Ar-RaziYa-Sin · 36:47–53

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:47–53

36:47–49Page 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧

And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩

They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

إشارَةٌ إلى أنَّهم يَبْخَلُونَ بِجَمِيعِ ما عَلى المُكَلَّفِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُكَلَّفَ عَلَيْهِ التَّعْظِيمُ لِجانِبِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وهم تَرَكُوا التَّعْظِيمَ حَيْثُ قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا فَلَمْ يَتَّقُوا، وتَرَكُوا الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ حَيْثُ قِيلَ لَهم: ﴿أنْفِقُوا﴾ فَلَمْ يُنْفِقُوا، وفِيهِ لَطائِفُ:

الأُولى: خُوطِبُوا بِأدْنى الدَّرَجاتِ في التَّعْظِيمِ والشَّفَقَةِ فَلَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِنهُ، وعِبادُ اللَّهِ المُخْلَصُونَ خُوطِبُوا بِالأدْنى فَأتَوْا بِالأعْلى، إنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّهم في التَّقْوى أُمِرُوا بِأنْ يَتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ العَذابِ أوِ الآخِرَةِ وما خَلْفَهم مِنَ المَوْتِ أوِ العَذابِ، وهو أدْنى ما يَكُونُ مِنَ الِاتِّقاءِ، وأمّا الخاصُّ فَيَتَّقِي تَغْيِيرَ قَلْبِ المَلِكِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يُعاقِبْهُ، ومُتَّقِي العَذابِ لا يَكُونُ إلّا لِلْبَعِيدِ، فَهم لَمْ يَتَّقُوا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ولَمْ يَتَّقُوا عَذابَ اللَّهِ، والمُخْلَصُونَ اتَّقَوُا اللَّهَ واجْتَنَبُوا مُخالَفَتَهُ سَواءٌ كانَ يُعاقِبُهم عَلَيْهِ أوْ لا يُعاقِبُهم، وأمّا في الشَّفَقَةِ فَقِيلَ لَهم: ﴿أنْفِقُوا مِمّا﴾ أيْ بَعْضَ ما هو لِلَّهِ في أيْدِيكم فَلَمْ يُنْفِقُوا، والمُخْلَصُونَ آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وبَذَلُوا كُلَّ ما في أيْدِيهِمْ، بَلْ أنْفُسَهم صَرَفُوها إلى نَفْعِ عِبادِ اللَّهِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم.

الثّانِيَةُ: كَما أنَّ في جانِبِ التَّعْظِيمِ ما كانَ فائِدَةُ التَّعْظِيمِ راجِعَةً إلّا إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُسْتَغْنٍ عَنْ تَعْظِيمِهِمْ، كَذَلِكَ في جانِبِ الشَّفَقَةِ ما كانَ فائِدَةُ الشَّفَقَةِ راجِعَةً إلّا إلَيْهِمْ، فَإنَّ مَن لا يَرْزُقُهُ المُتَمَوِّلُ لا يَمُوتُ إلّا بِأجَلِهِ ولا بُدَّ مِن وُصُولِ رِزْقِهِ إلَيْهِ، لَكِنَّ السَّعِيدَ مَن قَدَّرَ اللَّهُ إيصالَ الرِّزْقِ عَلى يَدِهِ إلى غَيْرِهِ.

الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ البُخْلَ بِهِ في غايَةِ القُبْحِ فَإنَّ أبْخَلَ البُخَلاءِ مَن يَبْخَلُ بِمالِ الغَيْرِ.

وثانِيهِما: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكم مِن ذَلِكَ مَخافَةُ الفَقْرِ فَإنَّ اللَّهَ رَزَقَكم فَإذا أنْفَقْتُمْ فَهو يَخْلُفُهُ لَكم ثانِيًا كَما رَزَقَكم أوَّلًا وفِيهِ مَسائِلُ أيْضًا:

المَسْألَةُ الأُولى: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ حَذَفَ الجَوابَ، وهَهُنا أجابَ وأتى بِأكْثَرَ مِنَ الجَوابِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ قالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ قالُوا: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ لَكانَ كافِيًا، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] ؟ نَقُولُ: الكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ بِأنَّ الإطْعامَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ القَوْلِ رَدًّا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَقالُوا: نَحْنُ نُطْعِمُ الضُّيُوفَ مُعْتَقِدِينَ بِأنَّ أفْعالَنا ثَناءٌ، ولَوْلا إطْعامُنا لَما انْدَفَعَ حاجَةُ الضَّيْفِ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ إلَهَكم يَرْزُقُ مَن يَشاءُ، فَلِمَ تَقُولُونَ لَنا أنْفِقُوا ؟ فَلَمّا كانَ غَرَضُهُمُ الرَّدَّ عَلى المُؤْمِنِينَ لا الِامْتِناعَ مِنَ الإطْعامِ قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إشارَةً إلى الرَّدِّ، وأمّا في قَوْلِهِمْ: ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ فَلَمْ يَكُنْ لَهم رَدٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ فَأعْرَضُوا وأعْرَضَ اللَّهُ عَنْ ذِكْرِ إعْراضِهِمْ لِحُصُولِ العِلْمِ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ اللَّفْظِ في جَوابِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا: أنُنْفِقُ عَلى مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ رَزَقَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإنْفاقِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ فَكانَ جَوابُهم بِأنْ يَقُولُوا أنُنْفِقُ فَلِمَ قالُوا:

صفحة ٧٥

﴿أنُطْعِمُ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ بَيانُ غايَةِ مُخالَفَتِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا أُمِرُوا بِالإنْفاقِ - والإنْفاقُ يَدْخُلُ فِيهِ الإطْعامُ وغَيْرُهُ - لَمْ يَأْتُوا بِالإنْفاقِ ولا بِأقَلَّ مِنهُ وهو الإطْعامُ، وقالُوا: لا نُطْعِمُ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أعْطِ زَيْدًا دِينارًا، يَقُولُ: لا أُعْطِيهِ دِرْهَمًا مَعَ أنَّ المُطابِقَ هو أنْ يَقُولَ: لا أُعْطِيهِ دِينارًا، ولَكِنَّ المُبالَغَةَ في هَذا الوَجْهِ أتَمُّ فَكَذَلِكَ هَهُنا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كانَ كَلامُهم حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ أطْعَمَهُ فَلِماذا ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ ؟ نَقُولُ: لِأنَّ مُرادَهم كانَ الإنْكارَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ أوْ لِعَدَمِ جَوازِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ، وكِلاهُما فاسِدٌ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ ويُصَحِّحُ أمْرَهُ بِالإعْطاءِ لِأنَّ مَن كانَ لَهُ في يَدِ الغَيْرِ مالٌ ولَهُ في خَزائِنِهِ مالٌ فَهو مُخَيَّرٌ، إنْ أرادَ أعْطى مِمّا في خَزائِنِهِ، وإنْ أرادَ أمَرَ مَن عِنْدَهُ المالُ بِالإعْطاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ مَن بِيَدِهِ مالُهُ في خَزائِنِكَ أكْثَرُ مِمّا في يَدِي: أعْطِهِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إشارَةٌ إلى اعْتِقادِهِمْ أنَّهم قَطَعُوا المُؤْمِنِينَ بِهَذا الكَلامِ، وأنَّ أمْرَهم بِالإنْفاقِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ ظاهِرُ الفَسادِ، واعْتِقادُهم هو الفاسِدُ وفِيهِ مَباحِثُ لُغَوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ.

أمّا اللُّغَوِيَّةُ: فَنَقُولُ: ”إنْ“ ورَدَتْ لِلنَّفْيِ بِمَعْنى ما، وكانَ الأصْلُ في إنْ أنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِ، والأصْلُ في ما أنْ تَكُونَ لِلنَّفْيِ لَكِنَّهُما اشْتَرَكا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ فَتَقارَبا، واسْتَعْمَلَ ما في الشَّرْطِ، واسْتَعْمَلَ إنْ في النَّفْيِ، أمّا الوَجْهُ المُشْتَرَكُ فَهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما حَرْفٌ مُرَكَّبٌ مِن حَرْفَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ، فَإنَّ الهَمْزَةَ تَقْرُبُ مِنَ الألِفِ والمِيمَ مِنَ النُّونِ، ولا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ ما وإنْ لا يَكُونُ ثابِتًا، أمّا في ما فَظاهِرٌ، وأمّا في إنْ فَلِأنَّكَ إذا قُلْتَ: إنْ جاءَنِي زَيْدٌ أُكْرِمْهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ لَهُ في الحالِ مَجِيءٌ فاسْتَعْمَلَ إنْ مَكانَ ما، وقِيلَ: إنْ زَيْدٌ قائِمٌ أيْ: ما زَيْدٌ بِقائِمٍ، واسْتَعْمَلَ ما في الشَّرْطِ تَقُولُ: ما تَصْنَعْ أصْنَعْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ ما النّافِيَةَ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا تُسْتَعْمَلُ إنْ، وذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: ما إنْ جَلَسَ زَيْدٌ فَتَجْعَلُ إنْ صِلَةً، ولا تَقُولُ: إنْ جَلَسَ زَيْدٌ. بِمَعْنى النَّفْيِ، وبِمَعْنى الشَّرْطِ تَقُولُ: إمّا تَرَيِنَّ، فَتَجْعَلُ إنْ أصْلًا وما صِلَةً، فَدَلَّنا هَذا عَلى أنَّ ”إنْ“ في الشَّرْطِ أصْلٌ وما دَخِيلٌ وما في النَّفْيِ بِالعَكْسِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا﴾ يُفِيدُ ما لا يُفِيدُ قَوْلُهُ: (أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ) لِأنَّهُ يُوجِبُ الحَصْرَ وأنَّهُ لَيْسُوا في غَيْرِ الضَّلالِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: وصْفُ الضَّلالِ بِالمُبِينِ قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ أنَّهُ لِظُهُورِهِ يُبَيِّنُ نَفْسَهُ أنَّهُ ضَلالٌ أيْ في ضَلالٍ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ ضَلالٌ.

البَحْثُ الرّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ضَلالٍ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهم مَغْمُورِينَ فِيهِ غائِصِينَ، وقَوْلَهُ في مَواضِعَ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ و﴿عَلى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ راكِبِينَ مَتْنَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ قادِرِينَ عَلَيْهِ.

وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَهي أنَّهم إنَّما وصَفُوا الَّذِينَ آمَنُوا بِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ لِكَوْنِهِمْ ظانِّينَ أنَّ المُؤْمِنَ كَلامَهُ مُتَناقِضٌ ومَن تَناقَضَ كَلامُهُ يَكُونُ في غايَةِ الضَّلالِ، إنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ إنْ شاءَ أنْ يُطْعِمَهم كانَ يُطْعِمُهم فَلا تَقْدِرُ عَلى إطْعامِهِمْ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ، وإنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ إطْعامَهم لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إطْعامِهِمْ لِامْتِناعِ وُقُوعِ ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ فَلا قُدْرَةَ لَنا عَلى الإطْعامِ، فَكَيْفَ تَأْمُرُونا بِالإطْعامِ، ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهم قالُوا: أرادَ اللَّهُ تَجْوِيعَهم فَلَوْ أطْعَمْنا يَكُونُ ذَلِكَ سَعْيًا

صفحة ٧٦

فِي إبْطالِ فِعْلِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ وأنْتُمْ تَقُولُونَ: أطْعِمُوهم فَهو ضَلالٌ ولَمْ يَكُنْ في الضَّلالِ إلّا هم حَيْثُ نَظَرُوا إلى المُرادِ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الطَّلَبِ والأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أمَرَهُ السَّيِّدُ بِأمْرٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَكْشِفَ سَبَبَ الأمْرِ والِاطِّلاعِ عَلى المَقْصُودِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ لِأجْلِهِ. مِثالُهُ: المَلِكُ إذا أرادَ الرُّكُوبَ لِلْهُجُومِ عَلى عَدُوِّهِ بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ لِعَبْدِهِ: أحْضِرِ المَرْكُوبَ، فَلَوْ تَطَلَّعَ واسْتَكْشَفَ المَقْصُودَ الَّذِي لِأجْلِهِ الرُّكُوبُ لَنُسِبَ إلى أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُطْلِعَ عَدُوَّهُ عَلى الحَذَرِ مِنهُ وكَشْفِ سِرِّهِ، فالأدَبُ في الطّاعَةِ وهو اتِّباعُ الأمْرِ لا تَتَبُّعُ المُرادِ، فاللَّهُ تَعالى إذا قالَ: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لَمْ يُطْعِمْهُمُ اللَّهُ مِمّا في خَزائِنِهِ.

36:50–51Page 443

فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١

And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

وهُوَ إشارَةٌ إلى ما اعْتَقَدُوهُ وهو أنَّ التَّقْوى المَأْمُورَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ والإنْفاقَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا﴾ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّ الوَعْدَ لا حَقِيقَةَ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ مَتى يَقَعُ المَوْعُودُ بِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: وهي إنْ لِلشَّرْطِ وهي تَسْتَدْعِي جَزاءً، ومَتى اسْتِفْهامٌ لا يَصْلُحُ جَزاءً فَما الجَوابُ ؟ نَقُولُ: هي في الصُّورَةِ اسْتِفْهامٌ، وفي المَعْنى إنْكارٌ كَأنَّهم قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في وُقُوعِ الحَشْرِ فَقُولُوا مَتى يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخِطابُ مَعَ مَن في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعَ الأنْبِياءِ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الرِّسالَةَ، قالُوا: إنْ كُنْتُمْ يا أيُّها المُدَّعُونَ لِلرِّسالَةِ صادِقِينَ فَأخْبِرُونا مَتى يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ في هَذا المَوْضِعِ وعْدٌ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا الوَعْدُ﴾ إلى أيِّ وعْدٍ ؟ نَقُولُ: هو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾ مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نَقُولُ هو مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا لِكَوْنِ الأنْبِياءِ مُقِيمِينَ عَلى تَذْكِيرِهِمْ بِالسّاعَةِ والحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أيْ لا يَنْتَظِرُونَ إلّا الصَّيْحَةَ المَعْلُومَةَ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ، فَإنْ قِيلَ: هم ما كانُوا يَنْتَظِرُونَ بَلْ كانُوا يَجْزِمُونَ بِعَدَمِها، فَنَقُولُ: الِانْتِظارُ فِعْلِيٌّ لِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ فاعِلُهُ البَوارَ وتَعْجِيلَ العَذابِ وتَقْرِيبَ السّاعَةِ لَوْلا حُكْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ، فَإنَّهم لا يَقُولُونَ، أوْ نَقُولُ لَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ مَتى اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، قالَ: يَنْتَظِرُونَ انْتِظارًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، لِأنَّ القائِلَ مَتى يُفْهَمُ مِنهُ الِانْتِظارُ نُظِرَ إلى قَوْلِهِ.

وقَدْ ذَكَرُوا هَهُنا في الصَّيْحَةِ أُمُورًا تَدُلُّ عَلى هَوْلِها وعِظَمِها:

أحَدُها: التَّنْكِيرُ يُقالُ: لِفُلانٍ مالٌ كَثِيرٌ، ولَهُ قَلْبٌ أيْ جَرِيءٌ.

وثانِيها: واحِدَةٌ أيْ لا يَحْتاجُ مَعَها إلى ثانِيَةٍ.

وثالِثُها: تَأْخُذُهم أيْ تَعُمُّهم بِالأخْذِ وتَصِلُ إلى مَن في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولا شَكَّ أنَّ مِثْلَها لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا.

وقَوْلُهُ: ﴿تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾، مِمّا يَعْظُمُ بِهِ الأمْرُ لِأنَّ الصَّيْحَةَ المُعْتادَةَ إذا ورَدَتْ عَلى غافِلٍ يَرْجُفُ فَإنَّ المُقْبِلَ عَلى مُهِمٍّ إذا صاحَ بِهِ صائِحٌ يَرْجُفُ فُؤادُهُ بِخِلافِ

صفحة ٧٧

المُنْتَظِرِ لِلصَّيْحَةِ، فَإذا كانَ حالُ الصَّيْحَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ وتَرِدُ عَلى الغافِلِ الَّذِي هو مَعَ خَصْمِهِ مَشْغُولٌ يَكُونُ الِارْتِجافُ أتَمَّ والإيخافُ أعْظَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ في البَعْثِ ويَقُولُونَ: لا يَكُونُ ذَلِكَ أصْلًا فَيَكُونُونَ غافِلِينَ عَنْهُ، بِخِلافِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ يَكُونُ فَيَتَهَيَّأُ ويَنْتَظِرُ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ لا يَرْتَجِفُ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ﴾ [الزمر: ٦٨] مِمَّنِ اعْتَقَدَ وُقُوعَها فاسْتَعَدَّ لَها، وقَدْ مَثَّلْنا ذَلِكَ فِيمَن شامَ بَرْقًا وعَلِمَ أنْ سَيَكُونَ رَعْدًا ومَن لَمْ يَشِمْهُ ولَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ رَعَدَ الرَّعْدُ تَرى الشّائِمَ العالِمَ ثابِتًا، والغافِلَ الذّاهِلَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شِدَّةَ الأخْذِ وهي بِحَيْثُ لا تُمْهِلُهم إلى أنْ يُوصُوا. وفِيهِ أُمُورٌ مُبَيِّنَةٌ لِلشِّدَّةِ.

أحَدُها: عَدَمُ الِاسْتِطاعَةِ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ في هَذا الحالِ لا يُوصِي دُونَ قَوْلِهِ لا يَسْتَطِيعُ التَّوْصِيَةَ؛ لِأنَّ مَن لا يُوصِي قَدْ يَسْتَطِيعُها.

الثّانِي: التَّوْصِيَةُ، وهي بِالقَوْلِ والقَوْلُ يُوجَدُ أسْرَعَ مِمّا يُوجَدُ الفِعْلُ فَقالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ كَلِمَةً فَكَيْفَ فِعْلًا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ طَوِيلٍ مِن أداءِ الواجِباتِ ورَدِّ المَظالِمِ.

الثّالِثُ: اخْتِيارُ التَّوْصِيَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الكَلِماتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى أهَمِّ الكَلِماتِ فَإنَّ وقْتَ المَوْتِ الحاجَةُ إلى التَّوْصِيَةِ أمَسُّ.

الرّابِعُ: التَّنْكِيرُ في التَّوْصِيَةِ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ لا يَقْدِرُ عَلى تَوْصِيَةٍ ما ولَوْ كانَتْ بِكَلِمَةٍ يَسِيرَةٍ، ولِأنَّ التَّوْصِيَةَ قَدْ تَحْصُلُ بِالإشارَةِ فالعاجِزُ عَنْها عاجِزٌ عَنْ غَيْرِها.

الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بَيانٌ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلى التَّوْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن يَرْجُو الوُصُولَ إلى أهْلِهِ قَدْ يُمْسِكُ عَنِ الوَصِيَّةِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْها، وأمّا مَن يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا وُصُولَ لَهُ إلى أهْلِهِ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّوْصِيَةِ، فَإذا لَمْ يَسْتَطِعْ مَعَ الحاجَةِ دَلَّ عَلى غايَةِ الشِّدَّةِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا أنَّهم يَقْطَعُونَ بِأنَّهم لا يُمْهَلُونَ إلى أنْ يَجْتَمِعُوا بِأهالِيهِمْ وذَلِكَ يُوجِبُ الحاجَةَ إلى التَّوْصِيَةِ.

وثانِيهِما: أنَّهم إلى أهْلِهِمْ لا يَرْجِعُونَ، يَعْنِي يَمُوتُونَ ولا رُجُوعَ لَهم إلى الدُّنْيا، ومَن يُسافِرُ سَفَرًا ويَعْلَمُ أنَّهُ لا رُجُوعَ لَهُ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ ولا اجْتِماعَ لَهُ بِأهْلِهِ مَرَّةً أُخْرى يَأْتِي بِالوَصِيَّةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما بَعْدَ الصَّيْحَةِ الأُولى فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ نُفِخَ فِيهِ [ مَرَّةً ] أُخْرى كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ والقِيامُ غَيْرُ النَّسَلانِ وقَوْلُهُ في المَوْضِعَيْنِ: ﴿فَإذا هُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونا مَعًا. نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ القِيامَ لا يُنافِي المَشْيَ السَّرِيعَ، لِأنَّ الماشِيَ قائِمٌ ولا يُنافِي النَّظَرَ.

وثانِيهِما: أنَّ السُّرْعَةَ مَجِيءُ الأُمُورِ كَأنَّ الكُلَّ في زَمانٍ واحِدٍ كَقَوْلِ القائِلِ:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا [ كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ ]

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ صارَتِ النَّفْخَتانِ مُؤَثِّرَتَيْنِ في أمْرَيْنِ مُتَضادَّيْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ ؟ نَقُولُ: لا مُؤَثِّرَ غَيْرُ اللَّهِ، والنَّفْخُ عَلامَةٌ، ثُمَّ إنَّ الصَّوْتَ الهائِلَ يُزَلْزِلُ الأجْسامَ فَعِنْدَ الحَياةِ كانَتْ أجْزاءُ الحَيِّ مُجْتَمِعَةً فَزَلْزَلَها فَحَصَلَ فِيها تَفْرِيقٌ، وحالَةَ المَوْتِ كانَتِ الأجْزاءُ مُتَفَرِّقَةً فَزَلْزَلَها فَحَصَلَ فِيها اجْتِماعٌ فالحاصِلُ أنَّ النَّفْخَتَيْنِ يُؤَثِّرانِ تَزَلْزُلًا وانْتِقالًا لِلْأجْرامِ فَعِنْدَ الِاجْتِماعِ تَتَفَرَّقُ وعِنْدَ الِافْتِراقِ تَجْتَمِعُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما التَّحْقِيقُ في إذا الَّتِي لِلْمُفاجَأةِ ؟ نَقُولُ: هي إذا الَّتِي لِلظَّرْفِ مَعْناهُ نُفِخَ في الصُّورِ فَإذا نُفِخَ فِيهِ هم

صفحة ٧٨

يَنْسِلُونَ لَكِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ ظَرْفًا لِلشَّيْءِ مَعْلُومًا كَوْنُهُ ظَرْفًا، فَعِنْدَ الكَلامِ يُعْلَمُ كَوْنُهُ ظَرْفًا، وعَنِ المُشاهَدَةِ لا يَتَجَدَّدُ عِلْمٌ كَقَوْلِ القائِلِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أضاءَ الجَوُّ وغَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا رَأى إضاءَةَ الجَوِّ عِنْدَ الطُّلُوعِ لَمْ يَتَجَدَّدْ عِلْمٌ زائِدٌ، وأمّا إذا قُلْتَ: خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ، كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ ظَرْفَ كَوْنِ الأسَدِ بِالبابِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا فَإذا رَآهُ عَلِمَهُ فَحَصَلَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَهُ مُفاجَأةٌ عِنْدَ الإحْساسِ فَقِيلَ: إذا لِلْمُفاجَأةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أيْنَ يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أجْداثٌ وقَدْ زَلْزَلَتِ الصَّيْحَةُ الجِبالَ ؟ نَقُولُ: يَجْمَعُ اللَّهُ أجْزاءَ كُلِّ واحِدٍ في المَوْضِعِ الَّذِي قُبِرَ فِيهِ فَيَخْرُجُ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ وهو جَدَثُهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَوْضِعُ مَوْضِعُ ذِكْرِ الهَيْبَةِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكافِرِ، ولَفْظُ الرَّبِّ يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ فَلَوْ قالَ بَدَلَ الرَّبِّ المُضافِ إلَيْهِمْ لَفْظًا دالًّا عَلى الهَيْبَةِ هَلْ يَكُونُ ألْيَقَ أمْ لا ؟ قُلْنا: هَذا اللَّفْظُ أحْسَنُ ما يَكُونُ، لِأنَّ مَن أساءَ واضْطَرَّ إلى التَّوَجُّهِ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ ألَمًا وأكْثَرَ نَدَمًا مِن غَيْرِهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُسِيءُ إذا تَوَجَّهَ إلى المُحْسِنِ يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ أُخْرى، والنَّسَلانُ هو سُرْعَةُ المَشْيِ فَكَيْفَ يُوجَدُ مِنهم ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ ونُفُوذَ إرادَتِهِ حَيْثُ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَكُونُ في وقْتِهِ جَمْعٌ وتَرْكِيبٌ وإحْياءٌ وقِيامٌ وعَدْوٌ في زَمانٍ واحِدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يَعْنِي في زَمانٍ واحِدٍ يَنْتَهُونَ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ وهي النَّسَلانُ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَراتِبَ.

36:52–53Page 443

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢

They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣

It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .

يَعْنِي لَمّا بُعِثُوا قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بُعِثُوا وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَوْ قالَ قائِلٌ: لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يَقُولُونَ: يا ويْلَنا كانَ ألْيَقَ، نَقُولُ: مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ عَلى ما ذَكَرْنا إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى في أسْرَعِ زَمانٍ يَجْمَعُ أجَزاءَهم ويُؤَلِّفُها ويُحْيِيها ويُحَرِّكُها، بِحَيْثُ يَقَعُ نَسَلانُهم في وقْتِ النَّفْخِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الجَمْعِ والتَّأْلِيفِ، فَلَوْ قالَ: يَقُولُونَ، لَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ الحالِ لِيَنْسِلُونَ، أيْ يَنْسِلُونَ قائِلِينَ: يا ويْلَنا ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهم: يا ويْلَنا قَبْلَ أنْ يَنْسِلُوا، وإنَّما ذَكَرَ النَّسَلانَ لِما ذَكَرْنا مِنَ الفَوائِدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: قَدْ عَرَفْنا مَعْنى النِّداءِ في مِثْلِ يا حَسْرَةً ويا حَسْرَتا ويا ويْلَنا، ولَكِنْ ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ وقَوْلِ اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] مِن غَيْرِ إضافَةٍ، وقالُوا: يا حَسْرَتا ويا حَسْرَتَنا ويا ويْلَنا ؟ نَقُولُ: حَيْثُ كانَ القائِلُ هو المُكَلَّفَ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ عِلْمٌ إلّا بِحالَةٍ أوْ بِحالٍ مِن قُرْبٍ مِنهُ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ يَقُولُ: يا حَسْرَتَنا ويا ويْلَنا، فَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ قالَ: يا ويْلِي، وأمّا حَيْثُ قالَ اللَّهُ قالَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ لِشُمُولِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ تَعَلُّقِ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ياوَيْلَنا﴾ نَقُولُ: لَمّا بُعِثُوا تَذَكَّرُوا ما كانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالُوا: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا﴾ أبَعَثَنا اللَّهُ البَعْثَ المَوْعُودَ بِهِ أمْ كُنّا نِيامًا فَنَبَّهَنا ؟ وهَذا كَما إذا

صفحة ٧٩

كانَ إنْسانٌ مَوْعُودًا بِأنْ يَأْتِيَهُ عَدُوٌّ لا يُطِيقُهُ، ثُمَّ يَرى رَجُلًا هائِلًا يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَرْتَجِفُ في نَفْسِهِ ويَقُولُ: هَذا ذَلِكَ أمْ لا ؟ ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهم: ﴿مِن مَرْقَدِنا﴾ حَيْثُ جَعَلُوا القُبُورَ مَوْضِعَ الرُّقادِ إشارَةً إلى أنَّهم شَكُّوا في أنَّهم كانُوا نِيامًا فَنُبِّهُوا أوْ كانُوا مَوْتى وكانَ الغالِبُ عَلى ظَنِّهِمْ هو البَعْثَ فَجَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَقالُوا: ﴿مَن بَعَثَنا﴾ إشارَةً إلى ظَنِّهِمْ أنَّهُ بَعْثُهُمُ المَوْعُودُ بِهِ، وقالُوا: ﴿مِن مَرْقَدِنا﴾ إشارَةً إلى تَوَهُّمِهِمُ احْتِمالَ الِانْتِباهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (هَذا) إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَرْقَدِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ هَذا فَيَكُونُ صِفَةً لِلْمَرْقَدِ، يُقالُ: كَلامِي هَذا صِدْقٌ.

وثانِيهِما: (هَذا) إشارَةٌ إلى البَعْثِ، أيْ هَذا البَعْثُ ما وعَدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا كانَ ”هَذا“ صِفَةً لِلْمَرْقَدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ ؟ نَقُولُ: يَكُونُ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ حَقٌّ، والمُرْسَلُونَ صَدَقُوا، أوْ يُقالُ ما وعَدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ فِيهِ المُرْسَلُونَ حَقٌّ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِقِلَّةِ الإضْمارِ، أوْ يُقالُ: ما وعَدَ الرَّحْمَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو ما وعَدَ الرَّحْمَنُ مِنَ البَعْثِ لَيْسَ تَنْبِيهًا مِنَ النَّوْمِ، وصَدَقَ المُرْسَلُونَ فِيما أخْبَرُوكم بِهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ قُلْنا: (هَذا) إشارَةً إلى المَرْقَدِ أوْ إلى البَعْثِ، فَجَوابُ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِمْ ﴿مَن بَعَثَنا﴾ أيْنَ يَكُونُ ؟ نَقُولُ: لَمّا كانَ غَرَضُهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿مَن بَعَثَنا﴾ حُصُولَ العِلْمِ بِأنَّهُ بَعْثٌ أوْ تَنْبِيهٌ حَصَلَ الجَوابُ بِقَوْلِهِ: هَذا بَعْثٌ وعَدَ الرَّحْمَنُ بِهِ، لَيْسَ تَنْبِيهًا، كَما أنَّ الخائِفَ إذا قالَ لِغَيْرِهِ: ماذا تَقُولُ أيَقْتُلُنِي فُلانٌ ؟ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا تَخَفْ، ويَسْكُتُ لِعِلْمِهِ أنَّ غَرَضَهُ إزالَةُ الرُّعْبِ عَنْهُ وبِهِ يَحْصُلُ الجَوابُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском