Ar-RaziAn‑Nisa · 4:125–127

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:125–127

4:125Page 98

وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥

And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَطَ حُصُولَ النَّجاةِ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ بِكَوْنِ الإنْسانِ مُؤْمِنًا شَرَحَ الإيمانَ وبَيَّنَ فَضْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ المُشْتَمِلُ عَلى إظْهارِ كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.

والثّانِي: وهو أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّرْغِيبِ في دِينِ الإسْلامِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فاعْلَمْ أنَّ دِينَ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: الِاعْتِقادُ والعَمَلُ: أمّا الِاعْتِقادُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ: هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ. والوَجْهُ أحْسَنُ أعْضاءِ الإنْسانِ، فالإنْسانُ إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ رَبَّهُ وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ وبِعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ فَقَدْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، وأمّا العَمَلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ الحَسَناتِ وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فَتَأمَّلْ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ المُخْتَصَرَةِ واحْتِوائِها عَلى جَمِيعِ المَقاصِدِ والأغْراضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وما أسْلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَمالَ الإيمانِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَفْوِيضِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى الخالِقِ، وإظْهارِ التَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَسادِ طَرِيقَةِ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَعِينُونَ بِالأصْنامِ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والدَّهْرِيَّةُ والطَّبِيعِيُّونَ يَسْتَعِينُونَ بِالأفْلاكِ، والكَواكِبِ، والطَّبائِعِ وغَيْرِها، واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ في دَفْعِ عِقابِ الآخِرَةِ عَنْهم: أنَّهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، فَجَمِيعُ الفِرَقِ قَدِ اسْتَعانُوا بِغَيْرِ اللَّهِ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم في الحَقِيقَةِ ما أسْلَمَتْ وُجُوهُهم لِلَّهِ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ الطّاعَةَ المُوجِبَةَ لِثَوابِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، والمَعْصِيَةَ المُوجِبَةَ لِعِقابِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، فَهم في الحَقِيقَةِ لا يَرْجُونَ إلّا أنْفُسَهم، ولا يَخافُونَ إلّا أنْفُسَهم، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ فَوَّضُوا التَّدْبِيرَ، والتَّكْوِينَ، والإبْداعَ، والخَلْقَ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُوجِدَ، ولا مُؤَثِّرَ إلّا اللَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، وعَوَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وانْقَطَعَ نَظَرُهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ.

صفحة ٤٦

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ فَضِيلَةِ الإسْلامِ: وهو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما دَعا الخَلْقَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كُلِّ الخَلْقِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدْعُو إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٨] . وما كانَ يَدْعُو إلى عِبادَةِ فَلَكٍ، ولا طاعَةِ كَوْكَبٍ، ولا سَجْدَةِ صَنَمٍ، ولا اسْتِعانَةٍ بِطَبِيعَةٍ، بَلْ كانَ دِينُهُ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ والإعْراضَ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ. ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ كانَ قَرِيبًا مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ في الخِتانِ، وفي الأعْمالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَعْبَةِ: مِثْلُ الصَّلاةِ إلَيْها، والطَّوافِ بِها، والسَّعْيِ، والرَّمْيِ، والوُقُوفِ، والحَلْقِ، والكَلِماتِ العَشْرِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . ولَمّا ثَبَتَ أنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَرِيبًا مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ إنَّ شَرْعَ إبْراهِيمَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَفْتَخِرُونَ بِشَيْءٍ كافْتِخارِهِمْ بِالِانْتِسابِ إلى إبْراهِيمَ، وأمّا اليَهُودُ والنَّصارى فَلا شَكَّ في كَوْنِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ مَقْبُولًا عِنْدَ الكُلِّ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا لِلْمَتْبُوعِ، وأنْ يَكُونَ حالًا لِلتّابِعِ، كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ راكِبًا، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرّاكِبُ حالًا لِلْمَرْئِيِّ والرّائِي.

البَحْثُ الثّانِي: الحَنِيفُ المائِلُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مائِلٌ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها؛ لِأنَّ ما سِواهُ باطِلٌ، والحَقُّ أنَّهُ مائِلٌ عَنْ كُلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ: أنَّ الباطِلَ وإنْ كانَ بَعِيدًا مِنَ الباطِلِ الَّذِي يُضادُّهُ فَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الباطِلِ الَّذِي يُجانِسُهُ، وأمّا الحَقُّ فَإنَّهُ واحِدٌ فَيَكُونُ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، كالمَرْكَزِ الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ جَمِيعِ أجْزاءِ الدّائِرَةِ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسُ شَرْعِ إبْراهِيمَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ.

قُلْنا: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ مِلَّةُ إبْراهِيمَ داخِلَةً في مِلَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ اشْتِمالِ هَذِهِ المِلَّةِ عَلى زَوائِدَ حَسَنَةٍ وفَوائِدَ جَلِيلَةٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَغَ في عُلُوِّ الدَّرَجَةِ في الدِّينِ أنِ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَتَّبِعَ خُلُقَهُ وطَرِيقَتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَنِيفًا، ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ أشْعَرَ هَذا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما اتَّخَذَهُ خَلِيلًا؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّرْعِ، آتِيًا بِتِلْكَ التَّكالِيفِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما جَعَلَهُ إمامًا لِلْخَلْقِ؛ لِأنَّهُ أتَمَّ تِلْكَ الكَلِماتِ.

وإذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ بِهَذا المَنصِبِ العالِي، وهو كَوْنُهُ خَلِيلًا لِلَّهِ تَعالى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ عامِلًا بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ كانَ هَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِهَذا الشَّرْعِ لا بُدَّ وأنْ يَفُوزَ بِأعْظَمِ المَناصِبِ في الدِّينِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّرْغِيبَ العَظِيمَ في هَذا الدِّينِ.

صفحة ٤٧

فَإنْ قِيلَ: ما مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ؟ .

قُلْنا: هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ونَظِيرُهُ ما جاءَ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِ:

والحَوادِثُ جَمَّةٌ

والجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ مِن شَأْنِها تَأْكِيدُ ذَلِكَ الكَلامِ، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ عَلى ما بَيَّنّاهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ خَلِيلَ الإنْسانِ هو الَّذِي يَدْخُلُ في خِلالِ أُمُورِهِ وأسْرارِهِ، والَّذِي دَخَلَ حُبُّهُ في خِلالِ أجْزاءِ قَلْبِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ هو الغايَةُ في المَحَبَّةِ.

قِيلَ: لَمّا أطْلَعَ اللَّهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَلَكُوتِ الأعْلى والأسْفَلِ، ودَعا القَوْمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ النَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِلنِّيرانِ، ووَلَدَهُ لِلْقُرْبانِ، ومالَهُ لِلضِّيفانِ جَعَلَهُ اللَّهُ إمامًا لِلْخَلْقِ ورَسُولًا إلَيْهِمْ، وبَشَّرَهُ بِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ في ذُرِّيَّتِهِ، فَلِهَذِهِ الِاخْتِصاصاتِ سَمّاهُ خَلِيلًا؛ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ لِإيصالِ الخَيْراتِ والمَنافِعِ إلَيْهِ.

الوَجْهُ الثّانِي في اشْتِقاقِ اسْمِ الخَلِيلِ: أنَّهُ الَّذِي يُوافِقُكَ في خِلالِكَ. أقُولُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ“» . فَيُشْبِهُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَغَ في هَذا البابِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّ الخَلِيلَ هو الَّذِي يُسايِرُكَ في طَرِيقِكَ، مِنَ الخَلِّ وهو الطَّرِيقُ في الرَّمْلِ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الثّانِي، أوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ طاعَتِهِ لِلَّهِ وعَدَمِ تَمَرُّدِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] .

الوَجْهُ الرّابِعُ: الخَلِيلُ هو الَّذِي يَسُدُّ خَلَلَكَ كَما تَسُدُّ خَلَلَهُ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ خَلِيلًا مَعَ اللَّهِ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَسُدُّ الخَلَلَ، ومِن هَهُنا عَلِمْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الخَلِيلِ بِذَلِكَ.

أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذا اللَّقَبِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا صارَ الرَّمْلُ الَّذِي أتى بِهِ غِلْمانُهُ دَقِيقًا قالَتِ امْرَأتُهُ: هَذا مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ، فَقالَ إبْراهِيمُ: بَلْ هو مِن خَلِيلِيَ اللَّهِ.

والثّانِي: قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هَبَطَ مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ شَجِيٍّ، فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْكُرْهُ مَرَّةً أُخْرى، فَقالَ: لا أذْكُرُهُ مَجّانًا، فَقالَ: لَكَ مالِي كُلُّهُ، فَذَكَرَهُ المَلَكُ بِصَوْتٍ أشْجى مِنَ الأوَّلِ، فَقالَ: اذْكُرْهُ مَرَّةً ثالِثَةً ولَكَ أوْلادِي، فَقالَ المَلَكُ: أبْشِرْ فَإنِّي مَلَكٌ لا أحْتاجُ إلى مالِكَ ووَلَدِكَ، وإنَّما كانَ المَقْصُودُ امْتِحانَكَ، فَلَمّا بَذَلَ المالَ والأوْلادَ عَلى سَماعِ ذِكْرِ اللَّهِ لا جَرَمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا.

الثّالِثُ: رَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةَ لَمّا دَخَلُوا عَلى إبْراهِيمَ في صُورَةِ غِلْمانٍ حِسانِ الوُجُوهِ، وظَنَّ الخَلِيلُ أنَّهم أضْيافُهُ، وذَبَحَ لَهم عِجْلًا سَمِينًا، وقُرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وقالَ: كُلُوا عَلى شَرْطِ أنْ تُسَمُّوا اللَّهَ في أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ في آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: أنْتَ خَلِيلُ اللَّهِ، فَنَزَلَ هَذا الوَصْفُ. وأقُولُ: فِيهِ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ إذا كانَ مُضِيئًا مُشْرِقًا عُلْوِيًّا قَلِيلَ التَّعَلُّقِ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ والأحْوالِ الجَسَدانِيَّةِ، ثُمَّ انْضافَ إلى مَثَلِ هَذا الجَوْهَرِ المُقَدَّسِ الشَّرِيفِ أعْمالٌ تَزِيدُهُ صِقالَةً عَنِ الكُدُوراتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأفْكارٌ تَزِيدُهُ اسْتِنارَةً بِالمَعارِفِ القُدْسِيَّةِ

صفحة ٤٨

والجَلايا الإلَهِيَّةِ، صارَ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ مُتَوَغِّلًا في عالَمِ القُدُسِ والطَّهارَةِ، مُتَبَرِّئًا عَنْ عَلائِقِ الجِسْمِ والحِسِّ، ثُمَّ لا يَزالُ هَذا الإنْسانُ يَتَزايَدُ في هَذِهِ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لا يَرى إلّا اللَّهَ، ولا يَسْمَعُ إلّا اللَّهَ، ولا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَمْشِي إلّا بِاللَّهِ، فَكَأنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ قَدْ سَرى في جَمِيعِ قُواهُ الجُسْمانِيَّةِ، وتَخَلَّلَ فِيها وغاصَ في جَواهِرِها، وتَوَغَّلَ في ماهِيّاتِها، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ هو المَوْصُوفُ حَقًّا بِأنَّهُ خَلِيلٌ، لِما أنَّهُ تَخَلَّلَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ في جَمِيعِ قُواهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ «بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعائِهِ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وفي عَصَبِي نُورًا“» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ النَّصارى: لَمّا جازَ إطْلاقُ اسْمِ الخَلِيلِ عَلى إنْسانٍ مُعَيَّنٍ عَلى سَبِيلِ الإعْزازِ والتَّشْرِيفِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ الِابْنِ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإعْزازِ والتَّشْرِيفِ ؟ .

وجَوابُهُ: أنَّ الفَرْقَ أنَّ كَوْنَهُ خَلِيلًا عِبارَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ، أمّا الِابْنُ فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِالجِنْسِيَّةِ، وجَلَّ الإلَهُ عَنْ مُجانَسَةِ المُمْكِناتِ ومُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ.

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا لِاحْتِياجِهِ إلَيْهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، كَما تَكُونُ خُلَّةُ الآدَمِيِّينَ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ ولَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى البَشَرِ الضَّعِيفِ ؟ وإنَّما اتَّخَذَهُ خَلِيلًا بِمَحْضِ الفَضْلِ والإحْسانِ والكَرَمِ؛ ولِأنَّهُ لَمّا كانَ مُخْلِصًا في العُبُودِيَّةِ لا جَرَمَ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ، والحاصِلُ أنَّ كَوْنَهُ خَلِيلًا يُوهِمُ الجِنْسِيَّةَ، فَهو سُبْحانُهُ أزالَ وهْمَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ بِهَذا الكَلامِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فَبَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ إلَهُ المُحْدَثاتِ ومُوجِدُ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَلِكًا مُطاعًا، فَوَجَبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَخْضَعَ لِتَكالِيفِهِ، وأنْ يَنْقادَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ ولا يُمْكِنُ الوَفاءُ بِهِما إلّا عِنْدَ حُصُولِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: القُدْرَةُ التّامَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ.

والثّانِي: العِلْمُ التّامُّ المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ حَتّى لا يُشْتَبَهَ عَلَيْهِ المُطِيعُ والعاصِي والمُحْسِنُ والمُسِيءُ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وعَلى كَمالِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ خَلِيلُهُ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ هَذِهِ الخُلَّةِ عَبْدٌ لَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ويَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] . ومَجْرى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٧٢] . يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ كَمالِهِمْ في صِفَةِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ في صِفَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، لَمّا لَمْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ مَعَ ضَعْفِ بَشَرِيَّتِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ ؟ ! كَذا هَهُنا، يَعْنِي: إذا كانَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكَهُ في تَسْخِيرِهِ ونَفاذِ إلَهِيَّتِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اتِّخاذَ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيلًا يُخْرِجُهُ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ ؟ ! وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها حَسَنَةٌ مُتَناسِبَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . ولَمْ يَقُلْ: ”مَن“؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجِنْسِ، والَّذِي يَعْقِلُ إذا ذُكِّرَ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ ذُكِّرَ بِـ ”ما“ .

صفحة ٤٩

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ الإحاطَةُ في العِلْمِ.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ الإحاطَةُ بِالقُدْرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفَتْحِ: ٢١] . قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لا يُفِيدُ ظاهِرُهُ إلّا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا مالِكًا لِكُلِّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ولا يُفِيدُ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى ما يَكُونُ خارِجًا عَنْهُما ومُغايِرًا لَهُما، فَلَمّا قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ خارِجًا عَنْ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِ، عَلى أنَّ سِلْسِلَةَ القَضاءِ والقَدَرِ في جَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ إنَّما تَنْقَطِعُ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أحْسَنُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الإلَهِيَّةَ والوَفاءَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ إنَّما يَحْصُلُ ويَكْمُلُ بِمَجْمُوعِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِهِما مَعًا، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ القُدْرَةِ عَلى ذِكْرِ العِلْمِ؛ لِما ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ: هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، ثُمَّ بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ قادِرًا يُعْلَمُ كَوْنُهُ عالِمًا، لِما أنَّ الفِعْلَ بِحُدُوثِهِ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ، وبِما فِيهِ مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي.

4:127Page 98

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧

And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في تَرْتِيبِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ وقَعَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وهو أنَّهُ يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ آياتٍ كَثِيرَةً في الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ويَخْلِطُ بِها آياتٍ دالَّةً عَلى كِبْرِياءِ اللَّهِ وجَلالِ قُدْرَتِهِ وعَظَمَةِ إلَهِيَّتِهِ. ثُمَّ يَعُودُ مَرَّةً أُخْرى إلى بَيانِ الأحْكامِ، وهَذا أحْسَنُ أنْواعِ التَّرْتِيبِ وأقْرَبُها إلى التَّأْثِيرِ في القُلُوبِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ لا يَقَعُ في مَوْقِعِ القَبُولِ إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ لا يُؤَثِّرُ في القَلْبِ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِغايَةِ كَمالِ مَن صَدَرَ عَنْهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ؛ فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ أحْسَنُ التَّرْتِيباتِ اللّائِقَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، ثُمَّ أتْبَعَها بِشَرْحِ أحْوالِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتَقْصى في ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ تِلْكَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَةِ جَلالِ اللَّهِ وكَمالِ كِبْرِيائِهِ، ثُمَّ عادَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى بَيانِ الأحْكامِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٥٠

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الِاسْتِفْتاءُ طَلَبُ الفَتْوى يُقالُ: اسْتَفْتَيْتُ الرَّجُلَ في المَسْألَةِ فَأفْتانِي إفْتاءًا وفُتْيًا وفَتْوًى، وهُما اسْمانِ مَوْضُوعانِ مَوْضِعَ الإفْتاءِ، ويُقالُ: أفْتَيْتُ فُلانًا في رُؤْيا رَآها إذا عَبَرَها قالَ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٦] . ومَعْنى الإفْتاءِ إظْهارُ المُشْكِلِ، وأصْلُهُ مِنَ الفَتى، وهو الشّابُّ الَّذِي قَوِيَ وكَمُلَ، فالمَعْنى: كَأنَّهُ يَقْوى بِبَيانِهِ ما أُشْكِلَ، ويَصِيرُ قَوِيًّا فَتِيًّا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِّساءَ والصِّبْيانَ شَيْئًا مِنَ المِيراثِ، كَما ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في تَوْرِيثِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَوْفِيَةِ الصَّداقِ لَهُنَّ، وكانَتِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَإذا كانَتْ جَمِيلَةً ولَها مالٌ تَزَوَّجَ بِها وأكَلَ مالَها، وإذا كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها مِنَ الأزْواجِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ لا يَقَعُ عَنْ ذَواتِ النِّساءِ وإنَّما يَقَعُ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِنَّ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِمْ، وتِلْكَ الحالَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، فَكانَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ دالَّةٍ عَلى الأمْرِ الَّذِي وقَعَ عَنْهُ الِاسْتِفْتاءُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والتَّقْدِيرُ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في النِّساءِ، والمَتْلُوُّ في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ أيْضًا، وذَلِكَ المَتْلُوُّ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النِّساءِ: ٣] .

وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِن أحْوالِ النِّساءِ، فَما كانَ مِنها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِيهِمْ فِيها، وما كانَ مِنها مُبَيَّنَ الحُكْمِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ المَتْلُوَّةَ تُفْتِيهِمْ فِيها، وجَعَلَ دَلالَةَ الكِتابِ عَلى هَذا الحُكْمِ إفْتاءً مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في المَجازِ المَشْهُورِ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَنا هَذا الحُكْمَ، وكَما جازَ هَذا جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ كِتابَ اللَّهِ أفْتى بِكَذا.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿فِي الكِتابِ﴾ خَبَرُهُ، وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ بِالكِتابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمُ حالِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تُتْلى عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَدْلَ والإنْصافَ في حُقُوقِ اليَتامى مِن عَظائِمِ الأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها، والمُخِلُّ بِها ظالِمٌ مُتَهاوِنٌ بِما عَظَّمَهُ اللَّهُ. ونَظِيرُهُ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤] .

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، والقَسَمُ أيْضًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: (فِيهِنَّ) والمَعْنى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وفِيما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ جِدًّا نَظَرًا إلى اللَّفْظِ والمَعْنى؛ أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي عَطْفَ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، كَما شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النِّساءِ: ١] . وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ هَذا القَوْلَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى في تِلْكَ المَسائِلِ أفْتى، ويُفْتِي أيْضًا فِيما يُتْلى مِنَ الكِتابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُفْتِي فِيما سَألُوا مِنَ المَسائِلِ: بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ ؟ .

صفحة ٥١

قُلْنا: هو في الوَجْهِ الأوَّلِ صِلَةُ ”يُتْلى“ أيْ: يُتْلى عَلَيْكم في مَعْناهُنَّ، وأمّا في سائِرِ الوُجُوهِ فَبَدَلٌ مِن ”فِيهِنَّ“ .

السُّؤالُ الثّانِي: الإضافَةُ في ﴿يَتامى النِّساءِ﴾ ما هي ؟ .

الجَوابُ: قالَ الكُوفِيُّونَ: مَعْناهُ في النِّساءِ اليَتامى، فَأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إلى الِاسْمِ، كَما تَقُولُ: يَوْمُ الجُمُعَةِ، وحَقُّ اليَقِينِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: إضافَةُ الصِّفَةِ إلى الِاسْمِ غَيْرُ جائِزٍ، فَلا يُقالُ: مَرَرْتُ بِطالِعَةِ الشَّمْسِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ شَيْءٌ واحِدٌ، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مُحالٌ، وهَذا التَّعْلِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ قَدْ يَبْقى بِدُونِ الوَصْفِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ غَيْرُ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّ البَصْرِيِّينَ فَرَّعُوا عَلى هَذا القَوْلِ، وقالُوا: النِّساءُ في الآيَةِ غَيْرُ اليَتامى، والمُرادُ بِالنِّساءِ أُمَّهاتُ اليَتامى أُضِيفَتْ إلَيْهِنَّ أوْلادُهُنَّ اليَتامى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُمِّ كُحَّةَ، وكانَتْ لَها يَتامى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مِيراثِ اليَتامى والصِّغارِ، وعَلى قَوْلِ الباقِينَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الصَّداقُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ والنَّفْرَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الرَّغْبَةِ كانَ المَعْنى: وتَرْغَبُونَ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى النَّفْرَةِ كانَ المَعْنى: وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِدَمامَتِهِنَّ. واحْتَجَّ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الأبِ والجَدِّ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ، ولا حُجَّةَ لَهم فِيها لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا بَلَغْنَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: «أنَّ قُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ بِنْتَ أخِيهِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَخَطَبَها المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، ورَغَّبَ أُمَّها في المالِ، فَجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ قُدامَةُ: أنا عَمُّها ووَصِيُّ أبِيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّها صَغِيرَةٌ وإنَّها لا تُزَوَّجُ إلّا بِإذْنِها، وفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ ابْنِ عُمَرَ»؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن ذِكْرِ رَغْبَةِ الأوْلِياءِ في نِكاحِ اليَتِيمَةِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الجَوازِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ وهو مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى يَتامى النِّساءِ؛ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ ولا النِّساءَ، وإنَّما يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ الَّذِينَ بَلَغُوا إلى القِيامِ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ دُونَ الأطْفالِ والنِّساءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ وهو مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ يُفْتِيكم في يَتامى النِّساءِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ وفي أنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يُجازِيكم عَلَيْهِ ولا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ مِنهُ شَيْءٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском