Ar-RaziAn‑Nisa · 4:104–113

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:104–113

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْكامِ الَّتِي يَحْتاجُ المُجاهِدُ إلى مَعْرِفَتِها عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى الحَثِّ عَلى الجِهادِ فَقالَ: (ولا تَهِنُوا) أيْ: ولا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوْا: ﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ، ثُمَّ أوْرَدَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ حُصُولَ الألَمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم، فَلَمّا لَمْ يَصِرْ خَوْفُ الألَمِ مانِعًا لَهم عَنْ قِتالِكم، فَكَيْفَ صارَ مانِعًا لَكم عَنْ قِتالِهِمْ ؟ ثُمَّ زادَ في تَقْرِيرِ الحُجَّةِ وبَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلى بِالمُصابَرَةِ عَلى القِتالِ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ مُقِرُّونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، والمُشْرِكِينَ لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ إنْكارِهِمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ يُجِدُّونَ

صفحة ٢٦

فِي القِتالِ فَأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ المُقِرُّونَ بِأنَّ لَكم في هَذا الجِهادِ ثَوابًا عَظِيمًا، وعَلَيْكم في تَرْكِهِ عِقابًا عَظِيمًا، أوْلى بِأنْ تَكُونُوا مُجِدِّينَ في هَذا الجِهادِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الرَّجاءِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] . وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنْفالِ: ٦٤] .

وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّكم تَعْبُدُونَ الإلَهَ العالِمَ القادِرَ السَّمِيعَ البَصِيرَ، فَيَصِحُّ مِنكم أنْ تَرْجُوا ثَوابَهُ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَإنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهي جَماداتٌ، فَلا يَصِحُّ مِنهم أنْ يَرْجُوا مِن تِلْكَ الأصْنامِ ثَوابًا أوْ يَخافُوا مِنها عِقابًا.

وقَرَأ الأعْرَجُ: (أنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: ولا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: لا يُكَلِّفُكم شَيْئًا، ولا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا بِما هو عالِمٌ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِصَلاحِكم في دِينِكم ودُنْياكم.

4:105–106Page 95

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.

وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦

And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُنافِقِينَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِذَلِكَ أمْرُ المُحارَبَةِ، واتَّصَلَ بِذِكْرِ المُحارَبَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْلُ قَتْلِ المُسْلِمِ خَطَأً عَلى ظَنِّ أنَّهُ كافِرٌ، ومِثْلُ بَيانِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، رَجَعَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ أنْ يَحْمِلُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يَحْكُمَ بِالباطِلِ ويَذَرَ الحُكْمَ الحَقَّ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ وأمَرَهُ بِأنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ، ولا يَقْبَلَ قَوْلَهم في هَذا البابِ.

والوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الكَثِيرَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما عُرِفَ بِإنْزالِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ لِلرَّسُولِ أنْ يَحِيدَ عَنْ شَيْءٍ مِنها طَلَبًا لِرِضا قَوْمِهِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لا تَجُوزُ الخِيانَةُ مَعَهم ولا إلْحاقُ ما لَمْ يَفْعَلُوا بِهِمْ، وأنَّ كُفْرَ الكافِرِ لا يُبِيحُ المُسامَحَةَ بِالنَّظَرِ لَهُ، بَلِ الواجِبُ في الدِّينِ أنْ يَحْكُمَ لَهُ وعَلَيْهِ بِما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، وأنْ لا يَلْحَقَ الكافِرَ حَيْفٌ لِأجْلِ أنْ يَرْضى المُنافِقُ بِذَلِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ رِواياتٌ:

أحَدُها: «أنَّ طُعْمَةَ سَرَقَ دِرْعًا، فَلَمّا طُلِبَتِ الدِّرْعُ مِنهُ رَمى واحِدًا مِنَ اليَهُودِ بِتِلْكَ السَّرِقَةِ، ولَمّا اشْتَدَّتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ قَوْمِهِ وبَيْنَ قَوْمِ اليَهُودِيِّ، جاءَ قَوْمُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُعِينَهم عَلى هَذا المَقْصُودِ، وأنْ يُلْحِقَ هَذِهِ الخِيانَةَ بِاليَهُودِيِّ، فَهَمَّ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .

وثانِيها: أنَّ واحِدًا وضَعَ عِنْدَهُ دِرْعًا عَلى سَبِيلِ الوَدِيعَةِ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ شاهِدٌ، فَلَمّا طَلَبَها مِنهُ جَحَدَها.

وثالِثُها: أنَّ المُودِعَ لَمّا

صفحة ٢٧

طَلَبَ الوَدِيعَةَ زَعَمَ أنَّ اليَهُودِيَّ سَرَقَ الدِّرْعَ.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ قالُوا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ طُعْمَةَ وقَوْمَهُ كانُوا مُنافِقِينَ، وإلّا لَما طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ نُصْرَةَ الباطِلِ، وإلْحاقَ السَّرِقَةِ بِاليَهُودِيِّ عَلى سَبِيلِ التَّخَرُّصِ والبُهْتانِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] . ثُمَّ رُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ وثَقَبَ حائِطًا هُناكَ؛ لِأجْلِ السَّرِقَةِ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ وماتَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: (أراكَ اللَّهُ) إمّا أنْ يَكُونَ مَنقُولًا بِالهَمْزَةِ مِن ”رَأيْتَ“ . الَّتِي يُرادُ بِها رُؤْيَةُ البَصَرِ، أوْ مِن رَأيْتَ الَّتِي تَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ، أوْ مِن رَأيْتَ الَّتِي يُرادُ بِها الِاعْتِقادُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الحادِثَةِ لا يُرى بِالبَصَرِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ لا إلى المَفْعُولَيْنِ بِسَبَبِ التَّعْدِيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يَتَعَدَّ إلّا إلى مَفْعُولَيْنِ؛ أحَدُهُما الكافُ الَّتِي هي لِلْخِطابِ، والآخَرُ المَفْعُولُ المُقَدَّرُ، وتَقْدِيرُهُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ، ولَمّا بَطَلَ القِسْمانِ بَقِيَ الثّالِثُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ رَأيْتَ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ: بِما أعْلَمَكَ اللَّهُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ العِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ المُبَرَّأ عَنْ جِهاتِ الرَّيْبِ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في القُوَّةِ والظُّهُورِ؛ وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِي اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيِّهِ، وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَحْكُمُ إلّا بِالوَحْيِ والنَّصِّ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَسْألَتانِ:

إحْداهُما: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَحْكُمُ إلّا بِالنَّصِّ، ثَبَتَ أنَّ الِاجْتِهادَ ما كانَ جائِزًا لَهُ.

والثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ إلّا بِالنَّصِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: (واتَّبَعُوهُ) [الأعْرافِ: ١٥٨] وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِالقِياسِ حَرامًا.

والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ كانَ العَمَلُ بِالقِياسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَهْما غَلَبَ عَلى ظَنِّكَ أنَّ حُكْمَ الصُّورَةِ المَسْكُوتِ عَنْها مِثْلُ حُكْمِ الصُّورَةِ المَنصُوصِ عَلَيْها؛ بِسَبَبِ أمْرٍ جامِعٍ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ تَكْلِيفِي في حَقِّكَ أنْ تَعْمَلَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الظَّنِّ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ العَمَلُ بِهَذا القِياسِ عَمَلًا بِعَيْنِ النَّصِّ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ: ولا تَكُنْ لِأجْلِ الخائِنِينَ مُخاصِمًا لِمَن كانَ بَرِيئًا عَنِ الذَّنْبِ، يَعْنِي: لا تُخاصِمِ اليَهُودَ لِأجْلِ المُنافِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: خَصْمُكَ الَّذِي يُخاصِمُكَ، وجَمْعُهُ الخُصَماءُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَصْمِ، وهو ناحِيَةُ الشَّيْءِ وطَرَفُهُ، والخَصْمُ: طَرَفُ الزّاوِيَةِ، وطَرَفُ الأشْفارِ، وقِيلَ لِلْخَصْمَيْنِ: خَصْمانِ؛ لِأنَّ كُلَّ

صفحة ٢٨

واحِدٍ مِنهُما في ناحِيَةٍ مِنَ الحُجَّةِ والدَّعْوى، وخُصُومُ السَّحابَةِ جَوانِبُها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ أنْ يُخاصِمَ لِأجْلِ الخائِنِ ويَذُبَّ عَنْهُ، وإلّا لَما ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.

والجَوابُ: أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ في الرِّوايَةِ أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ لَمّا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يَذُبَّ عَنْ طُعْمَةَ، وأنْ يُلْحِقَ السَّرِقَةَ بِاليَهُودِيِّ تَوَقَّفَ وانْتَظَرَ الوَحْيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ الغَرَضُ مِن هَذا النَّهْيِ تَنْبِيهَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ طُعْمَةَ كَذّابٌ، وأنَّ اليَهُودِيَّ بَرِيءٌ عَنْ ذَلِكَ الجُرْمِ.

فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُرْمَ قَدْ وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفارِ دَلَّ عَلى سَبْقِ الذَّنْبِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لَعَلَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى نُصْرَةِ طُعْمَةَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَأمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ لِهَذا القَدْرِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.

والثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا شَهِدُوا عَلى سَرِقَةِ اليَهُودِيِّ، وعَلى بَراءَةِ طُعْمَةَ مِن تِلْكَ السَّرِقَةِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يُوجِبُ القَدْحَ في شَهادَتِهِمْ هَمَّ بِأنْ يَقْضِيَ بِالسَّرِقَةِ عَلى اليَهُودِيِّ، ثُمَّ لَمّا أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى كَذِبِ أُولَئِكَ الشُّهُودِ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ القَضاءَ لَوْ وقَعَ لَكانَ خَطَأً، فَكانَ اسْتِغْفارُهُ بِسَبَبِ أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي لَوْ وقَعَ لَكانَ خَطَأً في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ مَعْذُورًا عِنْدَ اللَّهِ فِيهِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (واسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، ويُرِيدُونَ أنْ يُظْهِرُوا بَراءَتَهُ عَنِ السَّرِقَةِ.

4:107Page 96

وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧

And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ .

والمُرادُ بِالَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم طُعْمَةُ ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، مِمَّنْ عَلِمَ كَوْنَهُ سارِقًا، والِاخْتِيانُ كالخِيانَةِ، يُقالُ: خانَهُ واخْتانَهُ، وذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] . وإنَّما قالَ تَعالى لِطُعْمَةَ ولِمَن ذَبَّ عَنْهم: إنَّهم يَخْتانُونَ أنْفُسَهم؛ لِأنَّ مَن أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ فَقْدَ حَرَمَ نَفْسَهُ الثَّوابَ، وأوْصَلَها إلى العِقابِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ خِيانَةً مَعَ نَفْسِهِ، ولِهَذا المَعْنى يُقالُ لِمَن ظَلَمَ غَيْرَهُ: إنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا شَدِيدًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا مالَ طَبْعُهُ قَلِيلًا إلى جانِبِ طُعْمَةَ، وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ طُعْمَةَ كانَ فاسِقًا، فاللَّهُ تَعالى عاتَبَ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِن إعانَةِ المُذْنِبِ، فَكَيْفَ حالُ مَن يَعْلَمُ مِنَ الظّالِمِ -كَوْنَهُ ظالِمًا -ثُمَّ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ الظُّلْمِ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ويُرَغِّبُهُ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ ؟ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنْ طُعْمَةَ خانَ في الدِّرْعِ، وأثِمَ في نِسْبَةِ اليَهُودِيِّ إلى تِلْكَ السَّرِقَةِ، فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ .

صفحة ٢٩

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ (خَوّانًا أثِيمًا) مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ خِيانَةٌ واحِدَةٌ وإثْمٌ واحِدٌ ؟ .

قُلْنا: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ في طَبْعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الخِيانَةُ الكَثِيرَةُ والإثْمُ الكَثِيرُ، فَذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى المُبالَغَةِ بِسَبَبِ ما كانَ في طَبْعِهِ مِنَ المَيْلِ إلى ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوَيْناهُ أنَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ هَرَبَ إلىمَكَّةَ وارْتَدَّ، ونَقَبَ حائِطَ إنْسانٍ لِأجْلِ السَّرِقَةِ، فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ وماتَ، ومَن كانَ خاتِمَتُهُ كَذَلِكَ لَمْ يُشَكَّ في خِيانَتِهِ، وأيْضًا طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْفَعَ السَّرِقَةَ عَنْهُ ويُلْحِقَها بِاليَهُودِيِّ، وهَذا يُبْطِلُ رِسالَةَ الرَّسُولِ، ومَن حاوَلَ إبْطالَ رِسالَةَ الرَّسُولِ، وأرادَ إظْهارَ كَذِبِهِ فَقَدْ كَفَرَ، فَلِهَذا المَعْنى وصَفَهُ اللَّهُ بِالمُبالَغَةِ في الخِيانَةِ والإثْمِ.

وقِيلَ: إذا عَثَرْتَ مِن رَجُلٍ عَلى سَيِّئَةٍ فاعْلَمْ أنَّ لَها أخَواتٍ. عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّهُ أمَرَ بِقَطْعِ يَدِ سارِقٍ، فَجاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي، وتَقُولُ: هَذِهِ أوَّلُ سَرِقَةٍ سَرَقَها فاعْفُ عَنْهُ، فَقالَ: كَذَبْتِ إنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ في أوَّلِ الأمْرِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّ هَذا الوَعِيدَ بِمَن كانَ عَظِيمَ الخِيانَةِ والإثْمِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن كانَ قَلِيلَ الخِيانَةِ والإثْمِ فَهو خارِجٌ عَنْهُ.

4:108Page 96

يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ الِاسْتِخْفاءُ في اللُّغَةِ: مَعْناهُ الِاسْتِتارُ، يُقالُ: اسْتَخْفَيْتُ مِن فُلانٍ، أيْ: تَوارَيْتُ مِنهُ واسْتَتَرْتُ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] . أيْ: مُسْتَتِرٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَتِرُونَ مِنَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَسْتَحْيُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِحْياءَ مِنَ النّاسِ يُوجِبُ الِاسْتِتارَ مِنَ النّاسِ والِاسْتِخْفاءَ مِنهم، فَأمّا أنْ يُقالَ: الِاسْتِحْياءُ هو نَفْسُ الِاسْتِخْفاءِ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: (وهو مَعَهم) يُرِيدُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والرُّؤْيَةِ، وكَفى هَذا زاجِرًا لِلْإنْسانِ عَنِ المَعاصِي، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: يُضْمِرُونَ، ويُقَدِّرُونَ في أذْهانِهِمْ، وذَكَرْنا مَعْنى التَّبْيِيتِ في قَوْلِهِ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ . والَّذِي لا يَرْضاهُ اللَّهُ مِنَ القَوْلِ هو أنَّ طُعْمَةَ قالَ: أرْمِي اليَهُودِيَّ بِأنَّهُ هو الَّذِي سَرَقَ الدِّرْعَ، وأحْلِفُ أنِّي لَمْ أسْرِقْها، فَيَقْبَلُ الرَّسُولُ يَمِينِي؛ لِأنِّي عَلى دِينِهِ ولا يَقْبَلُ يَمِينَ اليَهُودِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ التَّبْيِيتُ قَوْلًا وهو مَعْنًى في النَّفْسِ ؟ .

قُلْنا: مَذْهَبُنا أنَّ الكَلامَ الحَقِيقِيَّ هو المَعْنى القائِمُ بِالنَّفْسِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ فَلا إشْكالَ، ومَن أنْكَرَ كَلامَ النَّفْسِ فَلَهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ طُعْمَةَ وأصْحابَهُ لَعَلَّهُمُ اجْتَمَعُوا في اللَّيْلِ ورَتَّبُوا كَيْفِيَّةَ الحِيلَةِ والمَكْرِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ المُبَيَّتِ الَّذِي لا يَرْضاهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ فالمُرادُ: الوَعِيدُ مِن حَيْثُ إنَّهم وإنْ كانُوا يُخْفُونَ كَيْفِيَّةَ المَكْرِ والخِداعِ عَنِ النّاسِ إلّا أنَّها كانَتْ ظاهِرَةً في عِلْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنها شَيْءٌ.

4:109–111Page 96

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩

Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?

وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠

And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.

وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١

And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (ها) لِلتَّنْبِيهِ في: (ها أنْتُمْ)، و(هَؤُلاءِ) وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، (جادَلْتُمْ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، كَما تَقُولُ لِبَعْضِ الأسْخِياءِ: أنْتَ حاتِمٌ تَجُودُ بِمالِكَ وتُؤْثِرُ عَلى نَفْسِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، و(جادَلْتُمْ) صِلَةً، وأمّا الجِدالُ فَهو في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ المُخاصَمَةِ، وجَدْلُ الحَبْلِ: شِدَّةُ فَتْلِهِ، ورَجُلٌ مَجْدُولٌ: كَأنَّهُ فُتِلَ، والأجْدَلُ: الصَّقْرُ؛ لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطُّيُورِ قُوَّةً. هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَتِ المُخاصَمَةُ جِدالًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ مَيْلَ صاحِبِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ وصَرْفَهُ عَنْ رَأْيِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانُوا يَذُبُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، وعَنْ قَوْمِهِ؛ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنْ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ في الدُّنْيا، فَمَنِ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ عَنْهم في الآخِرَةِ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُ، يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ فَقَوْلُهُ: (أمْ مَن يَكُونُ) عَطْفٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ، والوَكِيلُ: هو الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ في الحِفْظِ والحِمايَةِ، والمَعْنى: مَنِ الَّذِي يَكُونُ مُحافِظًا ومُحامِيًا لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ ؟ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ في هَذا البابِ أتْبَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْبَةِ، وذَكَرَ فِيهِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّرْغِيبِ.

فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ، كَما فَعَلَ طُعْمَةُ مِن سَرِقَةِ الدِّرْعِ، ومِن رَمْيِ اليَهُودِيِّ بِالسَّرِقَةِ، والمُرادُ بِظُلْمِ النَّفْسِ: ما يَخْتَصُّ بِهِ الإنْسانُ كالحَلِفِ الكاذِبِ، وإنَّما خَصَّ ما يَتَعَدّى إلى الغَيْرِ بِاسْمِ السُّوءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الأكْثَرِ إيصالًا لِلضَّرَرِ إلى الغَيْرِ، والضَّرَرُ سُوءٌ حاضِرٌ، فَأمّا الذَّنْبُ الَّذِي يَخُصُّ الإنْسانَ فَذَلِكَ في الأكْثَرِ لا يَكُونُ ضَرَرًا حاضِرًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُوَصِلُ الضَّرَرَ إلى نَفْسِهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى حُكْمَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سَواءٌ كانَتْ كُفْرًا أوْ قَتْلًا، عَمْدًا أوْ غَصْبًا لِلْأمْوالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ عَمَّ الكُلَّ.

الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِغْفارِ كافٍ، وقالَ بَعْضُهم: أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُ الِاسْتِغْفارُ مَعَ الإصْرارِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مَعْناهُ: غَفُورًا رَحِيمًا لَهُ، وحُذِفَ هَذا القَيْدُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّرْغِيبِ

صفحة ٣١

فِي الِاسْتِغْفارِ إلّا إذا كانَ المُرادُ ذَلِكَ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الكَلِماتِ المُرَغِّبَةِ في التَّوْبَةِ:

4:112Page 96

وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

والكَسْبُ: عِبارَةٌ عَمّا يُفِيدُ جَرَّ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وصْفُ البارِي تَعالى بِذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْغِيبُ العاصِي في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الذَّنْبُ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ ما عادَتْ مَضَرَّتُهُ إلَيَّ، فَإنَّنِي مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، ولا تَيْأسْ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِما في قَلْبِهِ عِنْدَ إقْدامِهِ عَلى التَّوْبَةِ (حَكِيمًا) تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ ورَحْمَتُهُ أنْ يَتَجاوَزَ عَنِ التّائِبِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ .

وذَكَرُوا في الخَطِيئَةِ والإثْمِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ الخَطِيئَةَ هي الصَّغِيرَةُ، والإثْمَ هو الكَبِيرَةُ.

وثانِيها: الخَطِيئَةُ هي الذَّنْبُ القاصِرُ عَلى فاعِلِها، والإثْمُ هو الذَّنْبُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ كالظُّلْمِ والقَتْلِ.

وثالِثُها: الخَطِيئَةُ ما لا يَنْبَغِي فِعْلُهُ سَواءٌ كانَ بِالعَمْدِ أوْ بِالخَطَأِ، والإثْمُ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ العَمْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ الإثْمَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ فالضَّمِيرُ في ”بِهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ هَذَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الإثْمِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الأقْرَبُ، كَما عادَ إلى التِّجارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكَسْبِ، والتَّقْدِيرُ: يَرْمِ بِكَسْبِهِ بَرِيئًا، فَدَلَّ يَكْسِبُ عَلى الكَسْبِ.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى مَعْنى الخَطِيئَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومَن يَكْسِبْ ذَنْبًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ فالبُهْتانُ: أنْ تَرْمِيَ أخاكَ بِأمْرٍ مُنْكَرٍ وهو بَرِيءٌ مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ البُهْتانِ مَذْمُومٌ في الدُّنْيا أشَدَّ الذَّمِّ، ومُعاقَبٌ في الآخِرَةِ أشَدَّ العِقابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُهُ مِنَ الذَّمِّ العَظِيمِ في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: (وإثْمًا مُبِينًا) إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُهُ مِنَ العِقابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ.

4:113Page 96

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣

And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.

صفحة ٣٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ والمَعْنى: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ خَصَّكَ بِالفَضْلِ وهو النُّبُوَّةُ، وبِالرَّحْمَةِ. وهي العِصْمَةُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ كانُوا قَدْ عَرَفُوا أنَّهُ سارِقٌ، ثُمَّ سَألُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَدْفَعَ ويُجادِلَ عَنْهُ ويُبَرِّئَهُ عَنِ السَّرِقَةِ، ويَنْسُبَ تِلْكَ السَّرِقَةَ إلى اليَهُودِيِّ، ومَعْنى يُضِلُّوكَ أيْ: يُلْقُوكَ في الحُكْمِ الباطِلِ الخَطَأِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَعاوُنِهِمْ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، وشَهادَتِهِمْ بِالزُّورِ والبُهْتانِ، فَهم لَمّا أقْدَمُوا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الضّالِّينَ.

﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ -: وما يَضُرُّونَكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإدامَةِ العِصْمَةِ لَهُ مِمّا يُرِيدُونَ مِن إيقاعِهِ في الباطِلِ.

الثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّهم وإنْ سَعَوْا في إلْقائِكَ في الباطِلِ فَأنْتَ ما وقَعْتَ في الباطِلِ؛ لِأنَّكَ بَنَيْتَ الأمْرَ عَلى ظاهِرِ الحالِ، وأنْتَ ما أُمِرْتَ إلّا بِبِناءِ الأحْكامِ عَلى الظَّواهِرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ .

واعْلَمْ أنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ بِأنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ في المُسْتَقْبَلِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ الوَعْدِ، يَعْنِي: لَمّا أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأمَرَكَ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ إلى الخَلْقِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ لا يَعْصِمَكَ عَنِ الوُقُوعِ في الشُّبُهاتِ والضَّلالاتِ ؟ . وإنْ فَسَّرْنا تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَعْذُورًا في بِناءِ الحُكْمِ عَلى الظّاهِرِ كانَ المَعْنى: وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، وأوْجَبَ فِيها بِناءَ أحْكامِ الشَّرْعِ عَلى الظّاهِرِ، فَكَيْفَ يَضُرُّكَ بِناءُ الأمْرِ عَلى الظّاهِرِ ؟ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .

قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، كَما قالَ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] وعَلى هَذا الوَجْهِ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وأطْلَعَكَ عَلى أسْرارِهِما، وأوْقَفَكَ عَلى حَقائِقِهِما مَعَ أنَّكَ ما كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمًا بِشَيْءٍ مِنهُما، فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكَ في مُسْتَأْنَفِ أيّامِكَ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى إضْلالِكَ وإزْلالِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ، فَكَذَلِكَ يُعَلِّمُكَ مِن حِيَلِ المُنافِقِينَ ووُجُوهِ كَيْدِهِمْ، ما تَقْدِرُ بِهِ عَلى الِاحْتِرازِ عَنْ وُجُوهِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ والمَناقِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أعْطى الخَلْقَ مِنَ العِلْمِ إلّا القَلِيلَ، كَما قالَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] ونَصِيبُ الشَّخْصِ الواحِدِ مِن عُلُومِ جَمِيعِ الخَلْقِ يَكُونُ قَلِيلًا، ثُمَّ إنَّهُ سَمّى ذَلِكَ القَلِيلَ عَظِيمًا حَيْثُ قالَ: (﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ . وسَمّى جَمِيعَ الدُّنْيا قَلِيلًا حَيْثُ قالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ شَرَفِ العِلْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском