Ar-RaziGhafir · 40:60–68

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:60–68

40:60–63Page 474

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١

It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢

That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?

كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣

Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ لا يَنْتَفِعُ في يَوْمِ القِيامَةِ إلّا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، ولَمّا كانَ أشْرَفُ أنْواعِ الطّاعاتِ الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي﴾ فَقِيلَ إنَّهُ الأمْرُ بِالدُّعاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ بِالدُّعاءِ أمْرٌ بِمُطْلَقِ العِبادَةِ لَما بَقِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ مَعْنًى، وأيْضًا الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ

صفحة ٧١

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الدُّعاءَ هو اعْتِرافٌ بِالعُبُودِيَّةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تارِكَ الدُّعاءِ إنَّما تَرَكَهُ لِأجْلِ أنْ يَسْتَكْبِرَ عَنْ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ: إنَّ الدُّعاءَ بِمَعْنى العِبادَةِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، بِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَدْ يُدْعى كَثِيرًا فَلا يُسْتَجابُ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى شَرْطٍ، ومَن دَعا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِالدُّعاءِ مَصْلَحَةً وحِكْمَةً، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: فَما هو أصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلا دُعاءٍ، فَما الفائِدَةُ في الدُّعاءِ ؟ .

وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ وهَذا إحْسانٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى تَرْكِ الدُّعاءِ، فَإنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ يُوجِبُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ العَقْلَ إذا كانَ مُسْتَغْرِقًا في الثَّناءِ كانَ ذَلِكَ أضَلَّ مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ قَبْلَ طَلَبِكَ لِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ العَظِيمَةِ، ومَن أنْعَمَ قَبْلَ السُّؤالِ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ فَكَيْفَ لا يُنْعِمُ بِالأشْياءِ القَلِيلَةِ بَعْدَ السُّؤالِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالدُّعاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدَّلائِلَ العَشْرَةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأقْسامٌ كَثِيرَةٌ أحَدُها: تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، و(لَمّا) كانَ أكْثَرُ مَصالِحِ العالَمِ مَرْبُوطًا بِهِما فَذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في هَذا المَقامِ، وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللَّيْلِ حُصُولُ الرّاحَةِ بِسَبَبِ النَّوْمِ والسُّكُونِ، والحِكْمَةَ في خَلْقِ النَّهارِ إبْصارُ الأشْياءِ لِيَحْصُلَ مُكْنَةُ التَّصَرُّفِ فِيها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، أمّا أنَّ السُّكُونَ في وقْتِ النَّوْمِ سَبَبٌ لِلرّاحَةِ فَبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَرَكاتِ تُوجِبُ الإعْياءَ مِن حَيْثُ إنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ السُّخُونَةَ والجَفافَ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّألُّمَ، والثّانِي: أنَّ الإحْساسَ بِالأشْياءِ إنَّما يُمْكُنُ بِإيصالِ

صفحة ٧٢

الأرْواحِ الجُسْمانِيَّةِ إلى ظاهِرِ الحِسِّ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأرْواحَ تَتَحَلَّلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحَرَكاتِ فَتَضْعُفُ الحَواسُّ والإحْساساتُ، وإذا نامَ الإنْسانُ عادَتِ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ في باطِنِ البَدَنِ ورُكِّزَتْ وقَوِيَتْ وتَخَلَّصَتْ عَنِ الإعْياءِ، وأيْضًا اللَّيْلُ بارِدٌ رَطْبٌ فَبُرُودَتُهُ ورُطُوبَتُهُ يَتَدارَكانِ ما حَصَلَ في النَّهارِ مِنَ الحَرِّ والجَفافِ بِسَبَبِ ما حَدَثَ مِن كَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَهَذِهِ هي المَنافِعُ المَعْلُومَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما لَمْ يَحْصُلْ مَدِينَةٌ تامَّةٌ لَمْ تَنْتَظِمْ مُهِمّاتُ الإنْسانِ في مَأْكُولِهِ ومَشْرُوبِهِ ومَلْبَسِهِ ومَنكَحِهِ، وتِلْكَ المُهِمّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا بِأعْمالٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ الأعْمالُ تَصَرُّفاتٌ في أُمُورٍ، وهَذِهِ التَّصَرُّفاتُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالضَّوْءِ والنُّورِ حَتّى يُمَيِّزَ الإنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النُّورِ بَيْنَ ما يُوافِقُهُ وبَيْنَ ما لا يُوافِقُهُ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كانَ الواجِبُ بِحَسَبِ رِعايَةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، أوْ فَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قالَ في اللَّيْلِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وقالَ في النَّهارِ مُبْصِرًا فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ وأيْضًا فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ مَعَ أنَّ النَّهارَ أشْرَفُ مِنَ اللَّيْلِ ؟

قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّوْمَ في الحَقِيقَةِ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ فَهو غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، أمّا اليَقَظَةُ فَأُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ، وهي مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ أنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الِاسْمِ عَلى التَّمامِ والكَمالِ أقْوى مِن دَلالَةِ صِيغَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَهَذا هو السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ واللَّهُ أعْلَمُ.

وأمّا الجَوابُ عَنِ الثّانِي: فَهو أنَّ الظُّلْمَةَ طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ والنُّورَ طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ والعَدَمُ في المُحْدَثاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الوُجُودِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ البالِغَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ كَثِيرٌ جِدًّا ولَكِنَّهم لا يَشْكُرُونَهُ، وأعْلَمُ أنَّ تَرْكَ الشُّكْرِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها وواجِبَةُ الدَّوَرانِ لِذَواتِها، فَحِينَئِذٍ هَذا الرَّجُلُ لا يَعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، وثانِيها أنَّ الرَّجُلَ وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ كُلَّ العالَمِ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، أعْنِي نِعْمَةَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَمّا دامَتْ واسْتَمَرَّتْ نَسِيَها الإنْسانُ، فَإذا ابْتُلِيَ الإنْسانُ بِفُقْدانِ شَيْءٍ مِنها عَرَفَ قَدْرَها مِثْلَ أنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِ النّاسِ والعِياذُ بِاللَّهِ أنْ يَحْبِسَهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ في آبارٍ عَمِيقَةٍ مُظْلِمَةٍ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ الإنْسانُ قَدْرَ نِعْمَةِ الهَواءِ الصّافِي وقَدْرَ نِعْمَةِ الضَّوْءِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المُلُوكِ كانَ يُعَذِّبُ بَعْضَ خَدَمِهِ بِأنْ أمَرَ أقْوامًا حَتّى يَمْنَعُوهُ عَنِ الِاسْتِنادِ إلى الجِدارِ، وعَنِ النَّوْمِ فَعَظُمَ وقْعُ هَذا التَّعْذِيبِ.

وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ

صفحة ٧٣

شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.

40:64–67Page 474

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤

It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.

هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥

He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.

۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦

Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧

It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنا بَيَّنّا أنَّ دَلائِلَ وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ إمّا أنْ تَكُونَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ دَلائِلِ الأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فالمُرادُ كُلُّ ما هو غَيْرُ الإنْسانِ مِن كُلِّ هَذا العالَمِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أقْسامٌ مِنها أحْوالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ.

وثانِيها: الأرْضُ والسَّماءُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَرارًا﴾ أيْ مَنزِلًا في حالِ الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ مَسَكَ الأرْضَ بِلا عَمَدٍ حَتّى أمْكَنَ التَّصَرُّفَ عَلَيْها ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ أيْ قائِمًا ثابِتًا وإلّا لَوَقَعَتْ عَلَيْنا، وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فالمُرادُ مِنها دَلالَةُ أحْوالِ بَدَنِ الإنْسانِ ودَلالَةُ أحْوالِ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ، والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمانِ أحَدُها: ما هو حاصِلٌ مُشاهَدٌ حالَ كَمالِ حالِهِ، والثّانِي: ما كانَ حاصِلًا في ابْتِداءِ خِلْقَتِهِ وتَكْوِينِهِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَأنْواعٌ كَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعٌ ثَلاثَةٌ أوَّلُها: حُدُوثُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ وثانِيها: حُسْنُ صُورَتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وثالِثُها: أنَّهُ رَزَقَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وقَدْ أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ

صفحة ٧٤

الدَّلائِلَ الخَمْسَةَ اثْنَيْنِ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وثَلاثَةً مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ: تَبارَكَ إمّا الدَّوامُ والثَّباتُ وإمّا كَثْرَةُ الخَيْراتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ وأنْ لا حَيَّ إلّا هو، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أنْ يَمُوتَ امْتِناعًا ذاتِيًّا وحِينَئِذٍ لا حَيَّ إلّا هو فَكَأنَّهُ أجْرى الشَّيْءَ الَّذِي يَجُوزُ زَوالُهُ مَجْرى المَعْدُومِ.

واعْلَمْ أنَّ الحَيَّ عِبارَةٌ عَنِ الدّارِكِ الفَعّالِ، والدّارِكُ إشارَةٌ إلى العِلْمِ التّامِّ، والفَعّالُ إشارَةٌ إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، ولَمّا نَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِن صِفاتِ الجَلالِ نَبَّهَ عَلى الصِّفَةِ الثّالِثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ بِقَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا هو، ولَمّا وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أمَرَ العِبادَ بِشَيْئَيْنِ:

أحَدُها: بِالدُّعاءِ، والثّانِي: بِالإخْلاصِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعِزَّةِ اسْتَحَقَّ لِذاتِهِ أنْ يُقالَ لَهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَأوْرَدَ ذَلِكَ عَلى المُشْرِكِينَ بِألْيَنِ قَوْلٍ لِيَصْرِفَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وبَيَّنَ أنَّ وجْهَ النَّهْيِ في ذَلِكَ ما جاءَهُ مِنَ البَيِّناتِ، وتِلْكَ البَيِّناتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِهِ، وأنَّ جَعْلَ الأحْجارِ المَنحُوتَةِ والخُشُبِ المُصَوَّرَةِ شُرَكاءَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ مُسْتَنْكَرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأحْكامَ في حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ في غايَةِ العَقْلِ وكَمالِ الجَوْهَرِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ فَإنَّهُ لا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلّا الأفْضَلَ الأكْمَلَ، فَإذا ذَكَرَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ظَهَرَ بِهِ أنَّ هَذا الطَّرِيقَ أكْمَلُ مِن كُلِّ ما سِواهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ .

واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الدَّلائِلَ عَلى قِسْمَيْنِ: دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، أمّا دَلائِلُ الآفاقِ فَكَثِيرَةٌ والمَذْكُورُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والأرْضُ، والسَّماءُ.

وأمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّها عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُها: الأحْوالُ الحاضِرَةُ حالَ كَمالِ الصِّحَّةِ وهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمَذْكُورُ هَهُنا مِنها ثَلاثَةُ أنْواعٍ: الصُّورَةُ وحُسْنُ الصُّورَةِ ورِزْقُ الطَّيِّباتِ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو كَيْفِيَّةُ تَكَوُّنِ هَذا البَدَنِ مِنِ ابْتِداءِ كَوْنِهِ نُطْفَةً وجَنِينًا إلى آخِرِ الشَّيْخُوخَةِ والمَوْتِ فَهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ آدَمُ، وعِنْدِي لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ فَهو مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ.

فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحالُ في تَكَوُّنِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في تَكَوُّنِ الإنْسانِ، فالأغْذِيَةُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى النَّباتِيَّةِ والنَّبْتُ إنَّما يَكُونُ مِنَ التُّرابِ يَصِيرُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَقَةً مَراتِبُ كَثِيرَةٌ إلى أنْ يَنْفَصِلَ مِن بَطْنِ الأُمِّ، فاللَّهُ تَعالى تَرَكَ ذِكْرَها هَهُنا لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَها في سائِرِ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عُمْرَ الإنْسانِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ أوَّلُها: كَوْنُهُ طِفْلًا، وثانِيها: أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ، وثالِثُها: الشَّيْخُوخَةُ وهَذا تَرْتِيبٌ صَحِيحٌ مُطابِقٌ لِلْعَقْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ عُمْرِهِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والنُّشُوءِ

صفحة ٧٥

والنَّماءِ وهو المُسَمّى بِالطُّفُولِيَّةِ.

والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَبْلُغَ إلى كَمالِ النُّشُوءِ وإلى أشُدِّ السِّنِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّعْفِ والنَّقْصِ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وإذا عَرَفْتَ هَذا التَّقْسِيمَ عَرَفْتَ أنَّ مَراتِبَ العُمْرِ بِحَسَبِ هَذا التَّقْسِيمِ لا تَزِيدُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ " قَوْلُهُ ﴿لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ إذا خَرَجَ سَقْطًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ ومَعْناهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى وهو وقْتُ المَوْتِ وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما في هَذِهِ الأحْوالِ العَجِيبَةِ مِن أنْواعِ العِبَرِ وأقْسامِ الدَّلائِلِ.

40:68Page 475

هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨

He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْتِقالَ الإنْسانِ مِن كَوْنِهِ تُرابًا إلى كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ إلى كَوْنِهِ عَلَقَةً ثُمَّ إلى كَوْنِهِ طِفْلًا ثُمَّ إلى بُلُوغِ الأشُدِّ ثُمَّ إلى الشَّيْخُوخَةِ واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَعْنِي كَما أنَّ الِانْتِقالَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها يَدُلُّ عَلى الإلَهِ القادِرِ، فَكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ وبِالعَكْسِ يَدُلُّ عَلى الإلَهِ القادِرِ، وقَوْلُهُ ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا نَقَلَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن بَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى لَمْ يَتْعَبْ في ذَلِكَ التَّصَرُّفِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى آلَةٍ وأداةٍ، فَعَبَّرَ عَنْ نَفاذِ قُدْرَتِهِ في الكائِناتِ والمُحْدَثاتِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ ولا مُدافِعٍ بِما إذا قالَ: (كُنْ فَيَكُونُ) .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِقَوْلِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِانْتِقالُ مِن كَوْنِهِ تُرابًا إلى كَوْنِهِ نُطْفَةً، ثُمَّ إلى كَوْنِهِ عَلَقَةً، انْتِقالاتٌ تَحْصُلُ عَلى التَّدَرُّجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأمّا صَيْرُورَةُ الحَياةِ فَهي إنَّما تَحْصُلُ لِتَعْلِيقِ جَوْهَرِ الرُّوحِ النُّطْقِيَّةِ بِهِ، وذَلِكَ يَحْدُثُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ تَكَوُّنَ الإنْسانِ إنَّما يَنْعَقِدُ مِنَ المَنِيِّ والدَّمِ في الرَّحِمِ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وبِحَسَبِ انْتِقالاتِهِ مِن حالاتٍ إلى حالاتٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ إنْسانٍ عَنْ إنْسانٍ آخَرَ؛ لِأنَّ التَّسَلْسُلَ مُحالٌ، ووُقُوعُ الحادِثِ في الأزَلِ مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِإنْسانٍ هو أوَّلُ النّاسِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ الإنْسانِ لا بِواسِطَةِ المَنِيِّ والدَّمِ، بَلْ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском