Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:41–46
36:41Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ولَها مُناسَبَةٌ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ بِإحْياءِ الأرْضِ وهي مَكانُ الحَيَواناتِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ، بَلْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ طَرِيقًا يُتَّخَذُ مِنَ البَحْرِ خَيْرًا ويَتَوَسَّطُهُ أوْ يَسِيرُ فِيهِ كَما يَسِيرُ في البَرِّ، وهَذا حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (يس: ٤٢) إذا فَسَّرْناهُ بِأنَّ المُرادَ الإبِلُ فَإنَّها كَسُفُنِ البَرارِيِّ.
وثانِيهِما: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ سِباحَةَ الكَواكِبِ في الأفْلاكِ، وذَكَرَ ما هو مِثْلُهُ وهو سِباحَةُ الفُلْكِ في البِحارِ.
ولَها وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأُمُورَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عِبادِهِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ ومِنها نافِعَةٌ، والأوَّلُ لِلْحاجَةِ، والثّانِي لِلزِّينَةِ، فَخَلْقُ الأرْضِ وإحْياؤُها مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، فَإنَّها المَكانُ الَّذِي لَوْلاهُ لَما وُجِدَ الإنْسانُ، ولَوْلا إحْياؤُها لَما عاشَ واللَّيْلُ والنَّهارُ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ أيْضًا مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، لِأنَّهُ الزَّمانُ الَّذِي
صفحة ٦٩
لَوْلاهُ لَما حَدَثَ الإنْسانُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ وحَرَكَتُهُما لَوْ لَمْ تَكُنْ لَما عاشَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ آيَتَيْنِ ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الثّانِي وهو الزِّينَةُ آيَتَيْنِ:
إحْداهُما: الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ، فَيُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) .
وثانِيَتُهُما: الدَّوابُّ الَّتِي هي في البَرِّ كالفُلْكِ في البَحْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (يس: ٤٢) فَإنَّ الدَّوابَّ زِينَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٦) فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ بِالضَّرُورِيِّ والنّافِعِ، لا يُقالُ بِأنَّ النّافِعَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ فَإنَّها لِلزِّينَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ حَصَلَ تَبَعًا لِلضَّرُورِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ مُنْبِتَةً لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ، وأنْزَلَ الماءَ عَلَيْها، كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وأمّا الفُلْكُ فَمَقْصُودٌ لا تَبَعٌ، ثُمَّ إذا عُلِمَتِ المُناسَبَةُ، فَفي الآياتِ أبْحاثٌ لُغَوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ:
أمّا اللُّغَوِيَّةُ فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: الذُّرِّيَّةُ هُمُ الآباءُ أيْ حَمَلْنا آباءَكم في الفُلْكِ، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ؛ أيْ فُلْكِ نُوحٍ وهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ (هُودٍ: ٣٧) ومَعْلُومٌ عِنْدَ العَرَبِ فَقالَ الفُلْكَ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَعَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَلَدِ، وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن بَيانِ المَعْنى، فَنَقُولُ: الفُلْكُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الفُلْكَ المُعَيَّنَ الَّذِي كانَ لِنُوحٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الجِنْسَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ١٢) وقالَ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٦٥) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالِ لامِ التَّعْرِيفِ في الفُلْكِ لِبَيانِ الجِنْسِ، فَإنْ كانَ المُرادُ سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنّا حَمَلْنا أوْلادَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ في ذَلِكَ الفُلْكِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما بَقِيَ لِلْآدَمِيِّ نَسْلٌ ولا عَقِبٌ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بَدَلُ قَوْلِهِ: حَمَلْناهم، إشارَةٌ إلى كَمالِ النِّعْمَةِ؛ أيْ لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ مُقْتَصِرَةً عَلَيْكم، بَلْ مُتَعَدِّيَةً إلى أعْقابِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ يُقالَ عَلى هَذا: إنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّ الذُّرِّيَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ، فَقالَ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم، وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن حَمَلَ صُنْدُوقًا لا قِيمَةَ لَهُ وفِيهِ جَواهِرُ، إذا قِيلَ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذا الصُّنْدُوقَ وتَتْعَبُ في حَمْلِهِ وهو لا يُشْتَرى بِشَيْءٍ ؟ يَقُولُ: لا أحْمِلُ الصُّنْدُوقَ وإنَّما أحْمِلُ ما فِيهِ.
الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ الجِنْسُ مَعْناهُ حَمَلْنا أجْناسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ ولَدَ الحَيَوانِ مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، والذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ»، أيِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ وإنْ كانَتْ صِنْفًا غَيْرَ صِنْفِ الرَّجُلِ لَكِنَّها مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، يُقالُ: ذَرارِينا أيْ أمْثالُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ أمْثالَهم وآباؤُهم حِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِمْ.
الثّالِثُ: هو أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ عائِدٌ إلى العِبادِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إذا عُلِمَ هَذا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٢٩) ويُرِيدُ بَعْضَهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ
صفحة ٧٠
إذا تَقاتَلَ قَوْمٌ وماتَ الكُلُّ في القِتالِ، يُقالُ: هَؤُلاءِ القَوْمُ هم قَتَلُوا أنْفُسَهم، فَهم في المَوْضِعَيْنِ يَكُونُ عائِدًا إلى القَوْمِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، بَلِ المُرادُ أنَّ بَعْضَهم قَتَلَ بَعْضًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ أيْ آيَةٌ لِكُلِّ بَعْضٍ مِنهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّةً عَلى بَعْضٍ مِنهم، أوْ ذُرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم.
وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ جِنْسُ الفُلْكِ فَهو أظْهَرُ، لِأنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ لَمْ تَكُنْ بِحَضْرَتِهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا مَن حُمِلَ فِيها، فَأمّا جِنْسُ الفُلْكِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى في سَفِينَةِنُوحٍ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥) أيْ بِوُجُودِ جِنْسِها ومِثْلِها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (لُقْمانَ: ٣١) فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولَمْ يَقُلْ: حَمَلْناهم، لِأنَّ سُكُونَ الأرْضِ عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ يَسْكُنُها، فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ عامٌّ، وأمّا الحَمْلُ في السَّفِينَةِ فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَرْكَبُها في عُمْرِهِ ولا يُحْمَلُ فِيها، ولَكِنْ ذُرِّيَّةُ العِبادِ لا بُدَّ لَهم مِن ذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ إلَيْها فَيُحْمَلُ فِيها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ الفُلْكُ تارَةً جَمْعًا حَيْثُ قالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) وأُخْرى فَرْدًا حَيْثُ قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ نَقُولُ: فِيهِ تَدْقِيقٌ مَلِيحٌ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ، وهو أنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ حَرَكَتُها مِثْلَ حَرَكَةِ تِلْكَ الكَلِمَةِ في الصُّورَةِ، والحَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ في المَعْنى، مِثالُها قَوْلُكَ: سَجَدَ يَسْجُدُ سُجُودًا لِلْمَصْدَرِ، وهم قَوْمٌ سُجُودٌ في جَمْعِ ساجِدٍ، تَظُنُّ أنَّهُما كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ السُّجُودُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا حَرَكَتُهُ أصْلِيَّةٌ إذا قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، وحَرَكَةُ السُّجُودِ عِنْدَ كَوْنِهِ لِلْجَمْعِ حَرَكَةٌ مُتَغَيِّرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الجَمْعَ يُشْتَقُّ مِنَ الواحِدِ، ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ المُشْتَقَّ تَغْيِيرٌ في حَرَكَةٍ أوْ حَرْفٍ أوْ في مَجْمُوعِهِما، فَساجِدٌ لَمّا أرَدْنا أنْ يُشْتَقَّ مِنهُ لَفْظُ جَمْعٍ غَيَّرْناهُ، وجِئْنا بِلَفْظِ السُّجُودِ، فَإذًا السُّجُودُ لِلْمَصْدَرِ والجَمْعُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي وُضِعَتْ بِحَرَكَةٍ واحِدَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفُلْكُ عِنْدَ كَوْنِهِ واحِدًا مِثْلُ قُفْلٍ وبُرْدٍ، وعِنْدَ كَوْنِها جَمْعًا مِثْلُ خُشُبٍ ومُرُدٍ وغَيْرِهِما، فَإنْ قُلْتَ: فَإذا جَعَلْتَهُ جَمْعًا ماذا يَكُونُ واحِدُها ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَكُونَ واحِدُها فُلْكَةً أوْ غَيْرَها مِمّا لَمْ يُسْتَعْمَلْ كَواحِدِ النِّساءِ حَيْثُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، وكَذا القَوْلُ في: ﴿إمامٍ مُبِينٍ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ (الإسْراءِ: ٧١) أيْ بِأئِمَّتِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إمامٍ مُبِينٍ﴾ إمّا كَزِمامٍ وكِتابٍ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ إمامٌ كَسِهامٍ وكِرامٍ وجِعابٍ، وهَذا مِن دَقِيقِ التَّصْرِيفِ.
وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ ذُرِّيَّتِهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) مَنَّ هُناكَ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ، نَقُولُ: لِأنَّ مَن يَنْفَعُ المُتَعَلِّقَ بِالغَيْرِ يَكُونُ قَدْ نَفَعَ ذَلِكَ الغَيْرَ، ومَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَلى المُتَعَلِّقِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ قَدْ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ قَدْ نَفَعَهُ، مِثالُهُ: مَن أحْسَنَ إلى ولَدِ إنْسانٍ وفَرَّحَهُ فَرِحَ بِفَرَحِهِ أبُوهُ، وإذا دَفَعَ واحِدٌ الألَمَ عَنْ ولَدِ إنْسانٍ يَكُونُ قَدْ فَرَّحَ أباهُ، ولا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ قَدْ أزالَ الألَمَ عَنْ أبِيهِ، عِنْدَ طُغْيانِ الماءِ كانَ الضَّرَرُ يَلْحَقُهم، فَقالَ: دَفَعْتُ عَنْكُمُ الضَّرَرَ، ولَوْ قالَ: دَفَعْتُ عَنْ أوْلادِكُمُ الضَّرَرَ لَما حَصَلَ بَيانُ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، وهَهُنا أرادَ بَيانَ المَنافِعِ، فَقالَ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
صفحة ٧١
لِأنَّ النَّفْعَ حاصِلٌ بِنَفْعِ الذُّرِّيَّةِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَإنَّ امْتِلاءَ الفُلْكِ مِنَ الأمْوالِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَيانُ المَنفَعَةِ، وأمّا دَفْعُ المَضَرَّةِ فَلا، لِأنَّ الفُلْكَ كُلَّما كانَ أثْقَلَ كانَ الخَلاصُ بِهِ أبْطَأ وهُنالِكَ السَّلامَةُ، فاخْتارَ هُنالِكَ ما يَدُلُّ عَلى الخَلاصِ مِنَ الضَّرَرِ وهو الجَرْيُ، وهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَنفَعَةِ وهو الشَّحْنُ، فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) ولَمْ يَقُلْ: وحَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم مَعَ أنَّ المَقْصُودَ في المَوْضِعَيْنِ بَيانُ النِّعْمَةِ، لا دَفْعُ النِّقْمَةِ، نَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَمَّ الخَلْقَ، لِأنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا حُمِلَ في البَرِّ أوِ البَحْرِ، وأمّا الحَمْلُ في البَحْرِ فَلَمْ يَعُمَّ، فَقالَ: إنْ كُنّا ما حَمَلْناكم بِأنْفُسِكم فَقَدْ حَمَلْنا مَن يُهِمُّكم أمْرُهُ مِنَ الأوْلادِ والأقارِبِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿المَشْحُونِ﴾ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرْنا، وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَرْسُبُ في الماءِ ويَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ في الفُلْكِ واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَن يَقُولُ: الخَفِيفُ لا يَرْسُبُ في الماءِ؛ لِأنَّ الخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقالَ: ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أثْقَلُ مِنَ الثِّقالِ الَّتِي تَرْسُبُ، ومَعَ هَذا حَمَلَ اللَّهُ الإنْسانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإنْ قالُوا ذَلِكَ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى جَوازِ الخَلاءِ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، فَإذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الماءِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ جَعَلْناها بِحَيْثُ تَحْمِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهم في الفُلْكِ هو العَجَبُ.
أمّا نَفْسُ الفُلْكِ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ؛ لِأنَّهُ كَبَيْتٍ مَبْنِيٍّ مِن خَشَبٍ.
وأمّا نَفْسُ الأرْضِ فَعَجَبٌ ونَفْسُ اللَّيْلِ عَجَبٌ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِما لِأحَدٍ إلّا اللَّهُ.
36:42Page 443
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِن حَيْثُ اللُّغَةُ والمَعْنى، أمّا اللُّغَةُ فَقَوْلُهُ لَهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الذُّرِّيَّةِ، أيْ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم وخَلَقْنا لِلْمَحْمُولِينَ ما يَرْكَبُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العِبادِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمائِرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (مِن) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِلَةً تَقْدِيرُهُ: وخَلَقْنا لَهم مِثْلَهُ، وهَذا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: مَن لا يَكُونُ صِلَةً إلّا عِنْدَ النَّفْيِ، تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ (ق: ٣٨) .
وثانِيهِما: هي مُبَيِّنَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ (نُوحٍ: ٤) كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْنا لَهُمْ﴾ (يس: ٤٢) والمَخْلُوقُ كانَ أشْياءَ قالَ مِن مِثْلِ الفُلْكِ لِلْبَيانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في ﴿مِثْلِهِ﴾ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ عائِدٌ إلى الفُلْكِ، فَيَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ (ص: ٥٨) وعَلى هَذا، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الفُلْكَ الآخَرَ المَوْجُودَ في زَمانِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ الإبِلَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ فاصِلًا بَيْنَ مُتَّصِلَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ أنْ يُقالَ: وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَخْلُوقاتِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾
صفحة ٧٢
وهَذا كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ إنَّ الهاءَ عائِدٌ إلى ما ذَكَرْنا، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿خَلَقْنا لَهُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ رَكُوبٌ مَرْكُوبٌ مِنَ الدَّوابِّ، ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ يَرْكَبُ الفُلْكَ، فَقالَ في الفُلْكِ: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم وإنْ كُنّا ما حَمَلْناهم، وأمّا الخَلْقُ فَلَهم عامٌّ وما يَرْكَبُونَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو الفُلْكُ الَّذِي مِثْلُ فُلْكِ نُوحٍ.
ثانِيهِما: هو الإبِلُ الَّتِي هي سُفُنُ البَرِّ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ سَفِينَةَ نُوحٍ، فَما وجْهُ مُناسَبَةِ الكَلامِ ؟ نَقُولُ: ذَكَّرَهم بِحالِ قَوْمِ نُوحٍ، وأنَّ المُكَذِّبِينَ هَلَكُوا والمُؤْمِنِينَ فازُوا، فَكَذَلِكَ هم إنْ آمَنُوا يَفُوزُوا وإنْ كَذَّبُوا يَهْلِكُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ إشارَةً إلى فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: إنَّ في حالِ النِّعْمَةِ يَنْبَغِي أنْ لا يَأْمَنُوا عَذابَ اللَّهِ.
وثانِيَتُهُما: هو أنَّ ذَلِكَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وهو أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: السَّفِينَةُ تَحْمِلُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والمُجَوَّفُ لا يَرْسُبُ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أغْرَقَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الطَّبْعِ، ولَوْ صَحَّ كَلامُهُ الفاسِدُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَسْتَ تُوافِقُ أنَّ مِنَ السُّفُنِ ما يَنْقَلِبُ ويَنْكَسِرُ، ومِنها ما يَثْقُبُهُ ثاقِبٌ فَيَرْسُبُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَإنْ شاءَ اللَّهُ إغْراقَهم أغْرَقَهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ، كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِشَيْءٍ مِن تِلْكَ الأسْبابِ كَما تُسَلِّمُ أنْتَ.
36:43–44Page 443
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ لا مُغِيثَ لَهم يَمْنَعُ عَنْهُمُ الغَرَقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ إذا أدْرَكَهُمُ الغَرَقُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلاصَ مِنَ العَذابِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِدَفْعِ العَذابِ مِن أصْلِهِ أوْ بِرَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم يَدْفَعُ، ولا هم يُنْقَذُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى غَيْرُ الحَصْرِ، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: لا صَرِيخَ، ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْصُرَ لا يَشْرَعُ في النَّصْرِ مَخافَةَ أنْ يُغْلَبَ ويَذْهَبَ ماءُ وجْهِهِ، وإنَّما يَنْصُرُ ويُغِيثُ مَن يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغِيثَ، فَقالَ: لا صَرِيخَ لَهم، وأمّا مَن لا يَكُونُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقِذَ إذا رَأى مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ في ضُرٍّ يَشْرَعُ في الإنْقاذِ، وإنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ في الإنْقاذِ ولا يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ. وإنَّما يَبْذُلُ المَجْهُودَ، فَقالَ: ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولا مُنْقِذَ لَهم.
ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ وهو يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: انْقِسامُ الإنْقاذِ إلى قِسْمَيْنِ: الرَّحْمَةِ والمَتاعِ، أيْ فِيمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً، وفِيمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ فَلِيَتَمَتَّعَ زَمانًا ويَزْدادَ إثْمًا.
وثانِيهِما: أنَّهُ بَيانٌ لِكَوْنِ الإنْقاذِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلدَّوامِ، بَلِ الزَّوالُ في الدُّنْيا لا بُدَّ مِنهُ، فَيُنْقِذُهُ اللَّهُ رَحْمَةً ويُمَتِّعُهُ إلى حِينٍ ثُمَّ يُمِيتُهُ، فالزَّوالُ لازِمٌ أنْ يَقَعَ.
36:45Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَدَّدَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾، ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾، ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
صفحة ٧٣
وكانَتِ الآياتُ تُفِيدُ اليَقِينَ وتُوجِبُ القَطْعَ بِما قالَ تَعالى، ولَمْ تُفِدْهُمُ اليَقِينَ، قالَ: فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَحْتَرِزُوا عَنِ العَذابِ فَإنَّ مَن أُخْبِرَ بِوُقُوعِ عَذابٍ يَتَّقِيهِ، وإنْ لَمْ يَقْطَعْ بِصِدْقِ قَوْلِ المُخْبِرِ احْتِياطًا، فَقالَ تَعالى: إذا ذُكِرَ لَهُمُ الدَّلِيلُ القاطِعُ لا يَتَعَرَّفُونَ بِهِ، وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا لا يَتَّقُونَ، فَهم في غايَةِ الجَهْلِ ونِهايَةِ الغَفْلَةِ، لا مِثْلَ العُلَماءِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ البُرْهانَ، ولا مِثْلَ العامَّةِ الَّذِينَ يَبْنُونَ الأمْرَ عَلى الأحْوَطِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِحَرْفِ التَّمَنِّي أيْ: في ظَنِّكم فَإنَّ مَن يَخْفى عَلَيْهِ وجْهُ البُرْهانِ لا يَتْرُكُ طَرِيقَةَ الِاحْتِرازِ والِاحْتِياطِ، وجَوابُ قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ وإذا قِيلَ لَهم ذَلِكَ لا يَتَّقُونَ أوْ يُعْرِضُونَ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ الآخِرَةُ فَإنَّهم مُسْتَقْبِلُونَ لَها ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ الدُّنْيا فَإنَّهم تارِكُونَ لَها.
وثانِيها: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ مِن أنْواعِ العَذابِ مِثْلِ الغَرَقِ والحَرَقِ، وغَيْرِهِما المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ وما خَلْفَكم مِنَ المَوْتِ الطّالِبِ لَكم إنْ نَجَوْتُمْ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَلا نَجاةَ لَكم مِنهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .
وثالِثُها: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ حاضِرٌ عِنْدَكم وما خَلْفَكم مِن أمْرِ الحَشْرِ فَإنَّكم إذا اتَّقَيْتُمْ تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّكْذِيبَ بِالحَشْرِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ مَعَ أنَّ الرَّحْمَةَ واجِبَةٌ، فِيهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها مِرارًا ونَزِيدُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اتَّقُوا﴾ بِمَعْنى أنَّكم إنْ لَمْ تَقْطَعُوا بِناءً عَلى البَراهِينِ فاتَّقُوا احْتِياطًا قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ يَعْنِي أرْبابَ اليَقِينِ يُرْحَمُونَ جَزْمًا، وأرْبابَ الِاحْتِياطِ يُرْجى أنْ يُرْحَمُوا، والحَقُّ ما ذَكَرْنا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: اتَّقُوا راجِينَ الرَّحْمَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وثانِيهِما: هو أنَّ الِاتِّقاءَ نَظَرًا إلَيْهِ أمْرٌ يُفِيدُ الظَّنَّ بِالرَّحْمَةِ فَإنْ كانَ يَقْطَعُ بِهِ أحَدٌ لِأمْرٍ مِن خارِجٍ فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ الرَّجاءَ فَإنَّ المَلِكَ إذا كانَ في قَلْبِهِ أنْ يُعْطِيَ مَن يَخْدِمُهُ أكْثَرَ مِن أُجْرَتِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً لَكِنَّ الخِدْمَةَ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: افْعَلْ كَذا. ولا يَبْعُدُ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ أُجْرَتُكَ أكْثَرَ مِمّا تَسْتَحِقُّ.
36:46Page 443
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَعْنِي إذا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ كَذَّبُوهم فَإذا أُتُوا بِالآياتِ أعْرَضُوا عَنْها وما التَفَتُوا إلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ كَلامٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الآيَةِ وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ وكانَ فِيهِ تَقْدِيرُ أعْرَضُوا، قالَ: لَيْسَ إعْراضُهم مُقْتَصِرًا عَلى ذَلِكَ بَلْ هم عَنْ كُلِّ آيَةٍ مُعْرِضُونَ، أوْ يُقالُ إذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا اقْتَرَحُوا آياتٍ مِثْلَ إنْزالِ المَلَكِ وغَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ وعَلى هَذا كانُوا في المَعْنى يَكُونُ زائِدًا مَعْناهُ إلّا يُعْرِضُونَ عَنْها أيْ: لا تَنْفَعُهُمُ الآياتُ ومَن كَذَّبَ بِالبَعْضِ هانَ عَلَيْهِ التَّكْذِيبُ بِالكُلِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences