Ar-RaziYa-Sin · 36:30–36

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:30–36

36:30–32Page 442

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ أيْ هَذا وقْتُ الحَسْرَةِ، فاحْضُرِي يا حَسْرَةُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الألِفُ واللّامُ في العِبادِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لِلْمَعْهُودِ، وهُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَيا حَسْرَةً عَلى أُولَئِكَ.

وثانِيهِما: لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ جِنْسِ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَنِ المُتَحَسِّرُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا مُتَحَسِّرَ أصْلًا في الحَقِيقَةِ؛ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ وقْتَ طَلَبِ الحَسْرَةِ حَيْثُ تَحَقَّقَتِ النَّدامَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ العَذابِ.

وهَهُنا بَحْثٌ لُغَوِيٌّ: وهو أنَّ المَفْعُولَ قَدْ يُرْفَضُ رَأْسًا إذا كانَ الغَرَضُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، يُقالُ: إنَّ فُلانًا يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولا يَكُونُ هُناكَ شَيْءٌ مُعْطًى، إذِ المَقْصُودُ أنَّ لَهُ المَنعَ والإعْطاءَ، ورَفْضُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ، وما نَحْنُ فِيهِ رَفْضُ الفاعِلِ وهو قَلِيلٌ، والوَجْهُ فِيهِ ما ذَكَرْنا: إنَّ ذِكْرَ المُتَحَسِّرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وإنَّما المَقْصُودُ أنَّ الحَسْرَةَ مُتَحَقِّقَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

الثّانِي: أنَّ قائِلَ: يا حَسْرَةً هو اللَّهُ عَلى الِاسْتِعارَةِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ وتَهْوِيلًا لَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ كالألْفاظِ الَّتِي ورَدَتْ في حَقِّ اللَّهِ كالضَّحِكِ والنِّسْيانِ والسُّخْرِ والتَّعَجُّبِ والتَّمَنِّي، أوْ نَقُولُ: لَيْسَ مَعْنى قَوْلِنا: يا حَسْرَةً ويا نَدامَةً، أنَّ القائِلَ مُتَحَسِّرٌ أوْ نادِمٌ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ وُقُوعِ النَّدامَةِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَجَوُّزٍ في بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى قالَ: ﴿ياحَسْرَةً﴾ بَلْ يُخْبِرُ بِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا في النَّدامَةِ، فَإنَّ النِّداءَ مَجازٌ، والمُرادَ الإخْبارُ.

الثّالِثُ: المُتَلَهِّفُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمَلائِكَةِ، ألا تَرى إلى ما حُكِيَ عَنْ حَبِيبٍ أنَّهُ حِينَ القَتْلِ كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ

صفحة ٥٦

اهْدِ قَوْمِي، وبَعْدَ ما قَتَلُوهُ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ، قالَ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، فَيَجُوزُ أنْ يَتَحَسَّرَ المُسْلِمُ لِلْكافِرِ ويَتَنَدَّمَ لَهُ وعَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ (يا حَسْرَةً) بِالتَّنْوِينِ، و(يا حَسْرَةَ العِبادِ) بِالإضافَةِ مِن غَيْرِ كَلِمَةِ عَلى، وقُرِئَ يا حَسْرَةً عَلى بِالهاءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَنِ المُرادُ بِالعِبادِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الرُّسُلُ الثَّلاثَةُ كَأنَّ الكافِرِينَ يَقُولُونَ عِنْدَ ظُهُورِ البَأْسِ: يا حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يا لَيْتَهم كانُوا حاضِرِينَ شَأْنَنا لِنُؤْمِنَ بِهِمْ.

وثانِيها: هم قَوْمُ حَبِيبٍ.

وثالِثُها: كُلُّ مَن كَفَرَ وأصَرَّ واسْتَكْبَرَ، وعَلى الأوَّلِ فَإطْلاقُ العِبادِ عَلى المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (الحِجْرِ: ٤٢) وقَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ (الزُّمَرِ: ٥٣) وعَلى الثّانِي فَإطْلاقُ العِبادِ عَلى الكُفّارِ، وفَرَّقَ بَيْنَ العَبْدِ مُطْلَقًا وبَيْنَ المُضافِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ إلى الشَّرِيفِ تَكْسُو المُضافَ شَرَفًا، تَقُولُ: بَيْتُ اللَّهِ، فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَكُونُ في قَوْلِكَ: البَيْتُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ (الفُرْقانِ: ٦٣) مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي﴾ وكَذَلِكَ: ﴿عِبادُ اللَّهِ﴾ (الإنْسانِ: ٦) .

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الحَسْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهَذا سَبَبُ النَّدامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن جاءَهُ مَلِكٌ مِن بادِيَةٍ، وأعْرَفَهُ نَفْسَهُ، وطَلَبَ مِنهُ أمْرًا هَيِّنًا فَكَذَّبَهُ ولَمْ يُجِبْهُ إلى ما دَعاهُ، ثُمَّ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَعَرَّفَهُ أنَّهُ ذَلِكَ، يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النَّدامَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ هم مُلُوكٌ وأعْظَمُ مِنهم بِإعْزازِ اللَّهِ إيّاهم وجَعَلَهم نُوّابَهُ، كَما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣١) وجاءُوا وعَرَّفُوا أنْفُسَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم عَظَمَةٌ ظاهِرَةٌ في الحِسِّ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ البَأْسِ ظَهَرَتْ عَظَمَتُهم عِنْدَ اللَّهِ لَهم، وكانَ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ أمْرًا هَيِّنًا نَفْعُهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، وما كانُوا يَسْألُونَ عَلَيْهِ أجْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النَّدامَةُ الشَّدِيدَةُ، وكَيْفَ لا وهم يَقْتَنِعُونَ بِالإعْراضِ حَتّى آذَوْا واسْتَهْزَءُوا واسْتَخَفُّوا واسْتَهانُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ الضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى قَوْمِ حَبِيبٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَلى قَوْلِنا: الحَسْرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ المُصِرِّينَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ الأوَّلِينَ قالَ لِلْحاضِرِينَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ أيِ الباقُونَ لا يَرَوْنَ ما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ قِيلَ في حَقِّهِمْ: ﴿ياحَسْرَةً﴾ هُمُ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَهْلِكٍ تَقَدَّمَهُ قَوْمٌ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا إلى قَوْمِ نُوحٍ وقَبْلَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ في المَعْنى عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾ ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا، وفي مَعْنى: ألَمْ يَرَوُا المُهْلَكِينَ الكَثِيرِينَ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ حالٌ مِن أحْوالِ المُهْلَكِينَ، أيْ أُهْلِكُوا بِحَيْثُ لا رُجُوعَ لَهم إلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ كَقَوْلِكَ: ألا تَرى زَيْدًا أدَبَهُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أُهْلِكُوا إهْلاكًا لا رُجُوعَ لَهم إلى مَن في الدُّنْيا.

وثانِيهِما: هو أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ، أيِ الباقُونَ لا يَرْجِعُونَ إلى المُهْلَكِينَ بِنَسَبٍ ولا وِلادَةٍ، يَعْنِي أهْلَكْناهم وقَطَعْنا نَسْلَهم، ولا شَكَّ في أنَّ الإهْلاكَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ قَطْعِ النَّسْلِ أتَمُّ وأعَمُّ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْهَرُ نَقْلًا، والثّانِي أظْهَرُ عَقْلًا.

صفحة ٥٧

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ الإهْلاكَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَرَكَهُ، بَلْ بَعْدَهُ جَمْعٌ وحِسابٌ وحَبْسٌ وعِقابٌ، ولَوْ أنَّ مَن أُهْلِكَ تُرِكَ لَكانَ المَوْتُ راحَةً، ونِعْمَ ما قالَ القائِلُ:

ولَوْ أنّا إذا مِتْنا تُرِكْنا لَكانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيْ

ولَكِنّا إذا مِتْنا بُعِثْنا ∗∗∗ ونُسْألُ بَعْدَهُ عَنْ كُلِّ شَيْ

وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ في إنْ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في لَمّا فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، وما زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ في المَعْنى، والقِراءَةُ حِينَئِذٍ بِالتَّخْفِيفِ في لَمّا.

وثانِيهِما: أنَّها نافِيَةٌ ولَمّا بِمَعْنى إلّا، قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى إلّا فَعَلْتَ، والقِراءَةُ حِينَئِذٍ بِالتَّشْدِيدِ في لَمّا، يُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ أنَّ أُبَيًّا قَرَأ (وما كَلٌّ إلّا جَمِيعٌ) وفي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: لَمّا بِمَعْنى إلّا وارِدُ مَعْنًى مُناسِبٍ، وهو أنَّ لَمّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ جُمِعا، وهُما لَمْ وما فَتَأكَّدَ النَّفْيُ، ولِهَذا يُقالُ في جَوابِ مَن قالَ: قَدْ فَعَلَ لَمّا يَفْعَلُ، وفي جَوابِ مَن قالَ فَعَلَ لَمْ يَفْعَلْ، وإلّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ إنْ ولا فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: كُلٌّ وجَمِيعٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَكَيْفَ جُعِلَ جَمِيعًا خَبَرًا لِكُلٍّ حَيْثُ دَخَلَتِ اللّامُ عَلَيْهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ ؟ نَقُولُ: مَعْنى جَمِيعٍ مَجْمُوعٌ، ومَعْنى كُلٍّ: كُلُّ فَرْدٍ حَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنِ الحُكْمِ أحَدٌ، فَصارَ المَعْنى: كُلُّ فَرْدٍ مَجْمُوعٌ مَعَ الآخَرِ مَضْمُومٌ إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُحْضَرُونَ، يَعْنِي عَمّا ذَكَرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ جَمِيعٌ لَجَمِيعٌ مُحْضَرُونَ، لَكانَ كَلامًا صَحِيحًا ولَمْ يُوجَدْ ما ذَكَرَهُ مِنَ الجَوابِ، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ (مُحْضَرُونَ) كالصِّفَةِ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَمِيعٌ جَمِيعٌ مُحْضَرُونَ، كَما يُقالُ: الرَّجُلُ رَجُلٌ عالِمٌ، والنَّبِيُّ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والواوُ في ﴿وإنْ كُلٌّ﴾ لِعَطْفِ الحِكايَةِ عَلى الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: بَيَّنْتُ لَكَ ما ذَكَرْتُ، وأُبَيِّنُ أنَّ كُلًّا لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، وكَذَلِكَ الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى:

36:33–34Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾

كَأنَّهُ يَقُولُ: وأقُولُ أيْضًا: آيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الحَشْرِ، فَذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ قَطْعًا لِإنْكارِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ وإصْرارِهِمْ وعِنادِهِمْ، فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ كَذَلِكَ نُحْيِي المَوْتى.

وثانِيهِما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُرْسَلِينَ وإهْلاكَ المُكَذِّبِينَ وكانَ شَغْلُهُمُ التَّوْحِيدَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبَدَأ بِالأرْضِ لِكَوْنِها مَكانَهم لا مُفارَقَةَ لَهم مِنها عِنْدَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْضُ آيَةٌ مُطْلَقًا، فَلِمَ خَصَّصَها بِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ نَقُولُ: الآيَةُ تُعَدَّدُ وتُسْرَدُ لِمَن لَمْ يَعْرِفِ الشَّيْءَ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وأمّا مَن عَرَفَ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ الرُّؤْيَةِ لا يُذْكَرُ لَهُ دَلِيلٌ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وعِبادَ اللَّهِ

صفحة ٥٨

المُخْلَصِينَ عَرَفُوا اللَّهَ قَبْلَ الأرْضِ والسَّماءِ، فَلَيْسَتِ الأرْضُ مُعَرَّفَةً لَهم، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣) وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣) يَعْنِي أنْتَ كَفاكَ رَبُّكَ مُعَرِّفًا، بِهِ عَرَفْتَ كُلَّ شَيْءٍ فَهو شَهِيدٌ لَكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا هَؤُلاءِ تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ بِالآفاقِ والأنْفُسِ، وكَذَلِكَ هَهُنا آيَةٌ لَهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قُلْنا: إنَّ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى جَوازِ إحْياءِ المَوْتى، فَيَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿أحْيَيْناها﴾ ولا حاجَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: إنَّها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ ووَحْدَتِهِ، فَلا فائِدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ لِأنَّ نَفْسَ الأرْضِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ وبُرْهانٌ باهِرٌ، ثُمَّ هَبْ أنَّها غَيْرُ كافِيَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ كافٍ في التَّوْحِيدِ، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ فَلَهُ فائِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَيانِ إحْياءِ المَوْتى، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أحْيا الأرْضَ وأخْرَجَ مِنها حَبًّا كانَ ذَلِكَ إحْياءً تامًّا؛ لِأنَّ الأرْضَ المُخْضَرَّةَ الَّتِي لا تُنْبِتُ الزَّرْعَ ولا تُخْرِجُ الحَبَّ دُونَ ما تُنْبِتُهُ في الحَياةِ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: الَّذِي أحْيا الأرْضَ إحْياءً كامِلًا مُنْبِتًا لِلزَّرْعِ يُحْيِي المَوْتى إحْياءً كامِلًا بِحَيْثُ تُدْرِكُ الأُمُورَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِأنَّ فِيهِ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ فَإنَّها مَكانُهم ومَهْدُهُمُ الَّذِي فِيهِ تَحْرِيكُهم وإسْكانُهم، والأمْرُ الضَّرُورِيُّ الَّذِي عِنْدَهُ وُجُودُهم وإمْكانُهم، وسَواءٌ كانَتْ مَيْتَةً أوْ لَمْ تَكُنْ فَهي مَكانٌ لَهم لا بُدَّ لَهم مِنها نِعْمَةٌ ثُمَّ إحْياؤُها بِحَيْثُ تَخْضَرُّ نِعْمَةٌ ثانِيَةٌ، فَإنَّها تَصِيرُ أحْسَنَ وأنْزَهَ، ثُمَّ إخْراجُ الحَبِّ مِنها نِعْمَةٌ ثالِثَةٌ، فَإنَّ قُوتَهم يَصِيرُ في مَكانِهِمْ، وكانَ يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رِزْقَهم في السَّماءِ أوْ في الهَواءِ فَلا يَحْصُلُ لَهُمُ الوُثُوقُ، ثُمَّ جَعَلَ الجَنّاتِ فِيها نِعْمَةً رابِعَةً؛ لِأنَّ الأرْضَ تُنْبِتُ الحَبَّ في كُلِّ سَنَةٍ، وأمّا الأشْجارُ بِحَيْثُ تُؤْخَذُ مِنها الثِّمارُ فَتَكُونُ بَعْدَ الحَبِّ وُجُودًا، ثُمَّ فَجَّرْنا فِيها العُيُونَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الِاعْتِمادُ بِالحُصُولِ، ولَوْ كانَ ماؤُها مِنَ السَّماءِ لَحَصَلَ، ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّها أيْنَ تُغْرَسُ وأيْنَ يَقَعُ المَطَرُ ويَنْزِلُ القَطْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى بَيانِ إحْياءِ المَوْتى كُلُّ ذَلِكَ مُفِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ كالإشارَةِ إلى الأمْرِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ﴾ كالأمْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ الَّذِي إنْ لَمْ يَكُنْ لا يُغْنِي الإنْسانَ، لَكِنَّهُ يَبْقى مُخْتَلَّ الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ إشارَةٌ إلى الزِّينَةِ الَّتِي إنْ لَمْ تَكُنْ لا تَعْنِي الإنْسانَ ولا يَبْقى في ورْطَةِ الحاجَةِ، لَكِنَّهُ لا يَكُونُ عَلى أحْسَنِ ما يَنْبَغِي، وكَأنَّ حالَ الإنْسانِ بِالحَبِّ كَحالِ الفَقِيرِ الَّذِي لَهُ ما يَسُدُّ خَلَّتَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَدْفَعُ حاجَتَهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ وبِالثِّمارِ، ويُعْتَبَرُ حالُهُ كَحالِ المُكْتَفِي بِالعُيُونِ الجارِيَةِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْها الإنْسانُ ويُقَوِّي بِها قَلْبَهُ كالمُسْتَغْنِي الغَنِيِّ المُدَّخِرِ لِقُوتِ سِنِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كَما فَعَلْنا في مَواتِ الأرْضِ كَذَلِكَ نَفْعَلُ في الأمْواتِ في الأرْضِ فَنُحْيِيهِمْ ونُعْطِيهِمْ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ في بَقائِهِمْ وتَكْوِينِهِمْ مِنَ الأعْضاءِ المُحْتاجِ إلَيْها وقُواها كالعَيْنِ والقُوَّةِ الباصِرَةِ والأُذُنِ والقُوَّةِ السّامِعَةِ وغَيْرِهِما، ونَزِيدُ لَهُ ما هو زِينَةٌ كالعَقْلِ الكامِلِ والإدْراكِ الشّامِلِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: نُحْيِي المَوْتى إحْياءً تامًّا كَما أحْيَيْنا الأرْضَ إحْياءً تامًّا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ عَنْ ذِكْرِ الحَبِّ ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وفي الأشْجارِ والثِّمارِ قالَ: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّ قُوتٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ أيْ هم آكِلُوهُ، وأمّا الثِّمارُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كُنّا ما أخْرَجْناها كانُوا يَبْقَوْنَ مِن غَيْرِ أكْلٍ فَأخْرَجْناها لِيَأْكُلُوها.

صفحة ٥٩

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: خَصَّصَ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِالذِّكْرِ مِن سائِرِ الفَواكِهِ؛ لِأنَّ ألَذَّ المَطْعُومِ الحَلاوَةُ، وهي فِيها أتَمُّ، ولِأنَّ التَّمْرَ والعِنَبَ قُوتٌ وفاكِهَةٌ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُما؛ ولِأنَّهُما أعَمُّ نَفْعًا فَإنَّها تُحْمَلُ مِنَ البِلادِ إلى الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرُّمّانَ والزَّيْتُونَ في الأنْعامِ والقَضْبَ والزَّيْتُونَ والتِّينَ في مَواضِعَ، نَقُولُ: في الأنْعامِ وغَيْرِها المَقْصُودُ ذِكْرُ الفَواكِهِ والثِّمارِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٧) وإلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ (عَبَسَ: ٢٤) فاسْتَوْفى الأنْواعَ بِالذِّكْرِ، وهَهُنا المَقْصُودُ ذِكْرُ صِفاتِ الأرْضِ فاخْتارَ مِنها الألَذَّ الأنْفَعَ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ الفَوائِدُ، ويُعْلَمُ مِنهُ فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٦٨) .

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ الفَواكِهَ لَمْ يَذْكُرِ التَّمْرَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ، وهي النَّخْلَةُ، ولَمْ يَذْكُرِ العِنَبَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ العِنَبِ والأعْنابِ، ولَمْ يَذْكُرِ الكَرْمَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العِنَبَ شَجَرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِهِ حَقِيرَةٌ قَلِيلَةُ الفائِدَةِ والنَّخْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِهِ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةُ القَدْرِ كَثِيرَةُ الجَدْوى، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الظُّرُوفِ مِنها يُتَّخَذُ، وبِلِحائِها يُنْتَفَعُ ولَها شَبَهٌ بِالحَيَوانِ، فاخْتارَ مِنها ما هو الأعْجَبُ مِنها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ آيَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ الأرْضَ أجْزاؤُها بِحُكْمِ العادَةِ لا تَصْعَدُ، ونَحْنُ نَرى مَنابِعَ الأنْهارِ والعُيُونِ في المَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ وذَلِكَ دَلِيلُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، والقائِلُونَ بِالطَّبائِعِ قالُوا: إنَّ الجِبالَ كالقِبابِ المَبْنِيَّةِ، والأبْخِرَةُ تَرْتَفِعُ إلَيْها كَما تَرْتَفِعُ إلى سُقُوفِ الحَمّاماتِ، وتَتَكَوَّنُ هُناكَ قَطَراتٌ مِنَ الماءِ ثُمَّ تَجْتَمِعُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً تَحْصُلُ المِياهُ الرّاكِدَةُ كالآبارِ وتَجْرِي في القَنَواتِ، إنْ كانَتْ قَوِيَّةً تَشُقُّ الأرْضَ وتَخْرُجُ أنْهارًا جارِيَةً وتَجْتَمِعُ فَتَحْصُلُ الأنْهارُ العَظِيمَةُ وتَمُدُّها مِياهُ الأمْطارِ والثُّلُوجِ، فَنَقُولُ: اخْتِصاصُ بَعْضِ الجِبالِ بِالعُيُونِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى الِاخْتِيارِ وما ذَكَرُوهُ تَعَسُّفٌ، فالحَقُّ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الماءَ في المَواضِعِ المُرْتَفِعَةِ وساقَها في الأنْهارِ والسَّواقِي أوْ صَعَدَ الماءُ مِنَ المَواضِعِ المُتَسَفِّلَةِ إلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ بِأمْرِ اللَّهِ وجَرى في الأوْدِيَةِ إلى البِقاعِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلى أهْلِها.

36:35Page 442

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ والتَّرْتِيبُ ظاهِرٌ، ويَظْهَرُ أيْضًا في التَّفْسِيرِ.

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ أخَّرَ التَّنْبِيهَ عَلى الِانْتِفاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَأْكُلُوا﴾ عَنْ ذِكْرِ الثِّمارِ حَتّى قالَ: ﴿وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ وقالَ في الحَبِّ: ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ عَقِيبَ ذِكْرِ الحَبِّ، ولَمْ يَقُلْ عَقِيبَ ذِكْرِ النَّخِيلِ والأعْنابِ: لِيَأْكُلُوا ؟ نَقُولُ: الحَبُّ قُوتٌ وهو يَتِمُّ وُجُودُهُ بِمِياهِ الأمْطارِ، ولِهَذا يُرى أكْثَرُ البِلادِ لا يَكُونُ بِها شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ والزَّرْعِ، والحِراثَةُ لا تَبْطُلُ هُناكَ اعْتِمادًا عَلى ماءِ السَّماءِ، وهَذا لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ أعَمَّ وُجُودًا، وأمّا الثِّمارُ فَلا تَتِمُّ إلّا بِالأنْهارِ ولا تَصِيرُ الأشْجارُ حامِلَةً لِلثِّمارِ إلّا بَعْدَ وُجُودِ الأنْهارِ فَلِهَذا أخَّرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ عائِدٌ إلى أيِّ شَيْءٍ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ أيْ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ اللَّهِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ الثِّمارَ بَعْدَ وُجُودِ الأشْجارِ وجَرَيانِ الأنْهارِ لَمْ تُوجَدْ إلّا بِاللَّهِ تَعالى ولَوْلا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمْ تُوجَدْ، فالثَّمَرُ بَعْدَ جَمِيعِ ما يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ سَبَبُ وُجُودِهِ لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ فَهي

صفحة ٦٠

ثَمَرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى النَّخِيلِ، وتَرَكَ الأعْنابَ لِحُصُولِ العِلْمِ بِأنَّها في حُكْمِ النَّخِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو راجِعٌ إلى المَذْكُورِ أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، وهَذانِ الوَجْهانِ نَقَلَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أغْرَبَ وأقْرَبَ، وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الثَّمَرِ الفَوائِدُ، يُقالُ: ثَمَرَةُ التِّجارَةِ الرِّبْحُ، ويُقالُ: ثَمَرَةُ العِبادَةِ الثَّوابُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى التَّفْجِيرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ تَفْجِيرًا لِيَأْكُلُوا مِن فَوائِدِ ذَلِكَ التَّفْجِيرِ، وفَوائِدُهُ أكْثَرُ مِنَ الثِّمارِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ (عَبَسَ: ٢٥) إلى أنْ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ (عَبَسَ: ٣٠) والتَّفْجِيرُ أقْرَبُ في الذِّكْرِ مِنَ النَّخِيلِ، ولَوْ كانَ عائِدًا إلى اللَّهِ لَقالَ: مِن ثَمَرِنا، كَما قالَ: وجَعَلْنا، وفَجَّرْنا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْهُ﴾ مِن أيِ الماءاتِ هي ؟ نَقُولُ: فِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: نافِيَةٌ كَأنَّهُ قالَ: وما عَمِلَتِ التَّفْجِيرُ أيْدِيهِمْ، بَلِ اللَّهُ فَجَّرَ.

وثانِيها: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِي عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مِنَ الغِراسِ بَعْدَ التَّفْجِيرِ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْضًا ويَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِ اللَّهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِن غَيْرِ سَعْيٍ مِنَ النّاسِ، فَعَطَفَ الَّذِي عَمِلَتْهُ الأيْدِي عَلى ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْإنْسانِ فِيها.

وثالِثُها: هي مَصْدَرِيَّةٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (وما عَمِلَتْ) مِن غَيْرِ ضَمِيرٍ عائِدٍ؛ مَعْناهُ: لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وعَمَلِ أيْدِيهِمْ؛ يَعْنِي يَغْرِسُونَ واللَّهُ يُنْبِتُها ويَخْلُقُ ثَمَرَها، فَيَأْكُلُونَ مَجْمُوعَ عَمَلِ أيْدِيهِمْ وخَلْقِ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ لا يُمْكِنُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ مَعَ الضَّمِيرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: عَلى قَوْلِنا: ما مَوْصُولَةٌ، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: وما عَمِلَتْهُ أيْ بِالتِّجارَةِ؛ كَأنَّهُ ذَكَرَ نَوْعَيْ ما يَأْكُلُ الإنْسانُ بِهِما، وهُما الزِّراعَةُ والتِّجارَةُ، ومِنَ النَّباتِ ما يُؤْكَلُ مِن غَيْرِ عَمَلِ الأيْدِي كالعِنَبِ والتَّمْرِ وغَيْرِهِما، ومِنهُ ما يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلَ صَنْعَةٍ، فَيُؤْكَلُ كالأشْياءِ الَّتِي لا تُؤْكَلُ إلّا مَطْبُوخَةً أوْ كالزَّيْتُونِ الَّذِي لا يُؤْكَلُ إلّا بَعْدَ إصْلاحٍ، ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ النِّعَمَ أشارَ إلى الشُّكْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ وذُكِرَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ لِما بَيَّنّا مِن فَوائِدِ الِاسْتِفْهامِ فِيما تَقَدَّمَ.

36:36Page 442

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَةَ سُبْحانَ عَلَمٌ دالٌّ عَلى التَّسْبِيحِ، وتَقْدِيرُهُ: سَبِّحْ تَسْبِيحَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها، ومَعْنى سَبِّحْ نَزِّهْ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ وشُكْرُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، وهم تَرَكُوها ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِالتَّرْكِ، بَلْ عَبَدُوا غَيْرَهُ وأتَوْا بِالشِّرْكِ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ﴾ وغَيْرُهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا، فَقالَ أوْ نَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أنْكَرُوا الآياتِ ولَمْ يَشْكُرُوا بَيَّنَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ العاقِلُ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أوْ نَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ الآياتِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ما ذَكَرَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ يَكُونَ عاجِزًا

صفحة ٦١

عَنْ إحْياءِ المَوْتى وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿كُلَّها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ هو الصِّنْفُ، وأفْعالُ العِبادِ أصْنافٌ ولَها أشْباهٌ واقِعَةٌ تَحْتَ أجْناسِ الأعْراضِ، فَتَكُونُ مِنَ الكُلُّ الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيها: إنَّهُ خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها، لا يُقالُ: مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ، يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ العُمُومِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أعْطَيْتُ زَيْدًا كُلَّ ما كانَ لِي يَكُونُ لِلْعُمُومِ إنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ بَعْدَهُ: مِنَ الثِّيابِ لا يَبْقى الكَلامُ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ إذا كانَتْ مِن لِبَيانِ التَّخْصِيصِ، أمّا إذا كانَتْ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ فَلا، بِدَلِيلِ أنَّ مَن قالَ: أعْطَيْتُهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الدَّوابِّ والثِّيابِ والعَبِيدِ والجَوارِي يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يُعَدِّدُ الأصْنافَ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في حم: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ١٢) مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أُمُورًا ثَلاثَةً يَنْحَصِرُ فِيها المَخْلُوقاتُ فَقَوْلُهُ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ يَدْخُلُ فِيها ما في الأرْضِ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ كالنَّباتِ والثِّمارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ يَدْخُلُ فِيها الدَّلائِلُ النَّفْسِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ يَدْخُلُ ما في أقْطارِ السَّماواتِ وتُخُومِ الأرَضِينَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِلتَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ أنَّ الأنْعامَ مِمّا خَلَقَها اللَّهُ والمَعادِنَ لَمْ يَذْكُرْها، وإنَّما ذَكَرَ الأشْياءَ لِتَأْكِيدِ مَعْنى العُمُومِ كَما ذَكَرْنا في المِثالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ كَوْنَ الكُلِّ مَخْلُوقًا لِيُنَزِّهَ اللَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ فَإنَّ المَخْلُوقَ لا يَصْلُحُ شَرِيكًا لِلْخَلْقِ، لَكِنَّ التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِرافِ بِأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ تَعالى: اعْلَمُوا أنَّ المانِعَ مِنَ التَّشْرِيكِ فِيما تَعْلَمُونَ وما لا تَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ عامٌّ والمانِعَ مِنَ الشَّرِكَةِ الخَلْقُ، فَلا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا مِمّا تَعْلَمُونَ فَإنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ ومِمّا لا تَعْلَمُونَ، فَإنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ لِكَوْنِ كُلِّهِ مُمْكِنًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском