Ar-RaziYa-Sin · 36:66–80

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:66–80

36:66–67Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦

And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1

وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧

And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ .

قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ وهو الطَّرِيقَةُ الوُسْطى، واللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ المُجَبِّرَةُ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ القَدَرِيَّةُ وبِالعَكْسِ، وهَهُنا كَذَلِكَ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وقالَ: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وكانَ ذَلِكَ مُتَمَسَّكَ القَدَرِيَّةِ حَيْثُ أسْنَدَ اللَّهُ الكُفْرَ والكَسْبَ إلَيْهِمْ وأحالَ الخَيْرَ والشَّرَّ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَهم وكَسْبَهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفْرَ يُعْمِي البَصِيرَةَ ويُضْعِفُ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ، وعَمى البَصِيرَةِ بِإرادَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، إذا شاءَ أعْمى البَصائِرَ، كَما أنَّهُ لَوْ شاءَ لَطَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمُ المُبْصِرَةِ، وسَلَبَ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما أنَّ سَلْبَ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ بِمَشِيئَتِهِ، حَتّى لَوْ شاءَ لَمَسَخَ المُكَلَّفَ عَلى مَكانَتِهِ وأقامَهُ بِحَيْثُ لا يَتَحَرَّكُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يَقْدِرُ عَلى المُضِيِّ والرُّجُوعِ، فَإعْماءُ البَصائِرِ عِنْدَهُ كَإعْماءِ الأبْصارِ، وسَلْبُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ كَسَلْبِ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ وأرادَ إعْماءَ بَصائِرِهِمْ فَضَلُّوا، وأنَّهُ لَوْ شاءَ طَمْسَ أعْيُنِهِمْ لَما اهْتَدَوْا إلى طَرِيقَتِهِمُ الظّاهِرَةِ، وشاءَ واخْتارَ سَلْبَ قُوَّةِ عُقُولِهِمْ فَزَلُّوا، وأنَّهُ لَوْ شاءَ سَلْبَ قُوَّةِ أجْسامِهِمْ ومَسَخَهم لَما قَدَرُوا عَلى تَقَدُّمٍ ولا تَأخُّرٍ. وفي الآيَتَيْنِ أبْحاثٌ لَفْظِيَّةٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَكُونُ فِيهِ حَذْفُ حَرْفِ إلى واتِّصالُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ، وأصْلُهُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ الِابْتِدارَ فَأعْمَلَهُ إعْمالَ الِابْتِدارِ.

الثّالِثُ: يُقالُ: أنْ يَجْعَلَ الصِّراطَ مُسْتَبِقًا لا مُسْتَبَقًا إلَيْهِ، يُقالُ اسْتَبَقْنا فَسَبَقْتُهم وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُبالَغَةً في الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: الصِّراطُ الَّذِي هو مَعَهم لَيْسُوا طالِبِينَ لَهُ قاصِدِينَ إيّاهُ، وإنَّما هم عَلَيْهِ إذا طَمَسَ اللَّهُ عَلى أعْيُنِهِمْ لا يُبْصِرُونَهُ، فَكَيْفَ إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الصِّراطِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَدَّمَ الطَّمْسَ والإعْمارَ عَلى المَسْخِ والإعْجازِ لِيَكُونَ الكَلامُ مُدَرَّجًا، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أعْماهم لَمْ يَرَوُا الطَّرِيقَ الَّذِي هم عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ لا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: الأعْمى قَدْ يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ

صفحة ٩١

بِأماراتٍ عَقْلِيَّةٍ أوْ حِسِّيَّةٍ غَيْرِ حِسِّ البَصَرِ كالأصْواتِ والمَشْيِ بِحِسِّ اللَّمْسِ، فارْتَقى وقالَ: فَلَوْ مَسَخَهم وسَلَبَ قُوَّتَهم بِالكُلِّيَّةِ لا يَهْتَدُونَ إلى الصِّراطِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَدَّمَ المُضِيَّ عَلى الرُّجُوعِ؛ لِأنَّ الرُّجُوعَ أهْوَنُ مِنَ المُضِيِّ؛ لِأنَّ المُضِيَّ لا يُنْبِئُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مِن قَبْلُ، وأمّا الرُّجُوعُ فَيُنْبِئُ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ سُلُوكَ طَرِيقٍ قَدْ رُؤِيَ مَرَّةً أهْوَنُ مِن سُلُوكِ طَرِيقٍ لَمْ يُرَ، فَقالَ: (﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا﴾ [يس: ٦٧] ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ وهو الرُّجُوعُ الَّذِي هو أهْوَنُ مِنَ المُضِيِّ.

36:68Page 444

وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨

And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .

فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ قَطْعٌ لِلْأعْذارِ بِسَبْقِ الإنْذارِ، ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ وأتَمَّهُ شَرَعَ في قَطْعِ عُذْرٍ آخَرَ، وهو أنَّ الكافِرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ لُبْثُنا في الدُّنْيا إلّا يَسِيرًا، ولَوْ عَمَّرْتَنا لَما وجَدْتَ مِنّا تَقْصِيرًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ إنَّكم كُلَّما دَخَلْتُمْ في السِّنِّ ضَعُفْتُمْ وقَدْ عَمَّرْناكم مِقْدارَ ما تَتَمَكَّنُونَ مِنَ البَحْثِ والإدْراكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] ثُمَّ إنَّكم عَلِمْتُمْ أنَّ الزَّمانَ كُلَّما يَعْبُرُ عَلَيْكم يَزْدادُ ضَعْفُكم فَضَيَّعْتُمْ زَمانَ الإمْكانِ، فَلَوْ عَمَّرْناكم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لَكانَ بَعْدَهُ زَمانُ الإزْمانِ، ومَن لَمْ يَأْتِ بِالواجِبِ زَمانَ الإمْكانِ ما كانَ يَأْتِي بِهِ زَمانَ الإزْمانِ.

36:69–70Page 444

وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩

And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān

لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠

To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.

فِي التَّرْتِيبِ وجْهانِ:

قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ أصْلَيْنِ مِنَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وهي الوَحْدانِيَّةُ والرِّسالَةُ والحَشْرُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ مِنها، وهَهُنا ذَكَرَ الأصْلَيْنِ الوَحْدانِيَّةَ والحَشْرَ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ وأمّا الحَشْرُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمّا ذَكَرَهُما وبَيَّنَهُما ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو الرِّسالَةُ فَقالَ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُعَلَّمٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَعَلَّمَهُ ما أرادَ ولَمْ يُعَلِّمْهُ ما لَمْ يُرِدْ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: خُصَّ الشِّعْرُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ، مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَنْسُبُونَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أشْياءَ مِن جُمْلَتِها السِّحْرُ، ولَمْ يَقُلْ وما عَلَّمْناهُ السِّحْرَ وكَذَلِكَ كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكِهانَةِ، ولَمْ يَقُلْ وما عَلَّمْناهُ الكِهانَةَ، فَنَقُولُ: أمّا الكِهانَةُ فَكانُوا يَنْسُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلَيْها عِنْدَما كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ ويَكُونُ كَما يَقُولُ.

وأمّا السِّحْرُ: فَكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ عِنْدَما كانَ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الغَيْرُ كَشَقِّ القَمَرِ وتَكَلُّمِ الحَصى والجِذْعِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وأمّا الشِّعْرُ: فَكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ عِنْدَما كانَ يَتْلُو القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُ ﷺ ما كانَ يَتَحَدّى إلّا بِالقُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى:

صفحة ٩٢

﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن رِسالَتِي فَأنْطِقُوا الجُذُوعَ أوْ أشْبِعُوا الخَلْقَ العَظِيمَ أوْ أخْبِرُوا بِالغُيُوبِ، فَلَمّا كانَ تَحَدِّيهِ ﷺ بِالكَلامِ وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الشِّعْرِ عِنْدَ الكَلامِ خُصَّ الشِّعْرُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ.

البَحْثُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ قُلْنا: قالَ قَوْمٌ: ما كانَ يَتَأتّى لَهُ، وآخَرُونَ: ما يَتَسَهَّلُ لَهُ حَتّى أنَّهُ إنْ تَمَثَّلَ بَيْتَ شِعْرٍ سُمِعَ مِنهُ مُزاحَفًا، يُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ» .

وفِيهِ وجْهٌ أحْسَنُ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يُحْمَلَ ما يَنْبَغِي لَهُ عَلى مَفْهُومِهِ الظّاهِرِ وهو أنَّ الشِّعْرَ ما كانَ يَلِيقُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّعْرَ يَدْعُو إلى تَغْيِيرِ المَعْنى لِمُراعاةِ اللَّفْظِ والوَزْنِ، فالشّارِعُ يَكُونُ اللَّفْظُ مِنهُ تَبَعًا لِلْمَعْنى، والشّاعِرُ يَكُونُ المَعْنى مِنهُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، يَقْصِدُ لَفْظًا بِهِ يَصِحُّ وزْنُ الشِّعْرِ أوْ قافِيَتُهُ فَيُحْتاجُ إلى التَّحَيُّلِ لِمَعْنًى يَأْتِي بِهِ لِأجْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وعَلى هَذا نَقُولُ: الشِّعْرُ هو الكَلامُ المَوْزُونُ الَّذِي قُصِدَ إلى وزْنِهِ قَصْدًا أوَّلِيًّا، وأمّا مَن يَقْصِدُ المَعْنى فَيَصْدُرُ مَوْزُونًا مُقَفًّى فَلا يَكُونُ شاعِرًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] لَيْسَ بِشِعْرٍ، والشّاعِرُ إذا صَدَرَ مِنهُ كَلامٌ فِيهِ مُتَحَرِّكاتٌ وساكِناتٌ بِعَدَدِ ما في الآيَةِ تَقْطِيعُهُ بِفاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ يَكُونُ شِعْرًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ الإتْيانَ بِألْفاظٍ حُرُوفُها مُتَحَرِّكَةٌ وساكِنَةٌ كَذَلِكَ والمَعْنى تَبِعَهُ، والحَكِيمُ قَصَدَ المَعْنى فَجاءَ عَلى تِلْكَ الألْفاظِ، وعَلى هَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنْ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ بَيْتَ شِعْرٍ وهو قَوْلُهُ:

أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ

أوْ بَيْتَيْنِ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلى الوَزْنِ والقافِيَةِ، وعَلى هَذا لَوْ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَلامٌ كَثِيرٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى لا يَكُونُ شِعْرًا، لِعَدَمِ قَصْدِهِ اللَّفْظَ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّكَ إذا تَتَبَّعْتَ كَلامَ النّاسِ في الأسْواقِ تَجِدُ فِيهِ ما يَكُونُ مَوْزُونًا واقِعًا في بَحْرٍ مِن بُحُورِ الشِّعْرِ ولا يُسَمّى المُتَكَلِّمُ بِهِ شاعِرًا ولا الكَلامُ شِعْرًا لِفَقْدِ القَصْدِ إلى اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ المَعْنى أيْ هو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْقَصْدِ إلى المَعْنى، والشِّعْرُ لَفْظٌ مُزَخْرَفٌ بِالقافِيَةِ والوَزْنِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ:

وهِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» يَعْنِي: قَدْ يَقْصِدُ الشّاعِرُ اللَّفْظَ فَيُوافِقُهُ مَعْنًى حِكَمِيٌّ كَما أنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقْصِدُ مَعْنًى فَيُوافِقُهُ وزْنٌ شِعْرِيٌّ، لَكِنَّ الحَكِيمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَزْنِ لا يَصِيرُ شاعِرًا، والشّاعِرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ حَكِيمًا، حَيْثُ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ شِعْرَهَ حِكْمَةً، ونَفى اللَّهُ كَوْنَ النَّبِيِّ شاعِرًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ قالَبُ المَعْنى والمَعْنى قَلْبُ اللَّفْظِ ورُوحُهُ فَإذا وُجِدَ القَلْبُ لا نَظَرَ إلى القالَبِ، فَيَكُونُ الحَكِيمُ المَوْزُونُ كَلامُهُ حَكِيمًا، ولا يُخْرِجُهُ عَنِ الحِكْمَةِ وزْنُ كَلامِهِ، والشّاعِرُ المُوعِظُ كَلامُهُ حَكِيمٌ.

36:71–74Page 445

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١

Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?

وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢

And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.

وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣

And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤

But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.

صفحة ٩٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ .

قُرِئَ بِالتّاءِ والياءِ، خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وبِالياءِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُنْذِرُ هو النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْناهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ .

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القُرْآنَ يُنْذِرُ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى المَعْنى، والثّانِي أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المُنْذِرَ صِفَةً لِلرُّسُلِ أكْثَرُ وُرُودًا مِنَ المُنْذِرِ صِفَةً لِلْكُتُبِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ القُرْآنَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: مَن كانَ حَيَّ القَلْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن كانَ حَيًّا في عِلْمِ اللَّهِ فَيُنْذِرُهُ بِهِ فَيُؤْمِنُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ لِيُنْذِرَ بِهِ مَن كانَ حَيًّا في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ: مَن آمَنَ فَيَنْذُرُهُ بِما عَلى المَعاصِي مِنَ العِقابِ وبِما عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ أمّا قَوْلُ العَذابِ وكَلِمَتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فَإذا جاءَ حَقَّ التَّعْذِيبُ عَلى مَن وُجِدَ مِنهُ التَّكْذِيبُ، وأمّا القَوْلُ المَقُولُ في الوَحْدانِيَّةِ والرِّسالَةِ والحَشْرِ وسائِرِ المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فَإنَّ القُرْآنَ فِيهِ ذِكْرُ الدَّلائِلِ الَّتِي بِها تَثْبُتُ المَطالِبُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ الوَحْدانِيَّةَ ودَلائِلَ دالَّةً عَلَيْها فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ .

أيْ: مِن جُمْلَةِ ما عَمِلَتْ أيْدِينا أيْ: ما عَمِلْناهُ مِن غَيْرِ مُعِينٍ ولا ظَهِيرٍ بَلْ عَمِلْناهُ بِقُدْرَتِنا وإرادَتِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ إشارَةٌ إلى إتْمامِ الإنْعامِ في خَلْقِ الأنْعامِ، فَإنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَها ولَمْ يُمَلِّكْها الإنْسانَ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِها.

وقَوْلُهُ: ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ زِيادَةُ إنْعامٍ فَإنَّ المَمْلُوكَ إذا كانَ آبِيًا مُتَمَرِّدًا لا يَنْفَعُ، فَلَوْ كانَ الإنْسانُ يَمْلِكُ الأنْعامَ وهي نادَّةٌ صادَّةٌ لَما تَمَّ الإنْعامُ الَّذِي في الرُّكُوبِ وإنْ كانَ يَحْصُلُ الأكْلُ كَما في الحَيَواناتِ الوَحْشِيَّةِ، بَلْ ما كانَ يَكْمُلُ نِعْمَةُ الأكْلِ أيْضًا إلّا بِالتَّعَبِ الَّذِي في الِاصْطِيادِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يَتَهَيَّأُ [ إلّا ] لِلْبَعْضِ وفي البَعْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ بَيانٌ لِمَنفَعَةِ التَّذْلِيلِ إذْ لَوْلا التَّذْلِيلُ لَما وُجِدَتْ إحْدى المَنفَعَتَيْنِ وكانَتِ الأُخْرى قَلِيلَةَ الوُجُودِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى غَيْرَ الرُّكُوبِ والأكْلِ مِنَ الفَوائِدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما لا يُرْكَبُ كالغَنَمِ فَقالَ: مَنافِعُ لِتَعُمَّها، والمَشارِبُ كَذَلِكَ عامَّةٌ، إنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ جَمْعُ مِشْرَبٍ وهو الآنِيَةُ، فَإنَّ مِنَ الجُلُودِ ما يُتَّخَذُ أوانِيَ لِلشُّرْبِ والأدَواتِ مِنَ القِرَبِ [ وغَيْرِها ]، وإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ المَشْرُوبُ وهو الألْبانُ والأسْمانُ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالإناثِ ولَكِنْ بِسَبَبِ الذُّكُورِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى الحَمْلِ وهو بِالذُّكُورِ والإناثِ.

صفحة ٩٤

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمُ الَّتِي تُوجِبُ العِبادَةَ شُكْرًا، ولَوْ شَكَرْتُمْ لَزادَكم مِن فَضْلِهِ، ولَوْ كَفَرْتُمْ لَسَلَبَها مِنكم، فَما قَوْلُكم، أفَلا تَشْكُرُونَ اسْتِدامَةً لَها واسْتِزادَةً فِيها ؟ .

36:75–76Page 445

لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥

They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1

فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦

So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ .

إشارَةً إلى بَيانِ زِيادَةِ ضَلالِهِمْ ونِهايَتِها، فَإنَّهم كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ اللَّهِ شُكْرًا لِأنْعُمِهِ، فَتَرَكُوها وأقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وتَوَقَّعُوا مِنهُ النُّصْرَةَ مَعَ أنَّهم هُمُ النّاصِرُونَ لَهم كَما قالَ عَنْهم: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] وفي الحَقِيقَةِ لا هي ناصِرَةٌ ولا مَنصُورَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ .

إشارَةٌ إلى الحَشْرِ بَعْدَ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ في العَذابِ﴾ [سبأ: ٣٨] وهو يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العابِدُونَ جُنْدًا لِما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً كَما ذَكَرْنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ الأصْنامُ جُنْدًا لِلْعابِدِينَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أكَّدَها بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم حالَ ما يَكُونُونَ جُنْدًا لَهم ومُحْضَرِينَ لِنُصْرَتِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَإنَّ مَن حَضَرَ واجْتَمَعَ ثُمَّ عَجَزَ عَنِ النُّصْرَةِ يَكُونُ في غايَةِ الضَّعْفِ بِخِلافِ مَن لَمْ يَكُنْ مُتَأهِّبًا ولَمْ يَجْمَعْ أنْصارَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مَعَهُ بِما يُوجِبُ تَسْلِيَةَ قَلْبِهِ دَلِيلُ اجْتِبائِهِ واخْتِيارِهِ إيّاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لِلْمُنافِقِينَ والكافِرِينَ فَقَوْلُهُ ﴿ما يُسِرُّونَ﴾ مِنَ النِّفاقِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ.

والثّانِي: ما يُسِرُّونَ مِنَ العِلْمِ بِكَ وما يُعْلِنُونَ مِنَ الكُفْرِ بِكَ.

الثّالِثُ: ما يُسِرُّونَ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ وما يُعْلِنُونَ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِنَ الآفاقِ عَلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] ذَكَرَ دَلِيلًا مِنَ الأنْفُسِ.

فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَإنَّ الآيَةَ ورَدَتْ فِيهِ حَيْثُ «أخَذَ عَظْمًا بالِيًا وأتى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: إنَّكَ تَقُولُ إنَّ إلَهَكَ يُحْيِي هَذِهِ العِظامَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ»، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ [المجادلة: ١] نَزَلَتْ في واحِدَةٍ وأرادَ الكُلَّ في الحُكْمِ فَكَذَلِكَ كُلُّ إنْسانٍ يُنْكِرُ اللَّهَ أوِ الحَشْرَ فَهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِ إذا عَلِمْتَ عُمُومَها فَنَقُولُ فِيها لَطائِفُ:

صفحة ٩٥

اللَّطِيفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] مَعْناهُ الكافِرُونَ المُنْكِرُونَ التّارِكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ المُتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أوْ لَمْ يَرَوْا خَلْقَ الأنْعامِ لَهم وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ كَلامٌ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ لِأنَّهُ مَعَ جِنْسِ الإنْسانِ وهو مَعَ جَمْعٍ مِنهم، فَنَقُولُ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أشْمَلُ وأكْمَلُ وأتَمُّ وألْزَمُ، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَغْفُلُ عَنِ الأنْعامِ وخَلْقِها عِنْدَ غَيْبَتِها ولَكِنْ [ لا يَغْفُلُ ] هو مَعَ نَفْسِهِ مَتى ما يَكُونُ وأيْنَما يَكُونُ. فَقالَ: إنْ غابَ عَنِ الحَيَوانِ وخَلْقِهِ فَهو لا يَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَما بالُهُ ! أوْلَمَ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ وهو أتَمُّ نِعْمَةٍ، فَإنَّ سائِرَ النِّعَمِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى وجْهِ الدَّلالَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ خَلْقَهُ لَوْ كانَ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةِ الصُّوَرِ كانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: العَظْمُ خُلِقَ مِن جِنْسٍ صُلْبٍ واللَّحْمُ مِن جِنْسٍ رَخْوٍ، وكَذَلِكَ الحالُ في كُلِّ عُضْوٍ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَنْ نُطْفَةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ وهو مُخْتَلِفُ الصُّوَرِ دَلَّ عَلى الِاخْتِيارِ والقُدْرَةِ إلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] .

36:77–80Page 445

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧

Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨

And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"

قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩

Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠

[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ غَرِيبَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: اخْتِلافُ صُوَرِ أعْضائِهِ مَعَ تَشابُهِ أجْزاءِ ما خُلِقَ مِنهُ آيَةٌ ظاهِرَةٌ ومَعَ هَذا فَهُنالِكَ ما هو أظْهَرُ وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ، فَهَبْ أنَّ جاهِلًا يَقُولُ إنَّهُ اسْتَحالَ وتَكُونُ جِسْمًا آخَرَ، لَكِنَّ القُوَّةَ النّاطِقَةَ والقُوَّةَ الفاهِمَةَ مِن أيْنَ تَقْتَضِيهِما النُّطْفَةُ ؟ فَإبْداعُ النُّطْقِ والفَهْمِ أعْجَبُ وأغْرَبُ مِن إبْداعِ الخَلْقِ والجِسْمِ، وهو إلى إدْراكِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ مِنهُ أقْرَبُ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَصِيمٌ﴾ أيْ ناطِقٌ وإنَّما ذَكَرَ الخَصِيمَ مَكانَ النُّطْقِ؛ لِأنَّهُ أعْلى أحْوالِ النّاطِقِ، فَإنَّ النّاطِقَ مَعَ نَفْسِهِ لا يُبَيِّنُ كَلامَهُ مِثْلَ ما يُبَيِّنُهُ وهو يَتَكَلَّمُ مَعَ غَيْرِهِ، والمُتَكَلِّمُ مَعَ غَيْرِهِ إذا لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لا يُبَيِّنُ ولا يَجْتَهِدُ مِثْلَ ما يَجْتَهِدُ إذا كانَ كَلامُهُ مَعَ خَصْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ إشارَةٌ إلى قُوَّةِ عَقْلِهِ، واخْتارَ الإبانَةَ؛ لِأنَّ العاقِلَ عِنْدَ الإفْهامِ أعْلى دَرَجَةً مِنهُ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأنَّ المُبِينَ بانَ عِنْدَهُ الشَّيْءُ ثُمَّ أبانَهُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى أدْنى ما كانَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إشارَةٌ إلى أعْلى ما حَصَلَ عَلَيْهِ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] إلى أنْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَما تَقَدَّمَ مِن خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَقَةً، وخَلْقِ العَلَقَةِ مُضْغَةً، وخَلْقِ المُضْغَةِ عِظامًا إشارَةٌ إلى التَّغَيُّراتِ في الجِسْمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] إشارَةٌ إلى ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ناطِقٌ عاقِلٌ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ الحَشْرِ وفي هَذِهِ الآياتِ إلى آخِرِ السُّورَةِ غَرائِبُ وعَجائِبُ نَذْكُرُها بِقَدْرِ الإمْكانِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَنَقُولُ: المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ مِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ دَلِيلًا ولا شُبْهَةً واكْتَفى بِالِاسْتِبْعادِ وادَّعى الضَّرُورَةَ وهُمُ الأكْثَرُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِلَفْظِ الِاسْتِبْعادِ كَما قالَ: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢]، ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِبْعادِ فَبَدَأ أوَّلًا بِإبْطالِ اسْتِبْعادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ نَسِيَ أنّا خَلَقْناهُ مِن تُرابٍ

صفحة ٩٦

ومِن نُطْفَةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهم مِنَ النَّواصِي إلى الأقْدامِ أعْضاءً مُخْتَلِفَةَ الصُّوَرِ والقَوامِ وما اكْتَفَيْنا بِذَلِكَ حَتّى أوْدَعْناهم ما لَيْسَ مِن قَبِيلِ هَذِهِ الأجْرامِ وهو النُّطْقُ والعَقْلُ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتَحَقُّوا الإكْرامَ، فَإنْ كانُوا يَقْنَعُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ فَهَلّا يَسْتَبْعِدُونَ خَلْقَ النّاطِقِ العاقِلِ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لَمْ تَكُنْ مَحَلَّ الحَياةِ أصْلًا، ويَسْتَبْعِدُونَ إعادَةَ النُّطْقِ والعَقْلِ إلى مَحَلٍّ كانا فِيهِ، ثُمَّ إنَّ اسْتِبْعادَهم كانَ مِن جِهَةِ ما في المَعادِ مِنَ التَّفَتُّتِ والتَّفَرُّقِ حَيْثُ قالُوا: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ اخْتارُوا العَظْمَ لِلذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ لِعَدَمِ الإحْساسِ فِيهِ ووَصَفُوهُ بِما يُقَوِّي جانِبَ الِاسْتِبْعادِ مِنَ البِلى والتَّفَتُّتِ واللَّهُ تَعالى دَفَعَ اسْتِبْعادَهم مِن جِهَةِ ما في المُعِيدِ مِنَ القُدْرَةِ والعِلْمِ فَقالَ: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا﴾ أيْ جَعَلَ قُدْرَتَنا كَقُدْرَتِهِمْ ونَسِيَ خَلْقَهُ العَجِيبَ وبَدْأهُ الغَرِيبَ، ومِنهم مَن ذَكَرَ شُبْهَةً وإنْ كانَتْ في آخِرِها تَعُودُ إلى مُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ وهي عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْدَ العَدَمِ لَمْ يَبْقَ شَيْئًا فَكَيْفَ يَصِحُّ عَلى العَدَمِ الحُكْمُ بِالوُجُودِ، وأجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي كَما خَلَقَ الإنْسانَ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، كَذَلِكَ يُعِيدُهُ وإنْ لَمْ يَبْقَ شَيْئًا مَذْكُورًا.

وثانِيها: أنَّ مَن تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في مَشارِقِ العالَمِ ومَغارِبِهِ وصارَ بَعْضُهُ في أبْدانِ السِّباعِ وبَعْضُهُ في جُدْرانِ الرِّباعِ كَيْفَ يُجْمَعُ ؟ وأبْعَدُ مِن هَذا هو أنَّ إنْسانًا إذا أكَلَ إنْسانًا وصارَ أجْزاءُ المَأْكُولِ في أجْزاءِ الآكِلِ فَإنْ أُعِيدَ فَأجْزاءُ المَأْكُولِ، إمّا أنْ تُعادَ إلى بَدَنِ الآكِلِ فَلا يَبْقى لِلْمَأْكُولِ أجْزاءٌ تُخْلَقُ مِنها أعْضاؤُهُ، وإمّا أنْ تُعادَ إلى بَدَنِ المَأْكُولِ مِنهُ فَلا يَبْقى لِلْآكِلِ أجْزاءٌ.

فَقالَ تَعالى في إبْطالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووَجْهُهُ هو أنَّ في الآكِلِ أجْزاءً أصْلِيَّةً وأجْزاءً فَضْلِيَّةً، وفي المَأْكُولِ كَذَلِكَ، فَإذا أكَلَ إنْسانٌ إنْسانًا صارَ الأصْلِيُّ مِن أجْزاءِ المَأْكُولِ فَضْلِيًّا مِن أجْزاءِ الآكِلِ، والأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ لِلْآكِلِ هي ما كانَ لَهُ قَبْلَ الأكْلِ ”واللَّهُ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ“ يَعْلَمُ الأصْلِيَّ مِنَ الفَضْلِيِّ فَيَجْمَعُ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ لِلْمَأْكُولِ ويَنْفُخُ فِيها رُوحَهُ، وكَذَلِكَ يَجْمَعُ الأجْزاءَ المُتَفَرِّقَةَ في البِقاعِ المُبَدَّدَةِ في الأصْقاعِ بِحِكْمَتِهِ الشّامِلَةِ وقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى تَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن دَفْعِ اسْتِبْعادِهِمْ وإبْطالِ إنْكارِهِمْ وعِنادِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском