Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:20–21
4:20Page 81
وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠
But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?
النَّوْعُ الرّابِعُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ.
﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾
صفحة ١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى لَمّا أذِنَ في مُضارَّةِ الزَّوْجاتِ إذا أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمَ المُضارَّةِ في غَيْرِ حالِ الفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا مالَ إلى التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ أُخْرى رَمى زَوْجَةَ نَفْسِهِ بِالفاحِشَةِ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ المَرْأةِ الَّتِي يُرِيدُها قالَ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ الآيَةَ، والقِنْطارُ المالُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُغالاةِ في المَهْرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ عَلى المِنبَرِ: ألا لا تُغالُوا في مُهُورِ نِسائِكم، فَقامَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ اللَّهُ يُعْطِينا وأنْتَ تَمْنَعُ ؟ وتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ، ورَجَعَ عَنْ كَراهَةِ المُغالاةِ.
وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى جَوازِ المُغالاةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ إيتاءِ القِنْطارِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الآلِهَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ شَرْطًا لِشَيْءٍ آخَرَ كَوْنُ ذَلِكَ الشَّرْطِ في نَفْسِهِ جائِزَ الوُقُوعِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» “، ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ جَوازُ القَتْلِ، وقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ كانَ الإلَهُ جِسْمًا لَكانَ مُحْدَثًا، وهَذا حَقٌّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ قَوْلَنا: الإلَهُ جِسْمٌ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ يَدْخُلُ فِيها ما إذا آتاها مَهْرَها وما إذا لَمْ يُؤْتِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوْقَعَ العَقْدَ عَلى ذَلِكَ الصَّداقِ في حُكْمِ اللَّهِ، فَلا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما إذا آتاها الصَّداقَ حِسًّا، وبَيْنَ ما إذا لَمْ يُؤْتِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تُقَرِّرَ المَهْرَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ الزَّوْجَ مِن أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِنَ المَهْرِ، وهَذا المَنعُ مُطْلَقٌ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ قَبْلَ الخَلْوَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ بَعْدَ الخَلْوَةِ، قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ المَسِيسِ فَقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ: المُرادُ مِنَ المَسِيسِ الخَلْوَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هو الجِماعُ، وإذا صارَ مُخْتَلَفًا فِيهِ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ المَذْكُورَةَ هَهُنا مُخْتَصَّةٌ بِما بَعْدَ الجِماعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ وإفْضاءُ بَعْضِهِمْ إلى البَعْضِ هو الجِماعُ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وسَنُقِيمُ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ سُوءَ العِشْرَةِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ الزَّوْجَةِ، فَإنْ كانَ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ كُرِهَ لَهُ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِن مَهْرِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾
صفحة ١٣
﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ النُّشُوزَ إذا كانَ مِن قِبَلِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْ أنْ يَأْخُذَ مِن مَهْرِها شَيْئًا، ثُمَّ إنْ وقَعَتِ المُخالَعَةُ مَلَكَ الزَّوْجُ بَدَلَ الخُلْعِ، كَما أنَّ البَيْعَ وقْتَ النِّداءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُفِيدُ المِلْكَ، وإذا كانَ النُّشُوزُ مِن قِبَلِ المَرْأةِ فَهَهُنا يَحِلُّ أخْذُ بَدَلِ الخُلْعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: البُهْتانُ في اللُّغَةِ الكَذِبُ الَّذِي يُواجِهُ الإنْسانُ بِهِ صاحِبَهُ عَلى جِهَةِ المُكابَرَةِ، وأصْلُهُ مِن بُهِتَ الرَّجُلُ إذا تَحَيَّرَ، فالبُهْتانُ كَذِبٌ يُحَيِّرُ الإنْسانَ لِعَظَمَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ كُلَّ باطِلٍ يُتَحَيَّرُ مِن بُطْلانِهِ ”بُهْتانًا“، ومِنهُ الحَدِيثُ: ”«إذا واجَهْتَ أخاكَ بِما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أنَّهُ لِمَ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿بُهْتانًا﴾ ؟ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: البُهْتانُ هَهُنا مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الحالِ، والمَعْنى: أتَأْخُذُونَهُ مُباهِتِينَ وآثِمِينَ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ انْتَصَبَ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا في الحَقِيقَةِ، كَقَوْلِكَ: قَعَدَ عَنِ القِتالِ جُبْنًا.
الثّالِثُ: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِبُهْتانٍ.
الرّابِعُ: فِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: تُصِيبُونَ بِهِ بُهْتانًا وإثْمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَسْمِيَةِ هَذا الأخْذِ ”بُهْتانًا“ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى فَرَضَ لَها ذَلِكَ المَهْرَ فَمَنِ اسْتَرَدَّهُ كانَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِفَرْضٍ فَيَكُونُ بُهْتانًا.
الثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ العَقْدِ تَكَفَّلَ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ المَهْرِ إلَيْها، وأنْ لا يَأْخُذَهُ مِنها، فَإذا أخَذَهُ صارَ ذَلِكَ القَوْلُ الأوَّلُ بُهْتانًا.
الثّالِثُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ كانَ مِن دَأْبِهِمْ أنَّهم إذا أرادُوا تَطْلِيقَ الزَّوْجَةِ رَمَوْها بِفاحِشَةٍ حَتّى تَخافَ وتَشْتَرِيَ نَفْسَها مِنهُ بِذَلِكَ المَهْرِ، فَلَمّا كانَ هَذا الأمْرُ واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ في الأغْلَبِ الأكْثَرِ، جُعِلَ كَأنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والظّاهِرُ مِن حالِ المُسْلِمِ أنَّهُ لا يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ، فَإذا أخَذَ مِنها شَيْئًا أشْعَرَ ذَلِكَ بِأنَّها قَدْ أتَتْ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ صَحَّ وصْفُ ذَلِكَ الأخْذِ بِأنَّهُ بُهْتانٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى إتْيانِها بِالفاحِشَةِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّ أخْذَ المالِ طَعْنٌ في ذاتِها وأخْذٌ لِمالِها، فَهو بُهْتانٌ مِن وجْهٍ وظُلْمٌ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَكانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ.
الخامِسُ: أنَّ عِقابَ البُهْتانِ والإثْمِ المُبِينِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم فَقَوْلُهُ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا﴾ مَعْناهُ أتَأْخَذُونَ عِقابَ البُهْتانِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (أتَأْخُذُونَهُ) اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ والإعْظامِ، والمَعْنى أنَّ الظّاهِرَ أنَّكم لا تَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ مَعَ ظُهُورِ قُبْحِهِ في الشَّرْعِ والعَقْلِ.
4:21Page 81
وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١
And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في عِلَّةِ هَذا المَنعِ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّ هَذا الأخْذَ يَتَضَمَّنُ نِسْبَتَها إلى الفاحِشَةِ المُبَيِّنَةِ، فَكانَ ذَلِكَ بُهْتانًا والبُهْتانُ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ. وثانِيها: أنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ لِأنَّ هَذا المالَ حَقُّها فَمَن ضَيَّقَ الأمْرَ عَلَيْها لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ وهو ظُلْمٌ، إلى أخْذِ المالِ وهو ظُلْمٌ آخَرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّوَسُّلَ
صفحة ١٤
بِظُلْمٍ إلى ظُلْمٍ آخَرَ يَكُونُ إثْمًا مُبِينًا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ أفْضى مِنَ الفَضاءِ الَّذِي هو السَّعَةُ يُقالُ: فَضا يَفْضُو فُضُوًّا وفَضاءً إذا اتَّسَعَ، قالَ اللَّيْثُ: أفْضى فُلانٌ إلى فُلانٍ، أيْ وصَلَ إلَيْهِ، وأصْلُهُ أنَّهُ صارَ في فُرْجَتِهِ وفَضائِهِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في الإفْضاءِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإفْضاءَ هَهُنا كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ الزَّوْجَ إذا طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ في نِصْفِ المَهْرِ، وإنْ خَلا بِها.
والقَوْلُ الثّانِي في الإفْضاءِ: أنْ يَخْلُوَ بِها وإنْ لَمْ يُجامِعْها، قالَ الكَلْبِيُّ: الإفْضاءُ أنْ يَكُونَ مَعَها في لِحافٍ واحِدٍ، جامَعَها أوْ لَمْ يُجامِعْها، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الفَرّاءِ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تُقَرِّرُ المَهْرَ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّيْثَ قالَ: أفْضى فُلانٌ إلى فُلانَةَ أيْ: صارَ في فُرْجَتِها وفَضائِها، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ في الحَقِيقَةِ عِنْدَ الجِماعِ، أمّا في غَيْرِ وقْتِ الجِماعِ فَهَذا غَيْرُ حاصِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ والتَّعَجُّبُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ هَذا الإفْضاءُ سَبَبًا قَوِيًّا في حُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وهو الجِماعُ لا مُجَرَّدُ الخَلْوَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإفْضاءِ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ الإفْضاءَ إلَيْها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِفِعْلٍ مِنهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، ومُجَرَّدُ الخَلْوَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ عِنْدَ الخَلْوَةِ المَحْضَةِ لَمْ يَصِلْ فِعْلٌ مِن أفْعالِ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ، فامْتَنَعَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا اضْطَجَعا في لِحافٍ واحِدٍ وتَلامَسا فَقَدْ حَصَلَ الإفْضاءُ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كافِيًا، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ.
قُلْنا: القائِلُ قائِلانِ، قائِلٌ يَقُولُ: المَهْرُ لا يَتَقَرَّرُ إلّا بِالجِماعِ، وآخَرُ: إنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ ولَيْسَ في الأُمَّةِ أحَدٌ يَقُولُ إنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِالمُلامَسَةِ والمُضاجَعَةِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ باطِلًا بِالإجْماعِ، فَلَمْ يَبْقَ في تَفْسِيرِ إفْضاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الجِماعُ، وإمّا الخَلْوَةُ، والقَوْلُ بِالخَلْوَةِ باطِلٌ لِما بَيَّنّاهُ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ بِالإفْضاءِ هو الجِماعُ.
الرّابِعُ: أنَّ المَهْرَ قَبْلَ الخَلْوَةِ ما كانَ مُتَقَرِّرًا، والشَّرْعُ قَدْ عَلَّقَ تَقَرُّرَهُ عَلى إفْضاءِ البَعْضِ إلى البَعْضِ، وقَدِ اشْتَبَهَ الأمْرُ في أنَّ المُرادَ بِهَذا الإفْضاءِ، هو الخَلْوَةُ أوِ الجِماعُ ؟ وإذا وقَعَ الشَّكُّ وجَبَ بَقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ، وهو عَدَمُ التَّقْرِيرِ، فَبِهَذِهِ الوُجُوهِ ظَهَرَ تَرْجِيحُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ، أيْ لِأيِّ وجْهٍ ولِأيِّ مَعْنًى تَفْعَلُونَ هَذا ؟ فَإنَّها بَذَلَتْ نَفْسَها لَكَ وجَعَلَتْ ذاتَها لَذَّتَكَ وتَمَتُّعَكَ، وحَصَلَتِ الأُلْفَةُ التّامَّةُ والمَوَدَّةُ الكامِلَةُ بَيْنَكُما، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَسْتَرِدَّ مِنها شَيْئًا بَذَلَهُ لَها بِطِيبَةِ نَفْسِهِ ؟ إنَّ هَذا لا يَلِيقُ البَتَّةَ بِمَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ وذَوْقٌ مُسْتَقِيمٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مانِعًا مِنَ اسْتِرْدادِ المَهْرِ: قَوْلُهُ: ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ في
صفحة ١٥
تَفْسِيرِ هَذا المِيثاقِ الغَلِيظِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ والفَرّاءُ: هو قَوْلُهم: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ المَرْأةَ عَلى ما أخَذَهُ اللَّهُ لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ، مِن إمْساكٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٍ بِإحْسانٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا ألْجَأها إلى أنْ بَذَلَتِ المَهْرَ فَما سَرَّحَها بِالإحْسانِ، بَلْ سَرَّحَها بِالإساءَةِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: المِيثاقُ الغَلِيظُ كَلِمَةُ النِّكاحِ المَعْقُودَةُ عَلى الصَّداقِ، وتِلْكَ الكَلِمَةُ كَلِمَةٌ تُسْتَحَلُّ بِها فُرُوجُ النِّساءِ، قالَ ﷺ: ”«اتَّقُّوا اللَّهَ في النِّساءِ فَإنَّكم أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» “ .
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: أخَذْنَ مِنكم بِسَبَبِ إفْضاءِ بَعْضِكم إلى بَعْضٍ مِيثاقًا غَلِيظًا، وصَفَهُ بِالغِلْظَةِ لِقُوَّتِهِ وعَظَمَتِهِ، وقالُوا: صُحْبَةُ عِشْرِينَ يَوْمًا قَرابَةٌ، فَكَيْفَ بِما يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِاتِّحادِ والِامْتِزاجِ ؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences