Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:30–50
44:30–39Page 497
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إحْسانِهِ إلى مُوسى وقَوْمِهِ، واعْلَمْ أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى إيصالِ النَّفْعِ، فَبَدَأ تَعالى بِبَيانِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والإتْعابَ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ العَذابِ المُهِينِ الصّادِرِ مِن فِرْعَوْنَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ بَدَلًا مِنَ العَذابِ المُهِينِ، كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كانَ عَذابًا مُهِينًا لِإفْراطِهِ في تَعْذِيبِهِمْ وإهانَتِهِمْ.
قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (مِن عَذابِ المُهِينِ)، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالمُهِينُ هو فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ كانَ عَظِيمَ السَّعْيِ في إهانَةِ المُحِقِّينَ. وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ (مَن فِرْعَوْنُ) وهو بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ جَوابُهُ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ مَن هو في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ ؟ ثُمَّ عَرَّفَ حالَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ كانَ عالِيَ الدَّرَجَةِ في طَبَقَةِ المُسْرِفِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وكانَ أيْضًا مُسْرِفًا، ومِن إسْرافِهِ أنَّهُ عَلى حَقارَتِهِ وخِسَّتِهِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَيْفَ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أوْصَلَ إلَيْهِمُ الخَيْراتِ فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾، وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أيْ عالِمِينَ بِكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِأنْ يُخْتارُوا ويُرَجَّحُوا عَلى غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَعَ عِلْمِنا بِأنَّهم قَدْ يَزِيغُونَ ويَصْدُرُ عَنْهُمُ الفُرُطاتُ في بَعْضِ الأحْوالِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم أفْضَلَ مِن كُلِّ
صفحة ٢١٣
العالَمِينَ، فَقِيلَ: المُرادُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ مِثْلَ: فَلْقُ البَحْرِ، وتَظْلِيلُ الغَمامِ، وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرُها مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ الَّتِي ما أظْهَرَ اللَّهُ مِثْلَها عَلى أحَدٍ سِواهم، ﴿بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ أيْ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ يَبْلُو بِالمِحْنَةِ فَقَدْ يَبْلُو أيْضًا بِالنِّعْمَةِ اخْتِبارًا ظاهِرًا لِيَتَمَيَّزَ الصِّدِّيقُ عَنِ الزِّنْدِيقِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ كُفّارِ مَكَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كانُوا في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ أهْلَكَهم وكَيْفَ أنْعَمَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الحَدِيثِ الأوَّلِ، وهو كَوْنُ كَفّارِ مَكَّةَ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ كانُوا يَنْكَرُونَ الحَياةَ الثّانِيَةَ فَكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَقُولُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمَنشَرِينَ ؟ قُلْنا: إنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَعْقُبُها حَياةٌ، كَما أنَّكم حالَ كَوْنِكم نُطَفًا كُنْتُمْ أمْواتًا، وقَدْ تَعْقُبُها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يُرِيدُونَ ما المَوْتَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعْقُبُها حَياةٌ إلّا المَوْتَةَ الأُولى دُونَ المَوْتَةِ الثّانِيَةِ، وما هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي تَصِفُونَ بِها المَوْتَةَ مِن تَعْقِيبِ الحَياةِ لَها إلّا المَوْتَةَ الأُولى خاصَّةً، فَلا فَرْقَ إذًا بَيْنَ هَذا الكَلامِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧]، هَذا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “، ويُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ فَيُقالُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَأْتِينا شَيْءٌ مِنَ الأحْوالِ إلّا المَوْتَةُ الأُولى، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا تَأْتِيهِمُ الحَياةُ الثّانِيَةُ البَتَّةَ، ثُمَّ صَرَّحُوا بِهَذا المَرْمُوزِ فَقالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾، فَلا حاجَةَ إلى التَّكَلُّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ “ الكَشّافِ “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ يُقالُ: نَشَرَ اللَّهُ المَوْتى وأنْشَرَهم إذا بَعَثَهم، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ احْتَجُّوا عَلى نَفْيِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِأنْ قالُوا: إنْ كانَ البَعْثُ والنُّشُورُ مُمْكِنًا مَعْقُولًا فاجْعَلُوا لَنا إحْياءَ مَن ماتَ مِن آبائِنا بِأنْ تَسْألُوا رَبَّكم ذَلِكَ، حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا عِنْدَنا عَلى صِدْقِ دَعْواكم في النُّبُوَّةِ والبَعْثِ في القِيامَةِ، قِيلَ: طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ حَتّى يَنْشُرَ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ لِيُشاوِرُوهُ في صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي صِحَّةِ البَعْثِ، ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ قالَ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾، والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَمْ يَذْكُرُوا في نَفْيِ الحَشْرِ والنَّشْرِ شُبْهَةً حَتّى يُحْتاجَ إلى الجَوابِ عَنْها، ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ في ذَلِكَ الإنْكارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اقْتَصَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَعِيدِ فَقالَ: إنَّ سائِرَ الكُفّارِ كانُوا أقْوى مِن هَؤُلاءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَهم فَكَذَلِكَ يُهْلِكُ هَؤُلاءِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُلُوكُ اليَمَنِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُسَمّى تُبَّعًا؛ لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا كانُوا يَتْبَعُونَهُ، ومَوْضِعُ تُبَّعٍ في الجاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الخَلِيفَةِ في الإسْلامِ، وهُمُ الأعاظِمُ مِن مُلُوكِ العَرَبِ، قالَتْ عائِشَةُ: كانَ تُبَّعٌ رَجُلًا صالِحًا، وقالَ كَعْبٌ: ذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: هو أبُو كَرْبٍ أسْعَدُ، وعَنْ
صفحة ٢١٤
النَّبِيِّ ﷺ: («لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ، ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ» )، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا خَيْرَ في الفَرِيقَيْنِ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أهم خَيْرٌ في القُوَّةِ والشَّوْكَةِ ؟ كَقَوْلِهِ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] بَعْدَ ذِكْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، ولَوْ لَمْ يَحْصُلِ البَعْثُ لَكانَ هَذا الخَلْقُ لَعِبًا وعَبَثًا، وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالِاسْتِقْصاءِ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ، وفي آخِرِ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ حَيْثُ قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾، وفي سُورَةِ ص حَيْثُ قالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وأمّا اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ والفِسْقَ ولا يُرِيدُهُما فَهو مَعَ جَوابِهِ مَعْلُومٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
44:40–50Page 498
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣
Indeed, the tree of zaqqūm
طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤
Is food for the sinful.
كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥
Like murky oil, it boils within bellies
كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦
Like the boiling of scalding water.
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧
[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨
Then pour over his head from the torment of scalding water."
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩
[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1
إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ٥٠
Indeed, this is what you used to dispute."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ إثْباتُ القَوْلِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾، وفي تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ الفَصْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
الثّانِي: يَفْصِلُ في الحُكْمِ والقَضاءِ بَيْنَ عِبادِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ الفَصْلِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كُلِّ ما يَكْرَهُهُ، وفي حَقِّ الكُفّارِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كُلِّ ما يُرِيدُهُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ يَظْهَرُ حالُ كُلِّ أحَدٍ كَما هو، فَلا يَبْقى في حالِهِ رِيبَةٌ ولا شُبْهَةٌ، فَتَنْفَصِلَ الخَيالاتُ والشُّبُهاتُ، وتَبْقى الحَقائِقُ والبَيِّناتُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ يَوْمَ يَفْصِلُ الرَّحْمَنُ بَيْنَ عِبادِهِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ البَرِّ والفاجِرِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ يُرِيدُ: قَرِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ، ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ النُّصْرَةُ إمّا القَرِيبُ في الدِّينِ أوْ في النَّسَبِ أوِ المُعْتَقُ، وكُلُّ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ بِالمَوْلى، فَلَمّا لَمْ تَحْصُلِ النُّصْرَةُ مِنهم فَبِأنْ لا تَحْصُلَ مِمَّنْ سِواهم أوْلى، وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، قالَ الواحِدِيُّ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ الكُفّارُ، ألا
صفحة ٢١٥
تَرى أنَّهُ ذَكَرَ المُؤْمِنَ فَقالَ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُؤْمِنَ فَإنَّهُ تَشْفَعُ لَهُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِوَصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وعِيدَ الكُفّارِ، ثُمَّ بَعْدَهُ وعْدَ الأبْرارِ، أمّا وعِيدُ الكُفّارِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: قُرِئَ (إنَّ شِجَرَةَ الزَّقُّومِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، ثُمَّ قالَ: وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: شَجَرَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، وشَيَرَةٌ بِالياءِ، وشَبَرَةٌ بِالباءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البَحْثُ عَنِ اشْتِقاقِ لَفْظِ الزَّقُّومِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ والصّافّاتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِلْأثِيمِ، والأثِيمُ هو الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ الإثْمُ، فَيَكُونُ هَذا الوَعِيدُ حاصِلًا لِلْفُسّاقِ، والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ اللَّفْظَ المُفْرَدَ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، ولا يُفِيدُ العُمُومَ، وهَهُنا المَذْكُورُ السّابِقُ هو الكافِرُ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ بِالمَعْنى جائِزٌ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نَقَلَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا هَذِهِ الآيَةَ فَكانَ يَقُولُ: طَعامُ اللَّئِيمِ، فَقالَ: قُلْ: طَعامُ الفاجِرِ، وهَذا الدَّلِيلُ في غايَةِ الضَّعْفِ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.
ثُمَّ قالَ: (كالمُهْلِ) قُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وسَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى هَذا الطَّعامَ بِالمُهْلِ، وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُ القَطِرانِ ومُذابُ النُّحاسِ وسائِرُ الفِلِزّاتِ، وتَمَّ الكَلامُ هَهُنا، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ غَلَيانِهِ في بُطُونِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾، وقُرِئَ بِالتّاءِ فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ حَمَلَهُ عَلى الطَّعامِ في قَوْلِهِ: ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ لِأنَّ الطَّعامَ هو [ ثَمَرُ ] الشَّجَرَةِ في المَعْنى، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الياءَ لِأنَّ الِاسْمَ المَذْكُورَ يَعْنِي المُهْلَ هو الَّذِي يَلِي الفِعْلُ فَصارَ التَّذْكِيرُ بِهِ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الغَلْيُ عَلى المُهْلِ لِأنَّ المُهْلَ مُشَبَّهٌ بِهِ، وإنَّما يَغْلِي ما يُشَبَّهُ بِالمُهْلِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ، والماءُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُهُ فَهو حَمِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿خُذُوهُ﴾ أيْ خُذُوا الأثِيمَ، ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ، قالَ اللَّيْثُ: العَتْلُ أنْ تَأْخُذَ بِمَنكِبِ الرَّجُلِ فَتَعْتِلَهُ أيْ تَجُرَّهُ إلَيْكَ وتَذْهَبُ بِهِ إلى حَبْسٍ أوْ مِحْنَةٍ، وأخَذَ فُلانٌ بِزِمامِ النّاقَةِ يَعْتِلُها وذَلِكَ إذا قَبَضَ عَلى أصْلِ الزِّمامِ عِنْدَ الرَّأْسِ وقادَها قَوْدًا عَنِيفًا، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عَتَلْتُهُ إلى السِّجْنِ وأعْتَلْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ دَفْعًا عَنِيفًا، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ في العَتْلِ، وذَكَرُوا في اللُّغَتَيْنِ ضَمَّ التّاءَ وكَسْرِها، وهُما صَحِيحانِ مِثْلُ: يَعْكُفُونَ ويَعْكِفُونَ، ويَعْرُشُونَ ويَعْرِشُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ إلى وسَطِ الجَحِيمِ، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ثُمَّ صُبُّوا مِن فَوْقِ رَأْسِهِ الحَمِيمَ أوْ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ إلّا أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ أكْمَلُ في المُبالَغَةِ كَأنَّهُ يَقُولُ: صُبُّوا عَلَيْهِ عَذابَ ذَلِكَ الحَمِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] و﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُخاطَبُ بِذَلِكَ عَلى
صفحة ٢١٦
سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، والمُرادُ إنَّكَ أنْتَ بِالضِّدِّ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما بَيْنَ جَبَلَيْها أعَزَّ ولا أكْرَمَ مِنِّي، فَواللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ أنْ تَفْعَلا بِي شَيْئًا.
والثّالِثُ: أنَّكَ كُنْتَ تَعْتَزُّ لا بِاللَّهِ فانْظُرْ ما وقَعْتَ فِيهِ، وقُرِئَ أنَّكَ بِمَعْنى لِأنَّكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا العَذابَ ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ أيْ تَشُكُّونَ، والمُرادُ مِنهُ ما ذَكَرَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences