Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:11
4:11Page 78
يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١
Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ .
صفحة ١٦٥
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: النَّسَبُ، والآخَرُ العَهْدُ، أمّا النَّسَبُ فَهم ما كانُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ ولا الإناثَ. وإنَّما كانُوا يُوَرِّثُونَ مِنَ الأقارِبِ الرِّجالَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ عَلى الخَيْلِ ويَأْخُذُونَ الغَنِيمَةَ، وأمّا العَهْدُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الحِلْفُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَإذا تَعاهَدُوا عَلى هَذا الوَجْهِ فَأيُّهَما ماتَ قَبْلَ صاحِبِهِ كانَ لِلْحَيِّ ما اشْتَرَطَ مِن مالِ المَيِّتِ.
والثّانِي: التَّبَنِّي، فَإنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَتَبَنّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ دُونَ أبِيهِ مِنَ النَّسَبِ ويَرِثُهُ، وهَذا التَّبَنِّي نَوْعٌ مِن أنْواعِ المُعاهَدَةِ، ولَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ تَرَكَهم في أوَّلِ الأمْرِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: بَلْ قَرَّرَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] والمُرادُ التَّوارُثُ بِالنَّسَبِ. ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] والمُرادُ بِهِ التَّوارُثُ بِالعَهْدِ، والأوَّلُونَ قالُوا المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ النَّصِيبَ مِنَ المالِ، بَلِ المُرادُ فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ النُّصْرَةِ والنَّصِيحَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، فَهَذا شَرْحُ أسْبابِ التَّوارُثِ في الجاهِلِيَّةِ.
وأمّا أسْبابُ التَّوارُثِ في الإسْلامِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في أوَّلِ الأمْرِ قَرَّرَ الحِلْفَ والتَّبَنِّيَ، وزادَ فِيهِ أمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: الهِجْرَةُ، فَكانَ المُهاجِرُ يَرِثُ مِنَ المُهاجِرِ. وإنْ كانَ أجْنَبِيًّا عَنْهُ، إذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُخْتَصًّا بِالآخَرِ بِمَزِيدِ المُخالَطَةِ والمُخالَصَةِ، ولا يَرِثُهُ غَيْرُ المُهاجِرِ، وإنْ كانَ مِن أقارِبِهِ. والثّانِي: المُؤاخاةُ، كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُؤاخِي بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهم، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّوارُثِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ كُلَّ هَذِهِ الأسْبابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] والَّذِي تَقَرَّرَ عَلَيْهِ دِينُ الإسْلامِ أنَّ أسْبابَ التَّوْرِيثِ ثَلاثَةٌ: النَّسَبُ، والنِّكاحُ، والوَلاءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى عَطاءٌ قالَ: «اسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وامْرَأةً وأخًا، فَأخَذَ الأخُ المالَ كُلَّهُ، فَأتَتِ المَرْأةُ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدٍ، وإنَّ سَعْدًا قُتِلَ وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ارْجِعِي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي فِيهِ“ ثُمَّ إنَّها عادَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ وبَكَتْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُما وقالَ: ”أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَهو لَكَ، فَهَذا أوَّلُ مِيراثٍ قُسِمَ في الإسْلامِ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في مالِ الأيْتامِ، وما عَلى الأوْلِياءِ فِيهِ، بَيَّنَ كَيْفَ يَمْلِكُ هَذا اليَتِيمُ المالَ بِالإرْثِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا بِبَيانِ جُمْلَةِ أحْكامِ المِيراثِ
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ حُكْمَ المِيراثِ بِالإجْمالِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] فَذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ المُجْمَلِ، هَذا المُفَصَّلَ فَقالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ أيْ يَقُولُ اللَّهُ لَكم قَوْلًا يُوصِلُكم إلى إيفاءِ حُقُوقِ أوْلادِكم بَعْدَ مَوْتِكم، وأصْلُ الإيصاءِ هو الإيصالُ يُقالُ: وصى يَصِي إذا وصَلَ، وأوْصى يُوصِي إذا أوْصَلَ، فَإذا قِيلَ: أوْصانِي فَمَعْناهُ أوْصَلَنِي إلى عِلْمِ ما أحْتاجُ إلى عِلْمِهِ، وكَذَلِكَ وصّى وهو عَلى المُبالَغَةِ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ هَهُنا: (يُوصِيكم) أيْ يَفْرِضُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ اللَّهِ إيجابٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
صفحة ١٦٦
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١] ولا شَكَّ في كَوْنِ ذَلِكَ واجِبًا عَلَيْنا.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ في اللُّغَةِ أُوصِيكَ لِكَذا فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ .
قُلْنا: لَمّا كانَتِ الوَصِيَّةُ قَوْلًا، لا جَرَمَ ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا وقالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] أيْ قالَ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَوْلٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ مِيراثِ الأوْلادِ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإنْسانِ بِوَلَدِهِ أشَدُّ التَّعَلُّقاتِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ”فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ مِيراثِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْأوْلادِ حالَ انْفِرادٍ، وحالَ اجْتِماعٍ مَعَ الوالِدَيْنِ: أمّا حالُ الِانْفِرادِ فَثَلاثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المَيِّتَ إمّا أنْ يَخْلُفَ الذُّكُورَ والإناثَ مَعًا، وإمّا أنْ يَخْلُفَ الإناثَ فَقَطْ، أوِ الذُّكُورَ فَقَطْ.
القِسْمُ الأوَّلُ: ما إذا خَلَفَ الذُّكْرانَ والإناثَ مَعًا، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الحُكْمَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا يُفِيدُ أحْكامًا: أحَدُها: إذا خَلَفَ المَيِّتُ ذَكَرًا واحِدًا وأُنْثى واحِدَةً فَلِلذَّكَرِ سَهْمانِ ولِلْأُنْثى سَهْمٌ، وثانِيها: إذا كانَ الوارِثُ جَماعَةٌ مِنَ الذُّكُورِ وجَماعَةٌ مِنَ الإناثِ كانَ لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمانِ، ولِكُلِّ أُنْثى سَهْمٌ. وثالِثُها: إذا حَصَلَ مَعَ الأوْلادِ جَمْعٌ آخَرُونَ مِنَ الوارِثِينَ كالأبَوَيْنِ والزَّوْجَيْنِ فَهم يَأْخُذُونَ سِهامَهم، وكانَ الباقِي بَعْدَ تِلْكَ السِّهامِ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يُفِيدُ هَذِهِ الأحْكامَ الكَثِيرَةَ.
القِسْمُ الثّانِي: ما إذا ماتَ وخَلَفَ الإناثِ فَقَطْ: بَيَّنَ تَعالى أنَّهُنَّ إنْ كُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، فَلَهُنَّ الثُّلُثانِ، وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ البِنْتَيْنِ بِالقَوْلِ الصَّرِيحِ. واخْتَلَفُوا فِيهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الثُّلُثانِ فَرْضُ الثَّلاثِ مِنَ البَناتِ فَصاعِدًا، وأمّا فَرْضُ البِنْتَيْنِ فَهو النِّصْفُ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ وكَلِمَةُ“ إنْ ”في اللُّغَةِ لِلِاشْتِراطِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْذَ الثُّلُثَيْنِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِنَّ ثَلاثًا فَصاعِدًا، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لازِمٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ فَجَعَلَ حُصُولَ النِّصْفِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِها واحِدَةً، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ النِّصْفِ نَصِيبًا لِلْبِنْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ إنْ صَحَّ فَهو يُبْطِلُ قَوْلَهُ. الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ“ إنْ ”تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحُكْمِ عِنْدَ انْتِفاءِ الوَصْفِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ التَّناقُضُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ الإجْماعَ دَلَّ عَلى أنَّ نَصِيبَ الثِّنْتَيْنِ إمّا النِّصْفُ، وإمّا الثُّلُثانِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ“ إنْ ”لِلِاشْتِراطِ وجَبَ القَوْلُ بِفَسادِهِما، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِكَلِمَةِ الِاشْتِراطِ يُفْضِي إلى الباطِلِ فَكانَ باطِلًا، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقالَ: لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُفِيدَ مَعْنى الِاشْتِراطِ في هَذِهِ الآياتِ.
صفحة ١٦٧
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: هو أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: فَإنَّ كُنَّ نِساءً اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما فَلَهُنَّ الثُّلُثانِ، فَهَذا هو الجَوابُ عَنْ حُجَّةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأمّا سائِرُ الأُمَّةِ فَقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ فَرْضَ البِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ، قالُوا: وإنَّما عَرَفْنا ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: عَرَفْناهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن ماتَ وخَلَفَ ابْنًا وبِنْتًا فَهَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَصِيبُ الِابْنِ الثُّلُثَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإذا كانَ نَصِيبُ الذَّكَرِ مِثْلَ نَصِيبِ الأُنْثَيَيْنِ، ونَصِيبُ الذَّكَرِ هَهُنا هو الثُّلُثانِ، وجَبَ لا مَحالَةَ أنْ يَكُونَ نَصِيبُ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: إذا ماتَ وخَلَفَ ابْنًا وبِنْتًا فَهَهُنا نَصِيبُ البِنْتِ الثُّلُثُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإذا كانَ نَصِيبُ البِنْتِ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ هو الثُّلُثَ، فَبِأنْ يَكُونَ نَصِيبُهُما مَعَ ولَدٍ آخَرَ أُنْثى هو الثُّلُثَ كانَ أوْلى؛ لِأنَّ الذَّكَرَ أقْوى مِنَ الأُنْثى. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يُفِيدُ أنَّ حَظَّ الأُنْثَيَيْنِ أزْيَدُ مِن حَظِّ الأُنْثى الواحِدَةِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ حَظُّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثى الواحِدَةِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ، وإذا ثَبَتَ أنَّ حَظَّ الأُنْثَيَيْنِ أزْيَدُ مِن حَظِّ الواحِدَةِ فَنَقُولُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الثُّلُثانِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، والرّابِعُ: أنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى بِنْتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الثُّلُثَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ الواحِدَةِ مِنَ البَناتِ وحُكْمَ الثَّلاثِ فَما فَوْقَهُنَّ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الثِّنْتَيْنِ، وقالَ في شَرْحِ مِيراثِ الأخَواتِ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فَهَهُنا ذَكَرَ مِيراثَ الأُخْتِ الواحِدَةِ والأُخْتَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ مِيراثَ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ، فَصارَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مُجْمَلًا مِن وجْهٍ ومُبَيَّنًا مِن وجْهٍ، فَنَقُولُ: لَمّا كانَ نَصِيبُ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كانَتِ البِنْتانِ أوْلى بِذَلِكَ، لِأنَّهُما أقْرَبُ إلى المَيِّتِ مِنَ الأُخْتَيْنِ، ولَمّا كانَ نَصِيبُ البَناتِ الكَثِيرَةِ لا يَزْدادُ عَلى الثُّلُثَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَزْدادَ نَصِيبُ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ البِنْتَ لَمّا كانَتْ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَيِّتِ امْتَنَعَ جَعْلُ الأضْعَفِ زائِدًا عَلى الأقْوى، فَهَذا مَجْمُوعُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذا البابِ، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ الآيَةِ، والرّابِعُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّنَّةِ، والخامِسُ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو إذا ماتَ وخَلَفَ الأوْلادَ الذُّكُورَ فَقَطْ فَنَقُولُ: أمّا الِابْنُ الواحِدُ فَإنَّهُ إذا انْفَرَدَ أخَذَ كُلَّ المالِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَصِيبَ الذَّكَرِ مِثْلُ نَصِيبِ الأُنْثَيَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى في البَناتِ: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ فَلَزِمَ مِن مَجْمُوعِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ نَصِيبَ الِابْنِ المُفْرَدِ جَمِيعُ المالِ.
الثّانِي: أنّا نَسْتَفِيدُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ وهي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «ما أبْقَتِ السِّهامَ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» ”ولا نِزاعَ أنَّ الِابْنَ عَصَبَةٌ ذَكَرٌ، ولَمّا كانَ الِابْنُ آخِذًا لِكُلِّ ما بَقِيَ بَعْدَ السِّهامِ وجَبَ فِيما إذا لَمْ يَكُنْ سِهامٌ أنْ يَأْخُذَ الكُلَّ. الثّالِثُ: إنَّ أقْرَبَ العَصِباتِ إلى المَيِّتِ هو الِابْنُ، ولَيْسَ لَهُ بِالإجْماعِ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ مِنَ المِيراثِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ صاحِبُ فَرْضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدْرًا أوْلى مِنهُ بِأنْ يَأْخُذَ الزّائِدَ، فَوَجَبَ أنْ يَأْخُذَ الكُلَّ.
فَإنْ قِيلَ: حَظُّ الأُنْثَيَيْنِ هو الثُّلُثانِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَظُّ الذَّكَرِ مُطْلَقًا هو الثُّلُثُ، وذَلِكَ يَنْفِي أنْ يَأْخُذَ كُلَّ المالِ.
صفحة ١٦٨
قُلْنا: المُرادُ مِنهُ حالَ الِاجْتِماعِ لا حالَ الِانْفِرادِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الأوْلادِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الذَّكَرِ والأُنْثى هُناكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ حالَ الِانْفِرادِ، هَذا كُلُّهُ إذا ماتَ وخَلَفَ ابْنًا واحِدًا فَقَطْ، أمّا إذا ماتَ وخَلَفَ أبْناءً كانُوا مُتَشارِكِينَ في جِهَةِ الِاسْتِحْقاقِ ولا رُجْحانَ، فَوَجَبَ قِسْمَةُ المالِ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّ المَرْأةَ أعْجَزُ مِنَ الرَّجُلِ لِوُجُوهٍ:
أمّا أوَّلًا: فَلِعَجْزِها عَنِ الخُرُوجِ والبُرُوزِ، فَإنَّ زَوْجَها وأقارِبَها يَمْنَعُونَها مِن ذَلِكَ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِنُقْصانِ عَقْلِها وكَثْرَةِ اخْتِداعِها واغْتِرارِها.
وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّها مَتى خالَطَتِ الرِّجالَ صارَتْ مُتَّهَمَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ عَجْزَها أكْمَلُ وجَبَ أنْ يَكُونَ نَصِيبُها مِنَ المِيراثِ أكْثَرَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أكْثَرَ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، فَما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَها نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ خَرْجَ المَرْأةِ أقَلُّ؛ لِأنَّ زَوْجَها يُنْفِقُ عَلَيْها، وخَرْجَ الرَّجُلِ أكْثَرُ لِأنَّهُ هو المُنْفِقُ عَلى زَوْجَتِهِ، ومَن كانَ خَرْجُهُ أكْثَرَ فَهو إلى المالِ أحْوَجُ. الثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ أكْمَلُ حالًا مِنَ المَرْأةِ في الخِلْقَةِ وفي العَقْلِ وفي المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، مِثْلُ صَلاحِيَّةِ القَضاءِ والإمامَةِ، وأيْضًا شَهادَةُ المَرْأةِ نِصْفُ شَهادَةِ الرَّجُلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ الإنْعامُ عَلَيْهِ أزَيْدَ. الثّالِثُ: أنَّ المَرْأةَ قَلِيلَةُ العَقْلِ كَثِيرَةُ الشَّهْوَةِ، فَإذا انْضافَ إلَيْها المالُ الكَثِيرُ عَظُمَ الفَسادُ قالَ الشّاعِرُ:
إنَّ الفَراغَ والشَّبابَ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيَّ مَفْسَدَهْ
وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] وحالُ الرَّجُلِ بِخِلافِ ذَلِكَ. والرّابِعُ: أنَّ الرَّجُلَ لِكَمالِ عَقْلِهِ يَصْرِفُ المالَ إلى ما يُفِيدُهُ الثَّناءَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا والثَّوابَ الجَزِيلَ في الآخِرَةِ، نَحْوُ بِناءِ الرِّباطاتِ، وإعانَةِ المَلْهُوفِينَ والنَّفَقَةِ عَلى الأيْتامِ والأرامِلِ، وإنَّما يَقْدِرُ الرَّجُلُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُخالِطُ النّاسَ كَثِيرًا، والمَرْأةُ تَقِلُّ مُخالَطَتُها مَعَ النّاسِ فَلا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.
الخامِسُ: رُوِيَ أنَّ جَعْفَرًا الصّادِقَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: إنَّ حَوّاءَ أخَذَتْ حَفْنَةً مِنَ الحِنْطَةِ وأكَلَتْها، وأخَذَتْ حَفْنَةً أُخْرى وخَبَّأتْها، ثُمَّ أخَذَتْ حَفْنَةً أُخْرى ودَفَعَتْها إلى آدَمَ، فَلَمّا جَعَلَتْ نَصِيبَ نَفْسِها ضِعْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ قَلَبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْها، فَجَعَلَ نَصِيبَ المَرْأةِ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ، أوْ لِلْأُنْثى مَثَلًا نِصْفُ حَظِّ الذَّكَرِ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لَمّا كانَ الذَّكَرُ أفْضَلَ مِنَ الأُنْثى قَدَّمَ ذِكْرَهُ عَلى ذِكْرِ الأُنْثى، كَما جَعَلَ نَصِيبَهُ ضِعْفَ نَصِيبِ الأُنْثى.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِ الذَّكَرِ بِالمُطابَقَةِ وعَلى نَقْصِ الأُنْثى بِالِالتِزامِ، ولَوْ قالَ: كَما ذَكَرْتُمْ لَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَقْصِ الأُنْثى بِالمُطابَقَةِ وفَضْلِ الذَّكَرِ بِالِالتِزامِ، فَرَجَحَ الطَّرِيقُ الأوَّلُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّعْيَ في تَشْهِيرِ الفَضائِلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِحًا عَلى السَّعْيِ في تَشْهِيرِ الرَّذائِلِ، ولِهَذا قالَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] فَذَكَرَ الإحْسانَ مَرَّتَيْنِ والإساءَةَ مَرَّةً واحِدَةً. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ وهو السَّبَبُ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: كَفى لِلذَّكَرِ أنْ جَعَلَ نَصِيبَهُ ضِعْفَ نَصِيبِ الأُنْثى، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في جَعْلِ الأُنْثى مَحْرُومَةً عَنِ المِيراثِ بِالكُلِّيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١٦٩
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لا شَكَّ أنَّ اسْمَ الوَلَدِ واقِعٌ عَلى ولَدِ الصُّلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في ولَدِ الِابْنِ قالَ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقالَ لِلَّذِينِ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] إلّا أنَّ البَحْثَ في أنَّ لَفْظَ الوَلَدِ يَقَعُ عَلى ولَدِ الِابْنِ مَجازًا أوْ حَقِيقَةً.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ مَجازٌ فَنَقُولُ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ اللَّفْظَ الواحِدَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ دُفْعَةً واحِدَةً في حَقِيقَتِهِ وفي مَجازِهِ مَعًا، فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ ولَدَ الصُّلْبِ ووَلَدَ الِابْنِ مَعًا.
واعْلَمْ أنَّ الطَّرِيقَ في دَفْعِ هَذا الإشْكالِ أنْ يُقالَ: إنّا لا نَسْتَفِيدُ حُكْمَ ولَدِ الِابْنِ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَلْ مِنَ السُّنَّةِ ومِنَ القِياسِ، وأمّا إنْ أرَدْنا أنْ نَسْتَفِيدَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَنَقُولُ: الوَلَدُ ووَلَدُ الِابْنِ ما صارا مُرادَيْنِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ أوْلادَ الِابْنِ لا يَسْتَحِقُّونَ المِيراثَ إلّا في إحْدى حالَتَيْنِ، إمّا عِنْدَ عَدَمِ ولَدِ الصُّلْبِ رَأْسًا، وإمّا عِنْدَما لا يَأْخُذُ ولَدُ الصُّلْبِ كُلَّ المِيراثِ، فَحِينَئِذٍ يَقْتَسِمُونَ الباقِيَ، وأمّا أنْ يَسْتَحِقَّ ولَدُ الِابْنِ مَعَ ولَدِ الصُّلْبِ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهم كَما يَسْتَحِقُّهُ أوْلادُ الصُّلْبِ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الوَلَدِ وعَلى ولَدِ الِابْنِ أنْ يَكُونَ قَدْ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الواحِدِ حَقِيقَتُهُ ومَجازُهُ مَعًا، لِأنَّهُ حِينَ أُرِيدَ بِهِ ولَدُ الصُّلْبِ ما أُرِيدَ بِهِ ولَدُ الِابْنِ، وحِينَ أُرِيدَ بِهِ ولَدُ الِابْنِ ما أُرِيدَ بِهِ ولَدُ الصُّلْبِ، فالحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تارَةً تَكُونُ خِطابًا مَعَ ولَدِ الصُّلْبِ وأُخْرى مَعَ ولَدِ الِابْنِ، وفي كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ شَيْئًا واحِدًا، أمّا إذا قُلْنا: إنَّ وُقُوعَ اسْمِ الوَلَدِ عَلى ولَدِ الصُّلْبِ وعَلى ولَدِ الِابْنِ يَكُونُ حَقِيقَةً، فَإنْ جَعْلَنا اللَّفْظَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما عادَ الإشْكالُ، لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ مَعْنَيَيْهِ مَعًا، بَلِ الواجِبُ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَواطِئًا فِيهِما كالحَيَوانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ والفَرَسِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وأجْمَعُوا أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ ابْنُ الصُّلْبِ وأوْلادُ الِابْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الإشْكالُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا البَحْثَ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنَّ الِابْنَ هَلْ يَتَناوَلُ أوْلادَ الِابْنِ قائِمٌ في أنَّ لَفْظَ الأبِ والأُمِّ هَلْ يَتَناوَلُ الأجْدادَ والجَدّاتِ ؟ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] والأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ الصَّحابَةَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَدِّ حُكْمٌ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، ولَوْ كانَ اسْمُ الأبِ يَتَناوَلُ الجَدَّ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لَما صَحَّ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ زَعَمُوا أنَّهُ مَخْصُوصٌ في صُوَرٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: أنَّ الحُرَّ والعَبْدَ لا يَتَوارَثانِ. وثانِيها: أنَّ القاتِلَ عَلى سَبِيلِ العَمْدِ لا يَرِثُ. وثالِثُها: أنَّهُ لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، وهَذا خَبَرٌ تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ وبَلَغَ حَدَّ المُسْتَفِيضِ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فَرْعانِ.
الفَرْعُ الأوَّلُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ مِنَ المُسْلِمِ، أمّا المُسْلِمُ فَهَلْ يَرِثُ مِنَ الكافِرِ ؟ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّهُ أيْضًا لا يَرِثُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَرِثُ قالَ الشَّعْبِيُّ: قَضى مُعاوِيَةُ بِذَلِكَ وكَتَبَ بِهِ إلى زِيادٍ، فَأرْسَلَ ذَلِكَ زِيادٌ إلى شُرَيْحٍ القاضِي وأمَرَهُ بِهِ، وكانَ شُرَيْحٌ قَبْلَ ذَلِكَ يَقْضِي بِعَدَمِ التَّوْرِيثِ، فَلَمّا أمَرَهُ زِيادٌ
صفحة ١٧٠
بِذَلِكَ كانَ يَقْضِي بِهِ ويَقُولُ: هَكَذا قَضى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ.
حُجَّةُ الأوَّلِينَ عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» ”وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: ما رُوِيَ «أنَّ مُعاذًا كانَ بِاليَمَنِ فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ يَهُودِيًّا ماتَ وتَرَكَ أخًا مُسْلِمًا فَقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:“ الإسْلامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» ”ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنْ قالُوا: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقْتَضِي تَوْرِيثَ الكافِرِ مِنَ المُسْلِمِ، والمُسْلِمِ مِنَ الكافِرِ، إلّا أنّا خَصَّصْناهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» ”؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أخَصُّ مِن تِلْكَ الآيَةِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ:“ «الإسْلامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» ”أخَصُّ مِن قَوْلِهِ:“ «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» ”فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا التَّخْصِيصُ أوْلى؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذا الخَبَرِ مُتَأكَّدٌ بِعُمُومِ الآيَةِ، والخَبَرُ الأوَّلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأقْصى ما قِيلَ في جَوابِهِ: أنَّ قَوْلَهُ:“ «الإسْلامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» ”لَيْسَ نَصًّا في واقِعَةِ المِيراثِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى سائِرِ الأحْوالِ.
الفَرْعُ الثّانِي: المُسْلِمُ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ ماتَ أوْ قُتِلَ، فالمالُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ في زَمانِ الرِّدَّةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُوَرَّثُ، بَلْ يَكُونُ لِبَيْتِ المالِ، أمّا المالُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ حالَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ الشّافِعِيُّ: لا يُوَرَّثُ بَلْ يَكُونُ لِبَيْتِ المالِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَرِثُهُ ورَثَتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنّا أجْمَعْنا عَلى تَرْجِيحِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ» ”عَلى عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ والمُرْتَدُّ ووَرَثَتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ التَّوارُثُ.
فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرْتَدَّ زالَ مِلْكُهُ في آخِرِ الإسْلامِ وانْتَقَلَ إلى الوارِثِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُسْلِمُ إنَّما ورِثَ عَنِ المُسْلِمِ لا عَنِ الكافِرِ.
قُلْنا: لَوْ ورِثَ المُسْلِمُ مِنَ المُرْتَدِّ لَكانَ إمّا أنْ يَرِثَهُ حالَ حَياةِ المُرْتَدِّ أوْ بَعْدَ مَماتِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ، ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في تِلْكَ الأمْوالِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ. والثّانِي: باطِلٌ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ عِنْدَ مَماتِهِ كافِرٌ فَيُفْضِي إلى حُصُولِ التَّوارُثِ بَيْنَ أهْلِ مِلَّتَيْنِ، وهو خِلافُ الخَبَرِ. ولا يَبْقى هَهُنا إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَرِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُسْتَنِدًا إلى آخِرِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ إسْلامِهِ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالِاسْتِنادِ باطِلٌ، لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ المِلْكُ حاصِلًا حالَ حَياةِ المُرْتَدِّ، فَلَوْ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى وجْهٍ صارَ حاصِلًا في زَمَنِ حَياتِهِ لَزِمَ إيقاعُ التَّصَرُّفِ في الزَّمانِ الماضِي، وذَلِكَ باطِلٌ في بَداهَةِ العُقُولِ، وإنْ فُسِّرَ الِاسْتِنادُ بِالتَّبْيِينِ عادَ الكَلامُ إلى أنَّ الوارِثَ ورِثَهُ مِنَ المُرْتَدِّ حالَ حَياةِ المُرْتَدِّ، وقَدْ أبْطَلْناهُ. . واللَّهُ أعْلَمُ.
المَوْضِعُ الرّابِعُ: مِن تَخْصِيصاتِ هَذِهِ الآيَةِ ما هو مَذْهَبُ أكْثَرِ المُجْتَهِدِينَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُوَرَّثُونَ، والشِّيعَةُ خالَفُوا فِيهِ، رُوِيَ أنَّ فاطِمَةَ عَلَيْها السَّلامُ لَمّا طَلَبَتِ المِيراثَ ومَنَعُوها مِنهُ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» ”فَعِنْدَ هَذا احْتَجَّتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلامُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وكَأنَّها أشارَتْ إلى أنَّ عُمُومَ القُرْآنِ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الواحِدِ، ثُمَّ إنَّ الشِّيعَةَ قالُوا: بِتَقْدِيرِ أنْ يَجُوزَ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ هَهُنا، وبَيانُهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ ( مَرْيَمَ: ٦ ] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلى وِراثَةِ العِلْمِ والدِّينِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ وِراثَةً في الحَقِيقَةِ. بَلْ
صفحة ١٧١
يَكُونُ كَسْبًا جَدِيدًا مُبْتَدَأً، إنَّما التَّوْرِيثُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المالِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ.
وثانِيها: أنَّ المُحْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما كانَ إلّا فاطِمَةُ وعَلِيٌّ والعَبّاسُ وهَؤُلاءِ كانُوا مِن أكابِرِ الزُّهّادِ والعُلَماءِ وأهْلِ الدِّينِ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَإنَّهُ ما كانَ مُحْتاجًا إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ المَسْألَةِ البَتَّةَ، لِأنَّهُ ما كانَ مِمَّنْ يَخْطِرُ بِبالِهِ أنْ يَرِثَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَلِّغَ هَذِهِ المَسْألَةَ إلى مَن لا حاجَةَ بِهِ إلَيْها ولا يُبَلِّغَها إلى مَن لَهُ إلى مَعْرِفَتِها أشَدُّ الحاجَّةِ.
وثالِثُها: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ:“ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ ”صِلَةٌ لِقَوْلِهِ:“ لا نُوَرَّثُ ”والتَّقْدِيرُ: أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ، فَذَلِكَ الشَّيْءُ لا يُوَرَّثُ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى لِلرَّسُولِ خاصِّيَّةٌ في ذَلِكَ.
قُلْنا: بَلْ تَبْقى الخاصِّيَّةُ لِاحْتِمالِ أنَّ الأنْبِياءَ إذا عَزَمُوا عَلى التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ فَبِمُجَرَّدِ العَزْمِ يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِمْ ولا يَرِثُهُ وارِثٌ عَنْهم، وهَذا المَعْنى مَفْقُودٌ في حَقِّ غَيْرِهِمْ.
والجَوابُ: أنَّ فاطِمَةَ عَلَيْها السَّلامُ رَضِيَتْ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ بَعْدَ هَذِهِ المُناظَرَةِ، وانْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى صِحَّةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ مِنَ المَسائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مَعْناهُ لِلذَّكَرِ مِنهم، فَحَذَفَ الرّاجِعَ إلَيْهِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ، كَقَوْلِكَ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ المَعْنى إنْ كانَتِ البَناتُ أوِ المَوْلُوداتُ نِساءً خُلْصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِكانَ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (نِساءً) أيْ نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ كَلامٌ مَذْكُورٌ لِبَيانِ حَظِّ الذَّكَرِ مِنَ الأوْلادِ، لا لِبَيانِ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ إرادَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً﴾ وهو لِبَيانِ حَظِّ الإناثِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences