Ar-RaziYa-Sin · 36:54–59

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:54–59

36:54–56Page 443

فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤

So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.

إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥

Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -

هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦

They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ .

أيْ ما كانَتِ النَّفْخَةُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، يَدُلُّ عَلى النَّفْخَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَتِ الواقِعَةُ، وقُرِئَتِ الصَّيْحَةُ مَرْفُوعَةً عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ، بِمَعْنى ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنْ كانَ، لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ ما وقَعَ شَيْءٌ إلّا صَيْحَةٌ، لَكِنَّ التَّأْنِيثَ جائِزٌ إحالَةً عَلى الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَقُولَ الَّذِي قَرَأ بِالرَّفْعِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] تَأْنِيثُ تَهْوِيلٍ ومُبالَغَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] فَإنَّها لِلْمُبالَغَةِ فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً﴾ مُؤَنَّثَةٌ تَأْنِيثَ تَهْوِيلٍ، ولِهَذا جاءَتْ أسْماءُ يَوْمِ الحَشْرِ كُلُّها مُؤَنَّثَةً كالقِيامَةِ والقارِعَةِ والحاقَّةِ والطّامَّةِ والصّاخَّةِ إلى غَيْرِها، والزَّمَخْشَرِيُّ يَقُولُ: كاذِبَةٌ بِمَعْنى لَيْسَ لِوَقْعَتِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ، وتَأْنِيثُ أسْماءِ الحَشْرِ لِكَوْنِ الحَشْرِ مُسَمًّى بِالقِيامَةِ، وقَوْلُهُ: (﴿مُحْضَرُونَ﴾ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ إجْبارِيٌّ لا اخْتِيارِيٌّ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

صفحة ٨٠

فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ لِيَأْمَنَ المُؤْمِنُ ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِيَيْأسَ المُجْرِمُ الكافِرُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في الخِطابِ عِنْدَ الإشارَةِ إلى يَأْسِ المُجْرِمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُجْزَوْنَ﴾ وتَرْكِ الخِطابِ في الإشارَةِ إلى أمانِ المُؤْمِنِ مِنَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُظْلَمُ﴾ ولَمْ يَقُلْ ولا تُظْلَمُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ ؟ نَقُولُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ يُفِيدُ العُمُومَ وهو كَذَلِكَ فَإنَّها لا تُظْلَمُ أبَدًا ﴿ولا تُجْزَوْنَ﴾ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُؤْمِنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإنَّ لِلَّهِ فَضْلًا مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِ وعَدْلًا عامًّا، وفِيهِ بِشارَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما المُقْتَضِي لِذِكْرِ فاءِ التَّعْقِيبِ ؟ نَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مَجْمُوعُونَ، والجَمْعُ لِلْفَصْلِ والحِسابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا جُمِعُوا لَمْ يُجْمَعُوا إلّا لِلْفَصْلِ بِالعَدْلِ، فَلا ظُلْمَ عِنْدَ الجَمْعِ لِلْعَدْلِ، فَصارَ عَدَمُ الظُّلْمِ مُتَرَتِّبًا عَلى الإحْضارِ لِلْعَدْلِ، ولِهَذا يَقُولُ القائِلُ لِلْوالِيِّ أوْ لِلْقاضِي: جَلَسْتَ لِلْعَدْلِ فَلا تَظْلِمْ، أيْ ذَلِكَ يَقْتَضِي هَذا ويَسْتَعْقِبُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يُجْزَوْنَ عَيْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، بَلْ يُجْزَوْنَ بِما كانُوا أوْ عَلى ما كانُوا وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ بِعَيْنِ العَمَلِ، لا يُقالُ: جَزى يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، يُقالُ: جَزَيْتُهُ خَيْرًا وجَزَيْتُهُ بِخَيْرٍ، لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن هَذا لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جَزَيْتُهُ بِخَيْرٍ لا يَكُونُ الخَيْرُ مَفْعُولَكَ، بَلْ تَكُونُ الباءُ لِلْمُقابَلَةِ والسَّبَبِيَّةِ كَأنَّكَ تَقُولُ: جَزَيْتُهُ جَزاءً بِسَبَبِ ما فَعَلَ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ إلى عَدَمِ الزِّيادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يَزِيدُ عَلى عَيْنِهِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧] في المُساواةِ كَأنَّهُ عَيْنُ ما عَمِلُوا يُقالُ: فُلانٌ يُجاوِبُنِي حَرْفًا بِحَرْفٍ أيْ لا يَتْرُكُ شَيْئًا، وهَذا يُوجِبُ اليَأْسَ العَظِيمَ.

الثّانِي: هو أنَّ ما غَيْرُ راجِعٍ إلى الخُصُوصِ، وإنَّما هي لِلْجِنْسِ تَقْدِيرُهُ ولا تُجْزَوْنَ إلّا جِنْسَ العَمَلِ أيْ إنْ كانَ حَسَنَةً فَحَسَنَةً، وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً فَسَيِّئَةً، فَتُجْزَوْنَ ما تَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .

36:57Page 444

لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧

For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]

ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُحْسِنِ وقالَ: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: في شُغُلٍ عَنْ هَوْلِ اليَوْمِ بِأخْذِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ، فَما عِنْدَهم خَبَرٌ مِن عَذابٍ ولا حِسابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهُونَ﴾ يَكُونُ مُتَمِّمًا لِبَيانِ سَلامَتِهِمْ فاللَّهُ لَوْ قالَ: (في شُغُلٍ) جازَ أنْ يُقالَ هم في (شُغُلٍ) عَظِيمٍ مِنَ التَّفَكُّرِ في اليَوْمِ وأهْوالِهِ، فَإنَّ مَن يُصِيبُهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ أمْرٌ مِن أُمُورِهِ ويُخْبَرُ بِخُسْرانٍ وقَعَ في مالِهِ، يَقُولُ أنا مَشْغُولٌ عَنْ هَذا بِأهَمَّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿فاكِهُونَ﴾ أيْ شُغِلُوا عَنْهُ بِاللَّذَّةِ والسُّرُورِ لا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِهِمْ ولا يُرِيدُ أنَّهم شُغِلُوا عَنْ

صفحة ٨١

شَيْءٍ بَلْ يَكُونُ مَعْناهُ هم في عَمَلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ عَمَلَهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِشاقٍّ، بَلْ هو مُلِذٌّ مَحْبُوبٌ.

وثالِثُها: في شُغُلٍ عَمّا تَوَقَّعُوهُ فَإنَّهم تَصَوَّرُوا في الدُّنْيا أُمُورًا، وقالُوا: نَحْنُ إذا دَخَلْنا الجَنَّةَ لا نَطْلُبُ إلّا كَذا وكَذا، فَرَأوْا ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ فاشْتَغَلُوا بِهِ.

وفِيهِ وُجُوهٌ غَيْرُ هَذِهِ ضَعِيفَةٌ:

أحَدُها: قِيلَ: افْتِضاضُ الأبْكارِ، وهَذا ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّالِثِ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَرَجَّحُ في نَظَرِهِ الآنَ مُداعَبَةُ الكَواعِبِ فَيَقُولُ في الجَنَّةِ ألْتَذُّ بِها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رُبَّما يُؤْتِيهِ ما يَشْغَلُهُ عَنْها.

وثانِيها: قِيلَ في ضَرْبِ الأوْتارِ وهو مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْناهُ تَوَهُّمٌ.

وثالِثُها: في التَّزاوُرِ.

ورابِعُها: في ضِيافَةِ اللَّهِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْنا؛ لِأنَّ ضِيافَةَ اللَّهِ تَكُونُ بِألَذِّ ما يُمْكِنُ وحِينَئِذٍ تَشْغَلُهُ تِلْكَ عَمّا تَوَهَّمَهُ في دُنْياهُ وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهُونَ﴾ خَبَرُ إنَّ، و﴿شُغُلٍ﴾ بَيانُ ما فَكاهَتُهم فِيهِ يُقالُ: زَيْدٌ عَلى عَمَلِهِ مُقْبِلٌ، وفي بَيْتِهِ جالِسٌ فَلا يَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، ولَوْ نَصَبْتَ جالِسًا لَكانَ الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا.

وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: في شُغُلٍ فاكِهِينَ لَكانَ مَعْناهُ: أصْحابُ الجَنَّةِ مَشْغُولُونَ، فاكِهِينَ عَلى الحالِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، والفاكِهُ المُلْتَذُّ المُتَنَعِّمُ بِهِ، ومِنهُ الفاكِهَةُ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ في السَّعَةِ إلّا لِلَذَّةٍ فَلا تُؤْكَلُ لِدَفْعِ ألَمِ الجُوعِ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ. وهو أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَنْ عُدْمِهِمُ الألَمَ فَلا ألَمَ عِنْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿فاكِهُونَ﴾ عَنْ وِجْدانِهِمُ اللَّذَّةَ، وعادِمُ الألَمِ قَدْ لا يَكُونُ واجِدًا لِلَذَّةٍ، فَبَيَّنَ أنَّهم عَلى أتَمِّ حالٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ الكَمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿هم وأزْواجُهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ في لَذَّةٍ قَدْ تَتَنَغَّصُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَفَكُّرِهِ في حالِ مَن يُهِمُّهُ أمْرُهُ فَقالَ: ﴿هم وأزْواجُهُمْ﴾ أيْضًا فَلا يَبْقى لَهم تَعَلُّقُ قَلْبٍ، وأمّا مَن في النّارِ مِن أقارِبِهِمْ وإخْوانِهِمْ فَيَكُونُونَ هم عَنْهم في شُغُلٍ، ولا يَكُونُ مِنهم عِنْدَهم ألَمٌ ولا يَشْتَهُونَ حُضُورَهم.

والأزْواجُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أشْكالُهم في الإحْسانِ وأمْثالُهم في الإيمانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨] .

وثانِيهِما: الأزْواجُ هُمُ المَفْهُومُونَ مِن زَوْجِ المَرْأةِ وزَوْجَةِ الرَّجُلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإنَّ المُرادَ لَيْسَ هو الأشْكالَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ جَمْعُ ظِلٍّ، وظُلَلٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ، والمُرادُ بِهِ الوِقايَةُ عَنْ مَكانِ الألَمِ، فَإنَّ الجالِسَ تَحْتَ كِنٍّ لا يَخْشى المَطَرَ ولا حَرَّ الشَّمْسِ، فَيَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِدَفْعِ الألَمِ، فَكَذَلِكَ لَهم مِن ظِلِّ اللَّهِ ما يَقِيهِمُ الأسْواءَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] وقالَ: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] إشارَةً إلى عَدَمِ الآلامِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أيْضًا، وهي أنَّ حالَ المُكَلَّفِ، إمّا أنْ يَكُونَ اخْتِلالُها بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ، وإنْ كانَ في مَكانٍ عالٍ كالقاعِدِ في حَرِّ الشَّمْسِ في البُسْتانِ المُتَنَزَّهِ، أوْ يَكُونَ بِسَبَبِ المَكانِ، وإنْ كانَ الشُّغُلُ مَطْلُوبًا كَمُلاعَبَةِ الكَواعِبِ في المَكانِ المَكْشُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ المَأْكَلِ كالمُتَفَرِّجِ في البُسْتانِ إذا أعْوَزَهُ الطَّعامُ، وإمّا بِسَبَبِ فَقْدِ الحَبِيبِ، وإلى هَذا يُشِيرُ أهْلُ القَلْبِ في شَرائِطِ السَّماعِ بِقَوْلِهِمُ: الزَّمانُ والمَكانُ والإخْوانُ فَقالَ تَعالى: ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لَيْسُوا في تَعَبٍ وقالَ: ﴿هم وأزْواجُهُمْ﴾ إشارَةً إلى عَدَمِ الوَحْدَةِ المُوحِشَةِ وقالَ: ﴿فِي ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ إشارَةً إلى المَكانِ وقالَ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ إشارَةً إلى دَفْعِ جَمِيعِ حَوائِجِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أدَلِّ وضْعٍ عَلى القُوَّةِ والفَراغَةِ، فَإنَّ القائِمَ قَدْ يَقُومُ لِشُغُلٍ والقاعِدَ قَدْ يَقْعُدُ لَهم. وأمّا المُتَّكِئُ فَلا يَتَّكِئُ إلّا عِنْدَ الفَراغِ والقُدْرَةِ لِأنَّ المَرِيضَ لا يَقْدِرُ عَلى الِاتِّكاءِ، وإنَّما يَكُونُ مُضْطَجِعًا أوْ مُسْتَلْقِيًا ”والأرائِكُ“ جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي السَّرِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ الفَرْشُ وهو تَحْتَ الحَجَلاتِ فَيَكُونُ مَرْئِيًّا هو وما فَوْقَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا جُوعَ هُناكَ، ولَيْسَ الأكْلُ لِدَفْعِ

صفحة ٨٢

ألَمِ الجُوعِ، وإنَّما مَأْكُولُهم فاكِهَةٌ، ولَوْ كانَ لَحْمًا طَرِيًّا، لا يُقالُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] يَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ وصِدْقِ الشَّهْوَةِ وهو الجُوعُ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] يُؤَكِّدُ مَعْنى عَدَمِ الألَمِ؛ لِأنَّ أكْلَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّداوِي مِن غَيْرِ شَهْوَةٍ، فَقالَ مِمّا يَشْتَهُونَ؛ لِأنَّ لَحْمَ الطَّيْرِ في الدُّنْيا يُؤْكَلُ في حالَتَيْنِ:

إحْداهُما: حالَةُ التَّنَعُّمِ.

والثّانِيَةُ: حالَةُ ضَعْفِ المَعِدَةِ.

وحِينَئِذٍ لا يَأْكُلُ لَحْمَ طَيْرٍ يَشْتَهِيهِ، وإنَّما يَأْكُلُ ما يُوافِقُهُ ويَأْمُرُهُ بِهِ الطَّبِيبُ، وأمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ، فَنَقُولُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخاصَّ يُخالِفُ العامَّ، عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في غَرَضِنا؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّما اخْتارَ مِن أنْواعِ المَأْكُولِ الفاكِهَةَ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّها أدَلُّ عَلى التَّنَعُّمِ والتَّلَذُّذِ وعَدَمِ الجُوعِ، والتَّنْكِيرُ لِبَيانِ الكَمالِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا. وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَأْكُلُونَ، إشارَةً إلى كَوْنِ زِمامِ الِاخْتِيارِ بِيَدِهِمْ وكَوْنِهِمْ مالِكِينَ وقادِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ أيْ دُعاؤُهم مُسْتَجابٌ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا افْتِعالًا بِمَعْنى الفِعْلِ كالِاحْتِمالِ بِمَعْنى الحَمْلِ والِارْتِحالِ بِمَعْنى الرَّحِيلِ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ مَعْناهُ أنَّهم يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ دُعاءً فَيُسْتَجابُ دُعاؤُهم بَعْدَ الطَّلَبِ، بَلْ مَعْناهُ: ولَهم ما يَدَّعُونَ لِأنْفُسِهِمْ أيْ ذَلِكَ لَهم فَلا حاجَةَ لَهم إلى الدُّعاءِ والطَّلَبِ، كَما أنَّ المَلِكَ إذا طَلَبَ مِنهُ مَمْلُوكُهُ شَيْئًا يَقُولُ لَكَ ذَلِكَ فَيُفْهَمُ مِنهُ تارَةً أنَّ طَلَبَكَ مُجابٌ وأنَّ هَذا أمْرٌ هَيِّنٌ بِأنْ تُعْطى ما طَلَبْتَ، ويُفْهَمُ تارَةً مِنهُ الرَّدُّ وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ لَكَ حاصِلٌ فَلِمَ تَطْلُبُهُ ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ويَطْلُبُونَ فَلا طَلَبَ لَهم، وتَقْرِيرُهُ هو أنْ يَكُونَ ما يَدَّعُونَ بِمَعْنى ما يَصِحُّ أنْ يُطْلَبَ ويُدَّعى، يَعْنِي كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يُطْلَبَ فَهو حاصِلٌ لَهم قَبْلَ الطَّلَبِ، أوْ نَقُولُ: المُرادُ الطَّلَبُ والإجابَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللَّهِ أيْضًا فِيهِ لَذَّةٌ، فَلَوْ قَطَعَ اللَّهُ الأسْبابَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ لَما كانَ يَطِيبُ لَهم فَأبْقى أشْياءَ يُعْطِيهِمْ إيّاها عِنْدَ الطَّلَبِ لِيَكُونَ لَهم عِنْدَ الطَّلَبِ لَذَّةٌ وعِنْدَ العَطاءِ، فَإنَّ كَوْنَ المَمْلُوكِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِن أنْ يُخاطِبَ المَلِكَ في حَوائِجِهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، والمَلِكُ الجَبّارُ قَدْ يَدْفَعُ حَوائِجَ المَمالِيكِ بِأسْرِها قَصْدًا مِنهُ لِئَلّا يُخاطَبَ.

الثّانِي: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ ما يَتَداعُونَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ افْتِعالًا بِمَعْنى التَّفاعُلِ، كالِاقْتِتالِ بِمَعْنى التَّقاتُلِ، ومَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ صاحِبَهُ إلَيْهِ، أوْ يَطْلُبَهُ أحَدٌ مِن صاحِبِهِ فَهو حاصِلٌ لَهم.

الثّالِثُ: ما يَتَمَنَّوْنَهُ.

الرّابِعُ: بِمَعْنى الدَّعْوى، ومَعْناهُ حِينَئِذٍ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ في الدُّنْيا أنَّ لَهُمُ اللَّهَ وهو مَوْلاهم وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم، فَقالَ لَهم في الجَنَّةِ ما يَدَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، فَتَكُونُ الحِكايَةُ مَحْكِيَّةً في الدُّنْيا، كَأنَّهُ يَقُولُ: في يَوْمِنا هَذا لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ غَدًا ما تَدَّعُونَ اليَوْمَ، لا يُقالُ: بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿وأزْواجُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِمْ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ في يَوْمِنا هَذا يُخْبِرُنا أنَّ المُؤْمِنَ وأزْواجَهُ في ظِلالٍ غَدًا ولَهُ ما يَدَّعِيهِ.

الجَوابُ الثّانِي: وهو أوْلى هو أنْ نَقُولَ: مَعْناهُ لَهم ما يَدَّعُونَ أيْ ما كانُوا يَدَّعُونَ. لا يُقالُ بِأنَّهُ إضْمارٌ حَيْثُ لا ضَرُورَةَ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنّا نَقُولُ عَلى ما ذَكَرْنا يَبْقى الِادِّعاءُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَشْهُورِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ هو الإتْيانُ بِالدَّعْوى، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ هو في دارِ الآخِرَةِ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ مَذْكُورٌ بَيْنَ جُمَلٍ كُلُّها في الآخِرَةِ فَما يَدَّعُونَ أيْضًا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، وفي الآخِرَةِ لا يَبْقى دَعْوى وبَيِّنَةٌ لِظُهُورِ الأُمُورِ والفَصْلِ بَيْنَ أهْلِ الثُّبُورِ والحُبُورِ.

36:58Page 444

سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨

[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ هو أكْمَلُ الأشْياءِ وهو آخِرُها الَّذِي لا شَيْءَ فَوْقَهُ ولْنُبَيِّنْهُ في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الرّافِعُ لِقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ﴾ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وُجُوهًا.

أحَدُها: هو بَدَلٌ مِمّا يَدَّعُونَ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ بَيَّنَهُ بِبَدَلِهِ، فَقالَ لَهم سَلامٌ فَيَكُونُ في المَعْنى كالمُبْتَدَأِ الَّذِي خَبَرُهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ، كَما يُقالُ: في الدّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مالٌ، وإنْ كانَ في النَّحْوِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو بَدَلٌ وبَدَلُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ جائِزٌ، فَتَكُونُ ما بِمَعْنى الَّذِي مَعْرِفَةً، وسَلامٌ نَكِرَةً، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ لا مَوْصُوفَةٌ ولا مَوْصُولَةٌ بَلْ هي نَكِرَةٌ تَقْدِيرُهُ لَهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ ثُمَّ بَيَّنَ بِذِكْرِ البَدَلِ فَقالَ: ﴿سَلامٌ﴾ والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.

وثانِيها: سَلامٌ خَبَرُ ”ما“، ولَهم لِبَيانِ الجِهَةِ تَقْدِيرُهُ ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم أيْ خالِصٌ والسَّلامُ بِمَعْنى السّالِمِ الخالِصِ أوِ السَّلِيمِ، يُقالُ: عَبْدٌ سَلامٌ أيْ سَلِيمٌ مِنَ العُيُوبِ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الشَّرَفُ مُتَوَفِّرٌ والجارُّ والمَجْرُورُ يَكُونُ لِبَيانِ مَن لَهُ ذَلِكَ، والشَّرَفُ هو المُبْتَدَأُ ومُتَوَفِّرٌ خَبَرُهُ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ﴾ مُنْقَطِعٌ عَمّا تَقَدَّمَ، وسَلامٌ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: سَلامُ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في يَوْمِنا هَذا كَأنَّهُ تَعالى حَكى لَنا وقالَ: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ﴾ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ كَمالَ حالِهِمْ قالَ: سَلامٌ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ كَما أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُرْسَلِينَ، وهَذا وجْهٌ مُبْتَكَرٌ جَيِّدٌ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَنقُولٌ، أوْ نَقُولُ: تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْكم ويَكُونُ هَذا نَوْعًا مِنَ الِالتِفاتِ حَيْثُ قالَ لَهم كَذا وكَذا، ثُمَّ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿قَوْلًا﴾ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ نَقُولُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: عَلى قَوْلِنا: المُرادُ لَهم سَلامٌ هو أنْ يُقالَ لَهم سَلامٌ يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلًا أوْ تَقُولُهُ المَلائِكَةُ قَوْلًا، وعَلى قَوْلِنا ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ قَوْلًا ووَعَدَهم بِأنَّ لَهم ما يَدَّعُونَ سالِمٌ وعْدًا، وعَلى قَوْلِنا سَلامٌ عَلَيْهِمْ تَقْدِيرُهُ أقُولُهُ قَوْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ يَكُونُ لِبَيانِ أنَّ السَّلامَ مِنهُ أيْ سَلامٌ عَلَيْهِمْ مِن رَبٍّ رَحِيمٍ أقُولُهُ قَوْلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ عَلى هَذا إنَّهُ تَمْيِيزٌ؛ لِأنَّ السَّلامَ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا، فَإنَّ مَن يَدْخُلُ عَلى المَلِكِ فَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ يَقُولُ: سَلَّمْتُ عَلى المَلِكِ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِ القائِلِ البَيْعُ مَوْجُودٌ حُكْمًا لا حِسًّا وهَذا مَمْنُوعٌ عَنْهُ قَطْعًا لا ظَنًّا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في السَّلامِ ﴿مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وقالَ في غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الإكْرامِ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ، أمّا هُناكَ فَلِأنَّ النُّزُلَ ما يُرْزَقُ النَّزِيلُ أوَّلًا، وذَلِكَ وإنْ كانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَإنَّ النَّزِيلَ إذا أُكْرِمَ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُكْرَمٌ وإذا أُخِلَّ بِإكْرامِهِ في الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُهانٌ دائِمًا، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ واسِعَ الرِّزْقِ فَيَرْزُقُ نَزِيلَهُ أوَّلًا، ولا يَمْنَعُ مِنهُ الطَّعامَ والشَّرابَ ويُناقِشُهُ في غَيْرِهِ، فَقالَ: غَفُورٌ لِما صَدَرَ مِنَ العَبِيدِ لِيَأْمَنَ العَبْدُ، ولا يَقُولَ بِأنَّ الإطْعامَ قَدْ يُوجَدُ مِمَّنْ يُعاقَبُ بَعْدَهُ والسَّلامُ يُظْهِرُ مَزِيَّةَ تَعْظِيمِهِ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ لا بِمَغْفِرَةٍ فَقالَ: ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] لِأنَّ رَبَّ الشَّيْءِ مالِكُهُ الَّذِي إذا نَظَرَ إلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لا يُرْجى مِنهُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ بِالتَّعْظِيمِ، فَإذا سَلَّمَ عَلَيْهِ يَعْجَبُ مِنهُ وقِيلَ: انْظُرْ هو سَيِّدُهُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ.

36:59Page 444

وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩

[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .

وفِيهِ وُجُوهٌ مِنها تَبْيِينُ وجْهِ التَّرْتِيبِ أيْضًا:

الأوَّلُ: امْتازُوا في أنْفُسِكم وتَفَرَّقُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ غَيْرَ أنَّ تَمَيِّزَهم مِنَ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ حِينَئِذٍ أنَّ المُجْرِمَ يَرى مَنزِلَةَ المُؤْمِنِ ورِفْعَتَهُ ونُزُولَ دَرَكِتِهِ وضَعَتَهُ فَيَتَحَسَّرُ فَيُقالُ لَهم: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ إذْ لا دَواءَ لِألَمِكم ولا شِفاءَ لِسَقَمِكم.

الثّانِي: امْتازُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَكُونُونَ مُشاهِدِينَ لِما يَصِلُ إلى المُؤْمِنِ مِنَ الثَّوابِ والإكْرامِ ثُمَّ يُقالُ لَهم: تَفَرَّقُوا وادْخُلُوا مَساكِنَكم مِنَ النّارِ فَلَمْ يَبْقَ لَكُمُ اجْتِماعٌ بِهِمْ أبَدًا.

الثّالِثُ: امْتازُوا بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ عَلى خِلافِ ما لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الِاجْتِماعِ بِالإخْوانِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم وأزْواجُهُمْ﴾ فَأهْلُ النّارِ يَكُونُ لَهُمُ العَذابُ الألِيمُ، وعَذابُ الفُرْقَةِ أيْضًا ولا عَذابَ فَوْقَ الفُرْقَةِ، بَلِ العُقَلاءُ قالُوا بِأنَّ كُلَّ عَذابٍ فَهو بِسَبَبِ تَفَرُّقِ اتِّصالٍ، فَإنَّ مَن قُطِعَتْ يَدُهُ أوْ أُحْرِقَ جِسْمُهُ فَإنَّما يَتَألَّمُ بِسَبَبِ تَفَرُّقِ المُتَّصِلاتِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، لَكِنَّ التَّفَرُّقَ الجِسْمِيَّ دُونَ التَّفَرُّقِ العَقْلِيِّ.

الرّابِعُ: امْتازُوا عَنْ شُفَعائِكم وقُرَنائِكم فَما لَكُمُ اليَوْمَ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ.

الخامِسُ: امْتازُوا عَمّا تَرْجُونَ واعْتِزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُجْرِمُ هو الَّذِي يَأْتِي بِالجَرِيمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ امْتازُوا فَيُظْهِرُ عَلَيْهِمْ سِيمًا يُعْرَفُونَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْتازُوا﴾ أمْرَ تَكْوِينٍ، كَما أنَّهُ يَقُولُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَذَلِكَ يَقُولُ: امْتازُوا فَيَتَمَيَّزُونَ بِسِيماهم ويَظْهَرُ عَلى جِباهِهِمْ أوْ في وُجُوهِهِمْ سُواءٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском