Ar-RaziFussilat · 41:30–36

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:30–36

41:30–32Page 480

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh" and then remained on a right course - the angels will descend upon them, [saying], "Do not fear and do not grieve but receive good tidings of Paradise, which you were promised.

نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١

We [angels] were your allies in worldly life and [are so] in the Hereafter. And you will have therein whatever your souls desire, and you will have therein whatever you request [or wish]

نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢

As accommodation from a [Lord who is] Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِهَذا الوَعْدِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الكَمالاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ وأشْرَفُ المَراتِبِ النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، وذَكَرْنا أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: العِلْمُ اليَقِينِيُّ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةُ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَئِيسُها أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَقِيمًا في الوَسَطِ غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ أيْضًا: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وإلَيْهِ الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ .

وسَمِعْتُ أنَّ القارِئَ قَرَأ في مَجْلِسِ العَبّادِيِّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ العَبّادِيُّ: والقِيامَةُ في القِيامَةِ، بِقَدْرِ الِاسْتِقامَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القَوْلَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ الِاسْتِقامَةَ، فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ الِاسْتِقامَةَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ مَقْرُونًا بِاليَقِينِ التّامِّ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ عِباراتٌ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إلَهٍ غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في أنْواعٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرِ البَتَّةَ عَنْ دِينِهِ، فَكانَ هو الَّذِي قالَ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وبَقِيَ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.

وأقُولُ: يُمْكِنُ فِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ مَن أقَرَّ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا بَقِيَتْ لَهُ مَقاماتٌ أُخْرى، فَأوَّلُها: أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ، بَلْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَذا في الرَّجاءِ والقُنُوطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالُوا وهَذا أوْلى حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُتَناوِلًا لِلْقَوْلِ والِاعْتِقادِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ مُتَناوِلًا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ عِنْدَ المَوْتِ وقِيلَ في مَواقِفَ ثَلاثَةٍ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ إلى القِيامَةِ (ألّا تَخافُوا) أنْ بِمَعْنى أيْ أوْ بِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرٌ

صفحة ١٠٦

الشَّأْنِ، واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في رِعايَةِ المَصالِحِ دَفْعُ المَضارِّ وجَلْبُ المَنافِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ المَضَرَّةِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن جَلْبِ المَصْلَحَةِ، والمَضَرَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في المُسْتَقْبَلِ أوْ في الحالِ أوْ في الماضِي، وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ المُسْتَقْبَلَ مُقَدَّمٌ عَلى الحاضِرِ، والحاضِرَ مُقَدَّمٌ عَلى الماضِي، فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ ويُتَوَقَّعُ حُدُوثُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا، فَإذا وُجِدَ يَصِيرُ حاضِرًا، فَإذا عُدِمَ وفَنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ماضِيًا، وأيْضًا المُسْتَقْبَلُ في كُلِّ ساعَةٍ يَصِيرُ أقْرَبَ حُصُولًا والماضِي في كُلِّ حالَةٍ أبْعَدُ حُصُولًا، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ:

فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ

وإذا ثَبَتَ هَذا فالمَضارُّ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حُصُولُها في المُسْتَقْبَلِ أوْلى بِالدَّفْعِ مِنَ المَضارِّ الماضِيَةِ، وأيْضًا الخَوْفُ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَضَرَّةٍ في المُسْتَقْبَلِ، والغَمُّ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ قُوَّةِ نَفْعٍ كانَ مَوْجُودًا في الماضِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَدَفْعُ الخَوْفِ أوْلى مِن دَفْعِ الحُزْنِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الغَمِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا حُزْنٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن أحْوالِ الدُّنْيا، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ زالَتِ المَضارُّ والمَتاعِبُ بِالكُلِّيَّةِ.

ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يُبَشَّرُونَ بِحُصُولِ المَنافِعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: البِشارَةُ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الأوَّلِ بِحُصُولِ المَنافِعِ، فَأمّا إذا أخْبَرَ الرَّجُلُ بِحُصُولِ مَنفَعَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِحُصُولِها كانَ الإخْبارُ الثّانِي إخْبارًا ولا يَكُونُ بِشارَةً، والمُؤْمِنُ قَدْ يَسْمَعُ بِشاراتِ الخَيْرِ فَإذا سَمِعَ المُؤْمِنُ هَذا الخَبَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا ولا يَكُونَ بِشارَةً، فَما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ هَذا الخَبَرِ بِالبِشارَةِ ؟ قُلْنا: المُؤْمِنُ يَسْمَعُ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كانَ لَهُ الجَنَّةُ، أمّا مَن لَمْ يَسْمَعِ البَتَّةَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا سَمِعَ هَذا الكَلامَ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ هَذا إخْبارًا بِنَفْعٍ عَظِيمٍ مَعَ أنَّهُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ لا يَكُونُ فازِعًا مِنَ الأهْوالِ ومِنَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ، بَلْ يَكُونُ آمِنَ القَلْبِ ساكِنَ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ يُفِيدُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الإطْلاقِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] ومَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، والمَقاماتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها.

وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدِّينا فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَشْيِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتُ الجُسْمانِيَّةُ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ، كَما قالَ ﷺ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ

صفحة ١٠٧

بِالشَّمْسِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] فَإنَّ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، قالَ العارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى النُّزُلِ، والكَرِيمُ إذْ أعْطى النُّزُلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَبْعَثَ الخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَها، وتِلْكَ الخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إلّا السَّعاداتِ الحاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والتَّجَلِّي والكَشْفِ التّامِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا لَها أهْلًا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

41:33–36Page 480

وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣

And who is better in speech than one who invites to Allāh and does righteousness and says, "Indeed, I am of the Muslims."

وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤

And not equal are the good deed and the bad. Repel [evil] by that [deed] which is better; and thereupon, the one whom between you and him is enmity [will become] as though he was a devoted friend.

وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥

But none is granted it except those who are patient, and none is granted it except one having a great portion [of good].

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦

And if there comes to you from Satan an evil suggestion, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ

صفحة ١٠٨

السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها، فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الِاشْتِغالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فَهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ في نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً ونِصابًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنُ ولا أكْمَلُ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ هو الرَّسُولُ ﷺ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُؤَذِّنُونَ، ولَكِنَّ الحَقَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ كُلَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهو داخِلٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ مَراتِبُ:

فالمَرْتَبَةُ الأُولى: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِحَةٌ عَلى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثانِيًا، وقَلَّما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.

وثانِيها: أنَّهم هُمُ المُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وأمّا العُلَماءُ فَإنَّهم يَبْنُونَ دَعْوَتَهم عَلى دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، والشّارِعُ في إحْداثِ الأمْرِ الشَّرِيفِ عَلى طَرِيقِ الِابْتِداءِ أفْضَلُ.

وثالِثُها: أنَّ نُفُوسَهم أقْوى قُوَّةً، وأرْواحَهم أصْفى جَوْهَرًا، فَكانَتْ تَأْثِيراتُها في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ وإشْراقِ الأرْواحِ الكَدِرَةِ أكْمَلَ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم أفْضَلَ.

ورابِعُها: أنَّ النُّفُوسَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ناقِصَةٌ وكامِلَةٌ لا تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وكامِلَةٌ تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.

فالقِسْمُ الأوَّلُ: العَوامُّ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ: هُمُ الأنْبِياءُ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ ﷺ: «”عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ“» وإذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّ نَفْسَ الأنْبِياءِ حَصَلَتْ لَها مَيْزَتانِ: الكَمالُ في الذّاتِ، والتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكانَتْ قُوَّتُهم عَلى الدَّعْوَةِ أقْوى، وكانَتْ دَرَجاتُهم أفْضَلَ وأكْمَلَ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، أمّا العُلَماءُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في العِلْمِ، وأمّا المُلُوكُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في القُدْرَةِ، والعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأرْواحِ، والقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسادِ، فالعُلَماءُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأرْواحِ، والمُلُوكُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأجْسادِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ أكْمَلَ الدَّرَجاتِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بَعْدَ الأنْبِياءِ دَرَجَةً العُلَماءُ، ثُمَّ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: العُلَماءُ بِاللَّهِ، والعُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ، والعُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ.

أمّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الحُكَماءُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأمّا العُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَهم أصْحابُ الأُصُولِ، وأمّا العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الفُقَهاءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ دَرَجاتٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُلُوكُ فَهم أيْضًا يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إمّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ المُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وإمّا بِإيقاعِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنا: المُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وأمّا المُؤَذِّنُونَ فَهم يَدْخُلُونَ في هَذا البابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أمّا دُخُولُهم فِيهِ فَلِأنَّ ذِكْرَ كَلِماتِ الأذانِ دَعْوَةٌ إلى الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وأمّا كَوْنُ

صفحة ١٠٩

هَذِهِ المَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً؛ فَلِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِمَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها، إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِذِكْرِها تِلْكَ المَعانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ، في مَراتِبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ مِن كُلِّ ما سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.

وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.

فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ

صفحة ١١٠

الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ والمُرادُ بِالحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الدِّينِ الحَقِّ، والصَّبْرِ عَلى جَهالَةِ الكُفّارِ، وتَرْكِ الِانْتِقامِ، وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الجَلافَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وفِعْلُهم سَيِّئَةٌ، ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَعْنِي ادْفَعْ سَفاهَتَهم وجَهالَتَهم بِالطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ الطُّرُقِ، فَإنَّكَ إذا صَبَرْتَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَمْ تُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالغَضَبِ ولا إضْرارَهم بِالإيذاءِ والإيحاشِ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَرَكُوا تِلْكَ الأفْعالَ القَبِيحَةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ يَعْنِي إذا قابَلْتَ إساءَتَهم بِالإحْسانِ، وأفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ تَرَكُوا أفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ وانْقَلَبُوا مِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ ومِنَ البِغْضَةِ إلى المَوَدَّةِ، ولَمّا أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الطَّرِيقِ النّافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ عَظَّمَهُ، فَقالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ في القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالِانْتِقامِ والدَّفْعِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَأثُّرِ النَّفْسِ، وتَأثُّرُ النَّفْسِ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ضَعْفِ النَّفْسِ، فَأمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ قَوِيَّةَ الجَوْهَرِ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ، وإذا لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها لَمْ تَضْعُفْ ولَمْ تَتَأذَّ ولَمْ تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السِّيرَةَ الَّتِي شَرَحْناها لا يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن قُوَّةِ النَّفْسِ وصَفاءِ الجَوْهَرِ وطَهارَةِ الذّاتِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَدْحٌ بِفِعْلِ الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وعْدٌ بِأعْظَمِ الحَظِّ مِنَ الثَّوابِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الطَّرِيقَ الكامِلَ في دَفْعِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ، وفي تَرْكِ الخُصُومَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ عَظِيمَ النَّفْعِ أيْضًا في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ مُفَسَّرَةٌ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّزْغُ والنَّسْغُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو شِبْهُ النَّخْسِ، والشَّيْطانُ يَنْزِغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ بِبَعْثِهِ عَلى ما لا يَنْبَغِي وجُعِلَ النَّزْغُ نازِغًا، كَما قِيلَ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ أُرِيدَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.

وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا شَرَّعْتُ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى شَأْنِكَ ولا تُطِعْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском