Ar-RaziAn‑Nisa · 4:59–63

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:59–63, continued

المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العَمَلِ بِالقِياسِ، فَنَقُولُ: كَما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى هَذا الأصْلِ، فَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلى مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِن فُرُوعِ القَوْلِ بِالقِياسِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها:

الفَرْعُ الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ مَعْناهُ فَرُدُّوهُ إلى واقِعَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَها، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ بِرَدِّها رَدَّها إلى واقِعَةٍ تَخالِفُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ رَدُّها إلى بَعْضِ الصُّوَرِ أوْلى مِن رَدِّها إلى الباقِي، وحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ. ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي قُلْناهُ يُؤَكَّدُ بِالخَبَرِ والأثَرِ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهم لَمّا «سَألُوهُ ﷺ عَنْ قُبْلَةِ الصّائِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» “ يَعْنِي المَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةَ الأكْلِ، كَما أنَّ القُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الجِماعِ، فَكَما أنَّ تِلْكَ المَضْمَضَةَ لَمْ تَنْقُضِ الصَّوْمَ، فَكَذا القُبْلَةُ. ولَمّا سَألَتْهُ الخَثْعَمِيَّةُ عَنِ الحَجِّ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ هَلْ يُجْزِي فَقالَتْ نَعَمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ» " وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اعْرِفِ الأشْباهَ والنَّظائِرَ وقِسِ الأُمُورَ بِرَأْيِكَ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ ودَلالَةِ الخَبَرِ ودَلالَةِ الأثَرِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ أمْرٌ بِرَدِّ الشَّيْءِ إلى شَبِيهَهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المُشابَهَةَ في الصُّورَةِ والصِّفَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الحُكْمَ في غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مُشابِهٌ لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ النَّصِّ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قِياسَ الأشْباهِ، ويُسَمِّيهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ قِياسَ الطَّرْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّتِهِ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ هو أنَّهُ: رُدُّوهُ إلى شَبِيهِهِ، عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في بابِ القِياسِ مَحْضُ المُشابَهَةِ، وهَذا بَحْثٌ فِيهِ طُولٌ، ومُرادُنا بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْباطِ المَسائِلِ مِنَ الآياتِ، فَأمّا

صفحة ١٢٢

الِاسْتِقْصاءُ فِيها فَمَذْكُورٌ في سائِرِ الكُتُبِ.

الفَرْعُ الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَرْطَ الِاسْتِدْلالِ بِالقِياسِ في المَسْألَةِ أنْ لا يَكُونَ فِيها نَصٌّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا الِاشْتِراطِ.

الفَرْعُ الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يُوجَدْ في الواقِعَةِ نَصٌّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ جازَ اسْتِعْمالُ القِياسِ فِيهِ كَيْفَ كانَ، وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن قالَ: لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ القِياسِ في الكَفّاراتِ والحُدُودِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ عامٌّ في كُلِّ واقِعَةٍ لا نَصَّ فِيها.

الفَرْعُ الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن أثْبَتَ الحُكْمَ في صُورَةٍ بِالقِياسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَقِيسَهُ عَلى صُورَةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ فِيها بِالنَّصِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقِيسَهُ عَلى صُورَةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ فِيها بِالقِياسِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إلى الحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّهِ ونَصِّ رَسُولِهِ.

الفَرْعُ الخامِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القِياسَ عَلى الأصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالقُرْآنِ، والقِياسَ عَلى الأصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالسُّنَّةِ إذا تَعارَضا كانَ القِياسُ عَلى القُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلى القِياسِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الكِتابَ عَلى السُّنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ وكَذَلِكَ في خَبَرِ مُعاذٍ.

الفَرْعُ السّادِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إذا تَعارَضَ قِياسانِ أحَدُهُما تَأيَّدَ بِإيماءٍ في كِتابِ اللَّهِ والآخَرُ تَأيَّدَ بِإيماءِ خَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّ الأوَّلَ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي، يَعْنِي كَما ذَكَرْناهُ في الفَرْعِ الخامِسِ، فَهَذِهِ المَسائِلُ الأُصُولِيَّةُ اسْتَنْبَطْناها مِن هَذِهِ الآيَةِ في أقَلَّ مِن ساعَتَيْنِ، ولَعَلَّ الإنْسانَ إذا اسْتَعْمَلَ الفِكْرَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ أمْكَنَهُ اسْتِنْباطَ أكْثَرِ مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ﴾ مَعْناهُ ذَوُو الأمْرِ وأُولُو جَمْعٌ، وواحِدُهُ ذُو عَلى غَيْرِ القِياسِ، كالنِّساءِ والإبِلِ والخَيْلِ، كُلُّها أسْماءٌ لِلْجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ في اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اخْتَلَفْتُمْ وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: القَوْلُ قَوْلِي واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ مِنَ النَّزْعِ الَّذِي هو الجَذْبُ، والمُنازَعَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُجاذَبَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ لِحُجَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لِقَوْلِهِ، أوْ مُحاوَلَةِ جَذْبِ قَوْلِهِ ونَزْعِهِ إيّاهُ عَمّا يُفْسِدُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الوَعِيدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وإلى قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُذْنِبُ عَنِ الإيمانِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى التَّهْدِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ خَيْرٌ لَكم وأحْسَنُ عاقِبَةً لَكم لِأنَّ التَّأْوِيلَ عِبارَةٌ عَمّا إلَيْهِ مَآلُ الشَّيْءِ ومَرْجِعُهُ وعاقِبَتُهُ.

4:60–61Page 88

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ويُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ولا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الزَّعْمُ والزَّعَمُ لُغَتانِ، ولا يُسْتَعْمَلانِ في الأكْثَرَ إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ. قالَ اللَّيْثُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلانٌ إذا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أكَذَبَ أوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٣٦ ] أيْ بِقَوْلِهِمُ الكَذِبَ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الغَنَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُونَ أبِها شَحْمٌ أمْ لا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، وأنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:

وإنِّي أدِينُ لَكم أنَّهُ سَيُنْجِزُكم رَبُّكم ما زَعَمَ

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ بِهِ الكَذِبُ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «نازَعَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَلْتَفِتُ إلى الرِّشْوَةِ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الرِّشْوَةِ، واليَهُودِيَّ كانَ مُحِقًّا، والمُنافِقَ كانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذا المَعْنى كانَ اليَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحاكُمَ إلى الرَّسُولِ، والمُنافِقُ كانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، ثُمَّ أصَرَّ اليَهُودِيُّ عَلى قَوْلِهِ، فَذَهَبا إلَيْهِ ﷺ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ لا أرْضى انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأبا بَكْرٍ حَكَما عَلى المُنافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: اصْبِرا إنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما. فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، فَجاءَ أهْلُ المُنافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ وقالَ: إنَّهُ الفارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ”أنْتَ الفارُوقُ» “ وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

صفحة ١٢٤

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ ونافَقَ بَعْضُهم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضَرِيًّا قُتِلَ بِهِ، وأُخِذَ مِنهُ دِيَةٌ مِائَةُ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، لَكِنْ أعْطىَ دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِنَ التَّمْرِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ أشْرَفَ وهم حُلَفاءُ الأوْسِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَدِينَةِ قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا فاخْتَصَما فِيهِ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: لا قِصاصَ عَلَيْنا، إنَّما عَلَيْنا سِتُّونَ وسْقًا مِن تَمْرٍ عَلى ما اصْطَلَحْنا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، وقالَتِ الخَزْرَجُ: هَذا حُكْمُ الجاهِلِيَّةِ، ونَحْنُ وأنْتُمُ اليَوْمَ إخْوَةٌ، ودِينُنا واحِدٌ ولا فَضْلَ بَيْنَنا، فَأبى بَنُو النَّضِيرِ ذَلِكَ، فَقالَ المُنافِقُونَ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ، وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأبى المُنافِقُونَ وانْطَلَقُوا إلى الكاهِنِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ودَعا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكاهِنَ إلى الإسْلامِ فَأسْلَمَ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو الكاهِنُ.

الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ حَقٌّ، فَدَعاهُ المُنافِقُ إلى وثَنٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ، ورَجُلٌ قائِمٌ يُتَرْجِمُ الأباطِيلَ عَنِ الوَثَنِ، فالمُرادُ بِالطّاغُوتِ هو ذَلِكَ الرَّجُلُ.

الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى الأوْثانِ، وكانَ طَرِيقُهم أنَّهم يَضْرِبُونَ القِداحَ بِحَضْرَةِ الوَثَنِ، فَما خَرَجَ عَلى القِداحِ عَمِلُوا بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالطّاغُوتُ هو الوَثَنُ.

واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُنافِقًا مِن أهْلِ الكِتابِ، مِثْلَ أنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا فَأظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا المُنافِقِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَقْصُودُ الكَلامِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أرادَ أنْ يَتَحاكَمَ إلى بَعْضِ أهْلِ الطُّغْيانِ ولَمْ يُرِدِ التَّحاكُمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ القاضِي: ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ إلى هَذا الطّاغُوتِ كالكُفْرِ، وعَدَمُ الرِّضا بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُفْرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فَجَعَلَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ يَكُونُ إيمانًا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ بِالطّاغُوتِ كُفْرٌ بِاللَّهِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ إيمانٌ بِاللَّهِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وهَذا نَصٌّ في تَكْفِيرِ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي هَذِهِ الآياتِ دَلائِلُ عَلى أنَّ مَن رَدَّ شَيْئًا مِن أوامِرِ اللَّهِ أوْ أوامِرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ، سَواءٌ رَدَّهُ مِن جِهَةِ الشَّكِّ أوْ مِن جِهَةِ التَّمَرُّدِ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ ما ذَهَبَتِ الصَّحابَةُ إلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ بِارْتِدادِ مانِعِي الزَّكاةِ وقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ ولا بِإرادَتِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ خَلَقَ اللَّهُ الكُفْرَ في الكافِرِ وأرادَهُ مِنهُ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَلِمَ ذَمَّهُ عَلَيْهِ ؟ .

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الشَّيْطانَ بِسَبَبِ أنَّهُ يُرِيدُ

صفحة ١٢٥

هَذِهِ الضَّلالَةَ ؟ فَلَوْ كانَ تَعالى مُرِيدًا لَها لَكانَ هو بِالذَّمِّ أوْلى مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ مَن عابَ شَيْئًا ثُمَّ فَعَلَهُ كانَ بِالذَّمِّ أوْلى قالَ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ صَرِيحٌ في إظْهارِ التَّعَجُّبِ مِن أنَّهم كَيْفَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم قَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّحاكُمُ بِخَلْقِ اللَّهِ لَما بَقِيَ التَّعَجُّبُ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّما فَعَلُوا لِأجْلِ أنَّكَ خَلَقْتَ ذَلِكَ الفِعْلَ فِيهِمْ وأرَدْتَهُ مِنهم، بَلِ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ثُمَّ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنهم أنَّهم كَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ كانَ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الِاسْتِدْلالِ يَرْجِعُ إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ، وقَدْ عَرَفْتَ مِنّا أنّا لا نَقْدَحُ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلّا بِالمُعارَضَةِ بِالعِلْمِ والدّاعِي واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى رَغْبَةَ المُنافِقِينَ في التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ نُفْرَتَهم عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ ﷺ . قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما صَدَّ المُنافِقُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ؛ وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشا وأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِمُرِّ الحُكْمِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الصَّدُّ لِعَداوَتِهِمْ في الدِّينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، أيْ يُعْرِضُونَ عَنْكَ، وذِكْرُ المَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: صُدُودًا أيَّ صُدُودٍ.

4:62–63Page 88

فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣

Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ، وما قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها هَكَذا: وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، يَعْنِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يَصُدُّونَ عَنْكَ أشَدَّ الصُّدُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيئُونَكَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلى أنَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إلّا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ النَّظْمُ مُتَّصِلًا، وتِلْكَ الآيَةُ وقَعَتْ في البَيْنِ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ، وهَذا يُسَمّى اعْتِراضًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

صفحة ١٢٦

إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ

فَقَوْلُهُ: وبُلِّغْتَها، كَلامٌ أجْنَبِيٌّ وقَعَ في البَيْنِ، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ الأجْنَبِيَّ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ المَقْصُودِ كَما في هَذا البَيْتِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: بُلِّغْتَها دُعاءٌ لِلْمُخاطَبِ وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، والآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها في شَرْحِ قَبائِحِ المُنافِقِينَ وفَضائِحِهِمْ وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ أخْبَرَتْ بِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِالكُفْرِ بِهِ، ويَصُدُّونَ عَنِ الرَّسُولِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِطاعَتِهِ، فَذَكَرَ بَعْدَ هَذا ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ تِلْكَ الشِّدَّةِ وحالُ تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واخْتِيارُ الواحِدِيِّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَفِرُّونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ الفِرارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ والقُرْبِ مِنهُ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي إذا كانَتْ نُفْرَتُهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في شِدَّةِ الغَمِّ والحَسْرَةِ إذا أتَوْا بِجِنايَةٍ خافُوا بِسَبَبِها مِنكَ، ثُمَّ جاءُوكَ شاءُوا أمْ أبَوْا ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ: أنّا ما أرَدْنا بِتِلْكَ الجِنايَةِ إلّا الخَيْرَ والمَصْلَحَةَ، والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ ما في قَلْبِهِمْ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ الرَّسُولِ لا غايَةَ لَهُ، سَواءٌ غابُوا أمْ حَضَرُوا، وسَواءٌ بَعُدُوا أمْ قَرُبُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَدَّ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن أرادَ المُبالَغَةَ في شَيْءٍ قالَ: هَذا شَيْءٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، يَعْنِي أنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وقُوَّتِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَعْرِفَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شِدَّةَ بُغْضِهِمْ ونِهايَةَ عَداوَتِهِمْ ونُفْرَتِهِمْ أعْلَمَهُ أنَّهُ كَيْفَ يُعامِلُهم فَقالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وهَذا الكَلامُ عَلى ما قَرَّرْناهُ مُنْتَظِمٌ حَسَنُ الِاتِّساقِ لا حاجَةَ فِيهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الحَذْفِ والإضْمارِ، ومَن طالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنَّ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ كَيْفَ اضْطَرَبُوا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ عُمَرَ صاحِبَهُمُ الَّذِي أقَرَّ أنَّهُ لا يَرْضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهم جاءُوا إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَطالَبُوا عُمَرَ بِدَمِهِ وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِالذَّهابِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إلّا المَصْلَحَةَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهُ لا يَسْتَصْحِبُهم في الغَزَواتِ، وأنَّهُ يَخُصُّهم بِمَزِيدِ الإذْلالِ والطَّرْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] وبِالجُمْلَةِ فَأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ تُوجِبُ لَهُمُ الذُّلَّ العَظِيمَ، فَكانَتْ مَعْدُودَةً في مَصائِبِهِمْ، وإنَّما يُصِيبُهم ذَلِكَ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ، وعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ أيْ وقْتَ المُصِيبَةِ يَحْلِفُونَ ويَعْتَذِرُونَ أنّا ما أرَدْنا بِما كانَ مِنّا مِن مُداراةِ الكُفّارِ إلّا الصَّلاحَ، وكانُوا في ذَلِكَ كاذِبِينَ لِأنَّهم أضْمَرُوا خِلافَ ما أظْهَرُوهُ، ولَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ

صفحة ١٢٧

الإحْسانَ الَّذِي هو الصَّلاحُ.

الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم رَغِبُوا في حُكْمِ الطّاغُوتِ وكَرِهُوا حُكْمَ الرَّسُولِ، بَشَّرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّهُ سَتُصِيبُهم مَصائِبُ تُلْجِئُهم إلَيْهِ، وإلى أنْ يُظْهِرُوا لَهُ الإيمانَ بِهِ وإلى أنْ يَحْلِفُوا بِأنَّ مُرادَهُمُ الإحْسانُ والتَّوْفِيقُ. قالَ: ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أنْتَ إذا كانَ كَذا وكَذا، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى إذا كانَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَعِظَهم.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الإحْسانِ والتَّوْفِيقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا الإحْسانَ إلى خُصُومِنا واسْتِدامَةَ الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ فِيما بَيْنَنا، وإنَّما كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا عِنْدَ الرَّسُولِ لَما قَدَرُوا عَلى رَفْعِ صَوْتٍ عِنْدَ تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ، ولَمّا قَدَرُوا عَلى التَّمَرُّدِ مِن حُكْمِهِ، فَإذَنْ كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنَّهُ يُحْسِنُ إلى صاحِبِنا بِالحُكْمِ العَدْلِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، وما خَطَرَ بِبالِنا أنَّهُ يَحْكُمُ بِما حَكَمَ بِهِ الرَّسُولُ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا أنَّكَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ المُرِّ، وغَيْرُكَ يَدُورُ عَلى التَّوَسُّطِ ويَأْمُرُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ بِالإحْسانِ إلى الآخَرِ، وتَقْرِيبِ مُرادِهِ مِن مُرادِ صاحِبِهِ حَتّى يَحْصُلَ بَيْنَهُما المُوافَقَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ والغَيْظِ والعَداوَةِ إلّا اللَّهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعامِلَهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ لا يَقْبَلَ مِنهم ذَلِكَ العُذْرَ ولا يَغْتَرَّ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَقْبَلُ عُذْرَ غَيْرِهِ ويَسْتَمِرُّ عَلى سُخْطِهِ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى أنْ يَقُولَ لَهُ: اكْتَفِ بِالإعْراضِ عَنْهم ولا تَهْتِكْ سِتْرَهم، ولا تُظْهِرْ لَهم أنَّكَ عالِمٌ بِكُنْهِ ما في بَواطِنِهِمْ، فَإنَّ مَن هَتَكَ سِتْرَ عَدُّوِهُ وأظْهَرَ لَهُ كَوْنَهُ عالِمًا بِما في قَلْبِهِ فَرُبَّما يُجَرِّئُهُ ذَلِكَ عَلى أنْ لا يُبالِيَ بِإظْهارِ العَداوَةِ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ولَكِنْ إذا تَرَكَهُ عَلى حالِهِ بَقِيَ في خَوْفٍ ووَجِلٍ فَيَقِلُّ الشَّرُّ.

النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: (وعِظْهم) والمُرادُ أنَّهُ يَزْجُرُهم عَنِ النِّفاقِ والمَكْرِ والكَيْدِ والحَسَدِ والكَذِبِ ويُخَوِّفُهم بِعِقابِ الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .

* * *

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (في أنْفُسِهِمْ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا بَلِيغًا، وإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم فَلا يُغْنِي عَنْكم إخْفاؤُهُ، فَطَهِّرُوا قُلُوبَكم مِنَ النِّفاقِ وإلّا أنْزَلَ اللَّهُ بِكم ما أنْزَلَ بِالمُجاهِرِينَ بِالشِّرْكِ أوْ شَرًّا مِن ذَلِكَ وأغْلَظَ.

الثّالِثُ: قُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم عَلى سَبِيلِ السِّرِّ، لِأنَّ

صفحة ١٢٨

النُّصْحِيَّةَ عَلى المَلَأِ تَقْرِيعٌ وفي السِّرِّ مَحْضُ المَنفَعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالوَعْظِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الدُّنْيا، وهو أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّ ما في قُلُوبِكم مِنَ النِّفاقِ والكَيْدِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الكُفّارِ، وإنَّما رَفَعَ اللَّهُ السَّيْفَ عَنْكم لِأنَّكم أظْهَرْتُمُ الإيمانَ، فَإنْ واظَبْتُمْ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ ظَهَرَ لِلْكُلِّ بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ السَّيْفُ.

الثّانِي: أنَّ القَوْلَ البَلِيغَ صِفَةٌ لِلْوَعْظِ، فَأمَرَ تَعالى بِالوَعْظِ، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَعْظُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ، وهو أنْ يَكُونَ كَلامًا بَلِيغًا طَوِيلًا حَسَنَ الألْفاظِ حَسَنَ المَعانِي مُشْتَمِلًا عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والإحْذارِ والإنْذارِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ الكَلامَ إذا كانَ هَكَذا عَظُمَ وقْعُهُ في القَلْبِ، وإذا كانَ مُخْتَصَرًا رَكِيكَ اللَّفْظِ قَلِيلَ المَعْنى لَمْ يُؤَثِّرِ البَتَّةَ في القَلْبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском