Ar-RaziAn‑Nisa · 4:24

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:24, continued

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الأحادِيثُ: مِنها ما رُوِيَ «أنَّ امْرَأةً جِيءَ بِها إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ تَزَوَّجَ بِها رَجُلٌ عَلى نَعْلَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”رَضِيتِ مِن نَفْسِكِ بِنَعْلَيْنِ ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَأجازَهُ النَّبِيُّ» ﷺ “، والظّاهِرُ أنَّ قِيمَةَ النَّعْلَيْنِ تَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الرَّجُلِ والمَرْأةِ اللَّذَيْنِ لا يَكُونُ تَزَوُّجُهُما إلّا عَلى النَّعْلَيْنِ يَكُونانِ في غايَةِ الفَقْرِ، ونَعْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ قَلِيلَ القِيمَةِ جِدًّا، ومِنها ما رُوِيَ عَنْجابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن أعْطى امْرَأةً في نِكاحٍ كَفَّ دَقِيقٍ أوْ سَوِيقٍ أوْ طَعامٍ فَقَدِ اسْتَحَلَّ» “، ومِنها ما رُوِيَ في قِصَّةِ الواهِبَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِمَن أرادَ التَّزَوُّجَ بِها: ”«التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» “ وذَلِكَ لا يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ تَزَوَّجَ بِها عَلى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَهْرًا ولَها مَهْرُ مِثْلِها، ثُمَّ قالَ: إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى خِدْمَتِهِ سَنَةً، فَإنْ كانَ حُرًّا فَلَها مَهْرُ مِثْلِها، وإنْ كانَ عَبْدًا فَلَها خِدْمَةُ سَنَةٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: يَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ مَهْرًا، احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الحِلِّ أنْ يَكُونَ الِابْتِغاءُ بِالمالِ، والمالُ اسْمٌ لِلْأعْيانِ لا لِلْمَنافِعِ.

الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وذَلِكَ صِفَةُ الأعْيانِ.

أجابَ الشّافِعِيُّ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْتِغاءَ بِالمالِ جائِزٌ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ الِابْتِغاءَ بِغَيْرِ المالِ جائِزٌ أمْ لا، وعَنِ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الإيتاءِ كَما يَتَناوَلُ الأعْيانَ يَتَناوَلُ المَنافِعَ المُلْتَزَمَةَ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ خَرَجَ الخِطابُ عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ، ثُمَّ احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى جَوازِ جَعْلِ المَنفَعَةِ صَداقًا بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] جَعَلَ الصَّداقَ تِلْكَ المَنافِعَ، والأصْلُ في شَرْعِ مَن تَقَدَّمَنا البَقاءُ إلى أنْ يَطْرَأ النّاسِخُ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها، لَمّا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ الَّذِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها شَيْئًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذا، قالَ: زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» “، واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٤٠

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ عِتْقَ الأمَةِ لا يَكُونُ صَداقًا لَها؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ البُضْعِ مالًا، وما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها»، فَذاكَ مِن خَواصِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم يَصِيرُونَ مُحْصِنِينَ بِسَبَبِ عَقْدِ النِّكاحِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ الإحْصانُ شَرْطًا في الإحْلالِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَبْقى الآيَةُ عامَّةً مَعْلُومَةَ المَعْنى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي تَكُونُ الآيَةُ مُجْمَلَةً؛ لِأنَّ الإحْصانَ المَذْكُورَ فِيهِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ، والمُعَلَّقُ عَلى المُجْمَلِ يَكُونُ مُجْمَلًا، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مَعْلُومًا أوْلى مِن حَمْلِها عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُجْمَلًا.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِمْتاعُ في اللُّغَةِ الِانْتِفاعُ، وكُلُّ ما انْتُفِعَ بِهِ فَهو مَتاعٌ، يُقالُ: اسْتَمْتَعَ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ، ويُقالُ فِيمَن ماتَ في زَمانِ شَبابِهِ: لَمْ يَتَمَتَّعْ بِشَبابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] يَعْنِي تَعَجَّلْتُمُ الِانْتِفاعَ بِها، وقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] يَعْنِي بِحَظِّكم ونَصِيبِكم مِنَ الدُّنْيا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنَ المَنكُوحاتِ مِن جِماعٍ أوْ عَقْدٍ عَلَيْهِنَّ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أسْقَطَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ لِعَدَمِ الِالتِباسِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَأُسْقِطَ مِنهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ بِمَعْنى النِّساءِ و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (بِهِ) راجِعٌ إلى لَفْظِ (ما) لِأنَّهُ واحِدٌ في اللَّفْظِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى مَعْنى ”ما“ لِأنَّهُ جَمْعٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهي المُهُورُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هَهُنا، وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وإنَّما سُمِّيَ المَهْرُ أجْرًا لِأنَّهُ بَدَلُ المَنافِعِ، ولَيْسَ بِبَدَلٍ مِنَ الأعْيانِ، كَما سُمِّيَ بَدَلُ مَنافِعِ الدّارِ والدّابَّةِ أجْرًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ لا تُقَرِّرُ المَهْرَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ تُقَرِّرُهُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ وُجُوبَ إيتائِهِنَّ مُهُورَهُنَّ كانَ لِأجْلِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، ولَوْ كانَتِ الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ مُقَرِّرَةً لِلْمَهْرِ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تَتَقَدَّمُ الِاسْتِمْتاعَ بِهِنَّ، فَكانَ المَهْرُ يَتَقَرَّرُ قَبْلَ الِاسْتِمْتاعِ، وتَقَرُّرُهُ قَبْلَ الِاسْتِمْتاعِ يَمْنَعُ مِن تَعَلُّقِ ذَلِكَ التَّقَرُّرِ بِالِاسْتِمْتاعِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ تَقَرُّرَ المَهْرِ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِمْتاعِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ لا تُقَرِّرُ المَهْرَ.

صفحة ٤١

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أكْثَرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ ابْتِغاءُ النِّساءِ بِالأمْوالِ عَلى طَرِيقِ النِّكاحِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَإنِ اسْتَمْتَعَ بِالدُّخُولِ بِها آتاها المَهْرَ بِالتَّمامِ، وإنِ اسْتَمْتَعَ بِعَقْدِ النِّكاحِ آتاها نِصْفَ المَهْرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ المُتْعَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِمالٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ فَيُجامِعَها، واتَّفَقُوا عَلى أنَّها كانَتْ مُباحَةً في ابْتِداءِ الإسْلامِ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ في عُمْرَتِهِ تَزَيَّنَ نِساءُ مَكَّةَ، فَشَكا أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ طُولَ العُزُوبَةِ، فَقالَ: اسْتَمْتِعُوا مِن هَذِهِ النِّساءِ»، واخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ نُسِخَتْ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ السَّوادُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ إلى أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، وقالَ السَّوادُ مِنهم: إنَّها بَقِيَتْ مُباحَةً كَما كانَتْ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ فَعَنْهُ ثَلاثُ رِواياتٍ: إحْداها: القَوْلُ بِالإباحَةِ المُطْلَقَةِ، قالَ عُمارَةُ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ: أسِفاحٌ هي أمْ نِكاحٌ ؟ قالَ: لا سِفاحٌ ولا نِكاحٌ، قُلْتُ: فَما هي ؟ قالَ: هي مُتْعَةٌ كَما قالَ تَعالى، قُلْتُ: هَلْ لَها عِدَّةٌ ؟ قالَ نَعَمْ عِدَّتُها حَيْضَةٌ، قُلْتُ: هَلْ يَتَوارَثانِ ؟ قالَ: لا.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْهُ: أنَّ النّاسَ لَمّا ذَكَرُوا الأشْعارَ في فُتْيا ابْنِ عَبّاسٍ في المُتْعَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ إنِّي ما أفْتَيْتُ بِإباحَتِها عَلى الإطْلاقِ، لَكِنِّي قُلْتُ: إنَّها تَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ كَما تَحِلُّ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ لَهُ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ أقَرَّ بِأنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً. رَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ قالَ: صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ مِن قَوْلِي في المُتْعَةِ والصَّرْفِ، وأمّا عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ فَإنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها آيَةٌ تَنْسَخُها، وأمَرَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَمَتَّعْنا بِها، وماتَ ولَمْ يَنْهَنا عَنْهُ، ثُمَّ قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ ما شاءَ» . وأمّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فالشِّيعَةُ يَرْوُونَ عَنْهُ إباحَةَ المُتْعَةِ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى النّاسَ عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ المَشْهُورُ بِمُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِابْنِ عَبّاسٍ وهو يُفْتِي بِجَوازِ المُتْعَةِ، فَقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ: إنَّهُ ﷺ نَهى عَنْها وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ»، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالرِّواياتِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى حُرْمَةِ المُتْعَةِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الوَطْءَ لا يَحِلُّ إلّا في الزَّوْجَةِ أوِ المَمْلُوكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، وهَذِهِ المَرْأةُ لا شَكَّ أنَّها لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً، ولَيْسَتْ أيْضًا زَوْجَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: لَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَحَصَلَ التَّوارُثُ بَيْنَهُما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وبِالِاتِّفاقِ لا تَوارُثَ بَيْنَهُما.

وثانِيها: ولَثَبَتَ النَّسَبُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “، وبِالِاتِّفاقِ لا يَثْبُتُ.

وثالِثُها: ولَوَجَبَتِ العِدَّةُ عَلَيْها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ كَلامٌ حَسَنٌ مُقَرَّرٌ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أنْهى عَنْهُما وأُعاقِبُ عَلَيْهِما، ذُكِرَ هَذا الكَلامُ في مَجْمَعِ الصَّحابَةِ وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ، فالحالُ هَهُنا لا يَخْلُو

صفحة ٤٢

إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِحُرْمَةِ المُتْعَةِ فَسَكَتُوا، أوْ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّها مُباحَةٌ ولَكِنَّهم سَكَتُوا عَلى سَبِيلِ المُداهَنَةِ، أوْ ما عَرَفُوا إباحَتَها ولا حُرْمَتَها فَسَكَتُوا لِكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ في ذَلِكَ، والأوَّلُ هو المَطْلُوبُ، والثّانِي يُوجِبُ تَكْفِيرَ عُمَرَ وتَكْفِيرَ الصَّحابَةِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ، ثُمَّ قالَ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ مَحْظُورَةٌ مِن غَيْرِ نَسْخٍ لَها فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ، ومَن صَدَّقَهُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا كافِرًا، كانَ كافِرًا أيْضًا، وهَذا يَقْتَضِي تَكْفِيرَ الأُمَّةِ وهو عَلى ضِدِّ قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] .

والقِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِ المُتْعَةِ مُباحَةً أوْ مَحْظُورَةً فَلِهَذا سَكَتُوا، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ المُتْعَةَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِها مُباحَةً تَكُونُ كالنِّكاحِ، واحْتِياجُ النّاسِ إلى مَعْرِفَةِ الحالِ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، ومِثْلُ هَذا يُمْنَعُ أنْ يَبْقى مَخْفِيًّا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَشْتَهِرَ العِلْمُ بِهِ، فَكَما أنَّ الكُلَّ كانُوا عارِفِينَ بِأنَّ النِّكاحَ مُباحٌ، وأنَّ إباحَتَهُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في المُتْعَةِ كَذَلِكَ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّ الصَّحابَةَ إنَّما سَكَتُوا عَنِ الإنْكارِ عَلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ المُتْعَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً في الإسْلامِ.

فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمْ يَبْطُلُ بِما أنَّهُ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ قالَ: لا أُوتى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً إلى أجَلٍ إلّا رَجَمْتُهُ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّجْمَ غَيْرُ جائِزٍ، مَعَ أنَّ الصَّحابَةَ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم كانُوا يَسْكُتُونَ عَنِ الإنْكارِ عَلى الباطِلِ.

قُلْنا: لَعَلَّهُ كانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والسِّياسَةِ، ومِثْلُ هَذِهِ السِّياساتِ جائِزَةٌ لِلْإمامِ عِنْدَ المَصْلَحَةِ، ألا تَرى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن مَنَعَ مِنّا الزَّكاةَ فَإنّا آخِذُوها مِنهُ وشَطْرَ مالِهِ» “ ثُمَّ إنَّ أخْذَ شَطْرِ المالِ مِن مانِعِ الزَّكاةِ غَيْرُ جائِزٍ، لَكِنَّهُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ عَلى أنَّ المُتْعَةَ مُحَرَّمَةٌ: ما رَوى مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِما عَنْ عَلِيٍّ: «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ وعَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ»، ورَوى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو قائِمٌ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ يَقُولُ: ”يا أيُّها النّاسُ إنِّي أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ، ألا وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَها عَلَيْكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخْلِ سَبِيلَها ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» “، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مُتْعَةُ النِّساءِ حَرامٌ» “، وهَذِهِ الأخْبارُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها الواحِدِيُّ في البَسِيطِ، وظاهِرٌ أنَّ النِّكاحَ لا يُسَمّى اسْتِمْتاعًا؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِمْتاعَ هو التَّلَذُّذُ، ومُجَرَّدُ النِّكاحِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

أمّا القائِلُونَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وفي الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:

الطَّرِيقُ الأُولى: أنْ نَقُولَ: نِكاحُ المُتْعَةِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَتَناوَلُ مَنِ ابْتَغى بِمالِهِ الِاسْتِمْتاعَ بِالمَرْأةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، ومَنِ ابْتَغى بِمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْقِيتِ، وإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ داخِلًا فِيهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَقْتَضِي حِلَّ

صفحة ٤٣

القِسْمَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حِلَّ المُتْعَةِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى بَيانِ نِكاحِ المُتْعَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كانَ يَقْرَأُ (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهَذا أيْضًا هو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأُمَّةُ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِما في هَذِهِ القِراءَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْتُمُوهُ في أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا مَنَعَ مِنَ المُتْعَةِ والصَّحابَةُ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ إجْماعًا عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا، وكَذا هَهُنا، وإذا ثَبَتَ بِالإجْماعِ صِحَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ ثَبَتَ المَطْلُوبُ.

الثّانِي: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو مُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بَإيتائِهِنَّ أُجُورَهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الِابْتِغاءِ بِالمالِ يُجَوِّزُ الوَطْءَ، ومُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَأمّا في النِّكاحِ المُطْلَقِ فَهُناكَ الحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ بِالعَقْدِ، ومَعَ الوَلِيِّ والشُّهُودِ، ومُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ لا يُفِيدُ الحِلَّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُتْعَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ أُوجِبَ إيتاءَ الأُجُورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتاعِ، والِاسْتِمْتاعُ عِبارَةٌ عَنِ التَّلَذُّذِ والِانْتِفاعِ، فَأمّا في النِّكاحِ فَإيتاءُ الأُجُورِ لا يَجِبُ عَلى الِاسْتِمْتاعِ البَتَّةَ، بَلْ عَلى النِّكاحِ، ألا تَرى أنَّ بِمُجَرَّدِ النِّكاحِ يَلْزَمُ نِصْفُ المَهْرِ ؟ فَظاهِرٌ أنَّ النِّكاحَ لا يُسَمّى اسْتِمْتاعًا، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِمْتاعَ هو التَّلَذُّذُ، ومُجَرَّدُ النِّكاحِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

الرّابِعُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى حُكْمِ النِّكاحِ لَزِمَ تَكْرارُ بَيانِ حُكْمِ النِّكاحِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣] ثُمَّ قالَ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى بَيانِ نِكاحِ المُتْعَةِ كانَ هَذا حُكْمًا جَدِيدًا، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ عَلى جَوازِ نِكاحِ المُتْعَةِ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ كانَ جائِزًا في الإسْلامِ، ولا خِلافَ بَيْنِ أحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ فِيهِ، إنَّما الخِلافُ في طَرَيانِ النّاسِخِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ النّاسِخُ مَوْجُودًا لَكانَ ذَلِكَ النّاسِخُ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ، أوْ بِالآحادِ، فَإنْ كانَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ، كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وعِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ مُنْكِرِينَ لِما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَكْفِيرَهم، وهو باطِلٌ قَطْعًا، وإنْ كانَ ثابِتًا بِالآحادِ فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ثُبُوتُ إباحَةِ المُتْعَةِ مَعْلُومًا بِالإجْماعِ والتَّواتُرِ، كانَ ثُبُوتُهُ مَعْلُومًا قَطْعًا، فَلَوْ نَسَخْناهُ بِخَبَرِ الواحِدِ لَزِمَ جَعْلُ المَظْنُونِ رافِعًا لِلْمَقْطُوعِ وإنَّهُ باطِلٌ. قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِهَذا النَّسْخِ أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ المُتْعَةِ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أباحَ المُتْعَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ وفي يَوْمِ الفَتْحِ، وهَذانِ اليَوْمانِ مُتَأخِّرانِ عَنْ يَوْمِ خَيْبَرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَسَخَ المُتْعَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ؛ لِأنَّ النّاسِخَ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُهُ عَلى المَنسُوخِ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ التَّحْلِيلُ مِرارًا والنَّسْخُ مِرارًا ضَعِيفٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُعْتَبَرِينَ، إلّا الَّذِينَ أرادُوا إزالَةَ التَّناقُضِ عَنْ هَذِهِ الرِّواياتِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ عَلى المِنبَرِ: مُتْعَتانِ كانَتا مَشْرُوعَتَيْنِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْهُما: مُتْعَةُ الحَجِّ، ومُتْعَةُ النِّكاحِ»، وهَذا مِنهُ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مُتْعَةَ النِّكاحِ كانَتْ مَوْجُودَةً في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، وقَوْلُهُ: وأنا أنْهى عَنْهُما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما نَسَخَهُ، وإنَّما عُمَرُ هو الَّذِي نَسَخَهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حِلَّ المُتْعَةِ كانَ ثابِتًا في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما نَسَخَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ ناسِخٌ إلّا نَسْخَ عُمَرَ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ لا يَصِيرَ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ ما كانَ ثابِتًا في

صفحة ٤٤

زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وما نَسَخَهُ الرَّسُولُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ مَنسُوخًا بِنَسْخِ عُمَرَ، وهَذا هو الحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِها عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ حَيْثُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ في المُتْعَةِ آيَةً وما نَسَخَها بِآيَةٍ أُخْرى، وأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمُتْعَةِ وما نَهانا عَنْها، ثُمَّ قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ ما شاءَ»، يُرِيدُ أنَّ عُمَرَ نَهى عَنْها، فَهَذا جُمْلَةُ وُجُوهِ القائِلِينَ بِجَوازِ المُتْعَةِ.

والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها نِكاحُ المُتْعَةِ وبَيانُهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحَرَّماتِ بِالنِّكاحِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ فَكانَ المُرادُ بِهَذا التَّحْلِيلِ ما هو المُرادُ هُناكَ بِهَذا التَّحْرِيمِ، لَكِنَّ المُرادَ هُناكَ بِالتَّحْرِيمِ هو النِّكاحُ، فالمُرادُ بِالتَّحْلِيلِ هَهُنا أيْضًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو النِّكاحَ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ والإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ سَمّى الزِّنا سِفاحًا لِأنَّهُ لا مَقْصُودَ فِيهِ إلّا سَفْحُ الماءِ، ولا يُطْلَبُ فِيهِ الوَلَدُ وسائِرُ مَصالِحِ النِّكاحِ، والمُتْعَةُ لا يُرادُ مِنها إلّا سَفْحُ الماءِ فَكانَ سِفاحًا، هَذا ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ. أمّا الَّذِي ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ وطْؤُهُنَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ: وأُحِلَّ لَكم وطْءُ ما وراءَ هَذِهِ الأصْنافِ، فَأيُّ فَسادٍ في هَذا الكَلامِ ؟ وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: الإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: الزِّنا إنَّما سُمِّيَ سِفاحًا؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ مِنهُ إلّا سَفْحُ الماءِ، والمُتْعَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَفْحُ الماءِ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنْ قُلْتُمُ: المُتْعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَنَقُولُ: هَذا أوَّلُ البَحْثِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ؟ فَظَهَرَ أنَّ الكَلامَ رِخْوٌ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّها مَشْرُوعَةٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في غَرَضِنا، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّ تِلْكَ القِراءَةَ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِها لا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً، ونَحْنُ لا نُنازِعُ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ النَّسْخَ طَرَأ عَلَيْهِ، وما ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ لا يَدْفَعُ قَوْلَنا.

وقَوْلُهُمُ: النّاسِخُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَواتِرًا أوْ آحادًا.

قُلْنا: لَعَلَّ بَعْضَهم سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ في الجَمْعِ العَظِيمِ تَذَكَّرُوهُ وعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيهِ فَسَلَّمُوا الأمْرَ لَهُ.

قَوْلُهُ: إنَّ عُمَرَ أضافَ النَّهْيَ عَنِ المُتْعَةِ إلى نَفْسِهِ.

قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ كانَ مُرادُهُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً في شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنا أنْهى عَنْهُ لَزِمَ تَكْفِيرُهُ وتَكْفِيرُ كُلِّ مَن لَمْ يُحارِبْهُ ويُنازِعْهُ، ويُفْضِي ذَلِكَ إلى تَكْفِيرِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يُحارِبْهُ ولَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: كانَ مُرادُهُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْها لِما ثَبَتَ عِنْدِي أنَّهُ ﷺ نَسَخَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ هَذا الكَلامُ حُجَّةً لَنا في مَطْلُوبِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ والمَعْنى أنَّ إيتاءَهُنَّ أُجُورَهُنَّ ومُهُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ لازِمَةٌ وواجِبَةٌ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ. وثانِيها: أنَّها وُضِعَتْ مَوْضِعَ إيتاءٍ، لِأنَّ الإيتاءَ مَفْرُوضٌ. وثالِثُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ: فَرَضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً.

* * *

صفحة ٤٥

﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى بَيانِ حُكْمِ النِّكاحِ قالُوا: المُرادُ أنَّهُ إذا كانَ المَهْرُ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، فَلا حَرَجَ في أنْ تَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ المَهْرِ أوْ تُبَرِّئَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَعَلى هَذا: المُرادُ مِنَ التَّراضِي الحَطُّ مِنَ المَهْرِ أوِ الإبْراءُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَهَبَ المَرْأةُ لِلزَّوْجِ مَهْرَها، أوْ يَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمَرْأةِ تَمامَ المَهْرِ إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى بَيانِ المُتْعَةِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا انْقَضى أجَلُ المُتْعَةِ لَمْ يَبْقَ لِلرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ سَبِيلٌ البَتَّةَ، فَإنْ قالَ لَها: زِيدِينِي في الأيّامِ وأزِيدُكِ في الأُجْرَةِ كانَتِ المَرْأةُ بِالخِيارِ، إنْ شاءَتْ فَعَلَتْ، وإنْ شاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ المِقْدارِ المَذْكُورِ أوَّلًا مِنَ الأجْرِ والأجَلِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلْحاقُ الزِّيادَةِ في الصَّداقِ جائِزٌ، وهي ثابِتَةٌ إنْ دَخَلَ بِها أوْ ماتَ عَنْها، أمّا إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَتِ الزِّيادَةُ، وكانَ لَها نِصْفُ المُسَمّى في العَقْدِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الزِّيادَةُ بِمَنزِلَةِ الهِبَةِ، فَإنْ أقْبَضَها مَلَكَتْهُ بِالقَبْضِ، وإنْ لَمْ يُقْبِضْها بَطَلَتْ. احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ لِأبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ يَتَناوَلُ ما وقَعَ التَّراضِي بِهِ في طَرَفَيِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَكانَ هَذا بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ إلْحاقِ الزِّيادَةِ بِالصَّداقِ، قالَ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ بِالزِّيادَةِ أخَصُّ مِنها بِالنُّقْصانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَهُ بِتَراضِيهِما، والبَراءَةُ والحَطُّ لا يَحْتاجُ إلى رِضا الزَّوْجِ، والزِّيادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِقَبُولِهِ، فَإذا عُلِّقَ ذَلِكَ بِتَراضِيهِما جَمِيعًا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الزِّيادَةُ.

والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عِبارَةً عَمّا ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ ؟ وهو أنَّهُ إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ أبْرَأتْهُ عَنِ النِّصْفِ، وإنْ شاءَ الزَّوْجُ سَلَّمَ إلَيْها كُلَّ المَهْرِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ زادَها عَمّا وجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَيْها، وأيْضًا عِنْدَنا أنَّهُ لا جُناحَ في تِلْكَ الزِّيادَةِ إلّا أنَّها تَكُونُ هِبَةً، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى بُطْلانِ هَذِهِ الزِّيادَةِ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ لَوِ التَحَقَتْ بِالأصْلِ لَكانَ إمّا مَعَ بَقاءِ العَقْدِ الأوَّلِ، أوْ بَعْدَ زَوالِ العَقْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْدَ لَمّا انْعَقَدَ عَلى القَدْرِ الأوَّلِ، فَلَوِ انْعَقَدَ مَرَّةً أُخْرى عَلى القَدْرِ الثّانِي، لَكانَ ذَلِكَ تَكْوِينًا لِذَلِكَ العَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. والثّانِي باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ عِنْدَ إلْحاقِ الزِّيادَةِ لا يَرْتَفِعُ العَقْدُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ فَسادُ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском