Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:60–65
36:60Page 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ والمُجْرِمِينَ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الإنْسانَ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا، والجَهْلُ مِنَ الأعْذارِ، فَقالَ اللَّهُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الإنْذارِ، وقَدْ سَبَقَ إيضاحُ السُّبُلِ بِإيضاحِ الرُّسُلِ، وعَهِدْنا إلَيْكم وتَلَوْنا عَلَيْكم ما يَنْبَغِي أنْ تَفْعَلُوهُ وما لا يَنْبَغِي، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في اللُّغاتِ الَّتِي في ﴿أعْهَدْ﴾ وهي كَثِيرَةٌ:
الأُولى: كَسْرُ هَمْزَةِ إعْهَدْ، وحُرُوفُ الِاسْتِقْبالِ كُلُّها تُكْسَرُ إلّا الياءَ، فَلا يُقالُ يَعْلَمُ ويِعْلَمُ.
الثّانِيَةُ: كَسْرُ الهاءِ مِن بابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ.
الثّالِثَةُ: قَلْبُ العَيْنِ جِيمًا ألَمْ أجْهَدْ وذَلِكَ في كُلِّ عَيْنٍ بَعْدَها هاءٌ.
الرّابِعَةُ: إدْغامُ الهاءِ في الحاءِ بَعْدَ القَلْبِ فَيُقالُ: ألَمْ أحَّدْ، وقَدْ سُمِعَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: دَحّا مَحّا، أيْ: دَعْها مَعَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى (أعْهَدْ) وُجُوهٌ أقْرَبُها وأقْواها ألَمْ أُوصِ إلَيْكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذا العَهْدِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو العَهْدُ الَّذِي كانَ مَعَ أبِينا آدَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] .
الثّانِي: أنَّهُ هو الَّذِي كانَ مَعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ.
الثّالِثُ: وهو الأقْوى، أنَّ ذَلِكَ كانَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ عَلى لِسانِ
صفحة ٨٥
رَسُولٍ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُ بِالشَّرِّ، وإنِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مَعْناهُ لا تُطِيعُوهُ، بِدَلِيلِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ هو السُّجُودَ لَهُ فَحَسْبُ، بَلِ الِانْقِيادُ لِأمْرِهِ والطّاعَةُ لَهُ، فالطّاعَةُ عِبادَةٌ، لا يُقالُ: فَنَكُونُ نَحْنُ مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ الأُمَراءِ حَيْثُ أُمِرْنا بِطاعَتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] لِأنّا نَقُولُ: طاعَتُهم إذا كانَتْ بِأمْرِ اللَّهِ، لا تَكُونُ إلّا عِبادَةً لِلَّهِ وطاعَةً لَهُ، وكَيْفَ لا ونَفْسُ السُّجُودِ والرُّكُوعِ لِلْغَيْرِ إذا كانَ بِأمْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا عِبادَةً لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّ المَلائِكَةَ سَجَدُوا لِآدَمَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا عِبادَةً لِلَّهِ، وإنَّما عِبادَةُ الأُمَراءِ هو طاعَتُهم فِيما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: بِماذا تَعْلَمُ طاعَةَ الشَّيْطانِ مِن طاعَةِ الرَّحْمَنِ، مَعَ أنّا لا نَسْمَعُ مِنَ الشَّيْطانِ خَبَرًا ولا نَرى مِنهُ أثَرًا ؟ نَقُولُ: عِبادَةُ الشَّيْطانِ في مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ أوِ الإتْيانِ بِما أمَرَ اللَّهُ لا لِأنَّهُ أمَرَ بِهِ، فَفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَكُونُ الشَّيْطانُ يَأْمُرُكَ وهو في غَيْرِكَ، وفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَأْمُرُكَ وهو فِيكَ، فَإذا جاءَكَ شَخْصٌ يَأْمُرُكَ بِشَيْءٍ، فانْظُرْ إنْ كانَ ذَلِكَ مُوافِقًا لِأمْرِ اللَّهِ أوْ لَيْسَ مُوافِقًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا فَذَلِكَ الشَّخْصُ مَعَ الشَّيْطانِ يَأْمُرُكَ بِما يَأْمُرُكَ بِهِ، فَإنْ أطَعْتَهُ فَقَدْ عَبَدْتَ الشَّيْطانَ، وإنْ دَعَتْكَ نَفْسُكَ إلى فِعْلٍ فانْظُرْ أهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ فَنَفْسُكَ هي الشَّيْطانُ، أوْ مَعَها الشَّيْطانُ يَدْعُوكَ، فَإنِ اتَّبَعْتَهُ فَقَدْ عَبَدْتَهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُ أوَّلًا بِمُخالَفَةِ اللَّهِ ظاهِرًا، فَمَن أطاعَهُ فَقَدْ عَبَدَهُ ومَن لَمْ يُطِعْهُ فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ، بَلْ يَقُولُ لَهُ: اعْبُدِ اللَّهَ كَيْ لا تُهانَ، ولِيَرْتَفِعَ عِنْدَ النّاسِ شَأْنُكَ، ويَنْتَفِعَ بِكَ إخْوانُكَ وأعْوانُكَ، فَإنْ أجابَ إلَيْهِ فَقَدْ عَبَدَهُ.
لَكِنَّ عِبادَةَ الشَّيْطانِ عَلى تَفاوُتٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ مِنها ما يَقَعُ، والعامِلُ مُوافِقٌ فِيهِ جَنانَهُ ولِسانَهُ وأرْكانَهُ، ومِنها ما يَقَعُ والجَنانُ واللِّسانُ مُخالِفٌ لِلْجَوارِحِ أوْ لِلْأرْكانِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَرْتَكِبُ جَرِيمَةً كارِهًا بِقَلْبِهِ لِما يَقْتَرِفُ مِن ذَنْبِهِ، مُسْتَغْفِرًا لِرَبِّهِ، يَعْتَرِفُ بِسُوءِ ما يَقْتَرِفُ، فَهو عِبادَةُ الشَّيْطانِ بِالأعْضاءِ الظّاهِرَةِ، ومِنهم مَن يَرْتَكِبُها وقَلْبُهُ طَيِّبٌ ولِسانُهُ رَطْبٌ، كَما أنَّكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَفْرَحُ بِكَوْنِهِ مُتَرَدِّدًا إلى أبْوابِ الظَّلَمَةِ لِلسِّعايَةِ، ويَعُدُّ مِنَ المَحاسِنِ كَوْنَهُ سارِيًا مَعَ المُلُوكِ ويَفْتَخِرُ بِهِ بِلِسانِهِ، وتَجِدُهم يَفْرَحُونَ بِكَوْنِهِمْ آمِرِينَ المَلِكَ بِالظُّلْمِ، والمَلِكُ يَنْقادُ لَهم، أوْ يَفْرَحُونَ بِكَوْنِهِ يَأْمُرُهم بِالظُّلْمِ فَيَظْلِمُونَ، فَرِحِينَ بِما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأمْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالطّاعَةُ الَّتِي هي بِالأعْضاءِ الظّاهِرَةِ، والبَواطِنُ طاهِرَةٌ مُكَفَّرَةٌ بِالأسْقامِ والآلامِ، كَما ورَدَ في الأخْبارِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: («الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ» )، وقَوْلُهُ ﷺ: («السَّيْفُ مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ» )، أيْ لِمِثْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما «قالَ ﷺ في الحُدُودِ: (إنَّها كَفّاراتٌ») وما يَكُونُ بِالقُلُوبِ فَلا خَلاصَ عَنْهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ والنَّدَمِ وإقْبالِ القَلْبِ عَلى الرَّبِّ، وما يَكُونُ بِاللِّسانِ فَهو مِن قَبِيلِ ما يَكُونُ بِالقَلْبِ في الظّاهِرِ.
والمِثالُ يُوَضِّحُ الحالَ فَنَقُولُ إذا كانَ عِنْدَ السُّلْطانِ أمِيرٌ ولَهُ غِلْمانٌ هم مِن خَواصِّ الأمِيرِ، وأتْباعٌ بُعَداءُ هم مِن عَوامِّ النّاسِ، فَإذا صَدَرَ مِنَ الأمِيرِ مُخالَّةٌ ومُسارَّةٌ مَعَ عَدُوِّ السُّلْطانِ ومُصادَقَةٌ بَيْنَهُما، لا يَعْفُو المَلِكُ عَنْ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ في غايَةِ الصَّفْحِ، أوْ يَكُونُ لِلْأمِيرِ عِنْدَهُ يَدٌ سابِقَةٌ أوْ تَوْبَةٌ لاحِقَةٌ، فَإنْ صَدَرَ مِن خَواصِّ الأمِيرِ مُخالَفَةٌ وهو بِهِ عالِمٌ ولَمْ يَزْجُرْهُ، عُدَّتِ المُخالَفَةُ مَوْجُودَةً مِنهُ، وإنْ كانَ كارِهًا وأظْهَرَ الإنْكارَ حَسُنَتْ مُعاتَبَتُهُ دُونَ مُعاقَبَتِهِ؛ لِأنَّ إقْدامَ خَواصِّهِ عَلى المُخالَفَةِ دَلِيلٌ عَلى سُوءِ التَّرْبِيَةِ، فَإنْ كانَ الصّادِرُ مِنَ الحَواشِي الأباعِدِ وبَلَغَ الأمِيرَ ولَمْ يَزْجُرْهُ عُوتِبَ الأمِيرُ، وإنْ زَجَرَهُمُ اسْتَحَقَّ الأمِيرُ بِذَلِكَ الزَّجْرِ الإكْرامَ، وحَسُنَ مِنَ المَلِكِ أنْ يُسْدِيَ إلى المَزْجُورِ الإحْسانَ والإنْعامَ إنْ عَلِمَ حُصُولَ انْزِجارِهِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فالقَلْبُ أمِيرٌ واللِّسانُ خاصَّتُهُ والأعْضاءُ خَدَمُهُ، فَما يَصْدُرُ مِنَ القَلْبِ فَهو العَظِيمُ مِنَ الذَّنْبِ، فَإنْ أقْبَلَ عَلى مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ فَهو الوَيْلُ العَظِيمُ
صفحة ٨٦
والضَّلالُ المُبِينُ المُسْتَعْقِبُ لِلْعِقابِ الألِيمِ والعَذابِ المُهِينِ، وما يَصْدُرُ مِنَ اللِّسانِ فَهو مَحْسُوبٌ عَلى القَلْبِ ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ وما يَصْدُرُ مِنَ الأعْضاءِ، والقَلْبُ قَدْ أظْهَرَ عَلَيْهِ الإنْكارَ وحَصَلَ لَهُ الِانْزِجارُ، فَهو الذَّنْبُ الَّذِي حَكى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَلَقْتُ أقْوامًا يُذْنِبُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ فَأغْفِرُ لَهم»، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَرْجِعُ عَنْ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ فَرِحًا فَيَظُنُّ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ مِنَ الإغْواءِ حَيْثُ يَرى ذَلِكَ العَبْدَ ارْتَكَبَ الذَّنْبَ ظاهِرًا ويَكُونُ ذَلِكَ رافِعًا لِدَرَجَةِ العَبْدِ، فَإنَّ بِالذَّنَبِ يَنْكَسِرُ قَلْبُ العَبْدِ فَيَتَخَلَّصُ مِنَ الإعْجابِ بِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ، ويَصِيرُ أقْرَبَ مِنَ المُقَرَّبِينَ؛ لِأنَّ مَن يُذْنِبُ مُقَرَّبٌ عِنْدَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] والمُذْنِبُ التّائِبُ النّادِمُ مُنْكَسِرُ القَلْبِ واللَّهُ عِنْدَهُ كَما «قالَ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم“» وفَرْقٌ بَيْنَ مَن يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ، وبَيْنَ مَن يَكُونُ عِنْدَهُ اللَّهُ، ولَعَلَّ ما يُحْكى مِنَ الذُّنُوبِ الصّادِرَةِ عَنِ الأنْبِياءِ مِن هَذا القَبِيلِ لِتَحْصُلَ لَهُمُ الفَضِيلَةُ عَلى المَلائِكَةِ حَيْثُ تَبَجَّحُوا بِأنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقَدْ يَرْجِعُ الشَّيْطانُ عَنْ آخَرَ يَكُونُ قَدْ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ والشَّخْصُ يَظُنُّ أنَّهُ غَلَبَ الشَّيْطانَ ورَدَّهُ خائِبًا فَيَتَبَجَّحُ في نَفْسِهِ، وهو لا يَعْلَمُ أنَّ الشَّيْطانَ رَجَعَ عَنْهُ مُحَصِّلَ المَقْصُودِ مَقْبُولًا غَيْرَ مَرْدُودٍ.
ومِن هَذا يَتَبَيَّنُ أمْرٌ أُصُولِيٌّ وهو أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُذْنِبَ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الإيمانِ أمْ لا ؟ وسَبَبُ النِّزاعِ وُقُوعُ نَظَرِ الخَصْمَيْنِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ، فالذَّنْبُ الَّذِي بِالجَسَدِ لا بِالقَلْبِ لا يَخْرُجُ بَلْ قَدْ يَزِيدُ في الإيمانِ والَّذِي بِالقَلْبِ يُخافُ مِنهُ الخُرُوجُ عَنْ رِبْقَةِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الذُّنُوبِ، والأشْبَهُ أنَّ الجَسَدِيَّ جائِزٌ عَلَيْهِمْ والقُرْآنَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والقَلْبِيَّ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عِبادَهُ عَنْ عِبادَةِ الشَّيْطانِ ذَكَرَ ما يَحْمِلُهم عَلى قَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِن أيْنَ حَصَلَتِ العَداوَةُ بَيْنَ الشَّيْطانِ والإنْسانِ ؟ فَنَقُولُ: ابْتِداؤُها مِنَ الشَّيْطانِ، وسَبَبُهُ تَكْرِيمُ اللَّهِ بَنِي آدَمَ، لَمّا رَأى إبْلِيسُ رَبَّهُ كَرَّمَ آدَمَ وبَنِيهِ عاداهم فَعاداهُ اللَّهُ تَعالى، والأُولى مِنهُ لُؤْمٌ، والثّانِي مِنَ اللَّهِ كَرَمٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المَلِكَ إذا أكْرَمَ شَخْصًا ولَمْ يُنْقِصْ مِنَ الآخَرِ شَيْئًا إذْ لا ضِيقَ في الخِزانَةِ، فَعَداوَةُ مَن يُعادِي ذَلِكَ المُكْرَمَ لا تَكُونُ إلّا لُؤْمًا، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَلِكَ إذا عَلِمَ أنَّ إكْرامَهُ لَيْسَ إلّا مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الضَّعِيفَ ما كانَ يَقْدِرُ أنْ يَصِلَ إلى بَعْضِ تِلْكَ المَنزِلَةِ لَوْلا إكْرامُ المَلِكِ، يَعْلَمُ أنَّ مَن يُبْغِضُهُ يُنْكِرُ فِعْلَ المَلِكِ أوْ يَنْسُبُ إلى خِزانَتِهِ ضِيقًا، وكِلاهُما يَحْسُنُ التَّعْذِيبُ عَلَيْهِ فَيُعادِيهِ إتْمامًا لِلْإكْرامِ وإكْمالًا لِلْإفْضالِ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَلى مَذْهَبِ إبْلِيسَ إذا رَأوْا واحِدًا عِنْدَ مَلِكٍ مُحْتَرَمًا بَغَضُوهُ وسَعَوْا فِيهِ إقامَةً لِسُنَّةِ إبْلِيسَ، فالمَلِكُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ لا يُبْعِدُ السّاعِيَ ويَسْمَعُ كَلامَهُ ويَتْرُكُ إكْرامَ ذَلِكَ الشَّخْصِ واحْتِرامَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن أيْنَ إبانَةُ عَداوَةِ إبْلِيسَ ؟ نَقُولُ لَمّا أكْرَمَ اللَّهُ آدَمَ عاداهُ إبْلِيسُ، وظَنَّ أنَّهُ يَبْقى في مَنزِلَتِهِ وآدَمُ في مَنزِلَتِهِ، مِثْلَ مُتَباغِضَيْنِ عِنْدَ المَلِكِ واللَّهُ كانَ عالِمًا بِالضَّمائِرِ فَأبْعَدَهُ وأظْهَرَ أمْرَهُ، فَأظْهَرَ هو مِن نَفْسِهِ ما كانَ يُخْفِيهِ لِزَوالِ ما كانَ يَحْمِلُهُ عَلى الإخْفاءِ فَقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] وقالَ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا فَما بالُ الإنْسانِ يَمِيلُ إلى مَراضِيهِ مِنَ الشُّرْبِ والزِّنا، ويَكْرَهُ مَساخِطَهُ مِنَ المُجاهَدَةِ والعِبادَةِ ؟ نَقُولُ: سَبَبُ ذَلِكَ اسْتِعانَةُ الشَّيْطانِ بِأعْوانٍ مِن عِنْدِ الإنْسانِ
صفحة ٨٧
وتَرْكُ اسْتِعانَةِ الإنْسانِ بِاللَّهِ، فَيَسْتَعِينُ بِشَهْوَتِهِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِمَصالِحِ بَقائِهِ وبَقاءِ نَوْعِهِ ويَجْعَلُها سَبَبًا لِفَسادِ حالِهِ ويَدْعُوهُ بِها إلى مَسالِكِ المَهالِكِ، وكَذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِغَضَبِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِدَفْعِ المَفاسِدِ عَنْهُ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِوَبالِهِ وفَسادِ أحْوالِهِ، ومِيلُ الإنْسانِ إلى المَعاصِي كَمَيْلِ المَرِيضِ إلى المَضارِّ، وذَلِكَ حَيْثُ يَنْحَرِفُ المِزاجُ عَنِ الِاعْتِدالِ، فَتَرى المَحْمُومَ يُرِيدُ الماءَ البارِدَ وهو يَزِيدُ في مَرَضِهِ، ومَن بِهِ فَسادُ المَعِدَةِ فَلا يَهْضِمُ القَلِيلَ مِنَ الغِذاءِ، يَمِيلُ إلى الأكْلِ الكَثِيرِ ولا يَشْبَعُ بِشَيْءٍ وهو يَزِيدُ في مَعِدَتِهِ فَسادًا، وصَحِيحُ المِزاجِ لا يَشْتَهِي إلّا ما يَنْفَعُهُ فالدُّنْيا كالهَواءِ الوَبِيءِ لا يَسْتَغْنِي الإنْسانُ فِيهِ عَنِ اسْتِنْشاقِ الهَواءِ وهو المُفْسِدُ لِمِزاجِهِ ولا طَرِيقَ لَهُ غَيْرُ إصْلاحِ الهَواءِ بِالرَّوائِحِ الطَّيِّبَةِ والأشْياءِ الزَّكِيَّةِ والرَّشِّ بِالخَلِّ والماوَرْدِ مِن جُمْلَةِ المُصْلِحاتِ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ في الدُّنْيا لا يَسْتَغْنِي عَنْ أُمُورِها وهي المُعِيناتُ لِلشَّيْطانِ، وطَرِيقُهُ تَرْكُ الهَوى وتَقْلِيلُ التَّأْمِيلِ وتَحْرِيفُ الهَوى بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ والزُّهْدِ، فَإذا صَحَّ مِزاجُ عَقْلِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ ولا يَبْقى عَلَيْهِ في التَّكالِيفِ كُلْفَةٌ ويَحْصُلُ لَهُ مَعَ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ أُلْفَةٌ، وهُنالِكَ يَعْتَرِفُ الشَّيْطانُ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ.
36:61–64Page 444
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ .
لَمّا مَنَعَ عِبادَةَ الشَّيْطانِ حَمَلَ عَلى عِبادَةِ الرَّحْمَنِ، والشّارِعُ طَبِيبُ الأرْواحِ كَما أنَّ الطَّبِيبَ طَبِيبُ الأشْباحِ، وكَما أنَّ الطَّبِيبَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: لا تَفْعَلْ كَذا ولا تَأْكُلْ مِن ذا، وهي الحِمْيَةُ الَّتِي هي رَأْسُ الدَّواءِ لِئَلّا يَزِيدَ مَرَضُهُ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ تَناوُلِ الدَّواءَ الفُلانِيَّ تَقْوِيَةً لِقُوَّتِهِ المُقاوِمَةِ لِلْمَرَضِ، كَذَلِكَ الشّارِعُ مَنَعَ المُفْسِدَ وهو اتِّباعُ الشَّيْطانِ، وحَمَلَ عَلى المُصْلِحِ وهو عِبادَةُ الرَّحْمَنِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عِنْدَ المَنعِ مِن عِبادَةِ الشَّيْطانِ قالَ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لِأنَّ العَداوَةَ أبْلَغُ المَوانِعِ مِنَ الِاتِّباعِ، وعِنْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ لَكم حَبِيبٌ؛ لِأنَّ المَحَبَّةَ لا تُوجِبُ مُتابَعَةَ المَحْبُوبِ بَلْ رُبَّما يُورِثُ ذَلِكَ الِاتِّكالَ عَلى المَحَبَّةِ، فَيَقُولُ: إنَّهُ يُحِبُّنِي فَلا حاجَةَ إلى تَحَمُّلِ المَشَقَّةِ في تَحْصِيلِ مَراضِيهِ، بَلْ ذَكَرَ ما هو أبْلَغُ الأشْياءِ في الحَمْلِ عَلى العِبادَةِ وذَلِكَ كَوْنُهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في دارِ الدُّنْيا في مَنزِلٍ قَفْرٍ مُخَوِّفٍ وهو مُتَوَجِّهٌ إلى دارِ إقامَةٍ فِيها إخْوانُهُ، والنّازِلُ في بادِيَةٍ خالِيَةٍ يَخافُ عَلى رُوحِهِ ومالِهِ ولا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ مِن طَرِيقٍ قَرِيبٍ آمِنٍ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا حاثًّا عَلى السُّلُوكِ، وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ مُجْتازٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ في دارِ إقامَةٍ فَقَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَكُونُ لَهُ مَعْنًى؛ لِأنَّ المُقِيمَ يَقُولُ: وماذا أفْعَلُ بِالطَّرِيقِ وأنا مِنَ المُقِيمِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ماذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا ؟ نَقُولُ: الإنْسانُ مُسافِرٌ إمّا مُسافَرَةَ راجِعٍ إلى وطَنِهِ، وإمّا مُسافَرَةَ تاجِرٍ لَهُ مَتاعٌ يَتَّجِرُ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فاللَّهُ هو المَقْصِدُ، وأمّا الوَطَنُ فَلِأنَّهُ لا يُوَطَّنُ في مَأْمَنٍ ولا أمْنَ إلّا بِمَلِكٍ لا يَزُولُ مُلْكُهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ زَوالِ مُلْكِ المُلُوكِ لا يَبْقى الأمْنُ والرّاحَةُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي مُلْكُهُ دائِمٌ وكُلُّ ما عَداهُ فَهو فانٍ، وأمّا التِّجارَةُ فَلِأنَّ التّاجِرَ لا يَقْصِدُ إلّا إلى مَوْضِعٍ يَسْمَعُ أوْ يَعْلَمُ أنَّ لِمَتاعِهِ
صفحة ٨٨
هُناكَ رَواجًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ العَمَلَ الصّالِحَ عِنْدَهُ مُثابٌ عَلَيْهِ مُقابَلٌ بِأضْعافِ ما يَسْتَحِقُّ، واللَّهُ هو المَقْصِدُ، وعِبادَتُهُ تَوَجُّهٌ إلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ القاصِدَ لِجِهَةٍ إذا تَوَجَّهَ إلَيْها يَكُونُ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: العِبادَةُ تُنْبِئُ عَنْ مَعْنى التَّذَلُّلِ، فَلَمّا قالَ: لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ لَزِمَ أنْ يَتَكَبَّرَ الإنْسانُ عَلى ما سِوى اللَّهِ، ولَمّا قالَ: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي﴾ يَنْبَغِي أنْ لا يَتَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ، لَكِنَّ التَّكَبُّرَ عَلى ما سِوى اللَّهِ لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يَرى نَفْسَهُ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، فَإنَّ نَفْسَهُ مِن جُمْلَةِ ما سِوى اللَّهِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها ولَوْ كانَتْ مُتَجَمِّلَةً بِعِبادَةِ اللَّهِ، بَلْ مَعْنى التَّكَبُّرِ عَلى ما سِوى اللَّهِ أنْ لا يَنْقادَ لِشَيْءٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وفي هَذا التَّكَبُّرِ غايَةُ التَّواضُعِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَنْقادُ إلى نَفْسِهِ وحَظُّ نَفْسِهِ في التَّفَوُّقِ عَلى غَيْرِهِ فَلا يَتَفَوَّقُ فَيَحْصُلُ التَّواضُعُ التّامُّ، ولا يَنْقادُ لِأمْرِ المُلُوكِ إذا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ فَيَحْصُلُ التَّكَبُّرُ التّامُّ فَيَرى نَفْسَهُ بِهَذا التَّكَبُّرِ دُونَ الفَقِيرِ وفَوْقَ الأمِيرِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ما يُنَبِّهُ لِعَداوَةِ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الجِبِلِّ سِتُّ لُغاتٍ: كَسْرُ الجِيمِ والباءِ مَعَ تَشْدِيدِ اللّامِ، وضَمُّهُما مَعَ التَّشْدِيدِ، وكَسْرُهُما مَعَ التَّخْفِيفِ، وضَمُّهُما مَعَهُ، وتَسْكِينُ الباءِ وتَخْفِيفُ اللّامِ مَعَ ضَمِّ الجِيمِ، ومَعَ كَسْرِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الجِبِلِّ الجِيمُ والباءُ واللّامُ لا تَخْلُو عَنْ مَعْنى الِاجْتِماعِ، والجِبِلُّ فِيهِ اجْتِماعُ الأجْسامِ الكَثِيرَةِ، وجِبِلُّ الطِّينِ فِيهِ اجْتِماعُ أجْزاءِ الماءِ والتُّرابِ، وشاةٌ لَجْباءُ إذا كانَتْ مُجْتَمِعَةَ اللَّبَنِ الكَثِيرِ، لا يُقالُ: البُلْجَةُ نَقْضٌ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، فَإنَّها تُنْبِئُ عَنِ التَّفَرُّقِ فَإنَّ الأبْلَجَ خِلافُ المَقْرُونِ؛ لِأنّا نَقُولُ هي لِاجْتِماعِ الأماكِنِ الخالِيَةِ الَّتِي تَسَعُ المُتَمَكِّناتِ، فَإنَّ البُلْجَةَ والبُلْدَةَ بِمَعْنًى، والبَلَدُ سُمِّيَ بَلَدًا لِلِاجْتِماعِ لا لِلتَّفَرُّقِ، فالجِبِلُّ الجَمْعُ العَظِيمُ حَتّى قِيلَ: إنَّ دُونَ العَشَرَةِ آلافٍ لا يَكُونُ جِبِلًّا وإنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا.
والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ الإضْلالُ ؟ نَقُولُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإضْلالَ تَوْلِيَةٌ عَنِ المَقْصِدِ وصَدٌّ عَنْهُ فالشَّيْطانُ يَأْمُرُ البَعْضَ بِتَرْكِ عِبادَةِ اللَّهِ وبِعِبادَةِ غَيْرِهِ فَهو تَوْلِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ يَأْمُرُهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لِأمْرٍ غَيْرِ اللَّهِ مِن رِياسَةٍ وجاهٍ وغَيْرِهِما فَهو صَدٌّ، وهو يُفْضِي إلى التَّوْلِيَةِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهُ لَوْ حَصَلَ لَتَرَكَ اللَّهَ وأقْبَلَ عَلى ذَلِكَ الغَيْرِ فَتَحْصُلُ التَّوْلِيَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَآلَ أهْلِ الضَّلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .
وحالُ الضّالِّ كَحالِ شَخْصٍ خَرَجَ مِن وطَنِهِ مَخافَةَ عَدُوِّهِ فَوَقَعَ في مَشَقَّةٍ، ولَوْ أقامَ في وطَنِهِ لَعَلَّ ذَلِكَ العَدُوَّ كانَ لا يَظْفَرُ بِهِ أوْ يَرْحَمُهُ، كَذَلِكَ حالُ مَن لَمْ يَتَحَرَّكْ لِطاعَةٍ ولا عِصْيانٍ كالمَجانِينِ، وحالُ مَنِ اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ فَأخْطَأ الطَّرِيقَ، فَإنَّ المَجْنُونَ مِن أهْلِ النَّجاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الدَّرَجاتِ، وقَدْ قِيلَ بِأنَّ البَلاهَةَ أدْنى إلى الخَلاصِ مِن فَطانَةٍ بَتْراءَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في المَحْسُوسِ فَإنَّ مَن لَمْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ إذا أقامَ بِمَكانِهِ لا يَبْعُدُ عَنِ الطَّرِيقِ كَثِيرًا ومَن سارَ إلى خِلافِ المَقْصِدِ يَبْعُدُ عَنْهُ كَثِيرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم واصِلُونَ إلَيْها حاصِلُونَ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
وفِي هَذا الكَلامِ ما يُوجِبُ شِدَّةَ نَدامَتِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اصْلَوْها﴾ فَإنَّهُ أمْرُ تَنْكِيلٍ وإهانَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] .
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ يَعْنِي: العَذابُ
صفحة ٨٩
حاضِرٌ، ولَذّاتُكَ قَدْ مَضَتْ وأيّامُها قَدِ انْقَضَتْ وبَقِيَ اليَوْمَ العَذابُ.
الثّالِثُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإنَّ الكُفْرَ والكُفْرانَ يُنْبِئُ عَنْ نِعْمَةٍ كانَتْ يُكْفَرُ بِها، وحَياءُ الكَفُورِ مِنَ المُنْعِمِ مِن أشَدِّ الآلامِ. ولِهَذا كَثِيرًا ما يَقُولُ العَبْدُ المُجْرِمُ: افْعَلُوا بِي ما يَأْمُرُ بِهِ السَّيِّدُ ولا تُحْضِرُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وإلى هَذا المَعْنى أشارَ القائِلُ:
ألَيْسَ بِكافٍ لِذِي نِعْمَةٍ حَياءُ المُسِيءِ مِنَ المُحْسِنِ
36:65Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في التَّرْتِيبِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم حِينَ يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يُرِيدُونَ [ أنْ ] يُنْكِرُوا كُفْرَهم كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ما أشْرَكْنا، وقالُوا آمَنّا بِهِ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الإنْكارِ ويُنْطِقُ اللَّهُ غَيْرَ لِسانِهِمْ مِنَ الجَوارِحِ فَيَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ.
الثّانِي: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ فَسَكَتُوا وخَرِسُوا وتَكَلَّمَتْ أعْضاؤُهم غَيْرَ اللِّسانِ، وفي الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ وُجُوهٌ:
أقْواها، أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسْكِتُ ألْسِنَتَهم فَلا يَنْطِقُونَ بِها ويُنْطِقُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّهُ في قُدْرَةِ اللَّهِ يَسِيرٌ، أمّا الإسْكاتُ فَلا خَفاءَ فِيهِ، وأمّا الإنْطاقُ فَلِأنَّ اللِّسانَ عُضْوٌ مُتَحَرِّكٌ بِحَرَكَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَكَما جازَ تَحَرُّكُهُ بِها جازَ تَحَرُّكُ غَيْرِهِ بِمِثْلِها، واللَّهُ قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ لِانْقِطاعِ أعْذارِهِمْ وانْتِهاكِ أسْتارِهِمْ، فَيَقِفُونَ ناكِسِي الرُّءُوسِ وُقُوفَ القَنُوطِ اليَئُوسِ لا يَجِدُ عُذْرًا فَيَعْتَذِرُ ولا مَجالَ تَوْبَةٍ فَيَسْتَغْفِرُ، وتَكَلُّمُ الأيْدِي ظُهُورُ الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَسَعُ مَعَهُ الإنْكارُ حَتّى تَنْطِقَ بِهِ الأيْدِي والأبْصارُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: الحِيطانُ تَبْكِي عَلى صاحِبِ الدّارِ، إشارَةً إلى ظُهُورِ الحُزْنِ، والأوَّلُ الصَّحِيحُ وفِيهِ لَطائِفُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ.
أمّا اللَّفْظِيَّةُ فالأُولى مِنها: هي أنَّ اللَّهَ تَعالى أسْنَدَ فِعْلَ الخَتْمِ إلى نَفْسِهِ وقالَ: ﴿نَخْتِمُ﴾ وأسْنَدَ الكَلامَ والشَّهادَةَ إلى الأيْدِي والأرْجُلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ تَعالى: ﴿نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ وتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ يَكُونُ فِيهِ احْتِمالُ أنَّ ذَلِكَ مِنهم كانَ جَبْرًا وقَهْرًا، والإقْرارُ بِالإجْبارِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَقالَ تَعالى: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ أيْ بِاخْتِيارِها بَعْدَما يُقْدِرُها اللَّهُ - تَعالى - عَلى الكَلامِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنهم.
الثّانِيَةُ مِنها: هي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ جَعَلَ الشَّهادَةَ لِلْأرْجُلِ والكَلامَ لِلْأيْدِي؛ لِأنَّ الأفْعالَ تُسْنَدُ إلى الأيْدِي قالَ تَعالى: ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] أيْ ما عَمِلُوهُ وقالَ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] أيْ ولا تُلْقُوا بِأنْفُسِكم فَإذًا الأيْدِي كالعامِلَةِ، والشّاهِدُ عَلى العامِلِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، فَجَعَلَ الأرْجُلَ والجُلُودَ مِن جُمْلَةِ الشُّهُودِ لِبُعْدِ إضافَةِ الأفْعالِ إلَيْها.
وأمّا المَعْنَوِيَّةُ فالأُولى مِنها: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَن تُقْبَلُ شَهادَتُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ كُلُّهم أعْداءٌ لِلْمُجْرِمِينَ وشَهادَةُ العَدُوِّ عَلى العَدُوِّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وإنْ كانَ مِنَ الشُّهُودِ العُدُولِ وغَيْرِ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الكُفّارِ والفُسّاقِ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهادَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الشّاهِدَ عَلَيْهِمْ مِنهم، لا يُقالُ الأيْدِي والأرْجُلُ أيْضًا صَدَرَتِ الذُّنُوبُ مِنها فَهي فَسَقَةٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا تُقْبَلَ شَهادَتُها، لِأنّا نَقُولُ: في رَدِّ شَهادَتِها قَبُولُ شَهادَتِها؛ لِأنَّها إنْ كَذَبَتْ في مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ مِنها في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُذْنِبُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ ظُهُورِ الأُمُورِ، لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مُذْنِبًا في الدُّنْيا، وإنْ صَدَقَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ صَدَرَ مِنها الذَّنْبُ في الدُّنْيا، وهَذا كَمَن قالَ لِفاسِقٍ: إنْ كَذَبْتَ في نَهارِ هَذا اليَوْمِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَقالَ الفاسِقُ: كَذَبْتُ في نَهارِ
صفحة ٩٠
هَذا اليَوْمِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأنَّهُ إنْ صَدَقَ في قَوْلِهِ: كَذَبْتُ في نَهارِ هَذا اليَوْمِ فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ ووَجَبَ الجَزاءُ، وإنْ كَذَبَ في قَوْلِهِ: كَذَبْتُ فَقَدْ كَذَبَ في نَهارِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَوُجِدَ الشَّرْطُ أيْضًا بِخِلافِ ما لَوْ قالَ في اليَوْمِ الثّانِي كَذَبْتُ في نَهارِ اليَوْمِ الَّذِي عَلَّقْتَ عِتْقَ عَبْدِكَ عَلى كَذِبِي فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَتْمُ لازِمٌ الكُفّارَ في الدُّنْيا عَلى قُلُوبِهِمْ وفي الآخِرَةِ عَلى أفْواهِهِمْ، فَفي الوَقْتِ الَّذِي كانَ الخَتْمُ عَلى قُلُوبِهِمْ كانَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] فَلَمّا خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ أيْضًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم بِأعْضائِهِمْ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ غَيْرَ القَلْبِ واللِّسانِ والأعْضاءِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ القَلْبُ والفَمُ تَعَيَّنَ الجَوارِحُ والأرْكانُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences