Ar-RaziAl‑Ahqaf · 46:15–20

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:15–20

46:15–16Page 504

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥

And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْزِعْنِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ ألْهِمْنِي، قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: أوْزَعْتُهُ بِالشَّيْءِ أغْرَيْتُهُ بِهِ فَأوْزِعُ بِهِ فَهو مُوزَعٌ بِهِ أيْ مُغْرًى بِهِ، واسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ شُكْرَهُ فَأوْزَعَنِي أيِ: اسْتَلْهَمْتُهُ فَألْهَمَنِي.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا الدّاعِي أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لِلشُّكْرِ عَلى نِعَمِهِ.

والثّانِي: أنْ يُوَفِّقَهُ لِلْإتْيانِ بِالطّاعَةِ المَرْضِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنْ يُصْلِحَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ، وفي تَرْتِيبِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ ثَلاثَةٌ: أكْمَلُها النَّفْسانِيَّةُ، وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ، وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، والسَّعاداتُ النَّفْسانِيَّةُ: هي اشْتِغالُ القَلْبِ بِشُكْرِ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ، والسَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ: هي اشْتِغالُ البَدَنِ بِالطّاعَةِ والخِدْمَةِ، والسَّعاداتُ الخارِجِيَّةُ: هي سَعادَةُ الأهْلِ والوَلَدِ، فَلَمّا كانَتِ المَراتِبُ مَحْصُورَةً في هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا جَرَمَ رَتَّبَها اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ.

والسَّبَبُ الثّانِي: لِرِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى العَمَلِ، لِأنَّ الشُّكْرَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، والعَمَلَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، وعَمَلُ القَلْبِ أشْرَفُ مِن عَمَلِ الجارِحَةِ، وأيْضًا المَقْصُودُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ أحْوالُ القَلْبِ قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] بَيَّنَ أنَّ الصَّلاةَ مَطْلُوبَةٌ لِأجْلِ أنَّها تُفِيدُ الذِّكْرَ، فَثَبَتَ أنَّ أعْمالَ القُلُوبِ أشْرَفُ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، والأشْرَفُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ في الذِّكْرِ، وأيْضًا الِاشْتِغالُ بِالشُّكْرِ اشْتِغالٌ بِقَضاءِ حُقُوقِ النِّعَمِ الماضِيَةِ، والِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ الظّاهِرَةِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ النِّعَمِ المُسْتَقْبَلَةِ، وقَضاءُ الحُقُوقِ الماضِيَةِ يَجْرِي مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ، وطَلَبُ المَنافِعِ المُسْتَقْبَلَةِ طَلَبٌ لِلزَّوائِدِ. ومَعْلُومٌ أنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلى سائِرِ المُهِمّاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قَدَّمَ طَلَبَ التَّوْفِيقِ عَلى الشُّكْرِ وطَلَبَ التَّوْفِيقِ عَلى الطّاعَةِ عَلى طَلَبِ أنْ يُصْلِحَ لَهُ ذُرِّيَّتَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَيْنِ الأوَّلَيْنِ اشْتِغالٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والمَطْلُوبُ الثّالِثُ اشْتِغالٌ بِالشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعْظِيمَ لِأمْرِ اللَّهِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أصْحابُنا: إنَّ العَبْدَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ عَلى نِعَمِ اللَّهِ، وهَذا يَدُلُّ

صفحة ١٩

عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ والأعْمالِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِأفْعالِهِ لَكانَ هَذا الطَّلَبُ عَبَثًا، وأيْضًا المُفَسِّرُونَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هو الإيمانُ، أوِ الإيمانُ يَكُونُ داخِلًا فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتِحَةِ: ٦، ٧] والمُرادُ صِراطُ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإيمانِ وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العَبْدُ يَشْكُرُ اللَّهَ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ لَكانَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى فِعْلِهِ لا عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ قَبِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٨] فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَشْكُرُهُ عَلى النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى والِدَيْهِ؟ وإنَّما يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، قُلْنا: كُلُّ نِعْمَةٍ وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى والِدَيْهِ، فَقَدْ وصَلَ مِنها أثَرٌ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ وصّاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى الأمْرَيْنِ.

وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي: مِنَ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في هَذا الدُّعاءِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعْتَقَدُ أنَّ الإنْسانَ فِيهِ كَوْنُهُ صالِحًا عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ صالِحًا عِنْدَهُ ويَكُونُ صالِحًا أيْضًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: الَّذِي يَظُنُّهُ صالِحًا ولَكِنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا قَسَّمَ الصّالِحَ في ظَنِّهِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُوَفِّقَهُ لِأنْ يَأْتِيَ بِعَمَلٍ صالِحٍ يَكُونُ صالِحًا عِنْدَ اللَّهِ ويَكُونُ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ.

والمَطْلُوبُ الثّالِثُ مِنَ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الوالِدِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى: ”فِي“ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ ؟ قُلْنا: تَقْدِيرُ الكَلامِ هَبْ لِي الصَّلاحَ في ذُرِّيَّتِي وأوْقِعْهُ فِيهِمْ.

* * *

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ ذَلِكَ الدّاعِي، أنَّهُ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ والمُرادُ أنَّ الدُّعاءَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ التَّوْبَةِ، وإلّا مَعَ كَوْنِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَبَيَّنَ أنِّي إنَّما أقْدَمْتُ عَلى هَذا الدُّعاءِ بَعْدَ أنْ تُبْتُ إلَيْكَ مِنَ الكُفْرِ ومِن كُلِّ قَبِيحٍ، وبَعْدَ أنْ دَخَلْتُ في الإسْلامِ والِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِقَضائِهِ.

واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، قالُوا: إنَّ أبا بَكْرٍ أسْلَمَ والِداهُ، ولَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والمُهاجِرِينَ إسْلامُ الأبَوَيْنِ إلّا لَهُ، فَأبَوْهُ أبُو قُحافَةَ عُثْمانُ بْنُ عَمْرٍو وأُمُّهُ أُمُّ الخَيْرِ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرٍو، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ولَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَبْقَ لِأبِي بَكْرٍ ولَدٌ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ إلّا وقَدْ آمَنُوا، ولَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنْ أسْلَمَ أبَواهُ وجَمِيعُ أوْلادِهِ الذُّكُورُ والإناثُ إلّا لِأبِي بَكْرٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ أهْلُ هَذا القَوْلِ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ، وكَذَلِكَ (نَتَجاوَزُ) وكِلاهُما في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ وإنْ كانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٨] فَبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ:

صفحة ٢٠

: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أنَّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ، ويَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ والتَّقَبُّلُ مِنَ اللَّهِ هو إيجابُ الثَّوابِ لَهُ عَلى عَمَلِهِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ قالَ تَعالى: ﴿أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ واللَّهُ يَتَقَبَّلُ الأحْسَنَ وما دُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالأحْسَنِ الحَسَنُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٥] كَقَوْلِهِمْ: النّاقِصُ والأشَجُّ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ، أيْ عادِلا بَنِي مَرْوانَ.

الثّانِي: أنَّ الحَسَنَ مِنَ الأعْمالِ هو المُباحُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ والأحْسَنُ ما يُغايِرُ ذَلِكَ، وهو كُلُّ ما كانَ مَندُوبًا أوْ واجِبًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَتَقَبَّلُ طاعاتِهِمْ ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَعْنى هَذا الكَلامِ مِثْلُ قَوْلِكَ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في مِائَتَيْنِ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ أكْرَمَنِي في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم وضَمَّنِي في عِدادِهِمْ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ عَلى مَعْنى كائِنِينَ في أصْحابِ الجَنَّةِ ومَعْدُودِينَ مِنهم، وقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ الصِّدْقِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”نَتَقَبَّلُ، نَتَجاوَزُ“ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لَهم بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُ مَن صِفَتُهُ ما قَدَّمْناهُ بِهَذا الجَزاءِ، وذَلِكَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَبَيَّنَ أنَّهُ صِدْقٌ ولا شَكَّ فِيهِ.

46:17–20Page 504

وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧

But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨

Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩

And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الوَلَدَ البارَّ بِوالِدَيْهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وصَفَ الوَلَدَ العاقَّ لِوالِدَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، قالُوا: كانَ أبَواهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ فَيَأْبى، ويَقُولُ: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ، بِأنَّهُ لَمّا كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى مَرْوانَ يُبايِعُ النّاسَ لِيَزِيدَ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: لَقَدْ جِئْتُمْ بِها هِرَقْلِيَّةَ، أتُبايَعُونَ لِأبْنائِكم ؟ فَقالَ مَرْوانُ: يا أيُّها النّاسُ هو الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهو كُلُّ مَن دَعاهُ أبَواهُ إلى

صفحة ٢١

الدِّينِ الحَقِّ فَأباهُ وأنْكَرَهُ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ عِنْدَنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ: ”﴿أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي﴾“ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ آمَنَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وكانَ مِن ساداتِ المُسْلِمِينَ، فَبَطَلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنْ قالُوا: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا دَعاهُ أبَواهُ إلى الإسْلامِ وأخْبَراهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، قالَ: ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ مِنَ القَبْرِ، يَعْنِي: أُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ يَعْنِي: الأُمَمُ الخالِيَةُ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم بُعِثَ، فَأيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ، وأيْنَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ المُرادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَهُ، وهُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، وبِالجُمْلَةِ فَهو عائِدٌ إلى المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ لا إلى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ هَذا ما ذَكَرَهُ الكَلْبِيُّ في دَفْعِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وهو حَسَنٌ.

والوَجْهُ الثّانِي: في إبْطالِ ذَلِكَ القَوْلِ، ما رُوِيَ أنَّ مَرْوانَ لَمّا خاطَبَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ الكَلامِ سَمِعَتْ عائِشَةُ ذَلِكَ فَغَضِبَتْ وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ وهو الأقْوى: أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الوَلَدَ البارَّ بِأبَوَيْهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ووَصَفَ الوَلَدَ العاقَّ لِأبَوَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ مِن صِفاتِ ذَلِكَ الوَلَدِ أنَّهُ بَلَغَ في العُقُوقِ إلى حَيْثُ لَمّا دَعاهُ أبَواهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أصَرَّ عَلى الإنْكارِ وأبى واسْتَكْبَرَ، وعَوَّلَ في ذَلِكَ الإنْكارِ عَلى شُبُهاتٍ خَسِيسَةٍ وكَلِماتٍ واهِيَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ كُلُّ ولَدٍ اتَّصَفَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ المُطْلَقِ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”أفِّ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ التَّنْوِينِ، وهو صَوْتٌ إذا صَوَّتَ بِهِ الإنْسانُ عُلِمَ أنَّهُ مُتَضَجِّرٌ، كَما إذا قالَ: حَسِّ، عُلِمَ أنَّهُ مُتَوَجِّعٌ، واللّامُ لِلْبَيانِ مَعْناهُ هَذا التَّأْفِيفُ لَكُما خاصَّةً، ولِأجْلِكُما دُونَ غَيْرِكُما، وقُرِئَ ”أتَعِدانِنِي“ بِنُونَيْنِ، و”أتَعِدانِي“ بِأحَدِهِما و”أتَعِدانِّي“ بِالإدْغامِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”أتَعِدانَنِي“ بِفَتْحِ النُّونِ كَأنَّهُ اسْتَثْقَلَ اجْتِماعُ النُّونَيْنِ والكَسْرَيْنِ والياءِ، فَفَتْحَ الأُولى تَحَرِّيًا لِلتَّخْفِيفِ كَما تَحَرّاهُ مَن أدْغَمَ ومَن طَرَحَ أحَدَهُما.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ أُخْرَجَ﴾ أيْ: أنْ أُبْعَثَ وأُخْرَجَ مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ: ”أخْرُجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي“ يَعْنِي ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ أيْ: الوالِدانِ يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، فَإنْ قالُوا: كانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ مَن كُفْرِهِ وإنْكارِهِ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ وُصِلَ الفِعْلُ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الباءُ حُذِفَ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالِاسْتِغاثَةِ هَهُنا الدُّعاءُ عَلى ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ ”يَدْعُوانِ اللَّهَ“ فَلَمّا أُرِيدَ بِالِاسْتِغاثَةِ الدُّعاءُ حُذِفَ الجارُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ لا يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويْلَكَ﴾ أيْ: يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ﴿آمِن﴾ وصَدِّقْ بِالبَعْثِ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ، والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةَ الهَلاكِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالبَعْثِ حَقٌّ، فَيَقُولُ لَهُما: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِ مِن أمْرِ البَعْثِ وتَدْعُوانِنِي إلَيْهِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

صفحة ٢٢

فالَّذِينَ يَقُولُونَ المُرادُ بِنُزُولِ الآيَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، قالُوا: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ هُمُ القُرُونُ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِ، والَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِهِ لَيْسَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، بَلْ كُلُّ ولَدٍ كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، قالُوا: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أُناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ أكْرَمَنِي في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ وقُرِئَ ”أنَّ“ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى آمَنَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الوَلَدَ البارَّ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الوَلَدِ العاقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ البارَّ بِوالِدَيْهِ لَهُ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، ومَراتِبُ مُخْتَلِفَةٌ في هَذا البابِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دَرَجاتٌ في الإيمانِ والكُفْرِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَجُوزُ ذِكْرُ لَفْظِ الدَّرَجاتِ في أهْلِ النّارِ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ: الجَنَّةُ دَرَجاتٌ، والنّارُ دَرَكاتٌ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ زَيْدٌ: دَرَجُ أهْلِ الجَنَّةِ يَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجُ أهْلِ النّارِ يَنْزِلُ هُبُوطًا.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ المَراتِبُ المُتَزايِدَةُ، إلّا أنَّ زِياداتِ أهْلِ الجَنَّةِ في الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وزِياداتِ أهْلِ النّارِ في المَعاصِي والسَّيِّئاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ وقُرِئَ بِالنُّونِ وهَذا تَعْلِيلٌ مُعَلَّلُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهم قَدَّرَ جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ، فَجَعَلَ الثَّوابَ دَرَجاتٍ والعِقابَ دَرَكاتٍ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُوَصِّلُ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ بَيَّنَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أوَّلًا، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ قِيلَ: يَدْخُلُونَ النّارَ، وقِيلَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمُ النّارَ لِيَرَوْا أهْوالَها: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”آذَهَبْتُمْ“ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، وابْنُ عامِرٍ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدَّةٍ والباقُونَ ”أذْهَبْتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما قُدِّرَ لَكم مِنَ الطَّيِّباتِ والرّاحاتِ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتُمُوهُ في الدُّنْيا وأخَذْتُمُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَظِّكم شَيْءٌ مِنها، وعَنْ عُمَرَ: ”لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أطْيَبُكم طَعامًا وأحْسَنُكم لِباسًا، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ وهم يُرَقِّعُونَ ثِيابَهم بِالأدَمِ ما يَجِدُونَ لَها رِقاعًا فَقالَ:“ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أمْ يَوْمَ يَغْدُو أحَدُكم في حُلَّةٍ ويَرُوحُ في أُخْرى، ويُغْدى عَلَيْهِ بِجَفْنَةٍ ويُراحُ عَلَيْهِ بِأُخْرى ويُسْتَرُ بَيْتُهُ كَما تُسْتَرُ الكَعْبَةُ، قالُوا: نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، قالَ: بَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ ؟ ”»، رَواهُ صاحِبُ“الكَشّافِ”. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ الصّالِحِينَ يُؤْثِرُونَ التَّقَشُّفَ والزُّهْدَ في الدُّنْيا رَجاءَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم في الآخِرَةِ أكْمَلَ، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّنَعُّمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في حَقِّ الكافِرِ، وإنَّما وبَّخَ اللَّهُ الكافِرَ لِأنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِالدُّنْيا ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَ المُنْعِمِ بِطاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يُؤَدِّي بِإيمانِهِ شُكْرَ المُنْعِمِ فَلا يُوَبَّخُ بِتَمَتُّعِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعْرافِ: ٣٢] نَعَمْ لا يُنْكَرُ أنَّ الِاحْتِرازَ عَنِ التَّنَعُّمِ أوْلى؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا اعْتادَتِ التَّنَعُّمَ صَعُبَ عَلَيْها الِاحْتِرازُ والِانْقِباضُ، وحِينَئِذٍ فَرُبَّما حَمَلَهُ المَيْلُ إلى تِلْكَ الطَّيِّباتِ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مِمّا يَجُرُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ويَقَعُ في البُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ الهَوانِ، وقُرِئَ“عَذابَ الهَوانِ "

صفحة ٢٣

﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ فَعَلَّلَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ بِأمْرَيْنِ:

أوَّلُهُما: الِاسْتِكْبارُ والتَّرَفُّعُ وهو ذَنْبُ القَلْبِ.

الثّانِي: الفِسْقُ وهو ذَنْبُ الجَوارِحِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي لِأنَّ أحْوالَ القُلُوبِ أعْظَمُ وقْعًا مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن الِاسْتِكْبارِ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الفِسْقُ فَهو المَعاصِي واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَهم بِأمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: الكُفْرُ.

وثانِيهِما: الفِسْقُ، وهَذا الفِسْقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِذَلِكَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ، فَثَبَتَ أنَّ فِسْقَ الكُفّارِ يُوجِبُ العِقابَ في حَقِّهِمْ، ولا مَعْنى لِلْفِسْقِ إلّا تَرْكُ المَأْمُوراتِ وفِعْلُ المَنهِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском