Ar-RaziAz‑Zumar · 39:45–58

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:45–58

39:45–48Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وهو أنَّكَ إذا ذَكَرْتَ اللَّهَ وحْدَهُ تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ

صفحة ٢٤٩

وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ظَهَرَتْ آثارُ النَّفْرَةِ مِن وُجُوهِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، وإذا ذُكِرَتِ الأصْنامُ والأوْثانُ ظَهَرَتْ آثارُ الفَرَحِ والبِشارَةِ في قُلُوبِهِمْ وصُدُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الجَهْلِ والحَماقَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ رَأْسُ السَّعاداتِ وعُنْوانُ الخَيْراتِ، وأمّا ذِكْرُ الأصْنامِ الَّتِي هي الجَماداتُ الخَسِيسَةُ، فَهو رَأْسُ الجَهالاتِ والحَماقاتِ، فَنَفْرَتُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ واسْتِبْشارُهم بِذِكْرِ هَذِهِ الأصْنامِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى الجَهْلِ الغَلِيظِ والحُمْقِ الشَّدِيدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَدْ يُقابَلُ الِاسْتِبْشارُ والِاشْمِئْزازُ، إذْ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما غايَةٌ في بابِهِ، لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ أنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ سُرُورًا حَتّى يَظْهَرَ أثَرُ ذَلِكَ السُّرُورِ في بَشَرَةِ وجْهِهِ ويَتَهَلَّلُ، والِاشْمِئْزازُ أنْ يَعْظُمَ غَمُّهُ وغَيْظُهُ، فَيَنْقَبِضَ الرُّوحُ إلى داخِلِ القَلْبِ فَيَبْقى في أدِيمِ الوَجْهِ أثَرُ الغَبَرَةِ والظُّلْمَةِ الأرْضِيَّةِ.

ولَمّا حَكى عَنْهم هَذا الأمْرَ العَجِيبَ الَّذِي تَشْهَدُ فِطْرَةُ العَقْلِ بِفَسادِهِ أرْدَفَهُ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ العَظِيمَ، فَوَصَفَهُ أوَّلًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وثانِيًا بِالعِلْمِ الكامِلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ القُدْرَةِ عَلى ذِكْرِ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا، ولَمّا ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ قالَ: ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ نَفَّرَتَهم عَنِ التَّوْحِيدِ وفَرَحَهم عِنْدَ سَماعِ الشِّرْكِ أمْرٌ مَعْلُومُ الفَسادِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، ومَعَ ذَلِكَ القَوْمُ قَدْ أصَرُّوا عَلَيْهِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَتِهِمْ عَنْ هَذا الِاعْتِقادِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ إلّا أنْتَ، «عَنْ أبِي سَلَمَةَ، قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ: بِمَ كانَ يَفْتَتِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاتَهُ بِاللَّيْلِ ؟ قالَتْ: كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ، وإنَّكَ لَتَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ ذَكَرَ في وعِيدِهِمْ أشْياءَ:

أوَّلُها: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَوْ مَلَكُوا كُلَّ ما في الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ ومَلَكُوا مِثْلَهُ مَعَهُ لَجَعَلُوا الكُلَّ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ الشَّدِيدِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ لَهم أنْواعٌ مِنَ العِقابِ لَمْ تَكُنْ في حِسابِهِمْ، وكَما أنَّهُ ﷺ قالَ في صِفَةِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ: «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بِشْرٍ» فَكَذَلِكَ في العِقابِ حَصَلَ مِثْلُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ ومَعْناهُ: ظَهَرَتْ لَهم آثارُ تِلْكَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اكْتَسَبُوها، أيْ: ظَهَرَتْ لَهم أنْواعٌ مِنَ العِقابِ آثارُ تِلْكَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اكْتَسَبُوها، ثُمَّ قالَ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ مِن كُلِّ الجَوانِبِ جَزاءَ ما كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، فَنَبَّهَ تَعالى بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى عِظَمِ عِقابِهِمْ.

39:49–52Page 464

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

صفحة ٢٥٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ طَرِيقَةٍ أُخْرى مِن طَرائِقِهِمُ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عِنْدَ الوُقُوعِ في الضُّرِّ الَّذِي هو الفَقْرُ والمَرَضُ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَرَوْنَ أنَّ دَفْعَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا خَوَّلَهُمُ النِّعْمَةَ، وهي إمّا السَّعَةُ في المالِ أوِ العافِيَةُ في النَّفْسِ، زَعَمَ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ بِكَسْبِهِ وبِسَبَبِ جُهْدِهِ وجِدِّهِ، فَإنْ كانَ مالًا قالَ: إنَّما حَصَلَ بِكَسْبِي، وإنْ كانَ صِحَّةً قالَ: إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ العِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا تَناقُضٌ عَظِيمٌ، لِأنَّهُ كانَ في حالِ العَجْزِ والحاجَةِ أضافَ الكُلَّ إلى اللَّهِ، وفي حالِ السَّلامَةِ والصِّحَّةِ قَطَعَهُ عَنِ اللَّهِ، وأسْنَدَهُ إلى كَسْبِ نَفْسِهِ، وهَذا تَناقُضٌ قَبِيحٌ، فَبَيَّنَ تَعالى قُبْحَ طَرِيقَتِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ بِلَفْظَةٍ وجِيزَةٍ فَصِيحَةٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي خَوَّلَها هَذا الكافِرَ فِتْنَةً، لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِها يَجِبُ الشُّكْرُ، وعِنْدَ فَواتِها يَجِبُ الصَّبْرُ، ومَن هَذا حالُهُ يُوصَفُ بِأنَّهُ فِتْنَةٌ مِن حَيْثُ يُخْتَبَرُ عِنْدَهُ حالُ مَن أُوتِيَ النِّعْمَةَ، كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، إذا عَرَضْتَهُ عَلى النّارِ لِتَعْرِفَ خُلاصَتَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى ما قَدَّمْنا أنَّ هَذا التَّخْوِيلَ إنَّما كانَ لِأجْلِ الِاخْتِبارِ، وبَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ نَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في عَطْفِ هَذِهِ الآيَةِ بِالفاءِ هَهُنا، وعَطْفِ مِثْلِها في أوَّلِ السُّورَةِ بِالواوِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَشْمَئِزُّونَ مِن سَماعِ التَّوْحِيدِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِسَماعِ ذِكْرِ الشُّرَكاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ أنَّهم إذا وقَعُوا في الضُّرِّ والبَلاءِ والتَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ مُناقِضًا لِلْفِعْلِ الثّانِي، فَهَذا هو الفائِدَةُ في ذِكْرِ فاءِ التَّعْقِيبِ هَهُنا. فَأمّا الآيَةُ الأُولى فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنها بَيانَ وُقُوعِهِمْ في التَّناقُضِ في الحالِ، فَلا جَرَمَ ”ذُكِرَ اللَّهُ“ بِحَرْفِ الواوِ لا بِحَرْفِ الفاءِ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى التَّخْوِيلِ ؟ الجَوابُ: التَّخْوِيلُ هو التَّفَضُّلُ، يَعْنِي: نَحْنُ نَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ إنَّما وجَدَهُ بِالِاسْتِحْقاقِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ ؟ الجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ بِكَوْنِي مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمِي بِكَوْنِي مُسْتَحِقًّا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ لِأجْلِ ذَلِكَ العِلْمِ قَدِرْتُ عَلى اكْتِسابِهِ مِثْلَ أنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُعالِجَ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: إنَّما وجَدْتُ الصِّحَّةَ لِعِلْمِي بِكَيْفِيَّةِ العِلاجِ، وإنَّما وجَدْتُ المالَ لِعِلْمِي بِكَيْفِيَّةِ الكَسْبِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: النِّعْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ عائِدٌ عَلى النِّعْمَةِ، فَضَمِيرُ التَّذْكِيرِ كَيْفَ عادَ إلى المُؤَنَّثِ، بَلْ قالَ بَعْدَهُ: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ فَجُعِلَ الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: حَتّى إذا خَوَّلْناهُ شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، فَلَفْظُ النِّعْمَةِ مُؤَنَّثٌ، ومَعْناهُ مُذَكَّرٌ، فَلا جَرَمَ جازَ الأمْرانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في ”قالَها“ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ:

صفحة ٢٥١

﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ لِأنَّها كَلِمَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مِنَ المَقُولِ (والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) هم قارُونُ وقَوْمُهُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وقَوْمُهُ راضُونَ بِهِ، فَكَأنَّهم قالُوها، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قائِلُونَ مِثْلَها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: ما أغْنى عَنْهم ذَلِكَ الِاعْتِقادُ الباطِلُ والقَوْلُ الفاسِدُ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا، بَلْ أصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، ولَمّا بَيَّنَ في أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّهم أصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، أيْ: عَذابُ عَقائِدِهِمُ الباطِلَةِ وأقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ قالَ: ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: لا يُعْجِزُونَنِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يَعْنِي: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ تارَةً، ويَقْبِضُ تارَةً أُخْرى، وقَوْلُهُ: ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ ويُقَتِّرُ ويُضَيِّقُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنّا نَرى النّاسَ مُخْتَلِفِينَ في سَعَةِ الرِّزْقِ وضِيقِهِ، ولا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، وذَلِكَ السَّبَبُ لَيْسَ هو عَقْلَ الرَّجُلِ وجَهْلَهُ، لِأنّا نَرى العاقِلَ القادِرَ في أشَدِّ الضِّيقِ، ونَرى الجاهِلَ المَرِيضَ الضَّعِيفَ في أعْظَمِ السَّعَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ أيْضًا لِأجْلِ الطَّبائِعِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ، لِأنَّ في السّاعَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها ذَلِكَ المُلْكُ الكَبِيرُ والسُّلْطانُ القاهِرُ، قَدْ وُلِدَ فِيهِ أيْضًا عالَمٌ مِنَ النّاسِ وعالَمٌ مِنَ الحَيَواناتِ غَيْرَ الإنْسانِ، ويُولَدُ أيْضًا في تِلْكَ السّاعَةِ عالَمٌ مِنَ النَّباتِ، فَلَمّا شاهَدْنا حُدُوثَ هَذِهِ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ في تِلْكَ السّاعَةِ الواحِدَةِ مَعَ كَوْنِها مُخْتَلِفَةً في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُؤَثِّرُ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هو الطّالِعَ، ولَمّا بَطُلَتْ هَذِهِ الأقْسامُ، عَلِمْنا أنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وصَحَّ بِهَذا البُرْهانُ العَقْلِيُّ القاطِعُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ .

قالَ الشّاعِرُ:

فَلا السَّعْدُ يَقْضِي بِهِ المُشْتَرِي ولا النَّحْسُ يَقْضِي عَلَيْنا زُحَلْ

ولَكِنَّهُ حُكْمُ رَبِّ السَّما ∗∗∗ ءِ وقاضِي القُضاةِ تَعالى وجَلْ

39:53–54Page 464

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَمالِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ في حَقِّ العَبِيدِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ، فَقالُوا: إنّا بَيَّنّا في هَذا الكِتابِ أنَّ عُرْفَ القُرْآنِ جارٍ بِتَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾

صفحة ٤

[الفُرْقانِ: ٦٣] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦] ولِأنَّ لَفْظَ العِبادِ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَقَعَ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ياعِبادِيَ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ هو الَّذِي يَعْتَرِفُ بِكَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَإنَّهم يُسَمُّونَ أنْفُسَهم بِعَبْدِ اللّاتِ والعُزّى وعَبْدِ المَسِيحِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وهَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُسْرِفِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غافِرًا لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ الصّادِرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، وإلّا لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةً قَطْعًا، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، فَما هو مَدْلُولُ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقُولُونَ بِهِ، والَّذِي تَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِن أوَّلِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى غَفَرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ قَطْعًا لَما أمَرَ عَقِيبَهُ بِالتَّوْبَةِ، ولَما خَوَّفَهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأيْضًا قالَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ولَوْ كانَتِ الذُّنُوبُ كُلُّها مَغْفُورَةً، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ؟ وأيْضًا فَلَوْ كانَ المُرادُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ لَكانَ ذَلِكَ إغْراءً بِالمَعاصِي وإطْلاقًا في الإقْدامِ عَلَيْها، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ العاصِي أنَّهُ لا مَخْلَصَ لَهُ مِنَ العَذابِ البَتَّةَ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهو قانِطٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، إذْ لا أحَدَ مِنَ العُصاةِ المُذْنِبِينَ إلّا ومَتى تابَ زالَ عِقابُهُ وصارَ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.

والجَوابُ: قَوْلُهُ الآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةً قَطْعًا وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، قُلْنا: بَلْ نَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ صِيغَةَ ﴿يَغْفِرُ﴾ صِيغَةُ المُضارِعِ، وهي لِلِاسْتِقْبالِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَصاحِبُ الكَبِيرَةِ مَغْفُورٌ لَهُ قَطْعًا، إمّا قَبْلَ الدُّخُولِ في نارِ جَهَنَّمَ، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ فَهو عَيْنُ مَذْهَبِنا.

أمّا قَوْلُهُ: لَوْ صارَتِ الذُّنُوبُ بِأسْرِها مَغْفُورَةً لَما أمَرَ بِالتَّوْبَةِ، فالجَوابُ أنَّ عِنْدَنا التَّوْبَةَ واجِبَةٌ وخَوْفَ العِقابِ قائِمٌ، فَإنّا لا نَقْطَعُ بِإزالَةِ العِقابِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ نَقُولُ: لَعَلَّهُ يَعْفُو مُطْلَقًا، ولَعَلَّهُ يُعَذِّبُ بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يَعْفُو بَعْدَ ذَلِكَ، وبِهَذا الحَرْفِ يُخَرَّجُ الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الأسْئِلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ مِن وُجُوهٍ

الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى المُذْنِبَ بِالعَبْدِ، والعُبُودِيَّةُ مُفَسَّرَةٌ بِالحاجَةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، واللّائِقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ إفاضَةُ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ عَلى المِسْكِينِ المُحْتاجِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَهم إلى نَفْسِهِ بِياءِ الإضافَةِ فَقالَ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ وشَرَفُ الإضافَةِ إلَيْهِ يُفِيدُ الأمْنَ مِنَ العَذابِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ ما

صفحة ٥

عادَ إلَيْهِ بَلْ هو عائِدٌ إلَيْهِمْ، فَيَكْفِيهِمْ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ عَوْدُ مَضارِّها إلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى إلْحاقِ ضَرَرٍ آخَرَ بِهِمْ.

الرّابِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ نَهاهم عَنِ القُنُوطِ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالرَّجاءِ، والكَرِيمُ إذا أمَرَ بِالرَّجاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا الكَرَمُ.

الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ياعِبادِيَ﴾ وكانَ الألْيَقُ أنْ يَقُولَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِي، لَكِنَّهُ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وقالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ قَوْلَنا: ﴿اللَّهِ﴾ أعْظَمُ أسْماءِ اللَّهِ وأجْلُّها، فالرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلَيْهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ.

السّادِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ أعادَ اسْمَ اللَّهِ وقَرَنَ بِهِ لَفْظَةَ ”إنَّ“ المُفِيدَةَ لِأعْظَمِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ.

السّابِعُ: أنَّهُ لَوْ قالَ: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، لَكِنَّهُ أرْدَفَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾ وهَذا أيْضًا مِنَ المُؤَكِّداتِ.

الثّامِنُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا، ولَفْظُ الغَفُورِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ.

التّاسِعُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحِيمًا والرَّحْمَةُ تُفِيدُ فائِدَةً عَلى المَغْفِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إشارَةً إلى إزالَةِ مُوجِباتِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ إشارَةً إلى تَحْصِيلِ مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ.

العاشِرُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا غَفُورَ ولا رَحِيمَ إلّا هو، وذَلِكَ يُفِيدُ الكَمالَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ العَشَرَةُ مَجْمُوعَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهي بِأسْرِها دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها والنَّجاةَ مِنَ العِقابِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا.

قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ وقَتَلَ النَّفْسَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وقَدْ عَبَدْنا وقَتَلْنا فَكَيْفَ نُسْلِمُ؟ .

وقِيلَ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ لَمّا أرادَ أنْ يُسْلِمَ وخافَ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أسْلَمَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً؟ فَقالَ: «بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ أصابُوا ذُنُوبًا عِظامًا في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أشْفَقُوا أنْ لا يَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا فافْتُتِنُوا، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ فِيهِمْ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنهم تَوْبَتَهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكَتَبَها عُمَرُ وبَعَثَ بِها إلَيْهِمْ فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا، واعْلَمْ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَنُزُولُ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ الوَقائِعِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿ياعِبادِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ، وعاصِمٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِغَيْرِ فَتْحٍ، وكُلُّهم يَقِفُونَ عَلَيْهِ بِإثْباتِ الياءِ؛ لِأنَّها ثابِتَةٌ في المُصْحَفِ، إلّا في بَعْضِ رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَإنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”تَقْنِطُوا“ بِكَسْرِ النُّونِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ”يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشاءُ“

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أيْ وتُوبُوا إلَيْهِ ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ وأخْلِصُوا لَهُ العَمَلَ، وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى أثَرِ المَغْفِرَةِ؛ لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ عِنْدَنا التَّوْبَةَ عَنِ المَعاصِي واجِبَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن وُرُودِ الأمْرِ بِها طَعْنٌ في الوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ، فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ الوَعْدُ بِالمَغْفِرَةِ حاصِلًا قَطْعًا لَما احْتِيجَ إلى التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تُرادُ لِإسْقاطِ العِقابِ، فَإذا سَقَطَ العِقابُ بِعَفْوِ اللَّهِ عَنْهُ فَلا حاجَةَ إلى التَّوْبَةِ، فَنَقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ

صفحة ٦

مَذْهَبَنا أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ قَطْعًا ويَعْفُو عَنْها قَطْعًا إلّا أنَّ هَذا العَفْوَ والغُفْرانَ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: تارَةً يَقَعُ ابْتِداءً وتارَةً يُعَذِّبُ مُدَّةً في النّارِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنَ النّارِ ويَعْفُو عَنْهُ، فَفائِدَةُ التَّوْبَةِ إزالَةُ هَذا العِقابِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ضَعِيفٌ ولا فائِدَةَ فِيهِ.

39:55–58Page 464

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ بِالمَغْفِرَةِ أمَرَ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ بِأشْياءَ؛ فالأوَّلُ: أمَرَ بِالإنابَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ . والثّانِي: أمَرَ بِمُتابَعَةِ الأحْسَنِ.

وفِي المُرادِ بِهَذا الأحْسَنِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ ومَعْناهُ واتَّبِعُوا القُرْآنَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] .

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ والتَزِمُوا طاعَةَ اللَّهِ واجْتَنِبُوا مَعْصِيَةَ اللَّهِ، فَإنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: ذِكْرُ القَبِيحِ لِيُجْتَنَبَ عَنْهُ، والأدْوَنِ لِئَلّا يُرْغَبَ فِيهِ، والأحْسَنِ لِيُتَقَوّى بِهِ ويُتَّبَعَ.

الثّالِثُ: المُرادُ بِالأحْسَنِ النّاسِخُ دُونَ المَنسُوخِ؛ لِأنَّ النّاسِخَ أحْسَنُ مِنَ المَنسُوخِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٦] ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَسَخَ حُكْمًا وأثْبَتَ حُكْمًا آخَرَ كانَ اعْتِمادُنا عَلى المَنسُوخِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ، والمَعْنى أنَّهُ يَفْجَأُ العَذابُ وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَهم بِالعَذابِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ماذا يَقُولُونَ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الكَلِماتِ، فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿أنْ تَقُولَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ وأمّا تَنْكِيرُ لَفْظِ النَّفْسِ فَفِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ تُرادَ نَفْسٌ مُمْتازَةٌ عَنْ سائِرِ النُّفُوسِ لِأجْلِ اخْتِصاصِها بِمَزِيدِ إضْرارٍ بِما لا يَنْفِي رَغْبَتَها في المَعاصِي. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ عَقِيبَ وصْفٍ يُناسِبُهُ يُفِيدُ الظَّنَّ بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياحَسْرَتا﴾ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الأسَفِ ونِهايَةِ الحُزْنِ، وأنَّهُ مَذْكُورٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ والتَّفْرِيطُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى يُناسِبُ شِدَّةَ الحَسْرَةِ، وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ تِلْكَ الحَسْرَةِ عِنْدَ حُصُولِ هَذا التَّفْرِيطِ، وذَلِكَ يُفِيدُ العُمُومَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى اسْتَدَلُّوا عَلى إثْباتِ الجَنْبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَنا عَلى نَفْيِ الأعْضاءِ قَدْ كَثُرَتْ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ونَقُولُ: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الجَنْبِ عُضْوًا مَخْصُوصًا لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّفْرِيطِ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ضَيَّعْتُ مِن ثَوابِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَيَّعْتُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: في أمْرِ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: في طاعَةِ اللَّهِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: في حَقِّ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ الإكْثارَ مِن هَذِهِ العِباراتِ لا يُفِيدُ شَرْحَ الصُّدُورِ وشِفاءَ الغَلِيلِ، فَنَقُولُ: الجَنْبُ سُمِّيَ جَنْبًا؛ لِأنَّهُ جانِبٌ مِن جَوانِبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مِن لَوازِمِ الشَّيْءِ وتَوابِعِهِ يَكُونُ كَأنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنُودِهِ وجانِبٌ مِن جَوانِبِهِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الجَنْبِ الَّذِي هو العُضْوُ وبَيْنَ ما يَكُونُ لازِمًا لِلشَّيْءِ وتابِعًا لَهُ، لا جَرَمَ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ الجَنْبِ عَلى الحَقِّ والأمْرِ والطّاعَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٧

أما تَتَّقِينَ اللَّهَ جَنْبَ وامِقٍ لَهُ كَبِدٌ حَرّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском