Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:128–134
4:128Page 99
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨
And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
صفحة ٥٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِهِ في النِّساءِ مِمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحُجُراتِ: ٩]، وهَهُنا ارْتَفَعَ: (امْرَأةٌ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ: ﴿خافَتْ﴾، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الآياتِ الَّتِي تَلَوْناها، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: خافَتْ أيْ عَلِمَتْ، وقالَ آخَرُونَ: ظَنَّتْ، وكُلُّ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، بَلِ المُرادُ نَفْسُ الخَوْفِ، إلّا أنَّ الخَوْفَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ظُهُورِ الأماراتِ الدّالَّةِ عَلى وُقُوعِ الخَوْفِ، وتِلْكَ الأماراتُ هَهُنا أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنَّكِ دَمِيمَةٌ، أوْ شَيْخَةٌ، وإنِّي أُرِيدُ أنْ أتَزَوَّجَ شابَّةً جَمِيلَةً، والبَعْلُ هو الزَّوْجُ، والأصْلُ في البَعْلِ: هو السَّيِّدُ، ثُمَّ سُمِّيَ الزَّوْجُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ كالسَّيِّدِ لِلزَّوْجَةِ؛ ويُجْمَعُ البَعْلُ عَلى: بُعُولَةٍ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٨] . والنُّشُوزُ يَكُونُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، وهو كَراهَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ النَّشَزِ: وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، ونُشُوزُ الرَّجُلِ في حَقِّ المَرْأةِ أنْ يُعْرِضَ عَنْها، ويَعْبِسَ وجْهُهُ في وجْهِها، ويَتْرُكَ مُجامَعَتَها ويُسِيءَ عِشْرَتَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ابْنِ أبِي السّائِبِ، كانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ولَهُ مِنها أوْلادٌ، وكانَتْ شَيْخَةً، فَهَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، ودَعْنِي أشْتَغِلْ بِمَصالِحِ أوْلادِي، واقْسِمْ في كُلِّ شَهْرٍ لَيالِيَ قَلِيلَةً، فَقالَ الزَّوْجُ: إنْ كانَ الأمْرُ فَهو أصْلَحُ لِي.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ «سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، أرادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُطَلِّقَها، فالتَمَسَتْ أنْ يُمْسِكَها ويَجْعَلَ نَوْبَتَها لِعائِشَةَ، فَأجازَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ ولَمْ يُطَلِّقْها» .
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، ويُرِيدُ الرَّجُلُ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها غَيْرَها، فَتَقُولُ: أمْسِكْنِي وتَزَوَّجْ بِغَيْرِي، وأنْتَ في حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ والقَسْمِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ المُرادُ بِالنُّشُوزِ: إظْهارُ الخُشُونَةِ في القَوْلِ، أوِ الفِعْلِ أوْ فِيهِما، والمُرادُ مِنَ الإعْراضِ: السُّكُوتُ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والمُداعاةِ، والإيذاءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الإعْراضِ يَدُلُّ دَلالَةً قَوِيَّةً عَلى النَّفْرَةِ والكَراهَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿يُصْلِحا﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ وحَذْفِ الألِفِ مِنَ الإصْلاحِ، والباقُونَ: (يَصّالَحا) بِفَتْحِ الياءِ والصّادِ، والألِفِ بَيْنَ الصّادِ واللّامِ، وتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصالُحِ، ويَصّالَحا في الأصْلِ هو يَتَصالَحا، فَسَكَنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا ادّارَكُوا فِيها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] . أصْلُهُ: تَدارَكُوا سَكَنَتِ التّاءُ، وأُبْدِلَتْ بِالدّالِ؛ لِقُرْبِ المَخْرَجِ وأُدْغِمَتْ في الدّالِ، ثُمَّ اجْتُلِبَتِ الهَمْزَةُ لِلِابْتِداءِ بِها فَصارَ ادّارَكُوا.
صفحة ٥٣
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن قَرَأ: ﴿يُصْلِحا﴾ فَوَجْهُهُ أنَّ الإصْلاحَ عِنْدَ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ مُسْتَعْمَلٌ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٢]، وقالَ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النِّساءِ: ١١٤]، ومَن قَرَأ: يَصّالَحا وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ قالَ: أنْ يَصّالَحا مَعْناهُ يَتَوافَقا، وهو ألْيَقُ بِهَذا المَوْضِعِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ صالَحا، وانْتَصَبَ صُلْحًا في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى المَصْدَرِ وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: تَصالَحا، ولَكِنَّهُ ورَدَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المُزَّمِّلِ: ٨]، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الصُّلْحُ إنَّما يَحْصُلُ في شَيْءٍ يَكُونُ حَقًّا لَهُ، وحَقُّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ؛ إمّا المَهْرُ أوِ النَّفَقَةُ أوِ القَسْمُ، فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي تَقْدِرُ المَرْأةُ عَلى طَلَبِها مِنَ الزَّوْجِ شاءَ أمْ أبى، أمّا الوَطْءُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ لا يُجْبَرُ عَلى الوَطْءِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الصُّلْحُ عِبارَةٌ عَمّا إذا بَذَلَتِ المَرْأةُ كُلَّ الصَّداقِ أوْ بَعْضَهُ لِلزَّوْجِ، أوْ أسْقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَةَ النَّفَقَةِ، أوْ أسْقَطَتْ عَنْهُ القَسْمَ، وكانَ غَرَضُها مِن ذَلِكَ أنْ لا يُطَلِّقَها زَوْجُها، فَإذا وقَعَتِ المُصالَحَةُ عَلى ذَلِكَ كانَ جائِزًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الصُّلْحُ مُفْرَدٌ دَخَلَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، والمُفْرَدُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ أمْ لا ؟ والَّذِي نَصَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ لا يُفِيدُهُ، وذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ فِيهِ.
وأمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ فَهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّهُ إذا حَصَلَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ فَحَمْلُهُ عَلى العُمُومِ أوْلى أمْ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ ؟ الأصَحُّ أنَّ حَمْلَهُ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّما حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ ضَرُورَةَ أنّا لَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لَصارَ مُجْمَلًا ويَخْرُجُ عَنِ الإفادَةِ، فَإذا حَصَلَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْدَفَعَ هَذا المَحْذُورُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عَلى الِاسْتِغْراقِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ، يَعْنِي: الصُّلْحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ، والأوَّلُونَ تَمَسَّكُوا بِهِ في مَسْألَةِ أنَّ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ جائِزٌ كَما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا أنَّ حَمْلَ هَذا اللَّفْظِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى، فانْدَفَعَ اسْتِدْلالُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ إلّا أنَّهُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَطْلُوبِ فَحَصَلَ المَقْصُودُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ﴾ يُوهِمُ أنَّهُ رُخْصَةٌ، والغايَةُ فِيهِ ارْتِفاعُ الإثْمِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الصُّلْحَ كَما أنَّهُ لا جُناحَ فِيهِ ولا إثْمَ فَكَذَلِكَ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ ومَنفَعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإنَّهُما إذا تَصالَحا عَلى شَيْءٍ فَذاكَ خَيْرٌ مِن أنْ يَتَفَرَّقا أوْ يُقِيما عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الشُّحَّ هو البُخْلُ، والمُرادُ أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ
صفحة ٥٤
كالأمْرِ المُجاوِرِ لِلنُّفُوسِ اللّازِمِ لَها، يَعْنِي: أنَّ النُّفُوسَ مَطْبُوعَةٌ عَلى الشُّحِّ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ المَرْأةَ تَشِحُّ بِبَذْلِ نَصِيبِها وحَقِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الزَّوْجَ يَشِحُّ بِأنْ يَقْضِيَ عُمُرَهُ مَعَها مَعَ دَمامَةِ وجْهِها وكِبَرِ سِنِّها، وعَدَمِ حُصُولِ اللَّذَّةِ بِمُجانَسَتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَحْسُنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الأزْواجِ، يَعْنِي: وإنْ تُحْسِنُوا بِالإقامَةِ عَلى نِسائِكم وإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وتَيَقَّنْتُمُ النُّشُوزَ والإعْراضَ، وما يُؤَدِّي إلى الأذى والخُصُومَةِ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى خَبِيرًا، وهو يُثِيبُكم عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلزَّوْجِ والمَرْأةِ، يَعْنِي: وإنْ يُحْسِنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما إلى صاحِبِهِ ويَحْتَرِزْ عَنِ الظُّلْمِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِغَيْرِهِما، يَعْنِي: إنْ تُحْسِنُوا في المُصالَحَةِ بَيْنَهُما، وتَتَّقُوا المَيْلَ إلى واحِدٍ مِنهُما.
وحَكى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ عِمْرانَ بْنَ حِطّانَ الخارِجِيَّ كانَ مِن أدَمِّ بَنِي آدَمَ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِمْ، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ يَوْمًا، ثُمَّ قالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ ما لَكِ ؟ فَقالَتْ: حَمِدْتُ اللَّهَ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّكَ رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرْتُ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ عِبادَهُ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ.
4:129–131Page 99
وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩
And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠
But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: لَنْ تَقْدِرُوا عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ في مَيْلِ الطِّباعِ، وإذا لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ تَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ ولا جائِزِ الوُقُوعِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشْكالَ لازِمٌ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ وفي الدَّواعِي.
الثّانِي: لا تَسْتَطِيعُونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ في الأقْوالِ والأفْعالِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في الحُبِّ يُوجِبُ التَّفاوُتَ في نَتائِجِ الحُبِّ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي، ومَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ والمَعْنى: أنَّكم لَسْتُمْ مَنهِيِّينَ عَنْ حُصُولِ التَّفاوُتِ في المَيْلِ القَلْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِكم، ولَكِنَّكم مَنهِيُّونَ عَنْ إظْهارِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ في القَوْلِ والفِعْلِ. رَوى الشّافِعِيُّ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ، ويَقُولُ: ”هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ وأنْتَ أعْلَمُ بِما لا أمْلِكُ“» .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ يَعْنِي: تَبْقى لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، كَما أنَّ الشَّيْءَ المُعَلَّقَ لا يَكُونُ عَلى الأرْضِ ولا عَلى السَّماءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ، وفي الحَدِيثِ: «”مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ“» .
«ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعَثَ إلى أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ فَقالَتْ عائِشَةُ: إلى كُلِّ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عُمَرُ بِمِثْلِ هَذا ؟ فَقالُوا: لا، بَعَثَ إلى القُرَشِيّاتِ بِمِثْلِ هَذا، وإلى غَيْرِهِنَّ بِغَيْرِهِ، فَقالَتْ لِلرَّسُولِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْدِلُ بَيْنَنا قِي القِسْمَةِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ فَأتَمَّ لَهُنَّ جَمِيعًا» .
صفحة ٥٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ بِالعَدْلِ في القَسْمِ (وتَتَّقُوا) الجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ ما حَصَلَ في القَلْبِ مِنَ المَيْلِ إلى بَعْضِهِنَّ دُونَ البَعْضِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وإنْ تُصْلِحُوا ما مَضى مِن مَيْلِكم وتَتَدارَكُوهُ بِالتَّوْبَةِ، وتَتَّقُوا في المُسْتَقْبَلِ عَنْ مِثْلِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكم ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في المَيْلِ القَلْبِيِّ لَمّا كانَ خارِجًا عَنِ الوُسْعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حاجَةٌ إلى المَغْفِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوازَ الصُّلْحِ إنْ أرادا ذَلِكَ، فَإنْ رَغِبا في المُفارَقَةِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ جَوازَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ووَعَدَ لَهُما أنْ يُغْنِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ بَعْدَ الطَّلاقِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِزَوْجٍ خَيْرٍ مِن زَوْجِهِ الأوَّلِ، ويَعِيشُ أهْنَأ مِن عَيْشِهِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِأنَّهُ يُغْنِيهِ مِن سَعَتِهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، وإنَّما جازَ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى واسِعُ الرِّزْقِ، واسِعُ الفَضْلِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ القُدْرَةِ، واسِعُ العِلْمِ، فَلَوْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ واسِعٌ في كَذا لاخْتَصَّ ذَلِكَ بِذَلِكَ المَذْكُورِ، ولَكِنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الواسِعَ وما أضافَهُ إلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ دَلَّ عَلى أنَّهُ واسِعٌ في جَمِيعِ الكَمالاتِ، وتَحْقِيقُهُ في العَقْلِ أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ فَإنَّما يُوجَدُ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، فَلَزِمَ مِن هَذا كَوْنُهُ واسِعَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، والرَّحْمَةِ، والفَضْلِ والجُودِ، والكَرَمِ. وقَوْلُهُ: (حَكِيمًا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ ووَعَظَ وقالَ الكَلْبِيُّ: يُرِيدُ فِيما حَكَمَ عَلى الزَّوْجِ مِن إمْساكِها بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ.
4:132–134Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣
If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤
Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .
صفحة ٥٦
وفِي تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُغْنِي كُلًّا مِن سَعَتِهِ، وأنَّهُ واسِعٌ أشارَ إلى ما هو كالتَّفْسِيرِ؛ لِكَوْنِهِ واسِعًا، فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واسِعَ القُدْرَةِ والعِلْمِ والجُودِ والفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ إلى اليَتامى والمَساكِينِ بَيَّنَ أنَّهُ ما أمَرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِاحْتِياجِهِ إلى أعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّ مالِكَ السَّماواتِ والأرْضِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى عَمَلِ الإنْسانِ، مَعَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والقُصُورِ، بَلْ إنَّما أمَرَ بِها رِعايَةً لِما هو الأحْسَنُ لَهم في دُنْياهم وأُخْراهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ شَرِيعَةٌ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ لَمْ يَلْحَقْها نَسْخٌ ولا تَبْدِيلٌ، بَلْ هو وصِيَّةُ اللَّهِ في الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا، يَعْنِي: ولَقَدْ وصَّيْنا مَن قَبْلَكُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُوتُوا، يَعْنِي: الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وصَّيْناهم بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ: (وإيّاكم) بِالعَطْفِ عَلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والكِتابُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يَتَناوَلُ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ، والمُرادُ اليَهُودُ والنَّصارى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِكَ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ أوْصَيْتُكَ أنِ افْعَلْ كَذا، وأنْ تَفْعَلَ كَذا، ويُقالُ: ألَمْ آمُرْكَ أنِ ائْتِ زَيْدًا، وأنْ تَأْتِيَ زَيْدًا، قالَ تَعالى: ﴿أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنْعامِ: ١٤] وقالَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النَّمْلِ: ٩١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ والمَعْنى: أمَرْناهم وأمَرْناكم بِالتَّقْوى، وقُلْنا لَهم ولَكم: إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خالِقُهم ومالِكُهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِأصْنافِ النِّعَمِ كُلِّها، فَحَقُّ كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، يَرْجُو ثَوابَهُ ويَخافُ عِقابَهُ.
والثّانِي: أنَّكم إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في سَماواتِهِ وما في أرْضِهِ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ مَن يَعْبُدُهُ ويَتَّقِيهِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِمْ وعَنْ عِبادَتِهِمْ، ومُسْتَحِقًّا لِأنْ يُحْمَدَ؛ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ مِنهم فَهو في ذاتِهِ مَحْمُودٌ، سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ؟ .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِتَقْرِيرِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ:
فَأوَّلُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾، والمُرادُ مِنهُ: كَوْنُهُ تَعالى جَوادًا مُتَفَضِّلًا، فَذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ والغَرَضُ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ واسِعَ الجُودِ والكَرَمِ.
وثانِيها: قالَ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، والمُرادُ مِنهُ: أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طاعاتِ المُطِيعِينَ وعَنْ ذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، فَلا يَزْدادُ جَلالُهُ بِالطّاعاتِ، ولا يَنْقُصُ بِالمَعاصِي والسَّيِّئاتِ، فَذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
صفحة ٥٧
والغَرَضُ مِنهُ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ غَنِيًّا لِذاتِهِ عَنِ الكُلِّ.
وثالِثُها: قالَ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ، فَإنْ عَصَيْتُمُوهُ فَهو قادِرٌ عَلى إعْدامِكم وإفْنائِكم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى أنْ يُوجِدَ قَوْمًا آخَرِينَ يَشْتَغِلُونَ بِعُبُودِيَّتِهِ وتَعْظِيمِهِ، فالغَرَضُ هَهُنا تَقْدِيرُ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، وإذا كانَ الدَّلِيلُ الواحِدُ دَلِيلًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ فَإنَّهُ يَحْسُنُ ذِكْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أحَدِ تِلْكَ المَدْلُولاتِ، ثُمَّ يَذْكُرُهُ مَرَّةً أُخْرى لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى الثّانِي، ثُمَّ يَذْكُرُهُ ثالِثًا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى المَدْلُولِ الثّالِثِ.
وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يَخْطُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجْلى، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.
وأيْضًا فَإذا أعَدْتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفَرَّعْتَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَرَّةٍ إثْباتَ صِفَةٍ أُخْرى مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ تَنَبَّهَ الذِّهْنُ حِينَئِذٍ؛ لِكَوْنِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ دالًّا عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ، ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجْتَهِدُ الإنْسانُ في التَّفَكُّرِ فِيها، والِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِها وصِفاتِها عَلى صِفاتِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ الكُلِّيُّ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ صَرْفَ العُقُولِ والأفْهامِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ، لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، فَإنَّ قُدْرَتَهُ عَلى الأشْياءِ لَوْ كانَتْ حادِثَةً لافْتَقَرَ حُدُوثُ تِلْكَ القُدْرَةِ إلى قُدْرَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِجِهادِهِمُ الغَنِيمَةَ فَقَطْ مُخْطِئُونَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلِمَ اكْتَفى بِطَلَبِ ثَوابِ الدُّنْيا مَعَ أنَّهُ كانَ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَوابِ الآخِرَةِ، ولَوْ كانَ عاقِلًا لَطَلَبَ ثَوابَ الآخِرَةِ حَتّى يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ ويَحْصُلَ لَهُ ثَوابُ الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ ؟ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ دَخَلَ الفاءُ في جَوابِ الشَّرْطِ، وعِنْدَهُ تَعالى ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ سَواءٌ حَصَلَتْ هَذِهِ الإرادَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ ؟ .
قُلْنا: تَقْرِيرُ الكَلامِ: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَتَعَلَّقُ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي: يَسْمَعُ كَلامَهم أنَّهم لا يَطْلُبُونَ مِنَ الجِهادِ سِوى الغَنِيمَةِ، ويَرى أنَّهم لا يَسْعَوْنَ في الجِهادِ ولا يَجْتَهِدُونَ فِيهِ إلّا عِنْدَ تَوَقُّعِ الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وهَذا كالزَّجْرِ مِنهُ تَعالى لَهم عَنْ هَذِهِ الأعْمالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences