Ar-RaziGhafir · 40:18–27

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:18–27

40:18–22Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠

And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.

۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾

صفحة ٤٤

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنْواعٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الهائِلَةِ المَهِيبَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ يَوْمِ الآزِفَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ الآزِفَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والآزِفَةُ فاعِلَةٌ مَن أزِفَ الأمْرُ: إذا دَنا وحَضَرَ؛ لِقَوْلِهِ في صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧ ] . وقالَ شاعِرٌ:

أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ

والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ قَرِيبٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ: ١] قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ لَها آزِفَةٌ لِأنَّها قَرِيبَةٌ وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، وما هو كائِنٌ فَهو قَرِيبٌ.

واعْلَمْ أنَّ الآزِفَةَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ عَلى تَقْدِيرِ: يَوْمَ القِيامَةِ الآزِفَةَ، أوْ يَوْمَ المُجازاةَ الآزِفَةَ، قالَ القَفّالُ: وأسْماءُ القِيامَةِ تَجْرِي عَلى التَّأْنِيثِ كالطّامَّةِ والحاقَّةِ ونَحْوِها، كَأنَّها يَرْجِعُ مَعْناها إلى الدّاهِيَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِيَوْمِ الآزِفَةِ وقْتُ الآزِفَةِ وهي مُسارَعَتُهم إلى دُخُولِ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ قُلُوبُهم عَنْ مَقارِّها مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَوْمُ الآزِفَةِ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ التَّلاقِ، و﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا اليَوْمُ غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الصِّفَةُ مَخْصُوصَةٌ في سائِرِ الآياتِ بِيَوْمِ المَوْتِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٣] وقالَ: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٦] وأيْضًا فَوَصْفُ يَوْمِ المَوْتِ بِالقُرْبِ أوْلى مِن وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِالقُرْبِ، وأيْضًا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الآزِفَةِ، لائِقَةٌ بِيَوْمِ حُضُورِ المَوْتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ، فَكَأنَّ قُلُوبَهم تَبْلُغُ حَناجِرَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ويَبْقَوْا كاظِمِينَ ساكِتِينَ عَنْ ذِكْرِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، ولا يَكُونُ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يَدْفَعُ ما بِهِمْ مِن أنْواعِ الخَوْفِ والقَلَقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قِيلَ: المُرادُ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِشِدَّةِ الخَوْفَ والفَزَعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] وقالَ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ وقِيلَ: بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، قالَ الحَسَنُ: القُلُوبُ انْتُزِعَتْ مِنَ الصُّدُورِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الخَوْفِ ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُوا، ولا تَرْجِعُ إلى مَواضِعِها فَيَتَنَفَّسُوا ويَتَرَوَّحُوا، ولَكِنَّها مَقْبُوضَةٌ كالسِّجالِ، كَما قالَ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المُلْكِ: ٢٧] .

وقَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ أيْ مَكْرُوبِينَ والكاظِمُ: السّاكِتُ حالَ امْتِلائِهِ غَمًّا وغَيْظًا، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ ”كاظِمِينَ“؟ قُلْنا: هو حالُ أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ حالَ ”كاظِمِينَ“ كَوْنِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا عَنِ القُلُوبِ، وأنَّ القُلُوبَ كاظِمَةٌ عَلى غَمٍّ وكَرْبٍ فِيها مَعَ بُلُوغِها الحَناجِرَ، وإنَّما جَمَعَ الكاظِمَةِ جَمْعَ السَّلامَةِ لِأنَّهُ وصَفَها بِالكَظْمِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَما قالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقالَ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾

صفحة ٤٥

[الشُّعَراءِ: ٤] ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ”كاظِمُونَ“ وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَقْرِيرُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: الخَوْفُ الشَّدِيدُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، والثّانِي: العَجْزُ عَنِ الكَلامِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كاظِمِينَ﴾ فَإنَّ المَلْهُوفَ إذا قَدَرَ عَلى الكَلامِ حَصَلَتْ لَهُ خَفْقَةٌ وسُكُونٌ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ وبَثِّ الشَّكْوى عَظُمَ قَلَقُهُ وقَوِيَ خَوْفُهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنِ المُذْنِبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ قالُوا: نَفى حُصُولَ شَفِيعٍ لَهم يُطاعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهم هَذا الشَّفِيعُ، أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَحْصُلَ لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّفِيعِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ما عِنْدِي كِتابٌ يُباعُ، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ كِتابٍ يُباعُ ولا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، وقالَتِ العَرَبُ:

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

ولَفْظُ الطّاعَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَرْتَبَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ أحَدٌ أعْلى حالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ هاهُنا الكُفّارُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في زَجْرِ الكُفّارِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا شَفاعَةَ في حَقِّ الكُفّارِ. والثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ، إمّا أنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْراقَ، وإمّا أنْ لا يُفِيدَ، فَإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ مَجْمُوعَهم وجُمْلَتَهم، ويَدْخُلُ في مَجْمُوعِ هَذا الكَلامِ الكُفّارُ، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ هَذا المَجْمُوعِ هُمُ الكُفّارُ ولَيْسَ لَهم شَفِيعٌ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا المَجْمُوعِ شَفِيعٌ، وإنْ لَمْ يُفِدِ الِاسْتِغْراقَ كانَ المُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ بَعْضَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وعِنْدَنا أنَّ بَعْضَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَيْسَ لَهم شَفِيعٌ وهُمُ الكُفّارُ، أجابَ المُسْتَدِلُّونَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالُوا: يَجِبُ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحْمَلٍ مُفِيدٍ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُطِيعَ أدْوَنُ حالًا مِنَ المُطاعِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ شَيْءٌ أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ: إنَّ اللَّهَ يُطِيعُهُ، وإذا كانَ هَذا المَعْنى مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجًا لَها عَنِ الفائِدَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطّاعَةِ عَلى الإجابَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى وُرُودِ لَفْظِ الطّاعَةِ بِمَعْنى الإجابَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ ∗∗∗ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطَعْ

أمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ لَفْظَ الظّالِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ العُمُومَ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ لِذَمِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

أمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ يُطاعُ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ القَوْمِ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ.

أجابَ أصْحابُنا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّها تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى إذْنِ اللَّهِ، ولِهَذا السَّبَبِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَةَ الأصْنامِ في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وهَذا نَوْعُ طاعَةٍ، فاللَّهُ تَعالى نَفى تِلْكَ الطّاعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾

صفحة ٤٦

وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في بَيانِ نَظْمِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ. فَأوَّلُها: أنَّهُ سَمّى ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمَ الآزِفَةِ، أيْ يَوْمَ القُرْبِ مِن عَذابِهِ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ لِأنَّهُ إذا قَرُبَ زَمانُ عُقُوبَتِهِ كانَ في أقْصى غاياتِ الخَوْفِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الغُمُومَ والهُمُومَ أعْظَمُ في الإيحاشِ مِن عَيْنِ تِلْكَ العُقُوبَةِ.

والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ الخَوْفُ إلى أنِ انْقَلَعَ القَلْبُ مِنَ الصَّدْرِ وارْتَفَعَ إلى الحَنْجَرَةِ والتَصَقَ بِها وصارَ مانِعًا مِن دُخُولِ النَّفَسِ. والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿كاظِمِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُمَكِنُهم أنْ يَنْطِقُوا وأنْ يَشْرَحُوا ما عِنْدَهم مِنَ الحُزْنِ والخَوْفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. والرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم قَرِيبٌ يَنْفَعُهم، ولا شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتَهُ. والخامِسُ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، والحاكِمُ إذا بَلَغَ في العِلْمِ إلى هَذا الحَدِّ كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ شَدِيدًا جِدًّا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الخائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخائِنَةِ، كالعافِيَةِ المُعافاةِ، والمُرادُ اسْتِراقُ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الرِّيَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مُضْمَراتُ القُلُوبِ، والحاصِلُ أنَّ الأفْعالَ قِسْمانِ: أفْعالُ الجَوارِحِ وأفْعالُ القُلُوبِ، أمّا أفْعالُ الجَوارِحِ، فَأخْفاها خائِنَةُ الأعْيُنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِها، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ الأعْمالِ.

وأمّا أفْعالُ القُلُوبِ، فَهي مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ وهَذا أيْضًا يُوجِبُ عِظَمَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأحْوالِ، وثَبَتَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ في كُلِّ ما دَقَّ وجَلَّ، كانَ خَوْفُ المُذْنِبِ مِنهُ في الغايَةِ القُصْوى. السّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ إنَّما عَوَّلُوا في دَفْعِ العِقابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ عَلى شَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ الثّامِنُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ يَسْمَعُ مِنَ الكُفّارِ ثَناءَهم عَلى الأصْنامِ، ولا يَسْمَعُ مِنهم ثَناءَهم عَلى اللَّهِ، ويُبْصِرُ خُضُوعَهم وسُجُودَهم لَهم، ولا يُبْصِرُ خُضُوعَهم

صفحة ٤٧

وتَواضُعَهم لِلَّهِ، فَهَذِهِ الأحْوالُ الثَّمانِيَةُ إذا اجْتَمَعَتْ في حَقِّ المُذْنِبِ الَّذِي عَظُمَ ذَنْبُهُ كانَ بالِغًا في التَّخْوِيفِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُعْقَلُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَخْوِيفِ الكُفّارِ بِعَذابِ الآخِرَةِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ تَخْوِيفِهِمْ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ العاقِلَ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإنَّ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الكُفّارِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ، وأقْوى آثارًا في الأرْضِ مِنهم، والمُرادُ حُصُونُهم وقُصُورُهم وعَساكِرُهم، فَلَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِضُرُوبِ الهَلاكِ مُعَجِّلًا حَتّى إنَّ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ مِنَ الكُفّارِ يُشاهِدُونَ تِلْكَ الآثارَ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن مِثْلِ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ العَذابُ بِهِمْ عِنْدَ أخْذِهِ تَعالى لَهم لَمْ يَجِدُوا مَن يُعِينُهم ويُخَلِّصُهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَحَذَّرَ قَوْمَ الرَّسُولَ مِن مِثْلِهِ، وخَتَمَ الكَلامَ بِأنَّهُ ﴿قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”كانُوا هم أشَدَّ مِنكُمْ“ بِالكافِ، والباقُونَ بِالهاءِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو انْصِرافٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتِحَةِ: ١] والوَجْهُ في حُسْنِ هَذا الخِطابِ أنَّهُ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلَ الخِطابَ عَلى لَفْظِ المُخاطَبِ الحاضِرِ لِحُضُورِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ في المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٦] وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَلِأجْلِ مُوافَقَةِ ما قَبْلَهُ مِن ألْفاظِ الغَيْبَةِ.

40:23–27Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥

And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦

And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧

But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهم وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا سَلّى رَسُولَهُ بِذِكْرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ وبِمُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، سَلّاهُ أيْضًا بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ مَعَ قُوَّةِ مُعْجِزاتِهِ بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَكَذَّبُوهُ وكابَرُوهُ، وقالُوا: هو ساحِرٌ كَذّابٌ.

واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا جاءَهم بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وبِالنُّبُوَّةِ، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَهالاتِ. فالأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَوْنِهِ

صفحة ٤٨

ساحِرًا كَذّابًا، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كانَتْ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ والظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ. الثّانِي: أنَّهم قالُوا: ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ هَذا القَتْلَ غَيْرُ القَتْلِ الَّذِي وقَعَ في وقْتِ وِلادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ أخْبَرَهُ المُنَجِّمُونَ بِوِلادَةِ عَدُوٍّ لَهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الأوْلادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأمّا في هَذا الوَقْتِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ جاءَهُ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ بِقَتْلِ أبْناءِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ؛ لِئَلّا يَنْشَئُوا عَلى دِينِ مُوسى فَيَقْوى بِهِمْ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالبَنِينَ دُونَ البَناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ بِقَتْلِ الأبْناءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما يَسْعَوْنَ فِيهِ مِن مُكايَدَةِ مُوسى ومُكايَدَةِ مَن آمَنِ مَعَهُ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطِرٍ: ٢] . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحَ أفْعالِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وهَذا الكَلامُ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَمْنَعُونَهُ مِن قَتْلِهِ، وفِيهِ احْتِمالانِ:

والِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّهم مَنَعُوهُ مِن قَتْلِهِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْتَقِدُ بِقَلْبِهِ كَوْنَ مُوسى صادِقًا، فَيَأْتِي بِوُجُوهِ الحِيَلِ في مَنعِ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِهِ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَهُ قالُوا لَهُ: لا تَقْتُلْهُ فَإنَّما هو ساحِرٌ ضَعِيفٌ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَغْلِبَ سَحَرَتَكَ، وإنْ قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ وقالُوا: إنَّهُ كانَ مُحِقًّا وعَجَزُوا عَنْ جَوابِهِ فَقَتَلُوهُ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَحْتالُونَ في مَنعِهِ مِن قَتْلِهِ؛ لِأجْلِ أنْ يَبْقى فِرْعَوْنُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُوسى فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَأْدِيبِ أُولَئِكَ الأقْوامِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ الأُمَراءِ أنْ يَشْغَلُوا قَلْبَ مَلِكِهِمْ بِخَصْمٍ خارِجِيٍّ حَتّى يَصِيرُوا آمَنِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ المَلِكِ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ أحَدًا ما مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِن قَتْلِ مُوسى، وأنَّهُ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَهُ إلّا أنَّهُ كانَ خائِفًا مِن أنَّهُ لَوْ حاوَلَ قَتْلَهُ لَظَهَرَتْ مُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ تَمْنَعُهُ مِن قَتْلِهِ فَيَفْتَضِحُ، إلّا أنَّهُ لِوَقاحَتِهِ قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ وغَرَضُهُ مِنهُ أنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ عَنْ قَتْلِهِ رِعايَةً لِقُلُوبِ أصْحابِهِ، وغَرَضُهُ مِنهُ إخْفاءُ خَوْفِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ

صفحة ٤٩

مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ .

* * *

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى.

الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ في أداءِ الصَّلَواتِ في الجَماعاتِ.

الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنَ في هَذا الدُّعاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ حَقُّ تَرْبِيَةٍ عَلى مُوسى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَرَكَ التَّعْيِينَ رِعايَةً لِذَلِكَ الحَقِّ.

الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كانَ أظْهَرَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ عَلى فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهِ، بَلِ الأوْلى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ في دَفْعِ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَن كانَ عَدُوًّا سَواءٌ كانَ مُظْهِرًا لِتِلْكَ العَداوَةِ أوْ كانَ مُخْفِيًا لَها.

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ المُوجِبَ لِلْإقْدامِ عَلى إيذاءِ النّاسِ أمْرانِ؛ أحَدُهُما: كَوْنُ الإنْسانِ مُتَكَبِّرًا قاسِيَ القَلْبِ. والثّانِي: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ القاسِيَ قَدْ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ عَلى إيذاءِ النّاسِ إلّا أنَّهُ إذا كانَ مُقِرًّا بِالبَعْثِ والحِسابِ صارَ خَوْفُهُ مِنَ الحِسابِ مانِعًا لَهُ مِنَ الجَرْيِ عَلى مُوجِبِ تَكَبُّرِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ الإيمانُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ كانَتِ الطَّبِيعَةُ داعِيَةً لَهُ إلى الإيذاءِ، والمانِعُ وهو الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ

صفحة ٥٠

والحِسابِ زائِلًا، وإذا كانَ الخَوْفُ مِنَ السُّؤالِ والحِسابِ زائِلًا فَلا جَرَمَ تَحْصُلُ القَسْوَةُ والإيذاءُ.

الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَقالَ مُوسى: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يا فِرْعَوْنَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ هو الدِّينُ المُبِينُ والحَقُّ المُنِيرُ، وأنا أدْعُو رَبِّي وأطْلُبُ مِنهُ أنْ يَدْفَعَ شَرَّكَ عَنِّي، وسَتَرى أنَّ رَبِّي كَيْفَ يَقْهَرُكَ، وكَيْفَ يُسَلِّطُنِي عَلَيْكَ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أحاطَ عَقْلَهُ بِهَذِهِ الفَوائِدِ عَلِمَ أنَّهُ لا طَرِيقَ أصْلَحَ ولا أصْوَبَ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وإبْطالِ مَكْرِهِمْ إلّا الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلى حِفْظِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском