Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:24
4:24Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
النَّوْعُ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ:
﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ .
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإحْصانُ في اللُّغَةِ المَنعُ، وكَذَلِكَ الحَصانَةُ، يُقالُ: مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ ودِرْعٌ حَصِينَةٌ، أيْ: مانِعَةٌ صاحِبَها مِنَ الجِراحَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] مَعْناهُ لِتَمْنَعَكم وتَحْرِزَكم، والحِصْنُ المَوْضِعُ الحَصِينُ لِمَنعِهِ مَن يُرِيدُهُ بِالسُّوءِ، والحِصانُ بِالكَسْرِ الفَرَسُ الفَحْلُ، لِمَنعِهِ صاحِبَهُ مِنَ الهَلاكِ، والحَصانُ بِالفَتْحِ المَرْأةُ العَفِيفَةُ لِمَنعِها فَرْجَها مِنَ الفَسادِ، قالَ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] .
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الإحْصانِ جاءَ في القُرْآنِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] يَعْنِي الحَرائِرَ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قَذَفَ غَيْرَ حُرٍّ لَمْ يُجْلَدْ ثَمانِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] يَعْنِي الحَرائِرَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾
صفحة ٣٣
﴿مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أيِ: الحَرائِرَ.
وثانِيها: العَفافُ، وهو قَوْلُهُ ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] أيْ: أعَفَّتْهُ.
وثالِثُها: الإسْلامُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إذا أسْلَمْنَ.
ورابِعُها: كَوْنُ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ يُقالُ: امْرَأةٌ مُحْصَنَةٌ إذا كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي ذَواتِ الأزْواجِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ المُحْصَناتِ عَلى المُحَرَّماتِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الإحْصانُ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحُرِّيَّةَ والعَفافَ والإسْلامَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُزَوَّجَةَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ لَهُ تَأْثِيرٌ في كَوْنِها مُحَرَّمَةً عَلى الغَيْرِ.
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ الأرْبَعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في المَعْنى الأصْلِيِّ اللُّغَوِيِّ، وهو المَنعُ، وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الإحْصانَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ، فالحُرِّيَّةُ سَبَبٌ لِتَحْصِينِ الإنْسانِ مِن نَفاذِ حُكْمِ الغَيْرِ فِيهِ، والعِفَّةُ أيْضًا مانِعَةٌ لِلْإنْسانِ عَنِ الشُّرُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، وكَذَلِكَ الإسْلامُ مانِعٌ مِن كَثِيرٍ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، والزَّوْجُ أيْضًا مانِعٌ لِلزَّوْجَةِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، والزَّوْجَةُ مانِعَةٌ لِلزَّوْجِ مِنَ الوُقُوعِ في الزِّنا، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ حَصَّنَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» “ فَثَبَتَ أنَّ المَرْجِعَ بِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ إلى ذَلِكَ المَعْنى اللُّغَوِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”المُحْصَناتِ“ فَقَرَءُوا بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِها في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الفَتْحِ فِيها، فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ جَعَلَ الفِعْلَ لَهُنَّ يَعْنِي: أسْلَمْنَ واخْتَرْنَ العَفافَ، وتَزَوَّجْنَ وأحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ جَعَلَ الفِعْلَ لِغَيْرِهِنَّ، يَعْنِي أحْصَنَهُنَّ أزْواجُهُنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الثَّيِّبُ الذِّمِّيُّ إذا زَنى يُرْجَمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يُرْجَمُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ وذَلِكَ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ، فَوَجَبَ أنْ يَثْبُتَ إباحَةُ الدَّمِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الرَّجْمِ، أمّا قَوْلُنا: حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ، فَهَذا يَعْتَمِدُ إثْباتَ قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الزِّنا ولا شَكَّ فِيهِ.
الثّانِي: حُصُولُ الإحْصانِ وهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُحْصَنَةِ: المُزَوَّجَةُ، وهَذِهِ المَرْأةُ مُزَوَّجَةٌ فَهي مُحْصَنَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى مَعانٍ ثَلاثَةٍ» “ ومِنها قَوْلُهُ: ”«وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ» “ جَعَلَ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ عِلَّةً لِإباحَةِ الدَّمِ في حَقِّ المُسْلِمِ، والمُسْلِمُ مَحَلٌّ لِهَذا الحُكْمِ، أمّا العِلَّةُ فَهي مُجَرَّدُ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، بِدَلِيلِ أنَّ لامَ التَّعْلِيلِ إنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ. أقْصى ما في البابِ أنَّهُ حَكَمَ في حَقِّ المُسْلِمِ أنَّ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ، إلّا أنَّ كَوْنَهُ مُسْلِمًا مَحَلُّ الحُكْمِ، وخُصُوصُ مَحَلِّ الحُكْمِ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّعْدِيَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ المَحَلِّ، وإلّا لَبَطَلَ القِياسُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا العِلَّةُ فَهي ما دَخَلَ عَلَيْهِ لامُ التَّعْلِيلِ، وهي ماهِيَّةُ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ لَمّا حَصَلَتْ في حَقِّ الثَّيِّبِ الذِّمِّيِّ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في حَقِّهِ إباحَةُ الدَّمِ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُباحُ الدَّمِ، ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: إنْ شِئْنا اكْتَفَيْنا بِهَذا القَدْرِ، فَإنّا نَدَّعِي كَوْنَهُ مُباحَ الدَّمِ والخَصْمُ لا يَقُولُ بِهِ،
صفحة ٣٤
فَصارَ مَحْجُوبًا، أوْ نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ مُباحُ الدَّمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الرَّجْمِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمْ إنْ دَلَّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ مُحْصَنٌ، فَهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ .
قُلْنا: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الذِّمِّيَّ مُحْصَنٌ، وثَبَتَ بِهَذا الخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، فَنَقُولُ: إنَّهُ مُحْصَنٌ بِمَعْنى أنَّهُ ذُو زَوْجٍ، وغَيْرُ مُحْصَنٍ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، وقَوْلُهُ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، لا عَلى أنَّهُ لا يُحَدُّ عَلى الزِّنا، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِوَصْفِ الشِّرْكِ وذَلِكَ جِنايَةٌ، والمَذْكُورُ عَقِيبَ الجِنايَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، وقَوْلُنا: إنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، أمّا قَوْلُنا: لا يُحَدُّ عَلى الزِّنا، لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنها ذَواتُ الأزْواجِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ حُرِّمَتْ عَلى غَيْرِ زَوْجِها، إلّا إذا صارَتْ مِلْكًا لِإنْسانٍ، فَإنَّها تَحِلُّ لِلْمالِكِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِمِلْكِ اليَمِينِ هَهُنا مِلْكُ النِّكاحِ، والمَعْنى أنَّ ذَواتَ الأزْواجِ حَرامٌ عَلَيْكم إلّا إذا مَلَكْتُمُوهُنَّ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ بَعْدَ وُقُوعِ البَيْنُونَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ الزَّجْرُ عَنِ الزِّنا والمَنعُ مِن وطْئِهِنَّ إلّا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ إنْ كانَتِ المَرْأةُ مَمْلُوكَةً، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ حاصِلٌ في النِّكاحِ وفي المِلْكِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هَهُنا بِالمُحْصَناتِ الحَرائِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] ذَكَرَ هَهُنا المُحْصَناتِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥] كانَ المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هَهُنا ما هو المُرادُ هُناكَ، ثُمَّ المُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ هُناكَ الحَرائِرُ، فَكَذا هَهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: إلّا العَدَدَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مِلْكًا لَكم وهو الأرْبَعُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ إلّا العَدَدَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مِلْكًا لَكم وهو الأرْبَعُ.
الثّانِي: الحَرائِرُ مُحَرَّماتٌ عَلَيْكم إلّا ما أثْبَتَ اللَّهُ لَكم مِلْكًا عَلَيْهِنَّ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ الوَلِيِّ والشُّهُودِ وسائِرِ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في الشَّرِيعَةِ، فَهَذا الأوَّلُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥ - ٦ ] جَعَلَ مِلْكَ اليَمِينِ عِبارَةً عَنْ ثُبُوتِ المِلْكِ فِيها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَهُنا مُفَسَّرًا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِكَلامِ اللَّهِ أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ إذا سُبِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ وأُخْرِجَ إلى دارِ الإسْلامِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ، أمّا إذا سُبِيا مَعًا فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَهُنا تَزُولُ الزَّوْجِيَّةُ، ويَحِلُّ لِلْمالِكِ أنْ يَسْتَبْرِئَها بِوَضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَتْ حامِلًا مِن زَوْجِها، أوْ بِالحَيْضِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: لا تَزُولُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذاتِ الأزْواجِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ طَرَيانِ المِلْكِ تُرْفَعُ الحُرْمَةُ ويَحْصُلُ الحِلُّ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَوْ حَصَلَتِ الفُرْقَةُ
صفحة ٣٥
بِمُجَرَّدِ طَرَيانِ المِلْكِ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِشِراءِ الأمَةِ واتِّهابِها وإرْثِها، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: كَأنَّكَ ما سَمِعْتَ أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ في الباقِي، وأيْضًا: فالحاصِلُ عِنْدَ السَّبْيِ إحْداثُ المِلْكِ فِيها، وعِنْدَ البَيْعِ نُقِلَ المِلْكُ مِن شَخْصٍ إلى شَخْصٍ فَكانَ الأوَّلُ أقْوى، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَذْهَبُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ الأمَةَ المَنكُوحَةَ إذا بِيعَتْ لا يَقَعُ عَلَيْها الطَّلاقُ، وعَلَيْهِ إجْماعُ الفُقَهاءِ اليَوْمَ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وأنَسٌ: إنَّها إذا بِيعَتْ طُلِّقَتْ، حُجَّةُ الجُمْهُورِ: «أنَّ عائِشَةَ لَمّا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وأعْتَقَتْها خَيَّرَها النَّبِيُّ ﷺ وكانَتْ مُزَوَّجَةً»، ولَوْ وقَعَ الطَّلاقُ بِالبَيْعِ لَما كانَ لِذَلِكَ التَّخْيِيرِ فائِدَةٌ، ومِنهم مَن رَوى في قِصَّةِ بَرِيرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها» “ وحُجَّةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عُمُومُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وحاصِلُ الجَوابِ عَنْهُ يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ ذِكْرَ المُحَرَّماتِ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَدُلُّ عَلى مَعْنى الكِتابَةِ فالتَّقْدِيرُ: كُتِبَ عَلَيْكم تَحْرِيمُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُحَرَّماتِ كِتابًا مِنَ اللَّهِ، ومَجِيءُ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ كَثِيرٌ، نَظِيرُهُ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] .
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جِهَةِ الأمْرِ، ويَكُونَ ”عَلَيْكم“ مُفَسِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمُوا كِتابَ اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾“ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾“، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ والحاءِ عَطْفًا عَلى ”كِتابَ اللَّهِ“ يَعْنِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ وأحَلَّ لَكم ما وراءَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ يَقْتَضِي حِلَّ كُلِّ مَن سِوى الأصْنافِ المَذْكُورَةِ، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَحْرِيمِ أصْنافٍ أُخَرَ سِوى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ ونَحْنُ نَذْكُرُها.
الصِّنْفُ الأوَّلُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأةِ وبَيْنَ عَمَّتِها وخالَتِها، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» “ وهَذا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مُسْتَفِيضٌ، ورُبَّما قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وزَعَمَ الخَوارِجُ أنَّ هَذا خَبَرٌ واحِدٌ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ عُمُومَ الكِتابِ مَقْطُوعُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، وخَبَرُ الواحِدِ مَظْنُونُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، فَكانَ خَبَرُ الواحِدِ أضْعَفَ مِن عُمُومِ القُرْآنِ، فَتَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَقْدِيمِ الأضْعَفِ عَلى الأقْوى وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: مِن جُمْلَةِ الأحادِيثِ المَشْهُورَةِ خَبَرُ مُعاذٍ، وإنَّهُ يَمْنَعُ مِن تَقْدِيمِ خَبَرِ الواحِدِ عَلى عُمُومِ القُرْآنِ مِن وجْهَيْنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: «بِمَ تَحْكُمُ ؟ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ، قالَ: فَإنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ، فَقَدَّمَ التَّمَسُّكَ بِكِتابِ اللَّهِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن تَقْدِيمِ السُّنَّةِ عَلى الكِتابِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ، عَلَّقَ جَوازَ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ عَلى عَدَمِ الكِتابِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ وهي لِلِاشْتِراطِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنَ الأحادِيثِ المَشْهُورَةِ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا رُوِيَ لَكم عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَإنْ وافَقَهُ فاقْبَلُوهُ وإلّا فَرُدُّوهُ» “، فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنْ لا يُقْبَلَ خَبَرُ الواحِدِ إلّا عِنْدَ مُوافَقَةِ الكِتابِ، فَإذا كانَ خَبَرُ العَمَّةِ
صفحة ٣٦
والخالَةِ مُخالِفًا لِظاهِرِ الكِتابِ وجَبَ رَدُّهُ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ لا يَخْلُو الحالُ فِيهِما مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا أنْ يُقالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الخَبَرِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ ناسِخَةً لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العامَّ إذا ورَدَ بَعْدَ الخاصِّ كانَ العامُّ ناسِخًا لِلْخاصِّ، وإمّا أنْ يُقالَ: الخَبَرُ ورَدَ بَعْدَ الكِتابِ، فَهَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وإمّا أنْ يُقالَ: ورَدا مَعًا، وهَذا أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ وحْدَها مُشْتَبِهَةً، ويَكُونُ مَوْضِعُ الحُجَّةِ مَجْمُوعَ الآيَةِ مَعَ الخَبَرِ، ولا يَجُوزُ لِلرَّسُولِ المَعْصُومِ أنْ يَسْعى في تَشْهِيرِ الشُّبْهَةِ ولا يَسْعى في تَشْهِيرِ الحُجَّةِ، فَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يُسْمِعَ أحَدًا هَذِهِ الآيَةَ إلّا مَعَ هَذا الخَبَرِ، وأنْ يُوجِبَ إيجابًا ظاهِرًا عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أنْ لا يُبَلِّغُوا هَذِهِ الآيَةَ إلى أحَدٍ إلّا مَعَ هَذا الخَبَرِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ اشْتِهارُ هَذا الخَبَرِ مُساوِيًا لِاشْتِهارِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ هَذا القِسْمِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَثْبُتَ صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ قَطْعًا، إلّا أنَّ التَّمَسُّكَ بِالآيَةِ راجِحٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالخَبَرِ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْلِيلِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ، وأمّا قَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ فَلَيْسَ نَصًّا صَرِيحًا؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ إخْبارٌ، وحَمْلُ الإخْبارِ عَلى النَّهْيِ مَجازٌ، ثُمَّ بِهَذا التَّقْدِيرِ فَدَلالَةُ لَفْظِ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ لَفْظِ الإحْلالِ عَلى مَعْنى الإباحَةِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ صَرِيحٌ في تَحْلِيلِ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ، وقَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ لَيْسَ صَرِيحًا في العُمُومِ، بَلِ احْتِمالُهُ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ أظْهَرُ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَقْصى في هَذِهِ الآيَةِ شَرْحَ أصْنافِ المُحَرَّماتِ فَعَدَّ مِنها خَمْسَةَ عَشَرَ صِنْفًا، ثُمَّ بَعْدَ هَذا التَّفْصِيلِ التّامِّ والِاسْتِقْصاءِ الشَّدِيدِ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ فَلَوْ لَمْ يَثْبُتِ الحِلُّ في كُلِّ مَن سِوى هَذِهِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لَصارَ هَذا الِاسْتِقْصاءُ عَبَثًا ولَغْوًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، فَهَذا تَقْرِيرُ وُجُوهِ السُّؤالِ في هَذا البابِ.
والجَوابُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ وأبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يَقْتَضِي إثْباتَ الحِلِّ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي هو الأصَحُّ في هَذا البابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ إحْلالِ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ إحْلالَ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ وقَعَ عَلى التَّأْبِيدِ أمْ لا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّأْبِيدَ: أنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُ هَذا المَفْهُومِ إلى المُؤَبَّدِ وإلى غَيْرِ المُؤَبَّدِ، فَيُقالُ تارَةً: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أبَدًا، وأُخْرى ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ صَرِيحًا في التَّأْبِيدِ لَما كانَ هَذا التَّقْسِيمُ مُمْكِنًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إحْلالَ مَن سِوى المَذْكُوراتِ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ الإحْلالَ أعَمُّ مِنَ الإحْلالِ المُؤَبَّدِ ومِنَ الإحْلالِ المُؤَقَّتِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يُفِيدُ إلّا حِلَّ مَن عَدا المَذْكُوراتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَأمّا ثُبُوتُ حِلِّهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ فاللَّفْظُ ساكِتٌ عَنْهُ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، وقَدْ كانَ حِلُّ مَن سِوى المَذْكُوراتِ ثابِتًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وطَرَيانُ حُرْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِذَلِكَ النَّصِّ ولا نَسْخًا لَهُ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ مُقَرَّرٌ، وبِهَذا الطَّرِيقِ
صفحة ٣٧
نَقُولُ أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَيْسَ نَصًّا في تَأْبِيدِ هَذا التَّحْرِيمِ، وإنَّ ذَلِكَ التَّأْبِيدَ إنَّما عَرَفْناهُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لا مِن هَذا اللَّفْظِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ في هَذا المَوْضِعِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وبَيْنَ عَمَّتِها وخالَتِها غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وكَوْنُهُما أُخْتَيْنِ يُناسِبُ هَذِهِ الحُرْمَةَ؛ لِأنَّ الأُخْتِيَّةَ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، والقَرابَةُ القَرِيبَةُ تُناسِبُ مَزِيدَ الوُصْلَةِ والشَّفَقَةِ والكَرامَةِ، وكَوْنُ إحْداهُما ضَرَّةَ الأُخْرى يُوجِبُ الوَحْشَةَ العَظِيمَةَ والنَّفْرَةَ الشَّدِيدَةَ، وبَيْنَ الحالَتَيْنِ مُنافَرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها أُخْتًا لَها يُناسِبُ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في النِّكاحِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مَعَ الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَلى كَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القَرابَةِ القَرِيبَةِ مانِعَةً مِنَ الجَمْعِ في النِّكاحِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها، فَكانَ الحُكْمُ المَذْكُورُ في الأُخْتَيْنِ مَذْكُورًا في العَمَّةِ والخالَةِ مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، بَلْ هَهُنا أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ العَمَّةَ والخالَةَ يُشْبِهانِ الأُمَّ لِبِنْتِ الأخِ ولِبِنْتِ الأُخْتِ، وهُما يُشْبِهانِ الوَلَدَ لِلْعَمَّةِ والخالَةِ، واقْتِضاءُ مِثْلِ هَذِهِ القَرابَةِ لِتَرْكِ المُضارَّةِ أقْوى مِنِ اقْتِضاءِ قَرابَةِ الأُخْتِيَّةِ لِمَنعِ المُضارَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ مانِعًا مِنَ العَمَّةِ والخالَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى. الثّانِي: أنَّهُ نَصَّ عَلى حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِأُمَّهاتِ النِّساءِ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ ولَفْظُ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، أمّا عَلى العَمَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ مُخْبِرًا عَنْ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَأطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى إسْماعِيلَ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا، وإذا كانَ العَمُّ أبًا لَزِمَ أنْ تَكُونَ العَمَّةُ أُمًّا، وأمّا إطْلاقُ لَفْظِ الأُمِّ عَلى الخالَةِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] والمُرادُ أبُوهُ وخالَتُهُ، فَإنَّ أُمَّهُ كانَتْ مُتَوَفّاةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ مُتَناوِلًا لِلْعَمَّةِ والخالَةِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ المُرادُ ما وراءَ هَؤُلاءِ المَذْكُوراتِ سَواءٌ كُنَّ مَذْكُوراتٍ بِالقَوْلِ الصَّرِيحِ أوْ بِدَلالَةٍ جَلِيَّةٍ أوْ بِدَلالَةٍ خَفِيَّةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ العَمَّةُ والخالَةُ خارِجَةً عَنِ المَذْكُوراتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ الخَوارِجِ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ عامٌّ، وقَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» “ خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: تارَةً نَقُولُ: هَذا الخَبَرُ بَلَغَ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ المُتَواتِرِ جائِزٌ، وعِنْدِي هَذا الوَجْهُ كالمُكابَرَةِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ وإنْ كانَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ في زَمانِنا هَذا لَكِنَّهُ لَمّا انْتَهى في الأصْلِ إلى رِوايَةِ الآحادِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الآحادِ. وتارَةً نَقُولُ: تَخْصِيصُ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ، وتَقْرِيرُهُ مَذْكُورٌ في الأُصُولِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والمُعْتَمَدُ في الجَوابِ عِنْدَنا الوَجْهُ الأوَّلُ.
الصِّنْفُ الثّالِثُ مِنَ التَّخْصِيصاتِ الدّاخِلَةِ في هَذا العُمُومِ: أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا تَحِلُّ، إلّا أنَّ هَذا التَّخْصِيصَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
الصِّنْفُ الرّابِعُ: تَحْرِيمُ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾
صفحة ٣٨
[البقرة: ٢٢٨] .
الصِّنْفُ الخامِسُ: مَن كانَ في نِكاحِهِ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالأمَةِ، وهَذا بِالِاتِّفاقِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: القادِرُ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، ودَلِيلُ هَذا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وسَيَأْتِي بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ.
الصِّنْفُ السّادِسُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِالخامِسَةِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣] .
الصِّنْفُ السّابِعُ: المُلاعَنَةُ: ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» “.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ .
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ في مَحَلِّهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ”ما“ والتَّقْدِيرُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم وأُحِلَّ لَكم أنْ تَبْتَغُوا، عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (وأُحِلَّ) بِضَمِّ الألِفِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ كانَ مَحَلُّ ”أنْ تَبْتَغُوا“ نَصْبًا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنْ تَبْتَغُوا، والمَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم لِإرادَةِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أيْ: مُتَعَفِّفِينَ عَنِ الزِّنا، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ زانِينَ، وهو تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ. قالَ اللَّيْثُ: السِّفاحُ والمُسافَحَةُ الفُجُورُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِنَ السَّفْحِ وهو الصَّبُّ يُقالُ: دُمُوعٌ سَوافِحُ ومَسْفُوحَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وفُلانٌ سَفّاحٌ لِلدِّماءِ أيْ: سَفّاكٌ، وسُمِّيَ الزِّنى سِفاحًا لِأنَّهُ لا غَرَضَ لِلزّانِي إلّا سَفْحُ النُّطْفَةِ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ مَفْعُولُ تَبْتَغُوا ؟
قُلْنا: التَّقْدِيرُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم لِإرادَةِ أنْ تَبْتَغُوهُنَّ، أيْ تَبْتَغُوا ما وراءَ ذَلِكم، فَحُذِفَ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا مَهْرَ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَجُوزُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ ولا تَقْدِيرَ فِيهِ. احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَيَّدَ التَّحْلِيلَ بِقَيْدٍ، وهو الِابْتِغاءُ بِأمْوالِهِمْ، والدِّرْهَمُ والدِّرْهَمانِ لا يُسَمّى أمْوالًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ جَعْلُها مَهْرًا.
فَإنْ قِيلَ: ومَن عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَراهِمَ لا يُقالُ عِنْدَهُ أمْوالٌ، مَعَ أنَّكم تُجَوِّزُونَ كَوْنَها مَهْرًا.
قُلْنا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ العَشَرَةُ كافِيَةً، إلّا أنّا تَرَكْنا العَمَلَ بِظاهِرِ الآيَةِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِدَلالَةِ الإجْماعِ عَلى جَوازِهِ، فَتَمَسَّكَ في الأقَلِّ مِنَ العَشَرَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الِابْتِغاءَ بِالأمْوالِ جائِزٌ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى
صفحة ٣٩
أنَّ الِابْتِغاءَ بِغَيْرِ الأمْوالِ لا يَجُوزُ، إلّا عَلى سَبِيلِ المَفْهُومِ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَقْدِيرَ في المَهْرِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَيَقْتَضِي تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَتَمَكَّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنِ ابْتِغاءِ النِّكاحِ بِما يُسَمّى مالًا، والقَلِيلُ والكَثِيرُ في هَذِهِ الحَقِيقَةِ وفي هَذا الِاسْمِ سَواءٌ، فَيَلْزَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ ابْتِغاءِ النِّكاحِ بِأيِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] دَلَّتِ الآيَةُ عَلى سُقُوطِ النِّصْفِ عَنِ المَذْكُورِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ وقَعَ العَقْدُ في أوَّلِ الأمْرِ بِدِرْهَمٍ أنْ لا يَجِبَ عَلَيْهِ إلّا نِصْفُ دِرْهَمٍ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences