وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الوَحْيَ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الوَحْيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ لَكَذَبَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ في إنْزالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا وُجِدَ الوَحْيُ ونَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ عُلِمَ جَوازُهُ وصُدِّقَ بِهِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ مُصَدِّقًا لِما مَضى مَعَ أنَّ ما مَضى أيْضًا مُصَدِّقٌ لَهُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ إذا نَزَلَ عَلى واحِدٍ جازَ أنْ يَنْزِلَ عَلى غَيْرِهِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، ولَمْ يَجْعَلْ ما تَقَدَّمَ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ لِأنَّ القُرْآنَ كَوْنُهُ مُعْجِزَةً يَكْفِي في تَصْدِيقِهِ بِأنَّهُ وحْيٌ، وأمّا ما تَقَدَّمَ فَلا بُدَّ مَعَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تُصَدِّقُهُ.

35:32Page 438

ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢

Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: إنَّهُ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ هو الحَقَّ؛ لِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ خَبِيرٌ عالِمٌ بِالبَواطِنِ بَصِيرٌ عالِمٌ بِالظَّواهِرِ، فَلا يَكُونُ باطِلًا في وحْيِهِ لا في الباطِنِ ولا في الظّاهِرِ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِما كانُوا يَقُولُونَهُ: إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ، فَيُقالُ: إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ يَعْلَمُ بَواطِنَهم، وبَصِيرٌ يَرى ظَواهِرَهم، فاخْتارَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَخْتَرْ غَيْرَهُ فَهو أصْلَحُ مِنَ الكُلِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا فالَّذِينَ اصْطَفَيْناهُمُ الَّذِينَ أخَذُوا بِالكِتابِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ والظّالِمُ والمُقْتَصِدُ والسّابِقُ كُلُّهم مِنهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (الرَّعْدِ: ٢٣) أخْبَرَ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، وكَلِمَةُ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا﴾ أيْضًا تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الإيراثَ إذا كانَ بَعْدَ الإيحاءِ ولا كِتابَ بَعْدَ القُرْآنِ، فَهو المَوْرُوثُ والإيراثُ المُرادُ مِنهُ الإعْطاءُ بَعْدَ ذَهابِ مَن كانَ بِيَدِهِ المُعْطى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ هو جِنْسُ الكِتابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٥) والمَعْنى عَلى هَذا: إنّا أعْطَيْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا وهُمُ الأنْبِياءُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَفْظَ المُصْطَفى عَلى الأنْبِياءِ إطْلاقُهُ كَثِيرٌ، ولا كَذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن عِبادِنا﴾ دَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ أكابِرُ مُكْرَمُونَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ المُصْطَفَيْنَ مِنهم أشْرَفُ مِنهم، ولا يَلِيقُ بِمَن يَكُونُ أشْرَفَ مِنَ الشُّرَفاءِ أنْ يَكُونَ ظالِمًا مَعَ أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ أطْلَقَهُ اللَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ عَلى الكافِرِ وسُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الظّاهِرِ بَيَّنَ مَعْناهُ: آتَيْنا القُرْآنَ لِمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وأخَذُوهُ مِنهُ وافْتَرَقُوا ﴿فَمِنهم ظالِمٌ﴾ وهو المُسِيءُ ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ وهو الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ وهو الَّذِي أخْلَصَ العَمَلَ لِلَّهِ وجَرَّدَهُ عَنِ السَّيِّئاتِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ في حَقِّ مَن ذَكَرَ في حَقِّهِ أنَّهُ مِن عِبادِهِ وأنَّهُ مُصْطَفًى إنَّهُ ظالِمٌ، مَعَ أنَّ الظّالِمَ يُطْلَبُ عَلى الكافِرِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ؟ فَنَقُولُ: المُؤْمِنُ عِنْدَ المَعْصِيَةِ يَضَعُ

صفحة ٢٣

نَفْسَهُ في غَيْرِ مَوْضِعِها فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ حالَ المَعْصِيَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: («لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» ) ويُصَحِّحُ هَذا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”ظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ“»، وقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ مُصْطَفًى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ (الأعْرافِ: ٢٣) وأمّا الكافِرُ فَيَضَعُ قَلْبَهُ الَّذِي بِهِ اعْتِبارُ الجَسَدِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهو ظالِمٌ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا قَلْبُ المُؤْمِنِ فَمُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لا يَضَعُهُ في غَيْرِ التَّفَكُّرِ في آلاءِ اللَّهِ، ولا يَضَعُ فِيهِ غَيْرَ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وفي المَراتِبِ الثَّلاثِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ:

أحَدُها: الظّالِمُ هو الرّاجِحُ السَّيِّئاتِ، والمُقْتَصِدُ هو الَّذِي تَساوَتْ سَيِّئاتُهُ وحَسَناتُهُ، والسّابِقُ هو الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ.

ثانِيها: الظّالِمُ هو الَّذِي ظاهِرُهُ خَيْرٌ مِن باطِنِهِ، والمُقْتَصِدُ مَن تَساوى ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، والسّابِقُ مِن باطِنِهِ خَيْرٌ.

ثالِثُها: الظّالِمُ هو المُوَحِّدُ بِلِسانِهِ الَّذِي تُخالِفُهُ جَوارِحُهُ، والمُقْتَصِدُ هو المُوَحِّدُ الَّذِي يَمْنَعُ جَوارِحَهُ مِنَ المُخالَفَةِ بِالتَّكْلِيفِ، والسّابِقُ هو المُوَحِّدُ الَّذِي يُنْسِيهِ التَّوْحِيدُ عَنِ التَّوْحِيدِ.

ورابِعُها: الظّالِمُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الصَّغِيرَةِ، والسّابِقُ المَعْصُومُ.

خامِسُها: الظّالِمُ التّالِي لِلْقُرْآنِ غَيْرُ العالِمِ بِهِ والعامِلُ بِمُوجَبِهِ، والمُقْتَصِدُ التّالِي العالِمُ، والسّابِقُ التّالِي العالِمُ العامِلُ.

سادِسُها: الظّالِمُ الجاهِلُ والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ والسّابِقُ العالِمُ.

سابِعُها: الظّالِمُ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ، والسّابِقُ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ.

ثامِنُها: الظّالِمُ الَّذِي يُحاسَبُ فَيَدْخُلُ النّارَ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحاسَبُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، والسّابِقُ الَّذِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن غَيْرِ حِسابٍ.

تاسِعُها: الظّالِمُ المُصِرُّ عَلى المَعْصِيَةِ، والمُقْتَصِدُ هو النّادِمُ والتّائِبُ، والسّابِقُ هو المَقْبُولُ التَّوْبَةِ.

عاشِرُها: الظّالِمُ الَّذِي أخَذَ القُرْآنَ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، والسّابِقُ الَّذِي أخَذَهُ وعَمِلَ بِهِ وبَيَّنَ لِلنّاسِ العَمَلَ بِهِ، فَعَمِلُوا بِهِ بِقَوْلِهِ فَهو كامِلٌ ومُكَمِّلٌ، والمُقْتَصِدُ كامِلٌ والظّالِمُ ناقِصٌ، والمُخْتارُ هو أنَّ الظّالِمَ مَن خالَفَ فَتَرَكَ أوامِرَ اللَّهِ وارْتَكَبَ مَناهِيَهُ، فَإنَّهُ واضِعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُجْتَهِدُ في تَرْكِ المُخالَفَةِ، وإنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ وبَدَرَ مِنهُ ذَنْبٌ وصَدَرَ عَنْهُ إثْمٌ، فَإنَّهُ اقْتَصَدَ واجْتَهَدَ وقَصَدَ الحَقَّ، والسّابِقُ هو الَّذِي لَمْ يُخالِفْ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ اجْتَهَدَ ووُفِّقَ لِما اجْتَهَدَ فِيهِ، وفِيما اجْتَهَدَ فَهو سابِقٌ بِالخَيْرِ يَقَعُ في قَلْبِهِ فَيَسْبِقُ إلَيْهِ قَبْلَ تَسْوِيلِ النَّفْسِ، والمُقْتَصِدُ يَقَعُ في قَلْبِهِ فَتُرَدِّدُهُ النَّفْسُ، والظّالِمُ تَغْلِبُهُ النَّفْسُ، ونَقُولُ بِعِبارَةٍ أُخْرى: مَن غَلَبَتْهُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وأمَرَتْهُ فَأطاعَها ظالِمٌ، ومَن جاهَدَ نَفْسَهُ فَغَلَبَ تارَةً وغُلِبَ أُخْرى فَهو المُقْتَصِدُ، ومَن قَهَرَ نَفْسَهُ فَهو السّابِقُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: التَّوْفِيقُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ .

ثانِيها: السَّبْقُ بِالخَيْراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ.

ثالِثُها: الإيراثُ فَضْلٌ كَبِيرٌ هَذا عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ مِنَ التَّفْسِيرِ، أمّا الوَجْهُ الآخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٥) يَرُدُّ عَلَيْهِ أسْئِلَةٌ:

أحَدُها: ثُمَّ لِلتَّراخِي وإيتاءِ الكِتابِ بَعْدَ الإيحاءِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ، فَما المُرادُ بِكَلِمَةِ ثُمَّ ؟ نَقُولُ: مَعْناهُ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بَصِيرٌ خَبَّرَهم وأبْصَرَهم ثُمَّ أوْرَثَهُمُ الكِتابَ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى: إنّا عَلِمْنا البَواطِنَ وأبْصَرْنا الظَّواهِرَ، فاصْطَفَيْنا عِبادًا ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ .

ثانِيها: كَيْفَ يَكُونُ مِنَ الأنْبِياءِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ؟ نَقُولُ: مِنهم غَيْرُ راجِعٍ إلى الأنْبِياءِ المُصْطَفَيْنَ، بَلِ المَعْنى: إنَّ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو الحَقُّ وأنْتَ المُصْطَفى كَما اصْطَفَيْنا رُسُلًا وآتَيْناهم كُتُبًا، ومِنهم أيْ مِن قَوْمِكَ ظالِمٌ كَفَرَ بِكَ وبِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ومُقْتَصِدٌ آمَنَ بِكَ ولَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ ما أمَرْتُهُ بِهِ، وسابِقٌ آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ الدّاخِلُونَ هُمُ المَذْكُورُونَ، وعَلى ما ذَكَرْتُمْ لا يَكُونُ الظّالِمُ داخِلًا، نَقُولُ: الدّاخِلُونَ هُمُ السّابِقُونَ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَأمْرُهُ مَوْقُوفٌ أوْ هو يَدْخُلُ النّارَ أوْ لا ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، والبَيانُ لِأوَّلِ

صفحة ٢٤

الأمْرِ لا لِما بَعْدَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском