Ar-RaziAn‑Nisa · 4:35–38

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:35–38

4:35Page 84

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عِنْدَ نُشُوزِ المَرْأةِ أنَّ الزَّوْجَ يَعِظُها ثُمَّ يَهْجُرُها ثُمَّ يَضْرِبُها، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الضَّرْبِ إلّا المُحاكَمَةُ إلى مَن يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (خِفْتُمْ) أيْ عَلِمْتُمْ. قالَ: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الظَّنِّ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ في الِابْتِداءِ يَظْهَرُ لَهُ أماراتُ النُّشُوزِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوَعْظِ والهَجْرِ والضَّرْبِ لَمّا أصَرَّتْ عَلى النُّشُوزِ، فَقَدْ حَصَلَ العِلْمُ بِكَوْنِها ناشِزَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ الخَوْفِ هَهُنا عَلى العِلْمِ. طَعَنَ الزَّجّاجُ فِيهِ فَقالَ: (خِفْتُمْ) هَهُنا بِمَعْنى أيْقَنْتُمْ خَطَأٌ، فَإنّا لَوْ عَلِمْنا الشِّقاقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ نَحْتَجْ إلى الحَكَمَيْنِ.

وأجابَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ وُجُودَ الشِّقاقِ وإنْ كانَ مَعْلُومًا، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الشِّقاقَ صَدَرَ عَنْ هَذا أوْ عَنْ ذاكَ، فالحاجَةُ إلى الحُكْمَيْنِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَعْنى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: وُجُودُ الشِّقاقِ في الحالِ مَعْلُومٌ، ومِثْلُ هَذا لا يَحْصُلُ مِنهُ خَوْفٌ، إنَّما الخَوْفُ في أنَّهُ هَلْ يَبْقى ذَلِكَ الشِّقاقُ أمْ لا ؟ فالفائِدَةُ في بَعْثِ

صفحة ٧٥

الحَكَمَيْنِ لَيْسَتْ إزالَةَ الشِّقاقِ الثّابِتِ في الحالِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ الفائِدَةُ إزالَةُ ذَلِكَ الشِّقاقِ في المُسْتَقْبَلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلشِّقاقِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ.

الثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما صارَ في شِقٍّ بِالعَداوَةِ والمُبايَنَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ مَعْناهُ: شِقاقًا بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، وإضافَةُ المَصادِرِ إلى الظُّرُوفِ جائِزَةٌ؛ لِحُصُولِها فِيها، يُقالُ: يُعْجِبُنِي صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ خِلافٌ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ هو الإمامُ أوْ مَن يَلِي مَن قِبَلَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ تَنْفِيذَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِن صالِحِي الأُمَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (خِفْتُمْ) خِطابٌ لِلْجَمْعِ، ولَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، فَعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ (فابْعَثُوا) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِآحادِ الأُمَّةِ بِهَذا المَعْنى، فَثَبَتَ أنَّهُ سَواءٌ وُجِدَ الإمامُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلِلصّالِحِينَ أنْ يَبْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها لِلْإصْلاحِ. وأيْضًا فَهَذا يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ الضَّرَرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُومَ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا وقَعَ الشِّقاقُ بَيْنَهُما، فَذاكَ الشِّقاقُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنهُما أوْ مِنهُ أوْ مِنها، أوْ يُشْكِلُ، فَإنْ كانَ مِنها فَهو النُّشُوزُ وقَدْ ذَكَرْنا حُكْمَهُ، وإنْ كانَ مِنهُ، فَإنْ كانَ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا حَلالًا مِثْلَ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ أُخْرى، أوْ تَسَرّى بِجارِيَةٍ، عَرَفَتِ المَرْأةُ أنَّ ذَلِكَ مُباحٌ، ونُهِيَتْ عَنِ الشِّقاقِ، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا كانَ نُشُوزًا، وإنْ كانَ بِظُلْمٍ مِن جِهَتِهِ أمَرَهُ الحاكِمُ بِالواجِبِ، وإنْ كانَ مِنهُما أوْ كانَ الأمْرُ مُتَشابِهًا، فالقَوْلُ أيْضًا ما قُلْناهُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُسْتَحَبُّ أنْ يَبْعَثَ الحاكِمُ عَدْلَيْنِ ويَجْعَلَهُما حَكَمَيْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ واحِدٌ مِن أهْلِهِ وواحِدٌ مِن أهْلِها؛ لِأنَّ أقارِبَهُما أعْرَفُ بِحالِهِما مِنَ الأجانِبِ، وأشَدُّ طَلَبًا لِلصَّلاحِ، فَإنْ كانا أجْنَبِيَّيْنِ جازَ. وفائِدَةُ الحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلُوَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ ويَسْتَكْشِفَ حَقِيقَةَ الحالِ، لِيَعْرِفَ أنَّ رَغْبَتَهُ في الإقامَةِ عَلى النِّكاحِ، أوْ في المُفارَقَةِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الحَكَمانِ فَيَفْعَلانِ ما هو الصَّوابُ مِن إيقاعِ طَلاقٍ أوْ خُلْعٍ.

* * *

لْمَسْألَةُ السّابِعَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوْجَيْنِ بِدُونِ إذْنِهِما، مِثْلَ أنْ يُطَلِّقَ حَكَمُ الرَّجُلِ، أوْ يَفْتَدِيَ حَكَمُ المَرْأةِ بِشَيْءٍ مِن مالِها ؟ لِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَجُوزُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وإسْحَقُ.

والثّانِي: لا يَجُوزُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وعَلى هَذا هو وكالَةٌ كَسائِرِ الوَكالاتِ، وذَكَرَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدِيثَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهم عَلِيٌّ بِأنْ يَبْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَعْرِفانِ ما عَلَيْكُما ؟ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا فاجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَفَرِّقا، فَقالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى فِيما عَلَيَّ ولِيَ فِيهِ. فَقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ دَلِيلٌ.

صفحة ٧٦

أمّا دَلِيلُ القَوْلِ الأوَّلِ فَهو أنَّهُ بُعِثَ مِن غَيْرِ رِضا الزَّوْجَيْنِ وقالَ: عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا فاجْمَعا، وأقَلُّ ما في قَوْلِهِ: عَلَيْكُما، أنْ يَجُوزَ لَهُما ذَلِكَ.

وأمّا دَلِيلُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ لَمّا لَمْ يَرْضَ تَوَقَّفَ عَلِيٌّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: كَذَبْتَ، أيْ لَسْتَ بِمُنْصِفٍ في دَعْواكَ، حَيْثُ لَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلَتْ هي. ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى سَمّاهُما حَكَمَيْنِ. والحَكَمُ هو الحاكِمُ، وإذا جَعَلَهُ حاكِمًا فَقَدْ مَكَّنَهُ مِنَ الحُكْمِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحَكَمَيْنِ، لَمْ يُضِفْ إلَيْهِما إلّا الإصْلاحَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما وراءَ الإصْلاحِ غَيْرَ مُفَوَّضٍ إلَيْهِما.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أيْ شِقاقًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما إلّا أنَّهُ جَرى ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو الرِّجالُ والنِّساءُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: إنْ يُرِدِ الحَكَمانِ خَيْرًا وإصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَتَّفِقا عَلى ما هو خَيْرٌ.

الثّانِي: إنْ يُرِدِ الحَكَمانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

الثّالِثُ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

الرّابِعُ: إنْ يَرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَعْمَلا بِالصَّلاحِ، ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ التَّوْفِيقِ المُوافَقَةُ، وهي المُساواةُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فالتَّوْفِيقُ اللُّطْفُ الَّذِي يَتَّفِقُ عِنْدَهُ فِعْلُ الطّاعَةِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الأغْراضِ والمَقاصِدِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى أنَّهُ إنْ كانَتْ نِيَّةُ الحَكَمَيْنِ إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ لِلزَّوْجَيْنِ ولِلْحَكَمَيْنِ في سُلُوكِ ما يُخالِفُ طَرِيقَ الحَقِّ.

4:36Page 84

۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦

Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,

النَّوْعُ التّاسِعُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ:

﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ مَعَ الآخَرِ وإلى إزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ، أرْشَدَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى سائِرِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ وذَكَرَ مِنها عَشَرَةَ أنْواعٍ.

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى وحِّدُوهُ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ

صفحة ٧٧

فِعْلٍ وتَرْكٍ يُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ القُلُوبِ وجَمِيعُ أعْمالِ الجَوارِحِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في العِبادَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] .

النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالإخْلاصِ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ كانَ مُشْرِكًا ولا يَكُونُ مُخْلِصًا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] .

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] أيْ فاضْرِبُوها، ويُقالُ: أحْسَنْتُ بِفُلانٍ، وإلى فُلانٍ. قالَ كُثَيِّرٌ:

أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَةً إنْ تَقَلَّتِ

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَرَنَ إلْزامَ بِرِّ الوالِدَيْنِ بِعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ في مَواضِعَ:

أحَدُها: في هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وكَفى بِهَذا دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ حَقِّهِما ووُجُوبِ بِرِّهِما والإحْسانِ إلَيْهِما. ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البِرِّ إلَيْهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقالَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقالَ في الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ» “ . وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في الجِهادِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ ؟ فَقالَ: أبَوايَ. فَقالَ: أبَواكَ أذِنا لَكَ ؟ فَقالَ: لا. فَقالَ: فارْجِعْ واسْتَأْذِنْهُما، فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ وإلّا فَبِرَّهُما» “ .

واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى الوالِدَيْنِ هو أنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِما، وألّا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِما، ولا يَخْشُنَ في الكَلامِ مَعَهُما، ويَسْعى في تَحْصِيلِ مَطالِبِهِما والإنْفاقِ عَلَيْهِما بِقَدْرِ القُدْرَةِ مِنَ البِرِّ، وأنْ لا يُشْهِرَ عَلَيْهِما سِلاحًا، ولا يَقْتُلَهُما. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: إلّا أنْ يُضْطَرَّ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَخافَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ تَرَكَ قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِتَمْكِينِ غَيْرِهِ مِنهُ، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي عامِرٍ الرّاهِبَ عَنْ قَتْلِ أبِيهِ وكانَ مُشْرِكًا» .

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ وهو أمْرٌ بِصِلَةِ الرَّحِمِ كَما ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: (والأرْحامَ) .

واعْلَمْ أنَّ الوالِدَيْنِ مِنَ الأقارِبِ أيْضًا، إلّا أنَّ قَرابَةَ الوِلادِ لَمّا كانَتْ مَخْصُوصَةً بِكَوْنِها أقْرَبَ القَراباتِ وكانَتْ مَخْصُوصَةً بِخَواصَّ لا تَحْصُلُ في غَيْرِها، لا جَرَمَ مَيَّزَها اللَّهُ تَعالى في الذِّكْرِ عَنْ سائِرِ الأنْواعِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ قَرابَةَ الوِلادِ، ثُمَّ أتْبَعَها بِقَرابَةِ الرَّحِمِ.

النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: (واليَتامى) واعْلَمْ أنَّ اليَتِيمَ مَخْصُوصٌ بِنَوْعَيْنِ مِنَ العَجْزِ:

أحَدُهُما: الصِّغَرُ.

والثّانِي: عَدَمُ المُنْفِقِ.

ولا شَكَّ أنَّ مَن هَذا حالُهُ كانَ في غايَةِ العَجْزِ واسْتِحْقاقِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ:

صفحة ٧٨

يَرْفُقُ بِهِمْ ويُرَبِّيهِمْ ويَمْسَحُ رَأْسَهم، وإنْ كانَ وصِيًّا لَهم فَلْيُبالِغْ في حِفْظِ أمْوالِهِمْ.

النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ: (والمَساكِينَ) واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ عَدِيمَ المالِ إلّا أنَّهُ لِكِبَرِهِ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِضَ حالَ نَفْسِهِ عَلى الغَيْرِ، فَيَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، وأمّا اليَتِيمُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا المَعْنى قَدَّمَ اللَّهُ اليَتِيمَ في الذِّكْرِ عَلى المِسْكِينِ. والإحْسانُ إلى المِسْكِينِ إمّا بِالإجْمالِ إلَيْهِ أوْ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .

النَّوْعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ قِيلَ: هو الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ، والجارُ الجُنُبُ هو الَّذِي بَعُدَ جِوارُهُ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ، ألا وإنَّ الجِوارَ أرْبَعُونَ دارًا» “ وكانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: أرْبَعُونَ يُمْنَةً، وأرْبَعُونَ يُسْرَةً، وأرْبَعُونَ أمامًا، وأرْبَعُونَ خَلْفًا. «وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فُلانَةً تَصُومُ النَّهارَ وتُصَلِّي اللَّيْلَ وفي لِسانِها شَيْءٌ يُؤْذِي جِيرانَها - أيْ هي سَلِيطَةٌ - فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”لا خَيْرَ فِيها، هي في النّارِ» “ ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يُؤَدِّي حَقَّ الجارِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ وقَلِيلٌ ما هم، أتَدْرُونَ ما حَقُّ الجارِ؛ إنِ افْتَقَرَ أغْنَيْتَهُ، وإنِ اسْتَقْرَضَ أقْرَضْتَهُ، وإنْ أصابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وإنْ أصابَهُ شَرٌّ عَزَّيْتَهُ، وإنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وإنْ ماتَ شَيَّعْتَ جَنازَتَهُ» “ وقالَ آخَرُونَ: عَنى بِالجارِ ذِي القُرْبى: القَرِيبَ النَّسِيبَ، وبِالجارِ الجُنُبِ: الجارَ الأجْنَبِيَّ، وقُرِئَ (والجارَ ذا القُرْبى) نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ، كَما قُرِئَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ حَقِّهِ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوجِبانِ: الجِوارُ والقَرابَةُ.

النَّوْعُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجُنُبُ نَعْتٌ عَلى وزْنِ فُعُلٍ، وأصْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ ضِدَّ القَرابَةِ وهو البَعِيدُ. يُقالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ إذا كانَ غَرِيبًا مُتَباعِدًا عَنْ أهْلِهِ، ورَجُلٌ أجْنَبِيٌّ وهو البَعِيدُ مِنكَ في القَرابَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥] أيْ بَعِّدْنِي، والجانِبانِ النّاحِيَتانِ؛ لِبُعْدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ، ومِنهُ الجَنابَةُ مِنَ الجِماعِ؛ لِتَباعُدِهِ عَنِ الطَّهارَةِ وعَنْ حُضُورِ المَساجِدِ لِلصَّلاةِ ما لَمْ يَغْتَسِلْ، ومِنهُ أيْضًا الجَنْبانِ؛ لِبُعْدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ”والجارِ الجَنْبِ“ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ، وهو يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ بِالجَنْبِ النّاحِيَةَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والجارِ ذِي الجُنُبِ، فَحَذَفَ المُضافَ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.

والآخَرُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ كَرَمٌ وجُودٌ.

النَّوْعُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وهو الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ، وإمّا جارًا مُلاصِقًا، وإمّا شَرِيكًا في تَعَلُّمٍ أوْ حِرْفَةٍ، وإمّا قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، فَعَلَيْكَ أنْ تَرْعى ذَلِكَ الحَقَّ ولا تَنْساهُ وتَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى الإحْسانِ. قِيلَ: الصّاحِبُ الجَنْبُ: المَرْأةُ، فَإنَّها تَكُونُ مَعَكَ وتَضْجَعُ إلى جَنْبِكَ.

النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ الَّذِي انْقَطَعَ عَنْ بَلَدِهِ، وقِيلَ: الضَّيْفُ.

النَّوْعُ الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى المَمالِيكِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ، رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

صفحة ٧٩

”«مَنِ ابْتاعَ شَيْئًا مِنَ الخَدَمِ فَلَمْ تُوافِقْ شِيمَتُهُ شِيمَتَهُ فَلْيَبِعْ ولْيَشْتَرِ حَتّى تُوافِقَ شِيمَتُهُ شِيمَتَهُ، فَإنَّ لِلنّاسِ شِيَمًا، ولا تُعَذِّبُوا عِبادَ اللَّهِ» “ ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ آخِرُ كَلامِهِ: ”«الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ «ورُوِيَ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ بِالمَدِينَةِ يَضْرِبُ عَبْدَهُ، فَيَقُولُ العَبْدُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، ويَسْتَمِعُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والسَّيِّدُ كانَ يَزِيدُهُ ضَرْبًا، فَطَلَعَ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ كانَ أحَقَّ أنْ يُجارَ عائِذُهُ“ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنَّهُ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تَقُلْها لَدافَعَ وجْهَكَ سَفْعُ النّارِ» “ .

واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِمْ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ لا يُكَلِّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ.

وثانِيها: أنْ لا يُؤْذِيهِمْ بِالكَلامِ الخَشِنِ، بَلْ يُعاشِرُهم مُعاشَرَةً حَسَنَةً.

وثالِثُها: أنْ يُعْطِيَهم مِنَ الطَّعامِ والكُسْوَةِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُسِيئُونَ إلى المَمْلُوكِ فَيُكَلِّفُونَ الإماءَ البِغاءَ، وهو الكَسْبُ بِفُرُوجِهِنَّ وبُضُوعِهِنَّ. وقالَ بَعْضُهم: كُلُّ حَيَوانٍ فَهو مَمْلُوكٌ، والإحْسانُ إلى الكُلِّ بِما يَلِيقُ بِهِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ.

واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ اليَمِينِ تَأْكِيدٌ، وهو كَما يُقالُ: مَشَتْ رِجْلُكَ، وأُخِذَتْ يَدُكَ، قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ» “ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأصْنافَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ والمُخْتالُ ذُو الخُيَلاءِ والكِبْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمُخْتالِ العَظِيمَ في نَفْسِهِ الَّذِي لا يَقُومُ بِحُقُوقِ أحَدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذَكَرَ الِاخْتِيالَ هَهُنا، وذَكَرْنا اشْتِقاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] ومَعْنى الفَخْرِ التَّطاوُلُ، والفَخُورُ الَّذِي يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ كِبْرًا وتَطاوُلًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَفْخَرُ عَلى عِبادِ اللَّهِ بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِن أنْواعِ نِعَمِهِ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِالذَّمِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ المُخْتالَ هو المُتَكَبِّرُ، وكُلُّ مَن كانَ مُتَكَبِّرًا فَإنَّهُ قَلَّما يَقُومُ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ، ثُمَّ أضافَ إلَيْهِ ذَمَّ الفَخُورِ؛ لِئَلّا يُقْدِمَ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ الحُقُوقِ لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، بَلْ لِمَحْضِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

4:37Page 84

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”بِالبَخَلِ“ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وفي الحَدِيدِ مِثْلُهُ، وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والباقُونَ ”بِالبُخْلِ“ بِضَمِّ الباءِ والخاءِ وهي اللُّغَةُ العالِيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا ولا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ.

صفحة ٨٠

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: البُخْلُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: البُخْلُ، مِثْلَ القُفْلِ، والبَخَلُ مِثْلَ الكَرَمِ، والبَخْلِ مِثْلَ الفَقْرِ، والبُخُلِ بِضَمَّتَيْنِ. ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ، وهو في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الإحْسانِ، وفي الشَّرِيعَةِ مَنعُ الواجِبِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُمُ اليَهُودُ، بَخِلُوا أنْ يَعْتَرِفُوا بِما عَرَفُوا مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وصِفَتُهُ في التَّوْراةِ، وأمَرُوا قَوْمَهم أيْضًا بِالكِتْمانِ ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العِلْمِ بِما في كِتابِهِمْ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وأعْتَدْنا) في الآخِرَةِ لِلْيَهُودِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: بِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِ في آخِرِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِأوَّلِها الكافِرُ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ البُخْلُ بِالمالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الآيَةِ الَّتِي أوْجَبَ فِيها رِعايَةَ حُقُوقِ النّاسِ بِالمالِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الإحْسانَ إلى هَؤُلاءِ إنَّما يَكُونُ بِالمالِ، ثُمَّ ذَمَّ المُعْرِضِينَ عَنْ هَذا الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا البُخْلُ بُخْلًا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وما ذاكَ إلّا البُخْلُ بِالمالِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في البُخْلِ بِالعِلْمِ والدِّينِ، وفي البُخْلِ بِالمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والكُلُّ مَذْمُومٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْوالِ المَذْمُومَةِ ثَلاثًا:

أوَّلُها: كَوْنُ الإنْسانِ بَخِيلًا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ .

وثانِيها: كَوْنُهم آمِرِينَ لِغَيْرِهِمْ بِالبُخْلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في حُبِّ البُخْلِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَيُوهِمُونَ الفَقْرَ مَعَ الغِنى، والإعْسارَ مَعَ اليَسارِ، والعَجْزَ مَعَ الإمْكانِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الكِتْمانَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الكُفْرَ، مِثْلَ أنْ يُظْهِرَ الشِّكايَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَرْضى بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وهَذا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ومَن قالَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِاليَهُودِ، فَكَلامُهُ في هَذا المَوْضِعِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن كَتَمَ الدِّينَ والنُّبُوَّةَ فَهو كافِرٌ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكافِرِ، مَن يَكُونُ كافِرًا بِالنِّعْمَةِ، لا مَن يَكُونُ كافِرًا بِالدِّينِ والشَّرْعِ.

4:38Page 85

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنْ شِئْتَ عَطَفْتَ ”الَّذِينَ“ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ”الَّذِينَ“ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ .

صفحة ٨١

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو الوَجْهُ لِذِكْرِ الرِّئاءِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ النِّفاقِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ المُنْفِقِينَ عَلى عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالإحْسانِ إلى أرْبابِ الحاجاتِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ:

فالأوَّلُ: هو البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ البَتَّةَ، وهُمُ المَذْمُومُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ .

والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم، لَكِنْ لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ لِغَرَضِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، فَهَذِهِ الفِرْقَةُ أيْضًا مَذْمُومَةٌ، ومَتى بَطُلَ القَوْلُ بِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ لَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ. وهو إنْفاقُ الأمْوالِ لِغَرَضِ الإحْسانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ . والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ قَرِينٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الأفْعالِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بِئْسَ القَرِينُ، إذْ كانَ يُضِلُّهُ عَنْ دارِ النَّعِيمِ ويُورِدُهُ نارَ السَّعِيرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣] .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَيَّرَهم وبَيَّنَ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ في تَرْكِ الإيمانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском