Ar-RaziAz‑Zumar · 39:33–44

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:33–44

39:33–37Page 462

وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣

And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤

They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥

That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾

صفحة ٢٤٣

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكاذِبِينَ والمُكَذِّبِينَ لِلصّادِقِينَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وعْدَ الصّادِقِينَ ووَعْدَ المُصَدِّقِينَ، لِيَكُونَ الوَعْدُ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾، تَقْدِيرُهُ: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ شَخْصٌ واحِدٌ، فالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ مَن جاءَ بِالصِّدْقِ، فالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ الأتْباعُ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِأنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جَماعَةٌ، وإلّا لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الرِّسالَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ: المُرْسِلِ والمُرْسَلُ والرِّسالَةِ والمُرْسَلِ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإرْسالِ إقْدامُ المُرْسَلِ إلَيْهِ عَلى القَبُولِ والتَّصْدِيقِ، فَأوَّلُ شَخْصٍ أتى بِالتَّصْدِيقِ هو الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الإرْسالُ، وسَمِعْتُ بَعْضَ القاصِّينَ مِنَ الَّذِي يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «دَعُوا أبا بَكْرٍ، فَإنَّهُ مِن تَتِمَّةِ النُّبُوَّةِ» .

واعْلَمْ أنّا سَواءٌ قُلْنا: المُرادُ بِالَّذِي صَدَّقَ بِهِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، أوْ قُلْنا: المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنَّ أبا بَكْرٍ داخِلٌ فِيهِ.

أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: فَدُخُولُ أبِي بَكْرٍ فِيهِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا يَتَناوَلُ أسْبَقَ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأسْبَقَ الأفْضَلَ إمّا أبُو بَكْرٍ وإمّا عَلِيٌّ، وحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى أبِي بَكْرٍ أوْلى، لِأنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ وقْتَ البَعْثَةِ صَغِيرًا، فَكانَ كالوَلَدِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَكُونُ في البَيْتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ إقْدامَهُ عَلى التَّصْدِيقِ لا يُفِيدُ مَزِيدَ قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ. أمّا أبُو بَكْرٍ فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا كَبِيرًا في السِّنِّ كَبِيرًا في المَنصِبِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّصْدِيقِ يُفِيدُ مَزِيدَ قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ في الإسْلامِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ إلى أبِي بَكْرٍ أوْلى.

وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ أبُو بَكْرٍ داخِلًا فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”وصَدَقَ“ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ صَدَقَ بِهِ النّاسَ ولَمْ يَكْذِبْهم، يَعْنِي: أدّاهُ إلَيْهِمْ كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وقِيلَ: صارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ، والمُعْجِزَةُ تَصْدِيقٌ مِنَ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فَيَصِيرُ المُدَّعِي لِلرِّسالَةِ صادِقًا بِسَبَبِ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، وقُرِئَ: ”وصَدَّقَ“ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أحْكامًا كَثِيرَةً.

فالحُكْمُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ التَّوْحِيدَ والشِّرْكَ ضِدّانِ، وكُلَّما كانَ أحَدُ الضِّدَّيْنِ أشْرَفَ وأكْمَلَ كانَ الضِّدُّ الثّانِي أخَسَّ وأرْذَلَ، ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أشْرَفَ الأسْماءِ كانَ الشِّرْكُ أخَسَّ الأشْياءِ، والآتِي بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ تارِكًا لِلضِّدِّ الثّانِي، فالآتِي بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أفْضَلُ الأشْياءِ يَكُونُ تارِكًا لِلشِّرْكِ الَّذِي هو أخَسُّ الأشْياءِ وأرْذَلُها، فَلِهَذا المَعْنى وصَفَ المُصَدِّقِينَ بِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ.

الحُكْمُ الثّانِي لِلْمُصَدِّقِينَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾، وهَذا

صفحة ٢٤٤

الوَعْدُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَرْغَبُ المُكَلَّفُ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ مَرْغُوبٌ فِيهِ لِذاتِهِ، وأهْلُ الجَنَّةِ لا شَكَّ أنَّهم عُقَلاءُ، فَإذا شاهَدُوا الدَّرَجاتِ العالِيَةَ الَّتِي هي لِلْأنْبِياءِ وأكابِرِ الأوْلِياءِ عَرَفُوا أنَّها خَيْراتٌ عالِيَةٌ ودَرَجاتٌ كامِلَةٌ، والعِلْمُ بِالشَّيْءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَمالٌ وخَيْرٌ يُوجِبُ المَيْلَ إلَيْهِ والرَّغْبَةَ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهم يَشاءُونَ حُصُولَ تِلْكَ الدَّرَجاتِ لِأنْفُسِهِمْ، فَوَجَبَ حُصُولُها لَهم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وأيْضًا فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهم ذَلِكَ المُرادُ كانُوا في الغُصَّةِ ووَحْشَةِ القَلْبِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيلُ الحِقْدَ والحَسَدَ عَنْ قُلُوبِ أهْلِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أحْوالَهم في الآخِرَةِ بِخِلافِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا: إنَّ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى لا شَكَّ أنَّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ لِأنَّهم صَدَّقُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يُرِيدُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَشاءُونَ ذَلِكَ، قُلْنا: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ أعْظَمُ وُجُوهِ التَّجَلِّي وزَوالِ الحِجابِ، ولا شَكَّ أنَّها حالَةٌ مَطْلُوبَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ نَظَرًا إلى هَذا الِاعْتِبارِ، بَلْ لَوْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ كَوْنُ هَذا المَطْلُوبِ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لِعَيْنِهِ فَإنَّهُ يُتْرَكُ طَلَبُهُ، لا لِأجْلِ عَدَمِ المُقْتَضِي لِلطَّلَبِ، بَلْ لِقِيامِ المانِعِ، وهو كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا في نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ قائِمَةٌ، والنَّصُّ يَقْتَضِي حُصُولَ كُلِّ ما أرادُوهُ وشاءُوهُ فَوَجَبَ حُصُولُها.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لا يُفِيدُ العِنْدِيَّةَ بِمَعْنى الجِهَةِ والمَكانِ، بَلْ بِمَعْنى الصَّمَدِيَّةِ والإخْلاصِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى أنَّ هَذا الأجْرَ مُسْتَحَقٌّ لَهم عَلى إحْسانِهِمْ في العِبادَةِ.

الحُكْمُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الثَّوابِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِقابِ عَنْهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَقِيلَ: المُرادُ أنَّهم إذا صَدَّقُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمْ فِيما أُوتُوا، فَإنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ أعْمالِهِمْ، وهو الكُفْرُ السّابِقُ عَلى ذَلِكَ الإيمانِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِمْ أحْسَنَ أنْواعِ الثَّوابِ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَجْزِيهِمْ بِالمَحاسِنِ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَجْزِيهِمْ بِالمَساوِئِ.

واعْلَمْ أنَّ مُقاتِلًا كانَ شَيْخَ المُرْجِئَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي مَعَ الإيمانِ، كَما لا يَنْفَعُ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مَعَ الكُفْرِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَّقَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ فَإنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا، ولا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا الأسْوَأِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ، لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ إنَّما حَصَلَ في حالِ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالتَّقْوى، وهو التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكَبائِرَ الَّتِي يَأْتِي بِها بَعْدَ الإيمانِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ تَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ تَعالى يُكَفِّرُ عَنْهم بَعْدَ إيمانِهِمْ أسْوَأ ما يَأْتُونَ بِهِ، وذَلِكَ هو الكَبائِرُ.

الحُكْمُ الرّابِعُ: أنَّهُ جَرَتِ العادَةُ أنَّ المُبْطِلِينَ يُخَوِّفُونَ المُحِقِّينَ بِالتَّخْوِيفاتِ الكَثِيرَةِ، فَحَسَمَ اللَّهُ مادَّةَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ في النُّفُوسِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، فَهو تَعالى عالِمٌ حاجاتِ العِبادِ، وقادِرٌ عَلى دَفْعِها وإبْدالِها بِالخَيْراتِ والرّاحاتِ، وهو لَيْسَ بَخِيلًا ولا مُحْتاجًا

صفحة ٢٤٥

حَتّى يَمْنَعَهُ بُخْلُهُ وحاجَتُهُ عَنْ إعْطاءِ ذَلِكَ المُرادِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَدْفَعُ الآفاتِ ويُزِيلُ البَلِيّاتِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ كُلَّ المُراداتِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ المُقَدِّمَةَ رَتَّبَ عَلَيْها النَّتِيجَةَ المَطْلُوبَةَ، فَقالَ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ كافٍ عَبْدَهُ كانَ التَّخْوِيفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَبَثًا وباطِلًا، قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: ”عَبْدَهُ“ بِلَفْظِ الواحِدِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، لِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾، رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا نَخافُ أنْ تُخْبِلَكَ آلِهَتُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقَرَأ جَماعَةٌ: ”عِبادَهُ“ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، قِيلَ: المُرادُ بِالعِبادِ الأنْبِياءُ، فَإنَّ نُوحًا كَفاهُ الغَرَقَ، وإبْراهِيمَ النّارَ، ويُونُسَ بِالإنْجاءِ مِمّا وقَعَ لَهُ، فَهو تَعالى كافِيكَ يا مُحَمَّدُ كَما كَفى هَؤُلاءِ الرُّسُلَ قَبْلَكَ، وقِيلَ: أُمَمُ الأنْبِياءِ قَصَدُوهم بِالسُّوءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ [غافر: ٥] وكَفاهُمُ اللَّهُ شَرَّ مَن عاداهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الوَعِيدِ والوَعْدِ والتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ خَتَمَ الكَلامَ بِخاتِمَةٍ هي الفَصْلُ الحَقُّ، فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يَعْنِي: هَذا الفَضْلُ لا يَنْفَعُ والبَيِّناتُ إلّا إذا خَصَّ اللَّهُ العَبْدَ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ وإرادَةِ الكائِناتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ والمَباحِثُ فِيهِ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعْلُومَةٌ، والمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾، ولَوْ كانَ الخالِقُ لِلْكُفْرِ فِيهِمْ هو اللَّهَ لَكانَ الِانْتِقامُ والتَّهْدِيدُ غَيْرَ لائِقٍ بِهِ.

39:38–40Page 462

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في وعِيدِ المُشْرِكِينَ وفي وعْدِ المُوَحِّدِينَ، عادَ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ عَبْدَةِ الأصْنامِ، وبَنى هَذا التَّزْيِيفَ عَلى أصْلَيْنِ:

الأصْلُ الأوَّلُ: هو أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ العِلْمَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ الخَلائِقِ لا نِزاعَ بَيْنَهم فِيهِ، وفِطْرَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذا

صفحة ٢٤٦

العِلْمِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ في عَجائِبِ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي عَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ خاصَّةً، وفي عَجائِبِ بَدَنِ الإنْسانِ وما فِيهِ مِن أنْواعِ الحِكَمِ الغَرِيبَةِ والمَصالِحِ العَجِيبَةِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ.

والأصْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ عِبادَةُ اللَّهِ كافِيَةً، وكانَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ كافِيًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ فَإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلى تَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو التَّنْبِيهَ عَلى الجَوابِ عَمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾“، وقُرِئَ: ”كاشِفاتٌ ضُرَّهُ“، و”مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ“ بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وبِالإضافَةِ لِلتَّخْفِيفِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قَوْلُهُ: ﴿كاشِفاتُ﴾ و﴿مُمْسِكاتُ﴾ عَلى التَّأْنِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ؟ قُلْنا: المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ ضَعْفِها، فَإنَّ الأُنُوثَةَ مَظِنَّةُ الضَّعْفِ، ولِأنَّهم كانُوا يَصِفُونَها بِالتَّأْنِيثِ، ويَقُولُونَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، ولَمّا أوْرَدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ الَّتِي لا دَفْعَ لَها قالَ بَعْدَهُ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم أنَّكم في نِهايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ فاجْتَهِدُوا في أنْواعِ مَكْرِكم وكَيْدِكم، فَإنِّي عامِلٌ أيْضًا في تَقْرِيرِ دِينِي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ العَذابَ والخِزْيَ يُصِيبُنِي أوْ يُصِيبُكم، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّخْوِيفُ.

39:41–44Page 463

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٢٤٧

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَعْظُمُ عَلَيْهِ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ كَما قالَ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦] وقالَ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] فَلَمّا أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في فَسادِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ تارَةً بِالدَّلائِلِ والبَيِّناتٍ، وتارَةً بِضَرْبِ الأمْثالِ، وتارَةً بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِكَلامٍ يُزِيلُ ذَلِكَ الخَوْفَ العَظِيمَ عَنْ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الكامِلَ الشَّرِيفَ لِنَفْعِ النّاسِ ولِاهْتِدائِهِمْ بِهِ، وجَعَلْنا إنْزالَهُ مَقْرُونًا بِالحَقِّ، وهو المُعْجِزُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَمَنِ اهْتَدى فَنَفْعُهُ يَعُودُ إلَيْهِ، ومَن ضَلَّ فَضَيْرُ ضَلالِهِ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ والمَعْنى أنَّكَ لَسْتَ مَأْمُورًا بِأنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ، بَلِ القَبُولُ وعَدَمُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الهِدايَةَ تُشْبِهُ الحَياةَ واليَقَظَةَ، والضَّلالَ يُشْبِهُ المَوْتَ والنَّوْمَ، وكَما أنَّ الحَياةَ واليَقَظَةَ وكَذَلِكَ المَوْتَ والنَّوْمَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإيجادِهِ، فَكَذَلِكَ الهِدايَةُ والضَّلالُ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَن عَرَفَ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ فَقَدْ عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ تَعالى في القَدَرِ، ومَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ، فَيَصِيرُ التَّنْبِيهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ سَبَبًا لِزَوالِ ذَلِكَ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ في الآيَةِ، وقِيلَ: نَظْمُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُجَّةً أُخْرى في إثْباتِ أنَّهُ الإلَهُ العالِمُ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ بِالعِبادَةِ أحَقُّ مِن هَذِهِ الأصْنامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَتَوَفّى الأنْفُسَ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ النَّوْمِ، إلّا أنَّهُ يُمْسِكُ الأنْفُسَ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى وهي النّائِمَةُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، أيْ: إلى وقْتٍ ضَرَبَهُ لِمَوْتِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي يَتَوَفّاها عِنْدَ المَوْتِ يُمْسِكُها ولا يَرُدُّها إلى البَدَنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعْنِي أنَّ النَّفْسَ الَّتِي يَتَوَفّاها عِنْدَ النَّوْمِ يَرُدُّها إلى البَدَنِ عِنْدَ اليَقَظَةِ، وتَبْقى هَذِهِ الحالَةُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وذَلِكَ الأجَلُ هو وقْتُ المَوْتِ، فَهَذا تَفْسِيرُ لَفْظِ الآيَةِ، وهي مُطابِقَةٌ لِلْحَقِيقَةِ، ولَكِنْ لا بُدَّ فِيهِ مِن مَزِيدِ بَيانٍ، فَنَقُولُ: النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ عِبارَةٌ عَنْ جَوْهَرٍ مُشْرِقٍ رُوحانِيٍّ إذا تَعَلَّقَ بِالبَدَنِ حَصَلَ ضَوْؤُهُ في جَمِيعِ الأعْضاءِ، وهو الحَياةُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ في وقْتِ المَوْتِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ عَنْ ظاهِرِ هَذا البَدَنِ وعَنْ باطِنِهِ وذَلِكَ هو المَوْتُ، وأمّا في وقْتِ النَّوْمِ فَإنَّهُ يَنْقَطِعُ ضَوْؤُهُ عَنْ ظاهِرِ البَدَنِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ ولا يَنْقَطِعُ ضَوْؤُهُ عَنْ باطِنِ البَدَنِ، فَثَبَتَ أنَّ المَوْتَ والنَّوْمَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ المَوْتَ انْقِطاعٌ تامٌّ كامِلٌ، والنَّوْمُ انْقِطاعٌ ناقِصٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ القادِرَ العالِمَ الحَكِيمَ دَبَّرَ تَعَلُّقَ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِالبَدَنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَقَعَ ضَوْءُ النَّفْسِ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وذَلِكَ اليَقَظَةُ.

وثانِيها: أنْ يَرْتَفِعَ ضَوْءُ النَّفْسِ عَنْ ظاهِرِ البَدَنِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ باطِنِهِ، وذَلِكَ هو النَّوْمُ.

وثالِثُها: أنْ يَرْتَفِعَ ضَوْءُ النَّفْسِ عَنِ البَدَنِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو المَوْتُ، فَثَبَتَ أنَّ المَوْتَ والنَّوْمَ يَشْتَرِكانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَوَفِّيًا لِلنَّفْسِ، ثُمَّ يَمْتازُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ بِخَواصَّ مُعَيَّنَةٍ في صِفاتٍ مُعَيَّنَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَّدْبِيرِ العَجِيبِ لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ إلّا عَنِ القادِرِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا أنَّ الدَّلِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْبُدَ إلَهًا مَوْصُوفًا بِهَذِهِ القُدْرَةِ وبِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وأنْ لا يَعْبُدَ الأوْثانَ الَّتِي هي جَماداتٌ لا شُعُورَ لَها ولا إدْراكَ.

واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ أوْرَدُوا عَلى هَذا الكَلامِ سُؤالًا، فَقالُوا: نَحْنُ لا نَعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ لِاعْتِقادِ أنَّها

صفحة ٢٤٨

آلِهَةٌ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وإنَّما نَعْبُدُها لِأجْلِ أنَّها تَماثِيلُ لِأشْخاصٍ كانُوا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المُقَرَّبِينَ، فَنَحْنُ نَعْبُدُها لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ أُولَئِكَ الأكابِرُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنْ قالَ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ وتَقْرِيرُ الجَوابِ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ إمّا أنْ يَطْمَعُوا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ مِن هَذِهِ الأصْنامِ، أوْ مِن أُولَئِكَ العُلَماءِ والزُّهّادِ الَّذِينَ جُعِلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ تَماثِيلَ لَها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ وهي الأصْنامُ لا تَمْلِكُ شَيْئًا ولا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ صُدُورُ الشَّفاعَةِ مِنها.

والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الشَّفاعَةِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الشَّفِيعُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهَ الَّذِي يَأْذَنُ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا مُلْكَ لِأحَدٍ غَيْرُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومِنهم مَن تَمَسَّكَ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنّا نُسَلِّمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما لَمْ يَأْذَنْ في الشَّفاعَةِ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى الشَّفاعَةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ فِيهِ سُؤالٌ؛ لِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَوَفِّيَ هو اللَّهُ فَقَطْ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢]، وبِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وقالَ في آيَةٍ ثالِثَةٍ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]، وجَوابُهُ: أنَّ المُتَوَفِّيَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ في عالَمِ الأسْبابِ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الأعْمالِ إلى مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، فَفَوَّضَ قَبْضَ الأرْواحِ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وهو رَئِيسٌ وتَحْتَهُ أتْباعٌ وخَدَمٌ، فَأُضِيفَ التَّوَفِّي في هَذِهِ الآيَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإضافَةِ الحَقِيقِيَّةِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ إلى مَلَكِ المَوْتِ؛ لِأنَّهُ هو الرَّئِيسُ في هَذا العَمَلِ، وإلى سائِرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الأتْباعُ لِمَلِكِ المَوْتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском