Ar-RaziAn‑Nisa · 4:11

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:11, continued

الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ حَظَّ الأُنْثَيَيْنِ هو الثُّلُثانِ، فَلَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى حُكْمِ الأُنْثَيَيْنِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ عَلى مَعْنى: فَإنْ كُنَّ جَماعَةَ بالِغاتٍ ما بَلَغْنَ مِنَ العَدَدِ، فَلَهُنَّ ما لِاثْنَتَيْنِ وهو الثُّلُثانِ، لِيُعْلَمَ أنَّ حُكْمَ الجَماعَةِ حُكْمُ الثِّنْتَيْنِ بِغَيْرِ تَفاوُتٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَطْفَ مُتَناسِبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأُنْثَيَيْنِ، فَكَفى هَذا القَوْلُ في حُسْنِ هَذا العَطْفِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ في“ كُنَّ ”و“ كانَتْ ”مُبْهَمَيْنِ ويَكُونَ“ نِساءً ”و“ واحِدَةً ”تَفْسِيرًا لَهُما عَلى أنَّ“ كانَ ”تامَّةٌ ؟

الجَوابُ: ذَكَرَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”: أنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: النِّساءُ: جَمْعٌ، وأقَلُّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، فالنِّساءُ يَجِبُ أنْ يَكُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَما الفائِدَةُ في التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ؟

الجَوابُ: مَن يَقُولُ أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّتُهُ، ومَن يَقُولُ: هو ثَلاثَةٌ قالَ: هَذا لِلتَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] .

صفحة ١٧٢

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾ فَنَقُولُ: قَرَأ نافِعٌ (واحِدَةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَعَلى كانَ التّامَّةِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ الَّتِي قَبْلَها لَها خَبَرٌ مَنصُوبٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً﴾ والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَ المَتْرُوكاتُ أوِ الوارِثاتُ نِساءً فَكَذا هَهُنا، التَّقْدِيرُ: وإنْ كانَتِ المَتْرُوكَةُ واحِدَةً، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: النُّصْفُ، بِضَمِّ النُّونِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مِيراثِ الأوْلادِ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِيراثَ الأبَوَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ونُعَيْمُ بْنُ أبِي مَيْسَرَةَ (السُّدْسُ) بِالتَّخْفِيفِ وكَذَلِكَ (الرُّبْعُ) و(الثُّمْنُ) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْأبَوَيْنِ ثَلاثَةَ أحْوالٍ.

الحالَةُ الأُولى: أنْ يَحْصُلَ مَعَهُما ولَدٌ وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ اسْمَ الوَلَدِ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، فَهَذِهِ الحالَةُ يُمْكِنُ وُقُوعُها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَحْصُلَ مَعَ الأبَوَيْنِ ولَدٌ ذَكَرٌ واحِدٌ، أوْ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، فَهَهُنا الأبَوانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ.

وثانِيها: أنْ يَحْصُلَ مَعَ الأبَوَيْنِ بِنْتانِ أوْ أكْثَرُ، وهَهُنا الحُكْمُ ما ذَكَرْناهُ أيْضًا.

وثالِثُها: أنْ يَحْصُلَ مَعَ الأبَوَيْنِ بِنْتٌ واحِدَةٌ فَهَهُنا لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولِلْأُمِّ السُّدُسُ ولِلْأبِ السُّدُسُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ. والسُّدُسُ الباقِي أيْضًا لِلْأبِ بِحُكْمِ التَّعْصِيبِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّ حَقَّ الوالِدَيْنِ عَلى الإنْسانِ أعْظَمُ مِن حَقِّ ولَدِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ بَلَغَ حَقُّ الوالِدَيْنِ إلى أنْ قَرَنَ اللَّهُ طاعَتَهُ بِطاعَتِهِما فَقالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَ الأوْلادِ أكْثَرَ ونَصِيبَ الوالِدَيْنِ أقَلَّ ؟

والجَوابُ عَنْ هَذا في نِهايَةِ الحُسْنِ والحِكْمَةِ: وذَلِكَ لِأنَّ الوالِدَيْنِ ما بَقِيَ مِن عُمْرِهِما إلّا القَلِيلُ فَكانَ احْتِياجُهُما إلى المالِ قَلِيلًا، أمّا الأوْلادُ فَهم في زَمَنِ الصِّبا فَكانَ احْتِياجُهم إلى المالِ كَثِيرًا فَظَهَرَ الفَرْقُ.

السُّؤالُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (ولِأبَوَيْهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟

الجَوابُ: أنَّهُ ضَمِيرٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، والمُرادُ: ولِأبَوَيِ المَيِّتِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ بِالأبَوَيْنِ ؟

والجَوابُ: هُما الأبُ والأُمُّ، والأصْلُ في الأُمِّ أنْ يُقالَ لَها أبَةٌ، فَأبَوانِ تَثْنِيَةُ أبٍ وأبَةٍ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ هَذِهِ الآيَةِ.

الجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لِأبَوَيْهِ) بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولِأبَوَيْهِ السُّدُسُ لَكانَ ظاهِرُهُ اشْتِراكَهُما فِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا قِيلَ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أبَوَيْهِ السُّدُسُ.

صفحة ١٧٣

قُلْنا: لِأنَّ في الإبْدالِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، والسُّدُسُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: لِأبَوَيْهِ، والبَدَلُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما لِلْبَيانِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحالَةُ الثّانِيَةُ مِن أحْوالِ الأبَوَيْنِ، وهو أنْ لا يَحْصُلَ مَعَهُما أحَدٌ مِنَ الأوْلادِ، ولا يَكُونَ هُناكَ وارِثٌ سِواهُما، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾ فَهَهُنا لِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وذَلِكَ فَرْضٌ لَها، والباقِي لِلْأبِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لا وارِثَ لَهُ سِواهُما، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَجْمُوعُ المالِ لَهُما، فَإذا كانَ نَصِيبُ الأُمِّ هو الثُّلُثَ وجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي وهو الثُّلُثانِ لِلْأبِ، فَهَهُنا يَكُونُ المالُ بَيْنَهُما لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ كَما في حَقِّ الأوْلادِ، ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا فَرْعانِ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فَرْضَ الأبِ هو السُّدُسُ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ يَأْخُذُ الثُّلُثَيْنِ إلّا أنَّهُ يَأْخُذُ السُّدُسَ بِالفَرِيضَةِ، والنِّصْفَ بِالتَّعْصِيبِ. الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِالتَّعْصِيبِ في هَذِهِ الصُّورَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأبُ إذا انْفَرَدَ أنْ يَأْخُذَ كُلَّ المالِ؛ لِأنَّ خاصِّيَّةَ العَصَبَةِ هو أنْ يَأْخُذَ الكُلَّ عِنْدَ الِانْفِرادِ، هَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وارِثٌ سِوى الأبَوَيْنِ، أمّا إذا ورِثَهُ أبَواهُ مَعَ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَذَهَبَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ إلى أنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ ثُمَّ يُدْفَعُ ثُلُثُ ما بَقِيَ إلى الأُمِّ، ويُدْفَعُ الباقِي إلى الأبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُدْفَعُ إلى الزَّوْجِ نَصِيبُهُ، وإلى الأُمِّ الثُّلُثُ، ويُدْفَعُ الباقِي إلى الأبِ، وقالَ: لا أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ ثُلُثَ ما بَقِيَ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ وافَقَ ابْنَ عَبّاسٍ في الزَّوْجَةِ والأبَوَيْنِ، وخالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبَوَيْنِ، لِأنَّهُ يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ لِلْأُنْثى مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرَيْنِ، وأمّا في الزَّوْجَةِ فَإنَّهُ لا يُفْضِي إلى ذَلِكَ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قاعِدَةَ المِيراثِ أنَّهُ مَتى اجْتَمَعَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كانَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الِابْنَ مَعَ البِنْتِ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ وأيْضًا الأخُ مَعَ الأُخْتِ كَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وأيْضًا الأُمُّ مَعَ الأبِ كَذَلِكَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ إذا كانَ لا وارِثَ غَيْرُهُما فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، ولِلْأبِ الثُّلُثانِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا أخَذَ الزَّوْجُ نَصِيبَهُ وجَبَ أنْ يُبْقى الباقِي بَيْنَ الأبَوَيْنِ أثْلاثًا، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.

الثّانِي: أنَّ الأبَوَيْنِ يُشْبِهانِ شَرِيكَيْنِ بَيْنَهُما مالٌ، فَإذا صارَ شَيْءٌ مِنهُ مُسْتَحَقًّا بَقِيَ الباقِي بَيْنَهُما عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ الأوَّلِ.

الثّالِثُ: أنَّ الزَّوْجَ إنَّما أخَذَ سَهْمَهُ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكاحِ لا بِحُكْمِ القَرابَةِ، فَأشْبَهَ الوَصِيَّةَ في قِسْمَةِ الباقِي.

الرّابِعُ: أنَّ المَرْأةَ إذا خَلَفَتْ زَوْجًا وأبَوَيْنِ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، فَلَوْ دَفَعْنا الثُّلُثَ إلى الأُمِّ والسُّدُسَ إلى الأبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ لِلْأُنْثى مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرَيْنِ، وهَذا خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ: يَرْجِعُ حاصِلُها إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِالقِياسِ.

وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: فَهو تَخْصِيصٌ لِأحَدِ العُمُومَيْنِ بِالعُمُومِ الثّانِي.

صفحة ١٧٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فَلِإمِّهِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ وشَرَطُوا في جَوازِ هَذِهِ الكَسْرَةِ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها حَرْفًا مَكْسُورًا أوْ ياءً.

أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: (في بُطُونِ إمَّهاتِكم) .

وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِهِ: (في إمِّها رَسُولًا) وإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا الشَّرْطُ فَلَيْسَ إلّا الضَّمُّ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَءُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ، أمّا وجْهُ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ في قَوْلِهِ: (فَلِأُمِّهِ) وذَلِكَ لِأنَّ اللّامَ لِشِدَّةِ اتِّصالِها بِالأُمِّ صارَ المَجْمُوعُ كَأنَّهُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فِعُلٌ بِكَسْرِ الفاءِ وضَمِّ العَيْنِ، فَلا جَرَمَ جُعِلَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وأمّا وجْهُ مَن قَرَأ الهَمْزَةَ بِالضَّمِّ فَهو أتى بِها عَلى الأصْلِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ اسْتِعْمالُ فِعُلٍ؛ لِأنَّ اللّامَ في حُكْمِ المُنْفَصِلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحالَةُ الثّالِثَةُ مِن أحْوالِ الأبَوَيْنِ وهي أنْ يُوجَدَ مَعَهُما الإخْوَةُ، والأخَواتُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأُخْتَ الواحِدَةَ لا تَحْجُبُ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الثَّلاثَةَ يَحْجُبُونَ، واخْتَلَفُوا في الأُخْتَيْنِ، فالأكْثَرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الحَجْبِ كَما في الثَّلاثَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَحْجُبانِ كَما في حَقِّ الواحِدَةِ، حُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذا الحَجْبَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الإخْوَةِ، ولَفْظُ الإخْوَةِ جَمْعٌ وأقَلُّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَإذا لَمْ تُوجَدِ الثَّلاثَةُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ الحَجْبِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الحَجْبُ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ لِعُثْمانَ: بِمَ صارَ الأخَوانِ يَرُدّانِ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ ؟ وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ والأخَوانِ في لِسانِ قَوْمِكَ لَيْسا بِإخْوَةٍ ؟ فَقالَ عُثْمانُ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أرُدَّ قَضاءً قَضى بِهِ مَن قَبْلِي ومَضى في الأمْصارِ.

واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الحِكايَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ؛ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ عُثْمانَ، وعُثْمانُ ما أنْكَرَهُ، وهَما كانا مِن صَمِيمِ العَرَبِ، ومِن عُلَماءِ اللِّسانِ، فَكانَ اتِّفاقُهُما حُجَّةً في ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ في أقَلِّ الجَمْعِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو قَوْلُ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، واحْتَجُّوا فِيهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] ولا يَكُونُ لِلْإنْسانِ الواحِدِ أكْثَرُ مِن قَلْبٍ واحِدٍ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ لَفْظُ النِّساءِ صالِحًا لِلثِّنْتَيْنِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ:“ الِاثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ ”والقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ زَعَمُوا أنَّ ظاهِرَ الكِتابِ يُوجِبُ الحَجْبَ بِالأخَوَيْنِ، إلّا أنَّ الَّذِي نَصَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَظاهِرُ الكِتابِ لا يُوجِبُ الحَجْبَ بِالأخَوَيْنِ، وإنَّما المُوجِبُ لِذَلِكَ هو القِياسُ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: الأُخْتانِ يُوجِبانِ الحَجْبَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأخَوانِ وجَبَ أنْ يَحْجُبا أيْضًا، إنَّما

صفحة ١٧٥

قُلْنا: إنَّ الأُخْتَيْنِ يَحْجُبانِ، وذَلِكَ لِأنّا رَأيْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَزَّلَ الِاثْنَيْنِ مِنَ النِّساءِ مَنزِلَةَ الثَّلاثَةِ في بابِ المِيراثِ، ألا تَرى أنَّ نَصِيبَ البِنْتَيْنِ ونَصِيبَ الثَّلاثَةِ هو الثُّلُثانِ، وأيْضًا نَصِيبَ الأُخْتَيْنِ مِنَ الأُمِّ ونَصِيبَ الثَّلاثَةِ هو الثُّلُثُ، فَهَذا الِاسْتِقْراءُ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ الحَجْبُ بِالأُخْتَيْنِ، كَما أنَّهُ حَصَلَ بِالأخَواتِ الثَّلاثَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأُخْتَيْنِ يَحْجُبانِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في الأُخْتَيْنِ لَزِمَ ثُبُوتُهُ في الأخَوَيْنِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَهَذا أحْسَنُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا المَوْضِعِ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ إجْراءَ القِياسِ في التَّقْدِيراتِ صَعْبٌ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُجَرَّدَ تَشْبِيهٍ مِن غَيْرِ جامِعٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا يُتَمَسَّكُ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ القِياسِ، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِقْراءِ؛ لِأنَّ الكَثْرَةَ أمارَةُ العُمُومِ، إلّا أنَّ هَذا الطَّرِيقَ في غايَةِ الضَّعْفِ، واللَّهُ أعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَأكَّدَ هَذا بِإجْماعِ التّابِعِينَ عَلى سُقُوطِ مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأصَحُّ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الإجْماعَ الحاصِلَ عَقِيبَ الخِلافِ حُجَّةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإخْوَةُ إذا حَجَبُوا الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ فَهم لا يَرِثُونَ شَيْئًا البَتَّةَ، بَلْ يَأْخُذُ الأبُ كُلَّ الباقِي وهو خَمْسَةُ أسْداسٍ، سُدُسٌ بِالفَرْضِ، والباقِي بِالتَّعْصِيبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإخْوَةُ يَأْخُذُونَ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوا الأُمَّ عَنْهُ، وما بَقِيَ فَلِلْأبِ، وحُجَّتُهُ أنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ مَن لا يَرِثُ لا يَحْجُبُ، فَهَؤُلاءِ الإخْوَةُ لَمّا حَجَبُوا وجَبَ أنْ يَرِثُوا، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ عِنْدَ عَدَمِ الإخْوَةِ كانَ المالُ مِلْكًا لِلْأبَوَيْنِ، وعِنْدَ وُجُودِ الإخْوَةِ لَمْ يَذْكُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِأنَّهم يَحْجُبُونَ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ حاجِبًا كَوْنُهُ وارِثًا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى المالُ بَعْدَ حُصُولِ هَذا الحَجْبِ عَلى مَلْكِ الأبَوَيْنِ، كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مَسائِلَ الوَصايا تُذْكَرُ في خاتِمَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْصِباءَ الأوْلادِ والوالِدَيْنِ، قالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ أيْ هَذِهِ الأنْصِباءُ إنَّما تُدْفَعُ إلى هَؤُلاءِ إذا فَضَلَ عَنِ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ ما يُخْرَجُ مِنَ التَّرِكَةِ الدَّيْنُ، حَتّى لَوِ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ كُلَّ مالِ المَيِّتِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ حَقٌّ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ، أوْ كانَ إلّا أنَّهُ قُضِيَ وفَضَلَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، فَإنْ أوْصى المَيِّتُ بِوَصِيَّةٍ أُخْرِجَتِ الوَصِيَّةُ مِن ثُلُثِ ما فَضَلَ، ثُمَّ قُسِمَ الباقِي مِيراثًا عَلى فَرائِضِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: «رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّكم لَتَقْرَءُونَ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وإنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَضى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» .

واعْلَمْ أنَّ مُرادَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ واللَّفْظِ، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ في الحُكْمِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ“ أوْ ”لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ البَتَّةَ.

واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ في تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ في اللَّفْظِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الوَصِيَّةَ مالٌ يُؤْخَذُ

صفحة ١٧٦

بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكانَ إخْراجُها شاقًّا عَلى الوَرَثَةِ، فَكانَ أداؤُها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلافِ الدَّيْنِ، فَإنَّ نُفُوسَ الوَرَثَةِ مُطْمَئِنَّةٌ إلى أدائِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عَلى ذِكْرِ الدَّيْنِ في اللَّفْظِ بَعْثًا عَلى أدائِها وتَرْغِيبًا في إخْراجِها، ثُمَّ أكَّدَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ بِإدْخالِ كَلِمَةِ“ أوْ ”عَلى الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما في وُجُوبِ الإخْراجِ عَلى السَّوِيَّةِ.

الثّانِي: أنَّ سِهامَ المَوارِيثِ كَما أنَّها تُؤَخَّرُ عَنِ الدَّيْنِ فَكَذا تُؤَخَّرُ عَنِ الوَصِيَّةِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ كانَ سِهامُ الوَرَثَةِ مُعْتَبَرَةً بَعْدَ تَسْلِيمِ الثُّلُثِ إلى المُوصى لَهُ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ ذِكْرِ الدَّيْنِ وذِكْرِ الوَصِيَّةِ، لِيُعْلِمَنا أنَّ سِهامَ المِيراثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كَما هي مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الدَّيْنِ، بَلْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وبَيْنَ الوَصِيَّةِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي أنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ دَخَلَ النُّقْصانُ في أنْصِباءِ أصْحابِ الوَصايا وفي أنْصِباءِ أصْحابِ الإرْثِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الدَّيْنُ، فَإنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ اسْتُوْفِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ مِنَ الباقِي، وإنِ اسْتَغْرَقَهُ بَطَلَ حَقُّ المُوصى لَهُ وحَقُّ الوَرَثَةِ جَمِيعًا، فالوَصِيَّةُ تُشْبِهُ الإرْثَ مِن وجْهٍ، والدَّيْنَ مِن وجْهٍ آخَرَ، أمّا مُشابَهَتُها بِالإرْثِ فَما ذَكَرْنا أنَّهُ مَتى هَلَكَ مِنَ المالِ شَيْءٌ دَخَلَ النُّقْصانُ في أنْصِباءِ أصْحابِ الوَصِيَّةِ والإرْثِ، وأمّا مُشابَهَتُها بِالدَّيْنِ فَلِأنَّ سِهامَ أهْلِ المَوارِيثِ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الوَصِيَّةِ كَما أنَّها مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الدَّيْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما مَعْنى“ أوْ ”هَهُنا وهَلّا قِيلَ: مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها ودَيْنٍ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ“ أوْ ”مَعْناها الإباحَةُ كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُجالَسَ، فَإنْ جالَسْتَ الحَسَنَ فَأنْتَ مُصِيبٌ، أوِ ابْنَ سِيرِينَ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ جَمَعْتَهُما فَأنْتَ مُصِيبٌ، أمّا لَوْ قالَ: جالِسِ الرَّجُلَيْنِ فَجالَسْتَ واحِدًا مِنهُما وتَرَكْتَ الآخَرَ كُنْتَ غَيْرَ مُوافِقٍ لِلْأمْرِ، فَكَذا هَهُنا لَوْ قالَ: مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ ودَيْنٍ وجَبَ في كُلِّ مالٍ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الأمْرانِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ“ أوْ ”كانَ المَعْنى أنَّ أحَدَهُما إنْ كانَ فالمِيراثُ بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ كِلاهُما.

الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ“ أوْ ”إذا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ صارَتْ في مَعْنى الواوِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَكانَتْ“ أوْ " هَهُنا بِمَعْنى الواوِ، فَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ لَمّا كانَ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ صارَ كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ وصِيَّةٌ أوْ دَيْنٌ فَيَكُونُ المُرادُ بَعْدَهُما جَمِيعًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (يُوصى) بِفَتْحِ الصّادِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ إضافَةً إلى المُوصِي وهو الِاخْتِيارُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ذِكْرِ الوارِثِينَ وأنْصِبائِهِمْ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ومِن حَقِّ الِاعْتِراضِ أنْ يَكُونَ ما اعْتَرَضَ مُؤَكِّدًا ما اعْتَرَضَ بَيْنَهُ ومُناسِبَهُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْصِباءَ الأوْلادِ

صفحة ١٧٧

وأنْصِباءَ الأبَوَيْنِ، وكانَتْ تِلْكَ الأنْصِباءُ مُخْتَلِفَةً والعُقُولُ لا تَهْتَدِي إلى كَمِّيَّةِ تِلْكَ التَّقْدِيراتِ، والإنْسانُ رُبَّما خَطَرَ بِبالِهِ أنَّ القِسْمَةَ لَوْ وقَعَتْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ كانَتْ أنْفَعَ لَهُ وأصْلَحَ، لا سِيَّما وقَدْ كانَتْ قِسْمَةُ العَرَبِ لِلْمَوارِيثِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وأنَّهم كانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ الأقْوِياءَ، وما كانُوا يُوَرِّثُونَ الصِّبْيانَ والنِّسْوانِ والضُّعَفاءَ، فاللَّهُ تَعالى أزالَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِأنْ قالَ: إنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّ عُقُولَكم لا تُحِيطُ بِمَصالِحِكم، فَرُبَّما اعْتَقَدْتُمْ في شَيْءٍ أنَّهُ صالِحٌ لَكم وهو عَيْنُ المَضَرَّةِ ورُبَّما اعْتَقَدْتُمْ فِيهِ أنَّهُ عَيْنُ المَضَرَّةِ، ويَكُونُ عَيْنَ المَصْلَحَةِ، وأمّا الإلَهُ الحَكِيمُ الرَّحِيمُ فَهو العالِمُ بِمُغَيَّباتِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها النّاسُ اتْرُكُوا تَقْدِيرَ المَوارِيثِ بِالمَقادِيرِ الَّتِي تَسْتَحْسِنُها عُقُولُكم، وكُونُوا مُطِيعِينَ لِأمْرِ اللَّهِ في هَذِهِ التَّقْدِيراتِ الَّتِي قَدَّرَها لَكم، فَقَوْلُهُ: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ ما يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ مِن قِسْمَةِ المَوارِيثِ عَلى الوَرَثَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ الِانْقِيادِ لِهَذِهِ القِسْمَةِ الَّتِي قَدَّرَها الشَّرْعُ وقَضى بِها، وذَكَرُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ أقْرَبُ لَكم نَفْعًا في الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ لَيُشَفِّعُ بَعْضَهم في بَعْضٍ، فَأطْوَعُكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأبْناءِ والآباءِ أرْفَعُكم دَرَجَةً في الجَنَّةِ، وإنْ كانَ الوالِدُ أرْفَعَ دَرَجَةً في الجَنَّةِ مِن ولَدِهِ رَفَعَ اللَّهُ إلَيْهِ ولَدَهُ بِمَسْألَتِهِ لِيُقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنَهُ، وإنْ كانَ الوَلَدُ أرْفَعَ دَرَجَةً مِن والِدَيْهِ رَفَعَ اللَّهُ إلَيْهِ والِدَيْهِ، فَقالَ: ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾؛ لِأنَّ أحَدَهُما لا يَعْرِفُ أنَّ انْتِفاعَهُ في الجَنَّةِ بِهَذا أكْثَرُ أمْ بِذَلِكَ.

الثّانِي: المُرادُ كَيْفِيَّةُ انْتِفاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في الدُّنْيا مِن جِهَةِ ما أوْجَبَ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ والتَّرْبِيَةِ لَهُ والذَّبِّ عَنْهُ والثّالِثُ: المُرادُ جَوازُ أنْ يَمُوتَ هَذا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَرِثُهُ وبِالضِّدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ هو مَنصُوبٌ نَصْبَ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ أيْ فَرَضَ ذَلِكَ فَرْضًا ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، والمَعْنى أنَّ قِسْمَةَ اللَّهِ لِهَذِهِ المَوارِيثِ أوْلى مِنَ القِسْمَةِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها طِباعُكم، لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَكُونُ عالِمًا بِما في قِسْمَةِ المَوارِيثِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَأْمُرُ إلّا بِما هو الأصْلَحُ الأحْسَنُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ قِسْمَتُهُ لِهَذِهِ المَوارِيثِ أوْلى مِنَ القِسْمَةِ الَّتِي تُرِيدُونَها، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مَعَ أنَّهُ الآنَ كَذَلِكَ.

قُلْنا: قالَ الخَلِيلُ: الخَبَرُ عَنِ اللَّهِ بِهَذِهِ الألْفاظِ كالخَبَرِ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ، لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ الزَّمانِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: القَوْمُ لَمّا شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً وفَضْلًا وإحْسانًا تَعَجَّبُوا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ اللَّهَ كانَ كَذَلِكَ، ولَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском