Ar-RaziAn‑Nisa · 4:18–19

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:18–19

4:18Page 80

وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٨

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَرائِطَ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ أرْدَفَها بِشَرْحِ التَّوْبَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَقْبُولَةً، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَن حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهَدَ أهْوالَهُ فَإنَّ تَوْبَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَحْثَيْنِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَةَ مَن وصَفْنا حالَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ وهي صَرِيحَةٌ في المَطْلُوبِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] .

الثّالِثُ: قالَ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ﴾

صفحة ٧

﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١] فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَوْبَتَهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ، ولَوْ أنَّهُ أتى بِذَلِكَ الإيمانِ قَبْلَ تِلْكَ السّاعَةِ بِلَحْظَةٍ لَكانَ مَقْبُولًا.

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] .

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١٠، ١١]، فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُقْبَلُ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ.

السّادِسُ: رَوى أبُو أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»، أيْ ما لَمْ تَتَرَدَّدِ الرُّوحُ في حَلْقِهِ، وعَنْ عَطاءٍ: ولَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُواقِ النّاقَةِ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ إبْلِيسَ قالَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ: وعِزَّتِكَ لا أُفارِقُ ابْنَ آدَمَ ما دامَتْ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَقالَ: وعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ أيْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ وقُرْبِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .

البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُحَقِّقُونَ: قُرْبُ المَوْتِ لا يَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، بَلِ المانِعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ مُشاهَدَةُ الأحْوالِ الَّتِي عِنْدَها يَحْصُلُ العِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ نَفْسَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ لا يَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أحْياهم مِثْلَ قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلَ أوْلادِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم بَعْدَ ذَلِكَ الإحْياءَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ مُشاهَدَةَ المَوْتِ لا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ.

الثّانِي: أنَّ الشَّدائِدَ الَّتِي يَلْقاها مَن يَقْرُبُ مَوْتُهُ تَكُونُ مِثْلَ الشَّدائِدِ الحاصِلَةِ عِنْدَ القُولَنْجِ، ومِثْلَ الشَّدائِدِ الَّتِي تَلْقاها المَرْأةُ عِنْدَ الطَّلْقِ أوْ أزْيَدَ مِنها، فَإذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الشَّدائِدُ مانِعَةً مِن بَقاءِ التَّكْلِيفِ فَكَذا القَوْلُ في تِلْكَ الشَّدائِدِ.

الثّالِثُ: أنَّ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ إذا عَظُمَتِ الآلامُ صارَ اضْطِرارُ العَبْدِ أشَدَّ وهو تَعالى يَقُولُ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] فَتَزايُدُ الآلامِ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِقَبُولِ التَّوْبَةِ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ نَفْسَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ونَفْسَ تَزايُدِ الآلامِ والمَشاقِّ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مانِعًا مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، ونَقُولُ: المانِعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ إذا شاهَدَ أحْوالًا وأهْوالًا صارَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللَّهِ ضَرُورِيَّةً عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ تِلْكَ الأهْوالَ، ومَتى صارَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللَّهِ ضَرُورِيَّةً سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لَمّا صارَتْ مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهم وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا عِقابٌ؛ لِأنَّ تَوْبَتَهم عِنْدَ الحَشْرِ والحِسابِ وقَبْلَ دُخُولِ النّارِ، لا تَكُونُ مَقْبُولَةً.

واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثًا عَمِيقًا أُصُولِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يُشاهِدُونَ إلّا أنَّهم صارُوا أحْياءَ بَعْدَ أنْ كانُوا أمْواتًا، ويُشاهِدُونَ أيْضًا النّارَ العَظِيمَةَ وأصْنافَ الأهْوالِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يَصِيرَ العِلْمُ بِاللَّهِ ضَرُورِيًّا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِأنَّ حُصُولَ الحَياةِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً يَحْتاجُ إلى الفاعِلِ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ عِنْدَ أكْثَرِ شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: هَذا العِلْمُ ضَرُورِيٌّ لَكِنَّ العِلْمَ بِأنَّ الإحْياءَ لا يَصِحُّ مِن غَيْرِ اللَّهِ لا شَكَّ أنَّهُ نَظَرِيٌّ، وأمّا العِلْمُ بِأنَّ فاعِلَ تِلْكَ النِّيرانِ العَظِيمَةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، فَهَذا أيْضًا اسْتِدْلالِيٌّ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ ادِّعاءُ أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لِأجْلِ مُشاهَدَةِ أهْوالِها يَعْرِفُونَ اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَلِمَ قُلْتُمْ بِأنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ إذا

صفحة ٨

كانَ ضَرُورِيًّا مَنَعَ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ ؟ وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ مَعَ عِلْمِهِ الضَّرُورِيِّ بِوُجُودِ الإلَهِ المُثِيبِ المُعاقِبِ قَدْ يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ طاعَةُ العَبْدِ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ قالُوا: بِأنَّ هَذا يُوجِبُ زَوالَ التَّكْلِيفِ ؟ وأيْضًا: فَهَذا الَّذِي يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا، فَإذا صارَ ضَرُورِيًّا سَقَطَ التَّكْلِيفُ: كَلامٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَن حَصَلَ في قَلْبِهِ العِلْمُ بِاللَّهِ إنْ كانَ تَجْوِيزُ نَقِيضِهِ قائِمًا في قَلْبِهِ، فَهَذا يَكُونُ ظَنًّا لا عِلْمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَجْوِيزُ نَقِيضِهِ قائِمًا، امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ عِلْمٌ آخَرُ أقْوى مِنهُ وآكَدَ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى البَتَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ وبَيْنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي تَذْكُرُها المُعْتَزِلَةُ كَلِماتٌ ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ، وأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، فَهو بِفَضْلِهِ وعَدَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وبِعَدْلِهِ أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ في وقْتٍ آخَرَ، ولَهُ أنْ يَقْلِبَ الأمْرَ فَيَجْعَلَ المَقْبُولَ مَرْدُودًا، والمَرْدُودَ مَقْبُولًا ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِسْمَيْنِ، فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ واجِبٌ.

وقالَ في القِسْمِ الثّانِي: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَهَذا جَزْمٌ بِأنَّهُ تَعالى لا يَقْبَلُ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ فَبَقِيَ بِحُكْمِ التَّقْسِيمِ العَقْلِيِّ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثالِثٌ: وهُمُ الَّذِينَ يَجْزِمُ اللَّهُ تَعالى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، ولَمْ يَجْزِمْ بِرَدِّ تَوْبَتِهِمْ، فَلَمّا كانَ القِسْمُ الأوَّلُ: هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الَّذِينَ لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ مُشاهَدَةِ البَأْسِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ القِسْمُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ عَلى سَبِيلِ العَمْدِ، ثُمَّ يَتُوبُونَ، فَهَؤُلاءِ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم، وما أخْبَرَ عَنْهم أنَّهُ يَرُدُّ تَوْبَتَهم، بَلْ تَرَكَهم في المَشِيئَةِ، كَما أنَّهُ تَعالى تَرَكَ مَغْفِرَتَهم في المَشِيئَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن تابَ عِنْدَ حُضُورِ عَلاماتِ المَوْتِ ومُقَدِّماتِهِ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قالَ: ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ الَّذِينَ قَرُبَ مَوْتُهم، والمَعْنى أنَّهُ كَما أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ المَعاصِي لا تُقْبَلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، كَذَلِكَ الإيمانُ لا يُقْبَلُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ.

الثّانِي: المُرادُ أنَّ الكُفّارَ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَوْ تابُوا في الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَعَلَّقَتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قالُوا إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَعَطَفَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ عَلى الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى لَيْسُوا مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ الكُلِّ: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي شُمُولَ هَذا الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، فَلَوْ كانَ يَغْفِرُ لَهم مَعَ تَرْكِ التَّوْبَةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الإعْلامِ مَعْنًى.

والجَوابُ: أنّا قَدْ جَمَعْنا جُمْلَةَ العُمُوماتِ الوَعِيدِيَّةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وأجَبْنا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِها وذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ الأجْوِبَةِ، ولا حاجَةَ إلى إعادَتِها في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ العُمُوماتِ، ثُمَّ نَقُولُ: الضَّمِيرُ يَجِبُ أنْ يَعُودَ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿ولا﴾

صفحة ٩

﴿الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ عائِدًا إلى الكُفّارِ فَقَطْ ؟ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ المَوْتِ أنَّ تَوْبَتَهم غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهم عِنْدَ المَوْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، ولا شَكَّ أنَّ الكافِرَ أقْبَحُ فِعْلًا وأخَسُّ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الفاسِقِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَخُصَّهُ بِمَزِيدِ إذْلالٍ وإهانَةٍ فَجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ مُخْتَصًّا بِالكافِرِينَ، بَيانًا لِكَوْنِهِمْ مُخْتَصِّينَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِمَزِيدِ العُقُوبَةِ والإذْلالِ.

أمّا الوَجْهُ الثّانِي مِمّا عَوَّلُوا عَلَيْهِ: فَهو أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وإذا كانَ لا تَوْبَةَ حَصَلَ هُناكَ تَجْوِيزُ العِقابِ وتَجْوِيزُ المَغْفِرَةِ، وهَذا لا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَخْوِيفٍ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] عَلى أنَّ هَذا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ، والمُعْتَزِلَةُ لا يَقُولُونَ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلى الَّذِينَ يَتُوبُونَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ المَوْتِ، الكُفّارَ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لَيْسَ بِكافِرٍ، ويَبْطُلُ بِهِ قَوْلُ الخَوارِجِ: إنَّ الفاسِقَ كافِرٌ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ المُنافِقَ كافِرٌ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أعْتَدْنا: أيْ أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ نارِ جَهَنَّمَ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأنَّ العَذابَ الألِيمَ لَيْسَ إلّا نارَ جَهَنَّمَ وبَرْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ النّارِ مَخْلُوقَةً مِن هَذا الوَجْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

4:19Page 80

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ وصْفِ التَّوْبَةِ عادَ إلى أحْكامِ النِّساءِ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُؤْذُونَ النِّساءَ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإيذاءِ، ويَظْلِمُونَهُنَّ بِضُرُوبٍ مِنَ الظُّلْمِ، فاللَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْها في هَذِهِ الآياتِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ماتَ وكانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ جاءَ ابْنُهُ مِن غَيْرِها أوْ بَعْضُ أقارِبِهِ فَألْقى ثَوْبَهُ عَلى المَرْأةِ وقالَ: ورِثْتُ امْرَأتَهُ كَما ورِثْتُ مالَهُ، فَصارَ أحَقَّ بِها مِن سائِرِ النّاسِ ومِن نَفْسِها، فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ، إلّا الصَّداقَ الأوَّلَ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها مِن إنْسانٍ آخَرَ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ وأنَّ الرَّجُلَ

صفحة ١٠

لا يَرِثُ امْرَأةَ المَيِّتِ مِنهُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾ عَيْنُ النِّساءِ، وأنَّهُنَّ لا يُورَثْنَ مِنَ المَيِّتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الوِراثَةَ تَعُودُ إلى المالِ، وذَلِكَ أنَّ وارِثَ المَيِّتِ كانَ لَهُ أنْ يَمْنَعَها مِنَ الأزْواجِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مالَها، فَقالَ تَعالى: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا أمْوالَهُنَّ وهُنَّ كارِهاتٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ، وفي التَّوْبَةِ ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وفي الأحْقافِ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] كُلُّ ذَلِكَ بِالضَّمِّ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ، والباقِي بِالفَتْحِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكَرْهُ بِالفَتْحِ الإكْراهُ، وبِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، فَما أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَهو كَرْهٌ بِالفَتْحِ، وما كانَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَهو كُرْهٌ بِالضَّمِّ.

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّساءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِالعَطْفِ عَلى حَرْفِ ”أنْ“ تَقْدِيرُهُ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والثّانِي: أنَّهُ جُزِمَ بِالنَّهْيِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ، ولا تَرِثُوا ولا تَعْضُلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَضْلُ: المَنعُ، ومِنهُ الدّاءُ العُضالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُخاطَبُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ مِنهم قَدْ كانَ يَكْرَهُ زَوْجَتَهُ ويُرِيدُ مُفارَقَتَها، فَكانَ يُسِيءُ العِشْرَةَ مَعَها ويُضَيِّقُ عَلَيْها حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ نَفْسَها بِمَهْرِها، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا يَحِلُّ لَكُمُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ بِالإكْراهِ، وكَذَلِكَ لا يَحِلُّ لَكم بَعْدَ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ العَضْلُ والحَبْسُ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ. الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْوارِثِ بِأنْ يَتْرُكَ مَنعَها مِنَ التَّزَوُّجِ بِمَن شاءَتْ وأرادَتْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا يَحْبِسُونَ امْرَأةَ المَيِّتِ وغَرَضُهم أنْ تَبْذُلَ المَرْأةُ ما أخَذَتْ مِن مِيراثِ المَيِّتِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ ونَهْيٌ لَهم عَنْ عَضْلِ المَرْأةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ؛ فَإنَّهم في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُطَلِّقُونَ المَرْأةَ وكانُوا يَعْضُلُونَهُنَّ عَنِ التَّزَوُّجِ ويُضَيِّقُونَ الأمْرَ عَلَيْهِنَّ لِغَرَضِ أنْ يَأْخُذُوا مِنهُنَّ شَيْئًا.

الخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها النُّشُوزُ وشَكاسَةُ الخُلُقِ وإيذاءُ الزَّوْجِ وأهْلِهِ، والمَعْنى إلّا أنْ يَكُونَ سُوءُ العِشْرَةِ مِن جِهَتِهِنَّ فَقَدْ عُذِرْتُمْ في طَلَبِ الخُلْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إلّا أنْ يُفْحَشَ عَلَيْكم.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الزِّنا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي قِلابَةَ والسُّدِّيِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أخْذِ الأمْوالِ،

صفحة ١١

يَعْنِي لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَحْبِسَها ضِرارًا حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ إلّا إذا زَنَتْ، والقائِلُونَ بِهَذا مِنهم مَن قالَ: بَقِيَ هَذا الحُكْمُ وما نُسِخَ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ الجَلْدِ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الحَبْسِ والإمْساكِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وزَعَمَ أنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ.

الثّالِثُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لِأنَّ العَضْلَ هو الحَبْسُ فَدَخَلَ فِيهِ الحَبْسُ في البَيْتِ، فالأوْلِياءُ والأزْواجُ نُهُوا عَنْ حَبْسِهِنَّ في البُيُوتِ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحِلُّ لِلْأوْلِياءِ والأزْواجِ حَبْسُهُنَّ في البُيُوتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”مُبَيِّنَةٍ“ بِكَسْرِ الياءِ و(آياتٍ مُبَيَّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ حَيْثُ كانَ، قالَ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ”﴿مُبَيِّناتٍ﴾“ [النور: ٣٤] قَصَدَ إظْهارَها، وفي قَوْلِهِ: ”﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾“ لَمْ يَقْصِدْ إظْهارَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما، والباقُونَ بِكَسْرِ الياءِ فِيهِما، أمّا مَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَلَهُ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الفاحِشَةَ والآياتِ لا فِعْلَ لَهُما في الحَقِيقَةِ، إنَّما اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي بَيَّنَهُما.

والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ تَتَبَيَّنُ، فَإنْ يَشْهَدْ عَلَيْها أرْبَعَةٌ صارَتْ مُبَيَّنَةً، وأمّا الآياتُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَها، وأمّا مَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَوَجْهُهُ أنَّ الآياتِ إذا تَبَيَّنَتْ وظَهَرَتْ صارَتْ أسْبابًا لِلْبَيانِ وإذا صارَتْ أسْبابًا لِلْبَيانِ جازَ إسْنادُ البَيانِ إلَيْها، كَما أنَّ الأصْنامَ لَمّا كانَتْ أسْبابًا لِلضَّلالِ حَسُنَ إسْنادُ الإضْلالِ إلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ النِّساءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وكانَ القَوْمُ يُسِيئُونَ مُعاشَرَةَ النِّساءِ فَقِيلَ لَهم: وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو النَّصَفَةُ في المَبِيتِ والنَّفَقَةِ، والإجْمالُ في القَوْلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ كَرِهْتُمْ عِشْرَتَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وصُحْبَتَهُنَّ، وآثَرْتُمْ فِراقَهُنَّ ﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”فِيهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى أنَّكم إنْ كَرِهْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَعَسى أنْ يَكُونَ في صُحْبَتِهِنَّ الخَيْرُ الكَثِيرُ، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَتارَةً فَسَّرَ الخَيْرَ الكَثِيرَ بِوَلَدٍ يَحْصُلُ فَتَنْقَلِبُ الكَراهَةُ مَحَبَّةً، والنَّفْرَةُ رَغْبَةً، وتارَةً بِأنَّهُ لَمّا كَرِهَ صُحْبَتَها ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ المَكْرُوهَ طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ، وأنْفَقَ عَلَيْها وأحْسَنَ إلَيْها عَلى خِلافِ الطَّبْعِ، اسْتَحَقَّ الثَّوابَ الجَزِيلَ في العُقْبى والثَّناءَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ورَغِبْتُمْ في مُفارَقَتِهِنَّ، فَرُبَّما جَعَلَ اللَّهُ في تِلْكَ المُفارَقَةِ لَهُنَّ خَيْرًا كَثِيرًا، وذَلِكَ بِأنْ تَتَخَلَّصَ تِلْكَ المَرْأةُ مِن هَذا الزَّوْجِ وتَجِدَ زَوْجًا خَيْرًا مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَثَّ بِما ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الصُّحْبَةِ، فَكَيْفَ يُرِيدُ بِذَلِكَ المُفارَقَةَ ؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском