Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:114–118
4:114Page 97
۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤
No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى ما كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيهِ حِينَ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: النَّجْوى في اللُّغَةِ: سِرٌّ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يُقالُ: ناجَيْتُ الرَّجُلَ مُناجاةً ونَجاءً، ويُقالُ: نَجَوْتُ الرَّجُلَ أنْجُو نَجْوى بِمَعْنى: ناجَيْتُهُ، والنَّجْوى: قَدْ تَكُونُ مَصْدَرًا بِمَنزِلَةِ المُناجاةِ، قالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] . وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى القَوْمِ الَّذِينَ يَتَناجَوْنَ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسْراءِ: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في مَحَلِّ ”مَن“ وُجُوهًا، وتِلْكَ الوُجُوهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى مَعْنى النَّجْوى في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ جَعَلْنا مَعْنى النَّجْوى هَهُنا السِّرَّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءُ الشَّيْءِ عَنْ خِلافِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا أذًى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا في لُغَةِ مَن يَرْفَعُ المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ:
إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وأبُو عُبَيْدَةَ جَعَلَ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ فَقالَ: التَّقْدِيرُ إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ”مَن“ في مَحَلِّ النَّجْوى؛ لِأنَّهُ أُقِيمَ مَقامَهُ، ويَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الخَفْضُ بَدَلٌ مِن نَجْواهم، كَما تَقُولُ: ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زِيدٍ.
والثّانِي: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدًا، وهَذا اسْتِثْناءُ الجِنْسِ مِنَ الجِنْسِ، وأمّا إنْ جَعَلْنا النَّجْوى اسْمًا لِلْقَوْمِ المُتَناجِينَ كانَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءُ الجِنْسِ مِنَ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ في مَحَلِّ الخَفْضِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَهُ تَبَعًا لِكَثِيرٍ، عَلى مَعْنى: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، كَقَوْلِكَ: لا خَيْرَ في القَوْمِ إلّا نَفَرٍ مِنهم.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَهُ تَبَعًا لِلنَّجْوى، كَما تَقُولُ: لا خَيْرَ في جَماعَةٍ مِنَ القَوْمِ إلّا زَيْدٍ، إنْ شِئْتَ أتْبَعْتَ زَيْدًا الجَماعَةَ، وإنْ شِئْتَ أتْبَعْتَهُ القَوْمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في مُناجاةِ بَعْضِ قَوْمِ ذَلِكَ السّارِقِ مَعَ بَعْضٍ إلّا أنَّها في المَعْنى عامَّةٌ، والمُرادُ: لا خَيْرَ فِيما يَتَناجى فِيهِ النّاسُ، ويَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ إلّا ما كانَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: الأمْرُ بِالصَّدَقَةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الخَيْرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ بِدَفْعِ المَضَرَّةِ، أمّا إيصالُ الخَيْرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ وهو إعْطاءُ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَيْراتِ الرُّوحانِيَّةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعُلُومِ، أوْ تَكْمِيلِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ، ومَجْمُوعُهُما عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ .
وأمّا إزالَةُ الضَّرَرِ فَإلَيْها
صفحة ٣٤
الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ فَثَبَتَ أنَّ مَجامِعَ الخَيْراتِ مَذْكُورَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:«”كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا ما كانَ مِن أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْرٍ لِلَّهِ“» .
وقِيلَ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ما أشَدَّ هَذا الحَدِيثَ، فَقالَ سُفْيانُ: ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ . فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ١ ] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مِنَ الطّاعاتِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الشَّرَفِ والجَلالَةِ، إلّا أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَنْتَفِعُ بِها إذا أتى بِها لِوَجْهِ اللَّهِ، ولِطَلَبِ مَرْضاتِهِ، فَأمّا إذا أتى بِها لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ انْقَلَبَتِ القَضِيَّةُ، فَصارَتْ مَن أعْظَمِ المَفاسِدِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ رِعايَةُ أحْوالِ القَلْبِ في إخْلاصِ النِّيَّةِ، وتَصْفِيَةُ الدّاعِيَةِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَرَضٍ سِوى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩]، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ“» وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ انْتَصَبَ ”﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾“ ؟ .
والجَوابُ: لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: لِأنَّهُ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إلّا مَن أمَرَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ؟ .
والجَوابُ: أنَّهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالخَيْرِ؛ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى فاعِلِهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالخَيْرِ لَمّا دَخَلَ في زُمْرَةِ الخَيِّرِينَ، فَبِأنْ يَدْخُلَ فاعِلُ الخَيْرِ فِيهِمْ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ومَن يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فَعَبَّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ الأمْرَ أيْضًا فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ.
4:115–116Page 97
وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥
And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو ما رُوِيَ أنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ لَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ تَعالى هَتَكَ سِتْرَهُ، وبَرَّأ اليَهُودِيَّ عَنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ ارْتَدَّ، وذَهَبَ إلى مَكَّةَ، ونَقَبَ جِدارَ إنْسانٍ لِأجْلِ السَّرِقَةِ، فَتَهَدَّمَ الجِدارُ عَلَيْهِ وماتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
أمّا الشِّقاقُ والمُشاقَقَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في شَقٍّ آخَرَ مِنَ الأمْرِ، أوْ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلًا فِعْلًا يَقْتَضِي لُحُوقَ مَشَقَّةٍ بِصاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهُ بِالدَّلِيلِ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ طُعْمَةَ هَذا كانَ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ بِما أوْحى اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، وأظْهَرَ مِن سَرِقَتِهِ ما دَلَّهُ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَعادى الرَّسُولَ وأظْهَرَ الشِّقاقَ وارْتَدَّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، فَكانَ ذَلِكَ إظْهارَ الشِّقاقِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى. قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾
صفحة ٣٥
(المُؤْمِنِينَ) يَعْنِي: غَيْرَ دِينِ المُوَحِّدِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طُعْمَةَ تَرَكَ دِينَ الإسْلامِ واتَّبَعَ دِينَ عِبادَةِ الأوْثانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَتْرُكْهُ وما اخْتارَ لِنَفْسِهِ، ونَكِلْهُ إلى ما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
قالَ بَعْضُهم: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، لا سِيَّما في حَقِّ المُرْتَدِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ يَعْنِي: نُلْزِمُهُ جَهَنَّمَ، وأصْلُهُ الصِّلاءُ، وهو لُزُومُ النّارِ وقْتَ الِاسْتِدْفاءِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ انْتَصَبَ (مَصِيرًا) عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ طابَ نَفْسًا، وتَصَبَّبَ عَرَقًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ، ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامًا، وإذا كانَ عَدَمُ اتِّباعِهِمْ حَرامًا كانَ اتِّباعُهم واجِبًا؛ لِأنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ لا يُتَّبَعَ لا سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ ولا غَيْرُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ: بِأنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما فَعَلَ الغَيْرُ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَتَّبِعُوا سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ، فَكُلُّ مَن لَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أتى بِمِثْلِ فِعْلِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مُتَّبِعًا لَهم، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاتِّباعُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يُقالَ: الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ مُتَّبِعُونَ لِآحادِ الخَلْقِ مِن حَيْثُ إنَّهم يُوَحِّدُونَ اللَّهَ كَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأُمَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ، بَلِ الِاتِّباعُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ فِعْلُ ذَلِكَ الغَيْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَن تَرَكَ مُتابَعَةَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، لِأجْلِ أنَّهُ ما وجَدَ عَلى وُجُوبِ مُتابَعَتِهِمْ دَلِيلًا، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَّبِعْهم، فَهَذا الشَّخْصُ لا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا سُؤالٌ قَوِيٌّ عَلى هَذا الدَّلِيلِ، وفِيهِ أبْحاثٌ أُخَرُ دَقِيقَةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ المَحْصُولِ في عِلْمِ الأُصُولِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ عِصْمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ لَجازَ مَنعُهُ، وكُلُّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ عَنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ كانَ مُشاقِقًا لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ في شَقٍّ غَيْرَ الشَّقِّ الَّذِي يَكُونُ الآخَرُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنِ الرَّسُولِ لَوَجَبَتْ مُشاقَّتُهُ، لَكِنَّ مُشاقَّتَهُ مُحَرَّمَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَصْدُرَ الذَّنْبُ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أفْعالِهِ إذْ لَوْ كانَ فِعْلُ الأُمَّةِ غَيْرَ فِعْلِ الرَّسُولِ لَزِمَ كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في شَقٍّ آخَرَ مِنَ العَمَلِ فَتَحْصُلُ المُشاقَّةُ، لَكِنَّ المُشاقَّةَ مُحَرَّمَةٌ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الِاقْتِداءِ بِهِ في أفْعالِهِ.
صفحة ٣٦
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ في الأُصُولِ، لا بِمَعْنى أنَّ اعْتِقادَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مُطابِقٌ لِلْمُعْتَقَدِ، بَلْ بِمَعْنى سُقُوطِ الإثْمِ عَنِ المُخْطِئِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ حُصُولَ الوَعِيدِ بِتَبَيُّنِ الهُدى، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلْ تَبَيُّنُ الهُدى أنْ لا يَكُونَ الوَعِيدُ حاصِلًا.
وجَوابُهُ: أنَّهُ تَمَسُّكٌ بِالمَفْهُومِ، وهو دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ، والدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى أنَّ وعِيدَ الكُفّارِ قَطْعِيٌّ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . والقاطِعُ لا يُعارِضُهُ المَظْنُونُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الدِّينِ إلّا بِالدَّلِيلِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ حُصُولَ الوَعِيدِ بِتَبَيُّنِ الهُدى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ تَبَيُّنُ الهُدى مُعْتَبَرًا في صِحَّةِ الدِّينِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الشَّرْطِ مَعْنًى.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الهُدى اسْمٌ لِلدَّلِيلِ لا لِلْعِلْمِ، إذْ لَوْ كانَ الهُدى اسْمًا لِلْعِلْمِ لَكانَ تَبَيُّنُ الهُدى إضافَةَ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ وإنَّهُ فاسِدٌ.
4:117Page 97
إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧
They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُكَرَّرَةٌ في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي تَكْرارِها فائِدَتانِ:
الأُولى: أنَّ عُمُوماتِ الوَعِيدِ وعُمُوماتِ
صفحة ٣٧
الوَعْدِ مُتَعارِضَةٌ في القُرْآنِ، وأنَّهُ تَعالى ما أعادَ آيَةً مِن آياتِ الوَعِيدِ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ أعادَ هَذِهِ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ في سُورَةٍ واحِدَةٍ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا فائِدَةَ في التَّكْرِيرِ إلّا التَّأْكِيدُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَصَّ جانِبَ الوَعْدِ والرَّحْمَةِ بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما نَزَلَتْ في سارِقِ الدِّرْعِ، وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، إنَّما نَزَلَتْ في ارْتِدادِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ إنَّما يَحْسُنُ اتِّصالُها بِما قَبْلَها لَوْ كانَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ السّارِقَ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَصِرْ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، ولَكِنَّهُ لَمّا ارْتَدَّ وأشْرَكَ بِاللَّهِ صارَ مَحْرُومًا قَطْعًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ شَرَحَ أنَّ أمْرَ الشِّرْكِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ يَعْنِي: ومَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ لَمْ يَكُنْ ضَلالُهُ بَعِيدًا، فَلا جَرَمَ لا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنْ رَحْمَتِي، وهَذِهِ المُناسَباتُ دالَّةٌ قَطْعًا عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا، سَواءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ الشِّرْكِ ضَلالًا بَعِيدًا فَقالَ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ”إنْ“ هَهُنا مَعْناهُ: النَّفْيُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٩] . و(يَدْعُونَ) بِمَعْنى يَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا فَإنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا إناثًا﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الأوْثانُ، وكانُوا يُسَمُّونَها باسْمِ الإناثِ كَقَوْلِهِمْ: اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ الثّالِثَةُ الأُخْرى، واللّاتُ: تَأْنِيثُ اللَّهِ، والعُزّى: تَأْنِيثُ العَزِيزِ. قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ ويُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ عائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْها-: إلّا أوْثانًا، وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا أُثْنًا، جَمْعُ وثَنٍ، مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] . قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثُنٌ أصْلُها أُثْنٌ، فَأتْبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُهُ ﴿إلّا إناثًا﴾ أيْ: إلّا أمْواتًا، وفي تَسْمِيَةِ الأمْواتِ إناثًا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإخْبارَ عَنِ المَواتِ يَكُونُ عَلى صِيغَةِ الإخْبارِ عَنِ الأُنْثى، تَقُولُ: هَذِهِ الأحْجارُ تُعْجِبُنِي: كَما تَقُولُ: هَذِهِ المَرْأةُ تُعْجِبُنِي.
الثّانِي: أنَّ الأُنْثى أخَسُّ مِنَ الذَّكَرِ، والمَيِّتُ أخَسُّ مِنَ الحَيِّ، فَلِهَذِهِ المُناسَبَةِ أطْلَقُوا اسْمَ الأُنْثى عَلى الجَماداتِ المَواتِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ بَعْضَهم كانَ يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، وكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٢٧] . والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هَلْ إنْسانٌ أجْهَلُ مِمَّنْ أشْرَكَ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما جَمادًا يُسَمِّيهِ بِالأُنْثى ؟ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأوْثانِ شَيْطانٌ يَتَراءى لِلسَّدَنَةِ يُكَلِّمُهم، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ هَهُنا إبْلِيسُ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ولا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو إبْلِيسُ، ولا يَبْعُدُ أنَّ الَّذِي تَراءى لِلسَّدَنَةِ هو إبْلِيسُ، وأمّا المَرِيدُ فَهو المُبالِغُ في العِصْيانِ الكامِلِ في البُعْدِ مِنَ الطّاعَةِ، ويُقالُ لَهُ: مارِدٌ ومَرِيدٌ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: حائِطٌ مُمَرَّدٌ أيْ: مُمَلَّسٌ، ويُقالُ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ إذا تَناثَرَ ورَقُها، والَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لَهُ لِحْيَةٌ يُقالُ لَهُ: أمْرَدٌ لِكَوْنِ مَوْضِعِ اللِّحْيَةِ أمْلَسَ، فَمَن كانَ شَدِيدَ البُعْدِ عَنِ الطّاعَةِ يُقالُ لَهُ: مَرِيدٌ ومارِدٌ؛ لِأنَّهُ مُمَلَّسٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، لَمْ يَلْتَصِقْ بِهِ مِن هَذِهِ الطّاعَةِ شَيْءٌ.
4:118Page 97
لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨
Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.
صفحة ٣٨
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ.
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ صِفَتانِ بِمَعْنى شَيْطانًا مَرِيدًا، جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْطانَ هَهُنا، قَدِ ادَّعى أشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفَرْضُ في اللُّغَةِ: القَطْعُ، والفُرْضَةُ: الثُّلْمَةُ الَّتِي تَكُونُ في طَرَفِ النَّهْرِ، والفَرْضُ: الحَزُّ الَّذِي في الوَتَرِ، والفَرْضُ في القَوْسِ: الحَزُّ الَّذِي يُشَدُّ فِيهِ الوَتَرُ، والفَرِيضَةُ: ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وجَعَلَهُ حَتْمًا عَلَيْهِمْ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] . أيْ: جَعَلْتُمْ لَهُنَّ قِطْعَةً مِنَ المالِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ لَعَنَهُ اللَّهُ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ حَظًّا مُقَدَّرًا مُعَيَّنًا، وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِهِ ويَقْبَلُونَ وساوِسَهُ، وفي التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «”مِن كُلِّ ألْفٍ واحِدٌ لِلَّهِ وسائِرُهُ لِلنّاسِ ولِإبْلِيسَ“» .
فَإنْ قِيلَ: النَّقْلُ والعَقْلُ يَدُلّانِ عَلى أنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ أكْثَرُ عَدَدًا مِن حِزْبِ اللَّهِ.
أمّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ البَشَرِ: ﴿تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] . وقالَ حاكِيًا عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٦٢] . وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩، ٤٠ ] . ولا شَكَّ أنَّ المُخْلَصِينَ قَلِيلُونَ.
وأمّا العَقْلُ: فَهو أنَّ الفُسّاقَ والكُفّارَ أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ، ولا شَكَّ أنَّ الفُسّاقَ والكُفّارَ كُلَّهمْ حِزْبُ إبْلِيسَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ قالَ: ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا﴾ مَعَ أنَّ لَفْظَ النَّصِيبِ لا يَتَناوَلُ القِسْمَ الأكْثَرَ، وإنَّما يَتَناوَلُ الأقَلَّ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ هَذا التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في نَوْعِ الشَّرِّ، أمّا إذا ضَمَمْتَ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ مَعَ غايَةِ كَثْرَتِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ كانَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلَصِينَ، وأيْضًا فالمُؤْمِنُونَ وإنْ كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ إلّا أنَّ مَنصِبَهم عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، والكُفّارُ والفُسّاقُ وإنْ كانُوا كَثِيرِينَ في العَدَدِ فَهم كالعَدَمِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ اسْمُ النَّصِيبِ عَلى قَوْمِ إبْلِيسَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يَعْنِي عَنِ الحَقِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences