Ar-RaziGhafir · 40:28–35

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:28–35

40:28–31Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما زادَ في دَفْعِ مَكْرِ فِرْعَوْنَ وشَرِّهِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ إنْسانًا أجْنَبِيًّا غَيْرَ مُوسى حَتّى ذَبَّ عَنْهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبالَغَ في تَسْكِينِ تِلْكَ الفِتْنَةِ واجْتَهَدَ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّرِّ.

يَقُولُ مُصَنَّفُ هَذا الكِتابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَقَدْ جَرَّبْتُ في أحْوالِ نَفْسِي أنَّهُ كُلَّما قَصَدَنِي شِرِّيرٌ بِشَرٍّ، لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ، وأكْتَفِي بِتَفْوِيضِ ذَلِكَ الأمْرِ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُقَيِّضُ أقْوامًا لا أعْرِفُهُمُ البَتَّةَ، يُبالِغُونَ في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَهُ، وكانَ جارِيًا مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرَطَةِ، وقِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ وما كانَ مِن أقارِبِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآلِ يَقَعُ عَلى القَرابَةِ والعَشِيرَةِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ”«الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ: حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ ياسِينَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ . والثّالِثُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وهو أفْضَلُهم» “ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ خَيْرًا مِن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ جِهارًا: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سِرًّا وهَذا كانَ جِهارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ كانَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ شَخْصًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيرُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ: كَتَمْتُ مِن فُلانٍ كَذا، إنَّما يُقالُ: كَتَمْتُهُ كَذا، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءِ: ٤٢] .

صفحة ٥١

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”رَجُلٌ مُؤْمِنٌ“ الأكْثَرُونَ قَرَأُوا بِضَمِّ الجِيمِ وقُرِئَ ”رَجِلٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما يُقالُ: عَضِدٌ في عَضُدٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الِاسْتِنْكارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ قالَ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بِالبَيِّناتِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلَهُ: ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٧] إلى آخِرِ الآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ حُجَّةً ثانِيَةً في أنَّ الإقْدامَ عَلى قَتْلِهِ غَيْرُ جائِزٍ، وهي حُجَّةٌ مَذْكُورَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ، فَقالَ: إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا عَلَيْهِ فاتْرُكُوهُ، وإنْ كانَ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ كانَ الأوْلى إبْقاؤُهُ حَيًّا.

فَإنْ قِيلَ: السُّؤالُ عَلى هَذا الدَّلِيلِ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ مَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ كَذِبِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ ولا يَتَعَدّاهُ، وهَذا الكَلامُ فاسِدٌ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَدْعُو النّاسَ إلى ذَلِكَ الدِّينِ الباطِلِ، فَيَغْتَرُّ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم، ويَقَعُونَ في المَذْهَبِ الباطِلِ والِاعْتِقادِ الفاسِدِ، ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمُ الخُصُوماتُ الكَثِيرَةُ، فَثَبَتَ أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا لَمْ يَكُنْ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الكُلِّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ العُلَماءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزِّنْدِيقَ الَّذِي يَدْعُو النّاسَ إلى زَنْدَقَتِهِ يَجِبُ قَتْلُهُ. وثانِيها: أنَّهُ إنْ كانَ الكَلامُ حُجَّةً لَهُ، فَلا كَذّابَ إلّا ويُمْكِنُهُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَوَجَبَ تَمَكُّنُ جَمِيعِ الزَّنادِقَةِ والمُبْطِلِينَ مِن تَقْرِيرِ أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ ذَلِكَ المُنْكِرُ كاذِبًا في ذَلِكَ الإنْكارِ فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِصِدْقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ يُوجِبُ تَصْوِيبَ ضِدِّهُ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُ في بَعْضِ ما يَعِدُ دُونَ البَعْضِ هم أصْحابُ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، أمّا الرَّسُولُ الصّادِقُ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ إلّا بِالوَحْيِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ صادِقًا في كُلِّ ما يَقُولُ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ. والجَوابُ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِحَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ بِكم في دَفْعِ شَرِّهِ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ تَتْرُكُوا قَتْلَهُ فَإنْ كانَ كاذِبًا فَحِينَئِذٍ لا يَعُودُ ضَرَرُهُ إلّا إلَيْهِ، وإنْ يَكُ صادِقًا انْتَفَعْتُمْ بِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ التَّقْسِيمِ بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِهِ بَلْ يَكْفِيكم أنْ تُعْرِضُوا عَنْهُ وأنْ تَمْنَعُوهُ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا

صفحة ٥٢

الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:

تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.

40:32–34Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أقامَ أنْواعَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ مُوسى، خَوَّفَهم في ذَلِكَ بِعَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي قَدْ عَلَوْتُمُ النّاسَ وقَهَرْتُمُوهم، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإنَّهُ لا قِبَلَ لَكم بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و﴿جاءَنا﴾ لِأنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم وأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ لا أُشِيرُ إلَيْكم بِرَأْيٍ سِوى ما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَسْمًا

صفحة ٥٣

لِمادَّةِ الفِتْنَةِ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والصَّلاحِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ رَدَّ هَذا الكَلامَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِ أنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، والَّذِي يَكْتُمُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنَّ يَذْكُرَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هاهُنا قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ لَمْ يُصَرِّحْ ذَلِكَ المُؤْمِنُ بِأنَّهُ عَلى دِينِ مُوسى، بَلْ أوْهَمَ أنَّهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وعَلى دِينِهِ، إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِ مُوسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ والإتْيانُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، وهَذا لا يُوجِبُ القَتْلَ، والإقْدامُ عَلى قَتْلِهِ يُوجِبُ الوُقُوعَ في ألْسِنَةِ النّاسِ بِأقْبَحِ الكَلِماتِ، بَلِ الأوْلى أنْ يُؤَخَّرَ قَتْلُهُ وأنْ يُمْنَعَ مِن إظْهارِ دِينِهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ وبالُ كَذِبِهِ عائِدًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إنْ صَدَقَ فِيما يَدَّعِيهِ مِن إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ فَهو لا يَهْدِي المُسْرِفَ الكَذّابَ، فَأوْهَمَ فِرْعَوْنَ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أنَّهُ يُرِيدُ مُوسى وهو إنَّما كانَ يَقْصِدُ بِهِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ المُسْرِفَ الكَذّابَ هو فِرْعَوْنُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أوَّلًا، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ أزالَ الكِتْمانَ وأظْهَرَ كَوْنَهُ عَلى دِينِ مُوسى، وشافَهَ فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ ذَكَرَها لِفِرْعَوْنَ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ أيّامِ الأحْزابِ، إلّا أنَّهُ لَمّا أضافَ اليَوْمَ إلى الأحْزابِ، وفَسَّرَهم بِقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ كانَ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ في البَلاءِ، فاقْتَصَرَ مِنَ الجَمْعِ عَلى ذِكْرِ الواحِدِ لِعَدَمِ الِالتِباسِ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ ودَأْبُ هَؤُلاءِ دُونَهم في عَمَلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وسائِرِ المَعاصِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ دائِبًا ودائِمًا لا يَفْتَرُونَ عَنْهُ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، يُرِيدُ: مِثْلَ جَزاءِ دَأْبِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ خَوَّفَهم بِهَلاكٍ مُعَجَّلٍ في الدُّنْيا، ثُمَّ خَوَّفَهم أيْضًا بِهَلاكِ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ.

والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَعْنِي أنَّ تَدْمِيرَ أُولَئِكَ الأحْزابِ كانَ عَدْلًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوهُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْأنْبِياءِ، فَتِلْكَ الجُمْلَةُ قائِمَةٌ هاهُنا، فَوَجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ هاهُنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَلَوْ خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ ثُمَّ عَذَّبَهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ لَكانَ ظالِمًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ البَتَّةَ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها لَأرادَها، وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَما حَصَلَ المَدْحُ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِ هَذا المُؤْمِنِ قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّنادِي تَفاعُلٌ مِنَ النِّداءِ، يُقالُ: تَنادى القَوْمُ؛ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، والأصْلُ الياءُ وحَذْفُ الياءِ حَسَنٌ في الفَواصِلِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ يَوْمُ

صفحة ٥٤

القِيامَةِ، وفي سَبَبِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وُجُوهٌ؛ الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ أهْلَ الجَنَّةِ، وأهْلَ الجَنَّةِ يُنادُونَ أهْلَ النّارِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠]، ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾، الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسْراءِ: ٧١] . الثّالِثُ: أنَّهُ يُنادِي بَعْضُ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ فَيَقُولُونَ: ﴿ياوَيْلَنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩٧] . الرّابِعُ: يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ، أيْ يُدْعَوْنَ. الخامِسُ: يُنادِي المُؤْمِنُ ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ١٩] والكافِرُ ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥] . السّادِسُ: يُنادى بِاللَّعْنَةِ عَلى الظّالِمِينَ. السّابِعُ: يُجاءُ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ ثُمَّ يُذْبَحُ ويُنادى: يا أهْلَ القِيامَةِ لا مَوْتَ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا عَلى فَرَحِهِمْ، وأهْلُ النّارِ حُزْنًا عَلى حُزْنِهِمْ. الثّامِنُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّنادِي مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنادِّ، مِن قَوْلِهِمْ: نَدَّ فُلانٌ: إذا هَرَبَ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَها فَقالَ: يَنِدُّونَ كَما تَنِدُّ الإبِلُ، ويَدُلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ يَنِدُّونَ هارِبِينَ، فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا، فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: الظَّرْفُ لِلْخَوْفِ، كَأنَّهُ خافَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ”إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ التَّنادِ“ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْتِصابُ يَوْمٍ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ، لا انْتِصابَ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ إعْرابَهُ إعْرابُ المُضافِ المَحْذُوفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ عَنْ قَتادَةَ: مُنْصَرِفِينَ عَنْ مَوْقِفِ يَوْمِ الحِسابِ إلى النّارِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: فارِّينَ عَنِ النّارِ غَيْرَ مُعْجِزِينَ، ثُمَّ أكَّدَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُوَّةِ ضَلالَتِهِمْ وشِدَّةِ جَهالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ .

40:35Page 471

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾

واعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ذَكَرَ لِهَذا مَثَلًا، وهو أنَّ يُوسُفَ لَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ فَأصَرُّوا عَلى الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الدَّلائِلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٥٥

المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: إنَّ يُوسُفَ هَذا هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ أفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ أقامَ فِيهِمْ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ بَقِيَ حَيًّا إلى زَمانِهِ، وقِيلَ: فِرْعَوْنُ آخَرُ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ شَيْءٌ واحِدٌ وهو أنَّ يُوسُفَ جاءَ قَوْمَهُ بِالبَيِّناتِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩]، والثّانِي: المُرادُ بِها المُعْجِزاتُ، وهَذا أوْلى، ثُمَّ إنَّهم بَقُوا في نُبُوَّتِهِ شاكِّينَ مُرْتابِينَ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا البَتَّةَ بِتِلْكَ البَيِّناتِ، فَلَمّا ماتَ قالُوا: إنَّهُ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وإنَّما حَكَمُوا بِهَذا الحُكْمِ عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، بَلْ إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أساسًا لَهم في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ لِأجْلِ تَصْدِيقِ رِسالَةِ يُوسُفَ وكَيْفَ وقَدْ شَكُّوا فِيها وكَفَرُوا بِها، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِرِسالَةِ مَن هو بَعْدَهُ مَضْمُومًا إلى تَكْذِيبِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الضَّلالِ يُضِلُّ اللَّهُ كُلَّ مُسْرِفٍ في عِصْيانِهِ مُرْتابٍ في دِينِهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ القَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كُفْرَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أضَلَّهم لِكَوْنِهِمْ مُسْرِفِينَ مُرْتابِينَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ ما لَمْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضِلُّهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ بَقُوا في ذَلِكَ الشَّكِّ والإسْرافِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، بَلْ إمّا بِناءً عَلى التَّقْلِيدِ المُجَرَّدِ، وإمّا بِناءً عَلى شُبُهاتٍ خَسِيسَةٍ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمَقْتُ هو أنْ يَبْلُغَ المَرْءُ في القَوْمِ مَبْلَغًا عَظِيمًا فَيَمْقُتَهُ اللَّهُ ويَبْغَضَهُ ويُظْهِرَ خِزْيَهُ وتَعْسَهُ.

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّهِ لَهم بِأنَّهم يُجادِلُونَ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ حَسَنٌ وحَقٌّ، وفِيهِ إبْطالٌ لِلتَّقْلِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهم لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ فاعِلًا لِلْفِعْلِ وماقِتًا لَهُ مُحالٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ يَمْقُتُ بَعْضَ عِبادِهِ إلّا أنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ واجِبَةُ التَّأْوِيلِ في حَقِّ اللَّهِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا المَقْتَ كَما حَصَلَ عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”قَلْبٍ“ مُنَوَّنًا ”مُتَكَبِّرٍ“ صِفَةً لِلْقَلْبِ والباقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى إضافَةِ القَلْبِ إلى المُتَكَبِّرِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الِاخْتِيارُ الإضافَةُ؛ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ وهو شاهِدٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ. الثّانِي: أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِالتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ أوْلى مِن وصْفِ القَلْبِ بِهِما، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّنْوِينِ فَقالُوا: إنَّ الكِبْرَ قَدْ أُضِيفَ إلى القَلْبِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافِرٍ: ٥٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَةٍ: ٢٨٣] وأيْضًا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ عَلى كُلِّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، وأيْضًا قالَ قَوْمٌ: الإنْسانُ الحَقِيقِيُّ هو القَلْبُ. وهَذا البَحْثُ طَوِيلٌ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ

صفحة ٥٦

قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] قالُوا: ومَن أضافَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَلامُ في الطَّبْعِ والرَّيْنِ والقَسْوَةِ والغِشاوَةِ قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ بِالِاسْتِقْصاءِ، وأصْحابُنا يَقُولُونَ: قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الطَّبْعَ إنَّما حَصَلَ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في نَفْسِهِ مُتَكَبِّرًا جَبّارًا، وعِنْدَ هَذا تَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِن وجْهٍ، وعَلَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ، والقَوْلُ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ الوَجْهانِ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ وهو أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ دَواعِيَ الكِبْرِ والرِّياسَةِ في القَلْبِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الدَّواعِي مانِعَةً مِن حُصُولِ ما يَدْعُونَ إلى الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ، فَيَكُونُ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ صَحِيحًا، ويَكُونُ تَعْلِيلُ الصَّدِّ عَنِ الدِّينِ بِكَوْنِهِ مُتَجَبِّرًا مُتَكَبِّرًا باقِيًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْناهُ في القَضاءِ والقَدَرِ هو الَّذِي يَنْطَبِقُ لَفْظُ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا بُدَّ مِن بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ المُتَكَبِّرِ والجَبّارِ، قالَ مُقاتِلٌ: ”مُتَكَبِّرٍ“ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ ”جَبّارٍ“ في غَيْرِ حَقٍّ، وأقُولُ: كَمالُ السَّعادَةِ في أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ التَّكَبُّرُ كالمُضادِّ لِلتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والجَبَرُوتُ كالمُضادِّ لِلشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском