Ar-RaziYa-Sin · 36:14–22

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:14–22

36:14–16Page 441

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما﴾

صفحة ٤٦

فِي بَعْثَةِ الِاثْنَيْنِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّهُما كانا مَبْعُوثَيْنِ مِن جِهَةِ عِيسى بِإذْنِ اللَّهِ، فَكانَ عَلَيْهِما إنْهاءُ الأمْرِ إلى عِيسى والإتْيانُ بِما أمَرَ اللَّهُ، واللَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ يَشْهَدُ عِنْدَهُ، وأمّا عِيسى فَهو بَشَرٌ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِإرْسالِ اثْنَيْنِ لِيَكُونَ قَوْلُهُما عَلى قَوْمِهِما عِنْدَ عِيسى حُجَّةً تامَّةً.

وقَوْلُهُ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أيْ قَوَّيْنا وقُرِئَ: فَعَزَزْنا بِثالِثٍ مُخَفَّفًا، مِن عَزَّ إذا غَلَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَغَلَبْنا نَحْنُ وقَهَرْنا بِثالِثٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأشْهَرُ، وتُرِكَ المَفْعُولُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَعَزَّزْناهُما لِمَعْنًى لَطِيفٍ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْثِهِما نُصْرَةُ الحَقِّ لا نُصْرَتُهُما، والكُلُّ مُقَوُّونَ لِلدِّينِ المَتِينِ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ رُسُلَهُ إلى الأطْرافِ واكْتَفى بِواحِدٍ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ اثْنَيْنِ، نَقُولُ: النَّبِيُّ بَعَثَ لِتَقْرِيرِ الفُرُوعِ وهو دُونَ الأصْلِ، فاكْتَفى بِواحِدٍ، فَإنَّ خَبَرَ الواحِدِ في الفُرُوعِ مَقْبُولٌ، وأمّا هُما فَبُعِثا بِالأُصُولِ، وجَعَلَ لَهُما مُعْجِزَةً تُفِيدُ اليَقِينَ، وإلّا لَما كَفى إرْسالُ اثْنَيْنِ أيْضًا، ولا ثَلاثَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ (القَصَصِ: ٣٥) فَذَكَرَ المَفْعُولَ هُناكَ، ولَمْ يَذْكُرْهُ هَهُنا مَعَ أنَّ المَقْصُودَ هُناكَ أيْضًا نُصْرَةُ الحَقِّ، نَقُولُ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أفْضَلَ مِن هارُونَ، وهارُونُ بُعِثَ مَعَهُ بِطَلَبِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ (القَصَصِ: ٣٤) فَكانَ هارُونُ مَبْعُوثًا لِيُصَدِّقَ مُوسى فِيما يَقُولُ ويَقُومُ بِما يَأْمُرُهُ، وأمّا هُما فَكُلُّ واحِدٍ مُسْتَقِلٌّ ناطِقٌ بِالحَقِّ، فَكانَ هُناكَ المَقْصُودُ تَقْوِيَةَ مُوسى وإرْسالَ مَن يُؤْنِسُ مَعَهُ وهو هارُونُ، وأمّا هَهُنا فالمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ الحَقِّ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ ما جَرى مِنهم وعَلَيْهِمْ مِثْلُ ما جَرى مِن مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلَيْهِ فَقالُوا: ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ كَما قالَ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٢) وبَيَّنَ ما قالَ القَوْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ جَعَلُوا كَوْنَهم بَشَرًا مِثْلَهم دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإرْسالِ، وهَذا عامٌّ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا في حَقِّ مُحَمَّدٍ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (ص: ٨) وإنَّما ظَنُّوهُ دَلِيلًا بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا في اللَّهِ الِاخْتِيارَ، وإنَّما قالُوا فِيهِ: إنَّهُ مُوجِبٌ بِالذّاتِ، وقَدِ اسْتَوَيْنا في البَشَرِيَّةِ فَلا يُمْكِنُ الرُّجْحانُ، واللَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٢٤) وبِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ (الشُّورى: ١٣) إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَمِّمًا لِما ذَكَرُوهُ، فَيَكُونُ الكُلُّ شُبْهَةً واحِدَةً، ووَجْهُهُ هو أنَّهم قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ فَما نَزَلْتُمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم أحَدًا، فَكَيْفَ صِرْتُمْ رُسُلًا لِلَّهِ ؟

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ هَذا شُبْهَةً أُخْرى مُسْتَقِلَّةً، ووَجْهُهُ هو أنَّهم لَمّا قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنا فَلا يَجُوزُ رُجْحانُكم عَلَيْنا ذَكَرُوا الشُّبْهَةَ مِن جِهَةِ النَّظَرِ إلى المُرْسَلِينَ، ثُمَّ قالُوا: شُبْهَةٌ أُخْرى مِن جِهَةِ المُرْسِلِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُنَزِّلٍ شَيْئًا في هَذا العالَمِ، فَإنَّ تَصَرُّفَهُ في العالَمِ العُلْوِيِّ ولِلْعُلْوِيّاتِ التَّصَرُّفُ في السُّفْلِيّاتِ عَلى مَذْهَبِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يُنَزِّلْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ في الدُّنْيا فَكَيْفَ أنْزَلَ إلَيْكم ؟ وقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا كانَ رَحْمَنَ الدُّنْيا، والإرْسالُ رَحْمَةٌ، فَكَيْفَ لا يُنْزِلُ رَحْمَتَهُ وهو رَحْمَنٌ ؟ فَقالَ: إنَّهم قالُوا: ما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ شَيْئًا، وكَيْفَ لا يُنْزِلُ الرَّحْمَنُ مَعَ كَوْنِهِ رَحْمانًا شَيْئًا، هو الرَّحْمَةُ الكامِلَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبِينَ.

﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِمُجَرَّدِ التَّكْذِيبِ لَمْ يَسْأمُوا ولَمْ يَتْرُكُوا، بَلْ أعادُوا

صفحة ٤٧

ذَلِكَ لَهم، وكَرَّرُوا القَوْلَ عَلَيْهِمْ، وأكَّدُوهُ بِاليَمِينِ، و﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ وأكَّدُوهُ بِاللّامِ، لِأنَّ (يَعْلَمُ اللَّهُ) يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ، لِأنَّ مَن يَقُولُ: يَعْلَمُ اللَّهُ فِيما لا يَكُونُ فَقَدْ نَسَبَ اللَّهَ إلى الجَهْلِ وهو سَبَبُ العِقابِ، كَما أنَّ الحِنْثَ سَبَبُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: أنْتُمْ بَشَرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ إذا كانَ يَعْلَمُ أنَّهم لَمُرْسَلُونَ، يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنْعامِ: ١٢٤) يَعْنِي هو عالِمٌ بِالأُمُورِ وقادِرٌ، فاخْتارَنا بِعِلْمِهِ لِرِسالَتِهِ.

36:17–19Page 441

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

ثُمَّ قالَ: ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَسْلِيَةٌ لِأنْفُسِهِمْ، أيْ نَحْنُ خَرَجْنا عَنْ عُهْدَةِ ما عَلَيْنا، وحَثًّا لَهم عَلى النَّظَرِ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ﴾ كانَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَفَكُّرَهم في أمْرِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا مِنهم أجْرًا ولا قَصَدُوا رِياسَةً، وإنَّما كانَ شُغْلُهُمُ التَّبْلِيغَ والذِّكْرَ، وذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ العاقِلَ عَلى النَّظَرِ و﴿المُبِينُ﴾ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:

أحَدُها: البَلاغُ المُبِينُ لِلْحَقِّ عَنِ الباطِلِ، أيِ الفارِقُ بِالمُعْجِزَةِ والبُرْهانِ.

وثانِيها: البَلاغُ المُظْهِرُ لِما أرْسَلْنا لِلْكُلِّ، أيْ لا يَكْفِي أنْ نُبَلِّغَ الرِّسالَةَ إلى شَخْصٍ أوْ شَخْصَيْنِ.

وثالِثُها: البَلاغُ المُظْهِرُ لِلْحَقِّ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ، فَإذا تَمَّ ذَلِكَ ولَمْ يَقْبَلُوا يَحِقُّ هُنالِكَ الهَلاكُ.

ثُمَّ كانَ جَوابُهم بَعْدَ هَذا أنَّهم ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ مِنَ الرُّسُلِ المُبالَغَةُ في البَلاغِ ظَهَرَ مِنهُمُ الغُلُوُّ في التَّكْذِيبِ، فَلَمّا قالَ المُرْسَلُونَ: ﴿إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ قالُوا: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ ولَمّا أكَّدَ الرُّسُلُ قَوْلَهم بِاليَمِينِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ أكَّدُوا قَوْلَهم بِالتَّطَيُّرِ بِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا في الأوَّلِ: كُنْتُمْ كاذِبِينَ، وفي الثّانِي: صِرْتُمْ مُصِرِّينَ عَلى الكَذِبِ، حالِفِينَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، و”«اليَمِينُ الكاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» “ فَتَشاءَمْنا بِكم ثانِيًا، وفي الأوَّلِ كَما تَرَكْتُمْ فَفي الثّانِي لا نَتْرُكُكم لِكَوْنِ الشُّؤْمِ مُدْرِكَنا بِسَبَبِكم، فَقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَوْلُهُ: لَنَرْجُمَنَّكم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لَنَشْتِمَنَّكم مِنَ الرَّجْمِ بِالقَوْلِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ تَرَقٍّ كَأنَّهم قالُوا: ولا يَكْتَفِي بِالشَّتْمِ، بَلْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الضَّرْبِ والإيلامِ الحِسِّيِّ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ الرَّجْمَ بِالحِجارَةِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ بَيانٌ لِلرَّجْمِ، يَعْنِي: ولا يَكُونُ الرَّجْمُ رَجْمًا قَلِيلًا نَرْجُمُكم بِحَجَرٍ وحَجَرَيْنِ، بَلْ نُدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْكم إلى المَوْتِ، وهو عَذابٌ ألِيمٌ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ بِسَبَبِ الرَّجْمِ عَذابٌ مِنّا ألِيمٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في الألِيمِ أنَّهُ بِمَعْنى المُؤْلِمِ، والفَعِيلُ بِمَعْنى مُفْعِلٍ قَلِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (الحاقَّةِ: ٢١) أيْ ذاتِ رِضًا، فالعَذابُ الألِيمُ هو ذُو ألَمٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ وهو كَثِيرٌ.

ثُمَّ أجابَهُمُ المُرْسَلُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ أيْ شُؤْمُكم مَعَكم، وهو الكُفْرُ.

ثُمَّ قالُوا: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ يَعْنِي أتَفْعَلُونَ بِنا ذَلِكَ، وإنْ ذُكِّرْتُمْ أيْ بَيَّنَ لَكُمُ الأمْرَ بِالمُعْجِزِ والبُرْهانِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ حَيْثُ تَجْعَلُونَ مَن يُتَبَرَّكُ بِهِ كَمَن يُتَشاءَمُ بِهِ وتَقْصِدُونَ إيلامَ مَن يَجِبُ في حَقِّهِ الإكْرامُ أوْ (مُسْرِفُونَ) حَيْثُ تَكْفُرُونَ، ثُمَّ تُصِرُّونَ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ بِالمُعْجِزِ والبُرْهانِ،

صفحة ٤٨

فَإنَّ الكافِرَ مُسِيءٌ، فَإذا تَمَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وأُوضِحَ لَهُ السَّبِيلُ ويُصِرُّ يَكُونُ مُسْرِفًا، والمُسْرِفُ هو المُجاوِزُ الحَدَّ بِحَيْثُ يَبْلُغُ الضِّدَّ، وهم كانُوا كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، أمّا في التَّبَرُّكِ والتَّشاؤُمِ فَقَدْ عُلِمَ، وكَذَلِكَ في الإيلامِ والإكْرامِ، وأمّا في الكُفْرِ فَلِأنَّ الواجِبَ اتِّباعُ الدَّلِيلِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يُجْزَمَ بِنَقِيضِهِ وهم جَزَمُوا بِالكُفْرِ بَعْدَ البُرْهانِ عَلى الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ لِلْإضْرابِ فَما الأمْرُ المُضْرَبُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وارِدٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ونِسْبَتِهِمُ الرُّسُلَ إلى الكَذِبِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: أنَحْنُ كاذِبُونَ وإنْ جِئْنا بِالبُرْهانِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مَشْؤُومُونَ، وإنْ جِئْنا بِبَيانِ صِحَّةِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أنَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ لِلرَّجْمِ والإيلامِ، وإنْ بَيَّنّا صِحَّةَ ما أتَيْنا بِهِ، لا ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وأمّا الحِكايَةُ فَمَشْهُورَةٌ، وهي أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ إلى أنْطاكِيَّةَ فَدَعَيا إلى التَّوْحِيدِ وأظْهَرا المُعْجِزَةَ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى فَحَبَسَهُما المَلِكُ، فَأرْسَلَ بَعْدَهُما شَمْعُونَ فَأتى المَلِكَ ولَمْ يَدَعِ الرِّسالَةَ، وقَرَّبَ نَفْسَهُ إلى المَلِكِ بِحُسْنِ التَّدْبِيرِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: إنِّي أسْمَعُ أنَّ في الحَبْسِ رَجُلَيْنِ يَدَّعِيانِ أمْرًا بَدِيعًا، أفَلا يَحْضُرانِ حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُما ؟ قالَ المَلِكُ: بَلى، فَأُحْضِرا وذَكَرا مَقالَتَهُما الحَقَّةَ، فَقالَ لَهُما شَمْعُونُ: فَهَلْ لَكَما بَيِّنَةٌ ؟ قالا: نَعَمْ، فَأبْرَآ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيَيا المَوْتى، فَقالَ شَمْعُونُ: أيُّها المَلِكُ، إنْ شِئْتَ أنْ تَغْلِبَهم، فَقُلْ لِلْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، قالَ المَلِكُ: أنْتَ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَقْدِرُ ولا تَعْلَمُ، فَقالَ شَمْعُونُ: فَإذَنْ ظَهَرَ الحَقُّ مِن جانِبِهِمْ، فَآمَنَ المَلِكُ وقَوْمٌ، وكَفَرَ آخَرُونَ، وكانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُكَذِّبِينَ.

36:20Page 441

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾

وفِي فائِدَتِهِ وتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أتَوْا بِالبَلاغِ المُبِينِ حَيْثُ آمَنَ بِهِمُ الرَّجُلُ السّاعِي، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ فِيهِ بَلاغَةٌ باهِرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وهو قَدْ آمَنَ دَلَّ عَلى أنَّ إنْذارَهم وإظْهارَهم بَلَغَ إلى أقْصى المَدِينَةِ.

وثانِيهِما: أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ لَمّا كانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً لِقَلْبِهِ ذَكَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ الرُّسُلِ سَعْيَ المُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رُسُلِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى ما أُوذُوا، ووُصُولُ الجَزاءِ الأوْفى إلَيْهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِقَلْبِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ، كَما أنَّ ذِكْرَ المُرْسَلِينَ تَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ في تَنْكِيرِ الرَّجُلِ مَعَ أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ فائِدَتانِ:

الأُولى: أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ أيْ رَجُلٌ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ.

الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِظُهُورِ الحَقِّ مِن جانِبِ المُرْسَلِينَ حَيْثُ آمَنَ رَجُلٌ مِنَ الرِّجالِ لا مَعْرِفَةَ لَهم بِهِ، فَلا يُقالُ: إنَّهم تَواطَئُوا، والرَّجُلُ هو حَبِيبٌ النَّجّارُ كانَ يَنْحِتُ الأصْنامَ وقَدْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ وُجُودِهِ حَيْثُ صارَ مِنَ العُلَماءِ بِكِتابِ اللَّهِ، ورَأى فِيهِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَعْثَتَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْعى﴾ تَبْصِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وهِدايَةٌ لَهم، لِيَكُونُوا في النُّصْحِ باذِلِينَ جُهْدَهم، وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ وهي تَبْلِيغُهُمُ الرِّسالَةَ بِحَيْثُ انْتَهى إلى مَن في ﴿أقْصى المَدِينَةِ﴾ .

صفحة ٤٩

والمَدِينَةُ هي أنْطاكِيَّةُ، وهي كانَتْ كَبِيرَةً شاسِعَةً وهي الآنَ دُونَ ذَلِكَ، ومَعَ هَذا فَهي كَبِيرَةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ فِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ:

الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ﴾ فَإنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ إشْفاقٍ عَلَيْهِمْ وشَفَقَةٍ، فَإنَّ إضافَتَهم إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِمْ إلّا خَيْرًا، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِي فَإنْ قِيلَ: قالَ هَذا الرَّجُلُ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ وقالَ ذَلِكَ: اتَّبِعُونِي، فَما الفَرْقُ ؟ نَقُولُ: هَذا الرَّجُلُ جاءَهم وفي أوَّلِ مَجِيئِهِ نَصَحَهم وما رَأوْا سِيرَتَهُ، فَقالَ: اتَّبِعُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أظْهَرُوا لَكُمُ الدَّلِيلَ، وأوْضَحُوا لَكُمُ السَّبِيلَ، وأمّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ فَكانَ فِيهِمْ واتَّبَعَ مُوسى ونَصَحَهم مِرارًا، فَقالَ: اتَّبِعُونِي في الإيمانِ بِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، واعْلَمُوا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَما اخْتَرْتُهُ لِنَفْسِي، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي اخْتَرْتُهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ أنْ يَقُولَ: أنْتُمْ تَعْلَمُونَ اتِّباعِي لَهم.

الثّانِي: جَمَعَ بَيْنَ إظْهارِ النَّصِيحَةِ وإظْهارِ إيمانِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا﴾ نَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿المُرْسَلِينَ﴾ إظْهارُ أنَّهُ آمَنَ.

الثّالِثُ: قَدَّمَ إظْهارَ النَّصِيحَةِ عَلى إظْهارِ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ كانَ ساعِيًا في النُّصْحِ، وأمّا الإيمانُ فَكانَ قَدْ آمَنَ مِن قَبْلُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَجُلٌ يَسْعى﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِلنُّصْحِ، وما ذَكَرَ في حِكايَتِهِ أنَّهُ كانَ يُقْتَلُ وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي“ .

36:21–22Page 441

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ وهَذا في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ كَأنَّهم مَنَعُوا كَوْنَهم مُرْسَلِينَ، فَنَزَلَ دَرَجَةً وقالَ: لا شَكَّ أنَّ الخَلْقَ في الدُّنْيا سالِكُونَ طَرِيقَةً وطالِبُونَ لِلِاسْتِقامَةِ، والطَّرِيقُ إذا حَصَلَ فِيهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ يَجِبُ اتِّباعُهُ، والِامْتِناعُ مِنَ الِاتِّباعِ لا يَحْسُنُ إلّا عِنْدَ أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا مُغالاةِ الدَّلِيلِ في طَلَبِ الأُجْرَةِ، وإمّا عِنْدَ عَدَمِ الِاعْتِمادِ عَلى اهْتِدائِهِ ومَعْرِفَتِهِ الطَّرِيقَ، لَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يَطْلُبُونَ أُجْرَةً وهم مُهْتَدُونَ عالِمُونَ بِالطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ المُوصِلَةِ إلى الحَقِّ، فَهَبْ أنَّهم لَيْسُوا بِمُرْسَلِينَ هادِينَ، ألَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ ؟ فاتَّبِعُوهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ لَمّا قالَ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ بَيَّنَ ظُهُورَ اهْتِدائِهِمْ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ مِن عِبادَةِ الجَمادِ إلى عِبادَةِ الحَيِّ القَيُّومِ، ومِن عِبادَةِ ما لا يَنْفَعُ إلى عِبادَةِ مَن مِنهُ كُلُّ نَفْعٍ.

وفِيهِ لَطائِفُ:

الأُولى: قَوْلُهُ: (ما لِيَ) أيْ ما لِي مانِعٌ مِن جانِبِي. إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ مِن جِهَةِ المَعْبُودِ ظاهِرٌ لا خَفاءَ فِيهِ، فَمَن يَمْتَنِعُ مِن عِبادَتِهِ يَكُونُ مِن جانِبِهِ مانِعٌ، ولا مانِعَ مِن جانِبِي فَلا جَرَمَ عَبَدْتُهُ، وفي العُدُولِ عَنْ مُخاطَبَةِ القَوْمِ إلى حالِ نَفْسِهِ حِكْمَةٌ أُخْرى.

ولَطِيفَةٌ ثانِيَةٌ: وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم، لَمْ يَكُنْ في البَيانِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وما لِيَ﴾ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما لِيَ﴾ وأحَدٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُ نَفْسِهِ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لا يَطْلُبُ العِلَّةَ وبَيانَها مِن أحَدٍ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحالِ نَفْسِهِ فَهو يُبَيِّنُ عَدَمَ المانِعِ، وأمّا لَوْ قالَ: (ما لَكم) جازَ أنْ يُفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ يَطْلُبُ بَيانَ العِلَّةِ لِكَوْنِ غَيْرِهِ أعْلَمَ بِحالِ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ (نُوحٍ: ١٣) نَقُولُ: القائِلُ هُناكَ غَيْرُ مَدْعُوٍّ، وإنَّما هو داعٍ وهَهُنا الرَّجُلُ مَدْعُوٌّ إلى الإيمانِ، فَقالَ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ وقَدْ طُلِبَ مِنِّي ذَلِكَ.

الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إشارَةٌ إلى وُجُودِ المُقْتَضى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما لِيَ﴾ إشارَةٌ إلى عَدَمِ المانِعِ

صفحة ٥٠

وعِنْدَ عَدَمِ المانِعِ لا يُوجَدُ الفِعْلُ ما لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يُنْبِئُ عَنِ الِاقْتِضاءِ، فَإنَّ الخالِقَ ابْتِداءً مالِكٌ، والمالِكُ يَجِبُ عَلى المَمْلُوكِ إكْرامُهُ وتَعْظِيمُهُ، ومُنْعِمٌ بِالإيجادِ والمُنْعِمُ يَجِبُ عَلى المُنْعَمِ شُكْرُ نِعْمَتِهِ.

الرّابِعَةُ: قَدَّمَ بَيانَ عَدَمِ المانِعِ عَلى بَيانِ وُجُودِ المُقْتَضى مَعَ أنَّ المُسْتَحْسَنَ تَقْدِيمُ المُقْتَضى حَيْثُ وُجِدَ المُقْتَضِي ولا مانِعَ، فَيُوجَدُ لِأنَّ المُقْتَضى لِظُهُورِهِ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ البَيانِ رَأْسًا فَلا أقَلَّ مِن تَقْدِيمِ ما هو أوْلى بِالبَيانِ لِوُجُودِ الحاجَةِ إلَيْهِ.

الخامِسَةُ: اخْتارَ مِنَ الآياتِ فِطْرَةَ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ بِإسْنادِ العِبادَةِ إلى نَفْسِهِ اخْتارَ ما هو أقْرَبُ إلى إيجابِ العِبادَةِ عَلى نَفْسِهِ، وبَيانُ ذَلِكَ هو أنَّ خالِقَ عَمْرٍو يَجِبُ عَلى زَيْدٍ عِبادَتُهُ لِأنَّ مَن خَلَقَ عَمْرًا لا يَكُونُ إلّا كامِلَ القُدْرَةِ شامِلَ العِلْمِ واجِبَ الوُجُودِ، وهو مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، لَكِنَّ العِبادَةَ عَلى زَيْدٍ بِخَلْقِ زَيْدٍ أظْهَرُ إيجابًا.

واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَرَنِي﴾ خَلَقَنِي اخْتِراعًا وابْتِداعًا، والغَرِيبُ فِيهِ أنْ يُقالَ: ﴿فَطَرَنِي﴾ أيْ جَعَلَنِي عَلى الفِطْرَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ (الرُّومِ: ٣) وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ أيْ لَمْ يُوجَدْ في مانِعٌ فَأنا باقٍ عَلى فِطْرَةِ رَبِّي، الفِطْرَةُ كافِيَةٌ في الشَّهادَةِ والعِبادَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا يَخْتَلِفُ مَعْنى الفَطْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ (الأنْعامِ: ١٤) فَنَقُولُ قَدْ قِيلَ بِأنَّ (فاطِرِ السَّماواتِ ) مِنَ الفَطْرِ الَّذِي هو الشَّقُّ فالمَحْذُورُ لازِمٌ، أوْ نَقُولُ: المَعْنى فِيهِما واحِدٌ كَأنَّهُ قالَ: فَطَرَ المُكَلَّفَ عَلى فِطْرَتِهِ وفَطَرَ السَّماواتِ عَلى فِطْرَتِها، والأوَّلُ مِنَ التَّفْسِيرِ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَوْفِ والرَّجاءِ كَما قالَ: ادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ إلَيْهِ المَرْجِعُ يُخافُ مِنهُ ويُرْجى، وفِيهِ أيْضًا مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ العابِدَ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ ذَكَرْناها مِرارًا.

فالأوَّلُ: عابِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، لِكَوْنِهِ إلَهًا مالِكًا سَواءٌ أنْعَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُنْعِمْ، كالعَبْدِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ سَيِّدِهِ سَواءٌ أحْسَنَ إلَيْهِ أوْ أساءَ.

والثّانِي: عابِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ لِلنِّعْمَةِ الواصِلَةِ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: عابِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا.

مِثالُ الأوَّلِ: مَن يَخْدِمُ الجَوادَ.

ومِثالُ الثّانِي: مَن يَخْدِمُ الغاشِمَ، فَجَعَلَ القائِلُ نَفْسَهُ مِنَ القِسْمِ الأعْلى، وقالَ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هو مالِكِي أعْبُدُهُ لِأنْظُرَ إلى ما سَيُعْطِينِي، ولِأنْظُرَ إلى أنْ لا يُعَذِّبَنِي، وجَعَلَهم دُونَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أيْ خَوْفُكم مِنهُ ورَجاؤُكم فِيهِ فَكَيْفَ لا تَعْبُدُونَهُ ؟ ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: وإلَيْهِ أرْجِعُ، كَما قالَ فَطَرَنِي؛ لِأنَّهُ صارَ عابِدًا مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، فَرُجُوعُهُ إلى اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا لِلْإكْرامِ، ولَيْسَ سَبَبُ عِبادَتِهِ ذَلِكَ بَلْ غَيْرُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском