Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:10–29
44:10–16Page 496
فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠
Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١
Covering the people; this is a painful torment.
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢
[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣
How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤
Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥
Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ انْتَظِرْ، ويُقالُ ذَلِكَ في المَكْرُوهِ، والمَعْنى: انْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ عَذابَهم، فَحُذِفَ مَفْعُولُ الِارْتِقابِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ مَفْعُولَ الِارْتِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِدُخانٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عَلى قَوْمِهِ بِمَكَّةَ لَمّا كَذَّبُوهُ فَقالَ: («اللَّهُمَّ اجْعَلْ سِنِيَّهِمْ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» ) فارْتَفَعَ المَطَرُ وأجْدَبَتِ الأرْضُ وأصابَتْ قُرَيْشًا شِدَّةُ المَجاعَةِ حَتّى أكَلُوا العِظامَ والكِلابَ والجِيَفَ، فَكانَ الرَّجُلُ لِما بِهِ مِنَ الجُوعِ يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كالدُّخانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ ومُقاتِلٍ ومُجاهِدٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الدُّخانُ إلّا هَذا الَّذِي أصابَهم مِن شِدَّةِ الجُوعِ كالظُّلْمَةِ في أبْصارِهِمْ حَتّى كانُوا كَأنَّهم يَرَوْنَ دُخانًا، فالحاصِلُ أنَّ هَذا الدُّخانَ هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ بِهَذِهِ الحالَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ في سَنَةِ القَحْطِ يَعْظُمُ يُبْسُ الأرْضِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ المَطَرِ، ويَرْتَفِعُ المَطَرُ ويَرْتَفِعُ الغُبارُ الكَثِيرُ ويُظْلِمُ الهَواءُ، وذَلِكَ يُشْبِهُ الدُّخانَ ولِهَذا يُقالُ لِسَنَةِ المَجاعَةِ: الغَبْراءُ.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ الشَّرَّ الغالِبَ بِالدُّخانِ فَيَقُولُ: كانَ بَيْنَنا أمْرٌ ارْتَفَعَ لَهُ دُخانٌ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّ خَوْفُهُ أوْ ضَعْفُهُ أظْلَمَتْ عَيْناهُ فَيَرى الدُّنْيا كالمَمْلُوءَةِ مِنَ الدُّخانِ.
والقَوْلُ الثّانِي في الدُّخانِ: أنَّهُ دُخانٌ يَظْهَرُ في العالَمِ وهو إحْدى عَلاماتِ القِيامَةِ، قالُوا: فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ حَصَلَ لِأهْلِ الإيمانِ مِنهُ حالَةٌ تُشْبِهُ الزُّكامَ، وحَصَلَ لِأهْلِ الكُفْرِ حالَةٌ يَصِيرُ لِأجْلِها رَأْسُهُ كَرَأْسِ الحَنِيذِ، وهَذا القَوْلُ هو المَنقُولُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلٌ مَشْهُورٌ لِابْنِ عَبّاسٍ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُودَ دُخانٍ تَأْتِي بِهِ السَّماءُ، وما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الظُّلْمَةِ الحاصِلَةِ في العَيْنِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الجُوعِ فَذاكَ لَيْسَ بِدُخانٍ أتَتْ بِهِ السَّماءُ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ لا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، والحالَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها عارِضَةٌ تَعْرِضُ لِبَعْضِ النّاسِ في أدْمِغَتِهِمْ، ومِثْلُ هَذا لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ دُخانًا مُبِينًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ الدُّخانَ بِأنَّهُ يَغْشى النّاسَ، وهَذا إنَّما يَصْدُقُ إذا وصَلَ
صفحة ٢٠٨
ذَلِكَ الدُّخانُ إلَيْهِمْ واتَّصَلَ بِهِمْ، والحالُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها لا تُوصَفُ بِأنَّها تَغْشى النّاسَ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العُدُولَ مِنَ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («أوَّلُ الآياتِ الدُّخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ، وقالَ: دُخانٌ يَمْلَأُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وأمّا الكافِرُ فَهو كالسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ» ) رَواهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ .
ورَوى القاضِي عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («باكِرُوا بِالأعْمالِ سِتًّا، وذَكَرَ مِنها طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدَّجّالَ والدُّخانَ والدّابَّةَ» )، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ قِيامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، والقَوْمُ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ الدَّلِيلَ فَكانَ المَصِيرُ إلى ما ذَكَرُوهُ مُشْكِلًا جِدًّا، فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، وهَذا إذا حَمَلْناهُ عَلى القَحْطِ الَّذِي وقَعَ بِمَكَّةَ اسْتَقامَ، فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّ القَحْطَ لَمّا اشْتَدَّ بِمَكَّةَ مَشى إلَيْهِ أبُو سُفْيانَ وناشَدَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ وأوْعَدَهُ أنَّهُ إنْ دَعا لَهم وأزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ البَلِيَّةَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَلَمّا أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ رَجَعُوا إلى شِرْكِهِمْ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ظُهُورُ عَلامَةٍ مِن عَلاماتِ القِيامَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاماتِ القِيامَةِ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولَمْ يَصِحَّ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهم: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ هَذِهِ العَلامَةِ جارِيًا مَجْرى ظُهُورِ سائِرِ عَلاماتِ القِيامَةِ في أنَّهُ لا يُوجِبُ انْقِطاعَ التَّكْلِيفِ فَتَحْدُثُ هَذِهِ الحالَةُ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ يَخافُونَ جِدًّا فَيَتَضَرَّعُونَ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ عادُوا إلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا فَقَدْ سَقَطَ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ ظاهِرِ الحالِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّهُ دُخانٌ يَغْشى النّاسَ أيْ يَشْمَلُهم وهو في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بِدُخانٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وهو (يَقُولُونَ)، ويَقُولُونَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ “ النَّظْمِ “: هَذا إشارَةٌ إلَيْهِ وإخْبارٌ عَنْ دُنُوِّهِ واقْتِرابِهِ كَما يُقالُ: هَذا العَدُوُّ فاسْتَقْبِلْهُ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القُرْبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ فَإنْ قُلْنا: التَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ (هَذا عَذابٌ ألِيمٌ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ) فالمَعْنى ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُضْمَرِ القَوْلُ هُناكَ أضْمَرْناهُ هَهُنا، والعَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هو القَحْطُ الشَّدِيدُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: المُهْلِكُ. ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ، والمُرادُ مِنهُ الوَعْدُ بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ يَعْنِي كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وكَيْفَ يَتَّعِظُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ وقَدْ جاءَهم ما هو أعْظَمُ وأدْخَلُ في وُجُوبِ الطّاعَةِ وهو ما ظَهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ؟ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾
صفحة ٢٠٩
ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانَ لَهم في ظُهُورِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلانِ: مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن بَعْضِ النّاسِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ والجِنُّ يُلْقُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الكَلِماتِ حالَ ما يَعْرِضُ لَهُ الغَشْيُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ أيْ كَما يَكْشِفُ العَذابَ عَنْكم تَعُودُونَ في الحالِ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لا يُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ، وأنَّهم في حالِ العَجْزِ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا زالَ الخَوْفُ عادُوا إلى الكُفْرِ والتَّقْلِيدِ لِمَذاهِبِ الأسْلافِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ نَبْطُشُ بِضَمِّ الطّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ نُبْطِشُ بِضَمِّ النُّونِ كَأنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ المَلائِكَةَ بِأنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، والبَطْشُ الأخْذُ بِشِدَّةٍ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِوَقْعِ الضَّرْبِ المُتَتابِعِ ثُمَّ صارَ بِحَيْثُ يُسْتَعْمَلُ في إيصالِ الآلامِ المُتَتابِعَةِ، وفي المُرادِ بِهَذا اليَوْمِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ وأبِي العالِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قالُوا: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَما أزالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَحْطَ والجُوعَ عادُوا إلى التَّكْذِيبِ فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: البَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ لِأنَّ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي يُوصَفُ بِهَذا الوَصْفِ العَظِيمِ، ولِأنَّ الِانْتِقامَ التّامَّ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، ولِأنَّ هَذِهِ البَطْشَةَ لَمّا وُصِفَتْ بِكَوْنِها كُبْرى عَلى الإطْلاقِ وجَبَ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ البَطْشِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا في القِيامَةِ، ولَفْظُ الِانْتِقامِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهاتِ كالغَضَبِ والحَياءِ والتَّعَجُّبِ، والمَعْنى مَعْلُومٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
44:17–29Page 496
۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧
And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],
أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨
[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩
And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.
وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠
And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١
But if you do not believe me, then leave me alone."
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢
And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.
فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣
[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤
And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥
How much they left behind of gardens and springs
وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦
And crops and noble sites
وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧
And comfort wherein they were amused.
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨
Thus. And We caused to inherit it another people.
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ .
صفحة ٢١٠
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أيْضًا كانُوا كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفَةِ في أكْثَرِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ قُرِئَ: (ولَقَدْ فَتَّنّا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّأْكِيدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَلَيْنا، وقالَ الزَّجّاجُ: بَلَوْنا، والمَعْنى: عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِبَعْثِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ، ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ وهو مُوسى، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الكَرِيمِ هَهُنا فَقالَ الكَلْبِيُّ: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، يَعْنِي أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلى رَبِّهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الإكْرامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَسَنُ الخُلُقِ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ قَوْمِهِ لِأنَّهُ قَلَّ ما بُعِثَ رَسُولٌ إلّا مِن أشْرافِ قَوْمِهِ وكِرامِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، وفي (أنْ) قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها أنِ المُفَسِّرَةُ وذَلِكَ لِأنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ إلى مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ لا يَجِيئُهم إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا وداعِيًا إلى اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ومَعْناهُ: وجاءَهم بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أدُّوا، وعِبادُ اللَّهِ مَفْعُولٌ بِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، يَقُولُ: أدُّوهم إلَيَّ وأرْسِلُوهم مَعِيَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ نِداءً لَهم، والتَّقْدِيرُ: أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ما هو واجِبٌ عَلَيْكم مِنَ الإيمانِ، وقَبُولِ دَعْوَتِي، واتِّباعِ سَبِيلِي، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ﴿رَسُولٌ أمِينٌ﴾ قَدِ ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ورِسالَتِهِ.
﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ أنْ هَذِهِ مِثْلُ الأُولى في وجْهَيْها، أيْ لا تَتَكَبَّرُوا عَلى اللَّهِ بِإهانَةِ وحْيِهِ ورَسُولِهِ، ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ يَعْتَرِفُ بِصِحَّتِها كُلُّ عاقِلٍ، ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنْ تَقْتُلُونِ، وقِيلَ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ بِالقَوْلِ فَتَقُولُوا: ساحِرٌ كَذّابٌ، ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أيْ إنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي ولَمْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ لِأجْلِ ما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ الحُجَّةِ، فاللّامُ في لِي لامُ الأجَلِ، ﴿فاعْتَزِلُونِ﴾ أيْ أخْلُوا سَبِيلِي لا لِي ولا عَلَيَّ.
قالَ مُصَنِّفُ الكُتّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ المُعْتَزِلَةَ يَتَصَلَّفُونَ ويَقُولُونَ: إنَّ لَفْظَ الِاعْتِزالِ أيْنَما جاءَ في القُرْآنِ كانَ المُرادُ مِنهُ الِاعْتِزالَ عَنِ الباطِلِ لا عَنِ الحَقِّ، فاتَّفَقَ حُضُورِي في بَعْضِ المَحافِلِ، وذَكَرَ بَعْضُهم هَذا الكَلامَ فَأوْرَدْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقُلْتُ: المُرادُ بِالِاعْتِزالِ في هَذِهِ الآيَةِ الِاعْتِزالُ عَنْ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وطَرِيقَتِهِ، وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ اعْتِزالٌ عَنِ الحَقِّ فانْقَطَعَ الرَّجُلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ الفاءُ في فَدَعا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ قَبْلَهُ، التَّأْوِيلُ أنَّهم كَفَرُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا فَدَعا مُوسى رَبَّهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ، فَإنْ قالُوا: الكُفْرُ أعْظَمُ حالًا مِنَ الجُرْمِ، فَما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ صِفَةَ الكُفّارِ كَوْنَهم مُجْرِمِينَ حالَ ما أرادَ المُبالَغَةَ في ذَمِّهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ مُجْرِمًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا في دِينِهِ أخَسَّ النّاسِ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: قُرِئَ (إنَّ هَؤُلاءِ) بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ فَدَعا رَبَّهُ فَقالَ: (إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ (فاسْرِ) مَوْصُولَةَ الألِفِ والباقُونَ مَقْطُوعَةَ الألِفِ، سَرى وأسْرى لُغَتانِ، أيْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ، أيْ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ذَلِكَ سَبَبًا
صفحة ٢١١
لِهَلاكِهِمْ، ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾، وفي الرَّهْوِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ السّاكِنُ، يُقالُ: عَيْشٌ راهٍ إذا كانَ خافِضًا وادِعًا، وافْعَلْ ذَلِكَ سَهْوًا رَهْوًا أيْ ساكِنًا بِغَيْرِ تَشَدُّدٍ، أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاوَزَ البَحْرَ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ فَيَنْطَبِقَ كَما كانَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَتْرُكَهُ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ قارًّا عَلى حالِهِ في انْفِلاقِ الماءِ وبَقاءِ الطَّرِيقِ يَبَسًا حَتّى تَدْخُلَهُ القِبْطُ فَإذا حَصَلُوا فِيهِ أطْبَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الرَّهْوَ هو الفُرْجَةُ الواسِعَةُ، والمَعْنى: ذا رَهْوٍ أيْ ذا فُرْجَةٍ يَعْنِي الطَّرِيقَ الَّذِي أظْهَرَهُ اللَّهُ فِيما بَيْنَ البَحْرِ (أنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) يَعْنِي اتْرُكِ الطَّرِيقَ كَما كانَ يَدْخُلُوا فَيَغْرَقُوا، وإنَّما أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ حَتّى يَبْقى فارِغَ القَلْبِ عَنْ شَرِّهِمْ وإيذائِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى أغْرَقَهم، ثُمَّ قالَ بَعْدَ غَرَقِهِمْ هَذا الكَلامَ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم تَرَكُوا هَذِهِ الأشْياءَ الخَمْسَةَ، وهي الجَنّاتُ والعُيُونُ والزُّرُوعُ والمَقامُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِالمَقامِ الكَرِيمِ: ما كانَ لَهم مِنَ المَجالِسِ والمَنازِلِ الحَسَنَةِ، وقِيلَ: المَنابِرُ الَّتِي كانُوا يَمْدَحُونَ فِرْعَوْنَ عَلَيْها، ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ قالَ عُلَماءُ اللُّغَةِ: نَعْمَةُ العَيْشِ، بِفَتْحِ النُّونِ، حُسْنُهُ ونَضارَتُهُ، ونِعْمَةُ اللَّهِ إحْسانُهُ وعَطاؤُهُ، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: النَّعْمَةُ بِالفَتْحِ مِنَ التَّنَعُّمِ وبِالكَسْرِ مِنَ الإنْعامِ، وقُرِئَ فاكِهِينَ وفَكِهِينَ، (كَذَلِكَ) الكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلِ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْناهم مِنها وأوْرَثْناها، أوْ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الأمْرَ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ لَيْسُوا مِنهم في شَيْءٍ مِن قَرابَةٍ ولا دِينٍ ولا ولاءٍ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا مُسْتَعْبَدِينَ في أيْدِيهِمْ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ وأوْرَثَهم مُلْكَهم ودِيارَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ في “ البَسِيطِ “: رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: («ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ: بابٌ يَخْرُجُ مِنهُ رِزْقُهُ، وبابٌ يَدْخُلُ فِيهِ عَمَلُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ» )، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى الأرْضِ عَمَلًا صالِحًا فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى السَّماءِ كَلامٌ طَيِّبٌ ولا عَمَلٌ صالِحٌ فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، فَحُذِفَ المُضافُ، والمَعْنى: ما بَكَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ولا المُؤْمِنُونَ، بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ عادَةَ النّاسِ جَرَتْ بِأنْ يَقُولُوا في هَلاكِ الرَّجُلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ: إنَّهُ أظْلَمَتْ لَهُ الدُّنْيا، وكَسَفَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ لِأجْلِهِ، وبَكَتِ الرِّيحُ والسَّماءُ والأرْضُ، ويُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في تَعْظِيمِ تِلْكَ المُصِيبَةِ لا نَفْسَ هَذا الكَذِبِ. ونَقَلَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن مُؤْمِنٍ ماتَ في غُرْبَةٍ غابَتْ فِيها بَواكِيهِ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ» ) .
وقالَ جَرِيرٌ:
الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ تُبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا
وفِيهِ ما يُشْبِهُ السُّخْرِيَةَ بِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ أنْفُسَهم، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَوْ ماتُوا لَبَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ، فَما كانُوا في هَذا الحَدِّ، بَلْ كانُوا دُونَ ذَلِكَ، وهَذا إنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
صفحة ٢١٢
ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ لَمْ يُنْظَرُوا إلى وقْتٍ آخَرَ لِتَوْبَةٍ وتَدارُكٍ وتَقْصِيرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences