Ar-RaziAl‑Ahqaf · 46:21–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:21–32

46:21–26Page 505

۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١

And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢

They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣

He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."

فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤

And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,

تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥

Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦

And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ أنْواعَ الدَّلائِلِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في لَذّاتِ الدُّنْيا واشْتِغالِهِمْ بِطَلَبِها أعْرَضُوا عَنْها، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ قَوْمَ عادٍ كانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وقُوَّةً وجاهًا مِنهم، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ العَذابَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ شُؤْمِ كُفْرِهِمْ فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا

صفحة ٢٤

لِيَعْتَبِرَ بِها أهْلُ مَكَّةَ، فَيَتْرُكُوا الِاغْتِرارَ بِما وجَدُوهُ مِنَ الدُّنْيا ويُقْبِلُوا عَلى طَلَبِ الدِّينِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في هَذا المَوْضِعِ، وهو مُناسِبٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ مَن أرادَ تَقْبِيحَ طَرِيقَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ كانَ الطَّرِيقُ فِيهِ ضَرْبَ الأمْثالِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ مَن واظَبَ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ كَذا وكَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ أيْ: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أهْلَ مَكَّةَ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ أيْ: حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقَوْلُهُ: ﴿بِالأحْقافِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحِقْفُ الرَّمْلُ المُعْوَجُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُعْوَجِّ: مَحْقُوفٌ، وقالَ الفَرّاءُ: الأحْقافُ واحِدُها حِقْفٌ وهو الكَثِيبُ المُكَسَّرُ غَيْرُ العَظِيمِ وفِيهِ اعْوِجاجٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”الأحْقافُ“ وادٍ بَيْنَ عُمانَ ومَهْرَةَ، و”النُّذُرُ“ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى المُنْذِرُ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ مِن قِبَلِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ مِن بَعْدِهِ والمَعْنى: أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أنْذَرَهم وقالَ لَهم: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهم مُنْذِرُونَ نَحْوَ إنْذارِهِ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ، يُقالُ: أفَكَهُ عَنْ رَأْيِهِ أيْ صَرَفَهُ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ لَتُزِيلَنا بِضَرْبٍ مِنَ الكَذِبِ: ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ وعَنْ عِبادَتِها ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مُعاجَلَةُ العَذابِ عَلى الشِّرْكِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعْدِكَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ هُودٌ: ﴿إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وإنَّما صَلَحَ هَذا الكَلامُ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ اسْتِعْجالٌ مِنهم لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ لَهم هُودٌ: لا عِلْمَ عِنْدِي بِالوَقْتِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ ذَلِكَ العَذابُ، إنَّما عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ وهو التَّحْذِيرُ عَنِ العَذابِ، وأمّا العِلْمُ بِوَقْتِهِ فَما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ أنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُبْعَثُوا سائِلِينَ عَنْ غَيْرِ ما أُذِنَ لَهم فِيهِ وإنَّما بُعِثُوا مُبَلِّغِينَ.

الثّانِي: أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِكم وجَهْلِكم فَيَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ قُرُبَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْكُمُ العَذابُ بِسَبَبِ هَذا الجَهْلِ المُفْرِطِ والوَقاحَةِ التّامَّةِ.

الثّالِثُ: إنِّي أراكم قَوُمًا تَجْهَلُونَ حَيْثُ تُصِرُّونَ عَلى طَلَبِ العَذابِ، وهَبْ أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَكم كَوْنِي صادِقًا، ولَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ أيْضًا لَكم كَوْنِي كاذِبًا فالإقْدامُ عَلى الطَّلَبِ الشَّدِيدِ لِهَذا العَذابِ جَهْلٌ عَظِيمٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ ذَكَرَ المُبَرِّدُ في الضَّمِيرِ في رَأوْهُ قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿عارِضًا﴾ كَما قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطِرٍ: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرِ الأرْضَ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً فَكَذا هَهُنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى السَّحابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ عارِضًا وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ ويَكُونُ مِن بابِ الإضْمارِ لا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: فَلَمّا رَأوْا ما يُوعَدُونَ بِهِ عارِضًا، قالَ أبُو زَيْدٍ: العارِضُ السَّحابَةُ الَّتِي تُرى في ناحِيَةِ السَّماءِ ثُمَّ تَطْبِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ عادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ أيّامًا فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ سَحابَةً سَوْداءَ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ: المُغِيثُ فَلَمّا رَأوْهُ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ اسْتَبْشَرُوا و﴿قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ والمَعْنى مُمْطِرُ إيّانا، قِيلَ كانَ هُودٌ قاعِدًا في قَوْمِهِ فَجاءَ سَحابٌ مُكْثِرٌ فَقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ فَقالَ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ ثُمَّ بَيَّنَ ماهِيَّتَهُ فَقالَ: ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . ثُمَّ وصَفَ تِلْكَ الرِّيحَ فَقالَ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ والنَّباتِ ﴿بِأمْرِ رَبِّها﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ تَأْثِيراتِ الكَواكِبِ والقِراناتِ، بَلْ هو أمْرٌ حَدَثَ ابْتِداءً بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ تَعْذِيبِكم

صفحة ٢٥

﴿فَأصْبَحُوا﴾ يَعْنِي: عادًا ﴿لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَحْمِلُ الفُسْطاطَ فَتَرْفَعُها في الجَوِّ حَتّى يُرى كَأنَّها جَرادَةٌ، وقِيلَ: أوَّلُ مَن أبْصَرَ العَذابَ امْرَأةٌ مِنهم قالَتْ: رَأيْتُ رِيحًا فِيها كَشُهُبِ النّارِ، ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما عَرَفُوا بِهِ أنَّهُ عَذابٌ ألِيمٌ أنَّهم رَأوْا ما كانَ في الصَّحْراءِ مِن رِجالِهِمْ ومَواشِيهِمْ يَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَدَخَلُوا بُيُوتَهم وغَلَّقُوا أبْوابَهم فَعَلَّقَتِ الرِّيحُ الأبْوابَ وصَرَعَتْهم، وأحالَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الأحْقافَ، فَكانُوا تَحْتَها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ لَهم أنِينٌ، ثُمَّ كَشَفَتِ الرِّيحُ عَنْهم فاحْتَمَلَتْهم فَطَرَحَتْهم في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّ هُودًا لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ خَطَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ خَطًّا إلى جَنْبِ عَيْنٍ تَنْبُعُ فَكانَتِ الرِّيحُ الَّتِي تُصِيبُهم رِيحًا لَيِّنَةً هادِئَةً طَيِّبَةً، والرِّيحُ الَّتِي تُصِيبُ قَوْمَ عادٍ تَرْفَعُهم مِنَ الأرْضِ وتُطَيِّرُهم إلى السَّماءِ وتَضْرِبُهم عَلى الأرْضِ، وأثَرُ المُعْجِزَةِ إنَّما ظَهَرَ في تِلْكَ الرِّيحِ مِن هَذا الوَجْهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما أمَرَ اللَّهُ خازِنَ الرِّياحِ أنْ يُرْسِلَ عَلى عادٍ إلّا مِثْلَ مِقْدارِ الخاتَمِ» “ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ القَدْرَ أهْلَكَهم بِكُلِّيَّتِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إظْهارُ كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا رَأى الرِّيحَ فَزِعَ وقالَ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها ومِن شَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ“» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ”لا يُرى“ بِالياءِ وضَمِّها ”مَساكِنُهُمْ“ بِضَمِّ النُّونِ، قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”لا نَرى“ عَلى الخِطابِ أيْ لا تَرى أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ ”لا تُرى“ بِالتّاءِ مَساكِنُهم بِضَمِّ النُّونِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والتَّأْوِيلُ لا تُرى مِن بَقايا عادٍ أشْياءُ إلّا مَساكِنُهم. وقالَ الجُمْهُورُ هَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ كَفّارِ مَكَّةَ، فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فَكَيْفَ يَبْقى التَّخْوِيفُ حاصِلًا؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ إنَّما أُنْزِلَ في آخِرِ الأمْرِ فَكانَ التَّخْوِيفُ حاصِلًا قَبْلَ نُزُولِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، وذَكَرَ فَضْلَ عادٍ بِالقُوَّةِ والجِسْمِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ قالَ المُبَرِّدُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما﴾ بِمَنزِلَةِ الَّذِي. و: ﴿إنْ﴾ بِمَنزِلَةِ ما والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ مِنكم أمْوالًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةُ: كَلِمَةُ ”إنْ“ زائِدَةٌ. والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ، وهَذا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ بِأنَّ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ عَبَثٌ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهم كانُوا أقْوى مِنكم قُوَّةً، ثُمَّ إنَّهم مَعَ زِيادَةِ القُوَّةِ ما نَجَوْا مِن عِقابِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُكم، وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم كانُوا أقْوى مِن قَوْمِ مَكَّةَ.

الثّالِثُ: أنَّ سائِرَ الآياتِ تُفِيدُ هَذا المَعْنى، قالَ تَعالى: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا﴾ [مَرْيَمَ: ٧٤] وقالَ: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافِرٍ: ٨٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ والمَعْنى أنّا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ النِّعَمِ وأعْطَيْناهم سَمْعًا فَما اسْتَعْمَلُوهُ في سَماعِ الدَّلائِلِ، وأعْطَيْناهم أبْصارًا فَما اسْتَعْمَلُوها في تَأمُّلِ العِبَرِ، وأعْطَيْناهم أفْئِدَةً فَما اسْتَعْمَلُوها في طَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ صَرَفُوا كُلَّ هَذِهِ القُوى إلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلا جَرَمَ ما أغْنى سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.

صفحة ٢٦

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لَمْ يُغْنِ عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ، ولَفْظُ ”إذْ“ قَدْ يُذْكَرُ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ، والمَعْنى ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ أساءَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّ قَوْمَ عادٍ لَمّا اغْتَرُّوا بِدُنْياهم وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ نَزَلَ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ، ولَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم ولا كَثْرَتُهم، فَأهْلُ مَكَّةَ مَعَ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ أوْلى بِأنْ يَحْذَرُوا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ويَخافُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ وإنَّما كانُوا يَطْلُبُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

46:27–28Page 505

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧

And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].

فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨

Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم يا كَفّارَ مَكَّةَ مِنَ القُرى، وهي قُرى عادٍ وثَمُودَ بِاليَمَنِ والشّامِ ﴿وصَرَّفْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها لَهم (لَعَلَّهم) أيْ لَعَلَّ أهْلَ القُرى يَرْجِعُونَ، فالمُرادُ بِالتَّصْرِيفِ الأحْوالُ الهائِلَةُ الَّتِي وُجِدَتْ قَبْلَ الإهْلاكِ. قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ مَعْناهُ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، دَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ رُجُوعَهم ولَمْ يَرِدْ إصْرارَهم. ”والجَوابُ“: أنَّهُ فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ لِأجْلِ الإرادَةِ المَذْكُورَةِ، وإنَّما ذَهَبْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ لِلدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ القُرْبانُ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، أيِ اتَّخَذُوهم شُفَعاءَ مُتَقَرَّبًا بِهِمْ إلى اللَّهِ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: ١٨] وقالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] وفي إعْرابِ الآيَةِ وجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أحَدُ مَفْعُولَيِّ اتَّخَذَ الرّاجِعُ إلى الَّذِينَ هو مَحْذُوفٌ.

والثّانِي: آلِهَةً وقُرْبانًا حالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ لا يَتِمُّ إلّا بِذِكْرِهِما لَفْظًا، والحالُ مُشْعِرٌ بِتَمامِ الكَلامِ، ولا شَكَّ أنَّ إتْيانَ الحالِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ عَلى خِلافِ الأصْلِ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: ﴿قُرْبانًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ وهو ”آلِهَةً“ فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الرّاجِعِ إلى الَّذِينَ.

والثّالِثُ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُضْمَرُ أحَدُ مَفْعُولَيِ اتَّخَذُوا وهو الرّاجِعُ إلى الَّذِينَ، ويُجْعَلُ قُرْبانًا مَفْعُولًا ثانِيًا، وآلِهَةً عَطْفُ بَيانٍ، إذا عَرَفْتَ الكَلامَ في الإعْرابِ، فَنَقُولُ المَقْصُودُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَلّا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهم، وزَعَمُوا أنَّهم مُتَقَرِّبُونَ بِعِبادَتِهِمْ إلى اللَّهِ لِيَشْفَعُوا لَهم ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: غابُوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَ آلِهَتِهِمْ ناصِرِينَ لَهم أمْرٌ مُمْتَنِعٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكَ إفْكُهُمْ﴾ أيْ: وذَلِكَ الِامْتِناعُ أثَرُ إفْكِهِمُ الَّذِي هو اتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً، وثَمَرَةُ شِرْكِهِمْ وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في إثْباتِ الشُّرَكاءِ لَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”إفْكُهم“ والإفْكُ

صفحة ٢٧

والأفْكُ كالحِذْرِ والحَذْرِ، وقُرِئَ ”وذَلِكَ أفَكَهم“ بِفَتْحِ الفاءِ والكافِ، أيْ ذَلِكَ الِاتِّخاذُ الَّذِي هَذا أثَرُهُ وثَمَرَتُهُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، وقُرِئَ ”أفَّكَهُمْ“ عَلى التَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، أفَّكَهم جَعَلَهم آفِكِينَ، وآفَكُهم أيْ قَوْلُهُمِ الإفْكَ، أيْ ذُو الإفْكِ كَما تَقُولُ قَوْلٌ كاذِبٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ وذَلِكَ إفْكُهم وافْتِراؤُهم في إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

46:29–32Page 506

وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.

قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١

O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.

وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢

But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ في الإنْسِ مَن آمَنَ وفِيهِمْ مَن كَفَرَ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّ الجِنَّ فِيهِمْ مَن آمَنَ وفِيهِمْ مَن كَفَرَ، وأنَّ مُؤْمِنَهم مُعَرَّضٌ لِلثَّوابِ، وكافِرَهم مُعَرَّضٌ لِلْعِقابِ، وفي كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الجِنُّ تَسْتَمِعُ فَلَمّا رُجِمُوا قالُوا: هَذا الَّذِي حَدَثَ في السَّماءِ إنَّما حَدَثَ لِشَيْءٍ في الأرْضِ فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ السَّبَبَ، وكانَ قَدِ اتُّفِقَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أيِسَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُجِيبُوهُ خَرَجَ إلى الطّائِفِ لِيَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ، فَلَمّا انْصَرَفَ إلى مَكَّةَ، وكانَ بِبَطْنِ نَخْلٍ قامَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في صَلاةِ الفَجْرَ، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن أشْرافِ جِنِّ نَصِيبِينَ، لِأنَّ إبْلِيسَ بَعَثَهم لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ الَّذِي أوْجَبَ حِراسَةَ السَّماءِ بِالرَّجْمِ، فَسَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُنْذِرَ الجِنَّ ويَدْعُوَهم إلى اللَّهِ تَعالى ويَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَصَرَفَ اللَّهُ إلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ لِيَسْتَمِعُوا مِنهُ القُرْآنَ ويُنْذِرُوا قَوْمَهم.

ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْناهُ فُرُوعٌ:

الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ القاضِي في تَفْسِيرِهِ الجِنَّ أنَّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا يَهُودًا؛ لِأنَّ في الجِنِّ مِلَلًا كَما في الإنْسِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأصْنامِ، وأطْبَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ، سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلْ لِلْجِنِّ ثَوابٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ، يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها.

الفَرْعُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّفَرُ دُونَ العَشْرَةِ ويُجْمَعُ عَلى أنْفارٍ، ثُمَّ رَوى

صفحة ٢٨

مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ كانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ كانُوا تِسْعَةً أحَدُهم زَوْبَعَةُ، وعَنْ قَتادَةَ ذَكَرَ لَنا أنَّهم صُرِفُوا إلَيْهِ مِن ساوَةَ.

الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ؟ والرِّواياتُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ ومَشْهُورَةٌ.

الفَرْعُ الرّابِعُ: رَوى القاضِي في تَفْسِيرِهِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: ”كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِبالِ مَكَّةَ إذْ أقْبَلُ شَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلى عُكّازَةٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِشْيَةُ جِنِّيٍّ ونَغْمَتُهُ، فَقالَ: أجَلْ، فَقالَ: مَن أيِّ الجِنِّ أنْتَ؟ فَقالَ: أنا هامَةُ بْنُ هَيْمَ بْنِ لاقِيسَ بْنِ إبْلِيسَ، فَقالَ: لا أرى بَيْنَكَ وبَيْنَ إبْلِيسَ إلّا أبَوَيْنِ فَكَمْ أتى عَلَيْكَ؟ فَقالَ: أكَلْتُ عُمْرَ الدُّنْيا إلّا أقَلَّها، وكُنْتُ وقْتَ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أمْشِي بَيْنَ الآكامِ، وذَكَرَ كَثِيرًا مِمّا مَرَّ بِهِ، وذَكَرَ في جُمْلَتِهِ أنْ قالَ: قالَ لِي عِيسى بْنُ مَرْيَمَ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأقْرِئُهُ مِنِّي السَّلامَ، وقَدْ بَلَّغْتُ سَلامَهُ وآمَنتُ بِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: وعَلى عِيسى السَّلامُ، وعَلَيْكَ يا هامَةُ ما حاجَتُكَ؟ فَقالَ: إنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَنِي التَّوْراةَ، وعِيسى عَلَّمَنِي الإنْجِيلَ، فَعَلِّمْنِي القُرْآنَ، فَعَلَّمَهُ عَشْرَ سُوَرٍ، وقُبِضَ ﷺ ولَمْ يَنْعَهُ» “ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ولا أراهُ إلّا حَيًّا، واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في قِصَّةِ الجِنِّ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الجِنِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: لَمّا لَمْ يَقْصِدُ الرَّسُولُ ﷺ قِراءَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، فَهو تَعالى ألْقى في قُلُوبِهِمْ مَيْلًا وداعِيَةً إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ: (قالُوا) أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أنْصِتُوا﴾ أيْ: اسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، يُقالُ: أنْصَتَ لِكَذا واسْتَنْصَتَ لَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ القِراءَةِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يُنْذِرُونَهم، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ إيمانِهِمْ، لِأنَّهم لا يَدْعُونَ غَيْرَهم إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ والتَّصْدِيقِ بِهِ إلّا وقَدْ آمَنُوا، فَعِنْدَهُ: ﴿قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ووَصَفُوهُ بِوَصْفَيْنِ:

الأوَّلُ: كَوْنُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الأنْبِياءِ، والمَعْنى أنَّ كُتُبَ سائِرِ الأنْبِياءِ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والأمْرِ بِتَطْهِيرِ الأخْلاقِ فَكَذَلِكَ هَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ المَعانِي.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّ هَذا الكِتابَ يُماثِلُ سائِرَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في الدَّعْوَةِ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ، والوَصْفُ الثّانِي يُفِيدُ أنَّ هَذِهِ المَطالِبَ الَّتِي اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَيْها مَطالِبُ حَقَّةٍ صِدْقٍ في أنْفُسِها، يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ بِصَرِيحِ عَقْلِهِ كَوْنَها كَذَلِكَ، سَواءٌ ورَدَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِها أوْ لَمْ تَرِدْ، فَإنْ قالُوا: كَيْفَ قالُوا: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ ؟ قُلْنا: قَدْ نَقَلْنا عَنِ الحَسَنِ أنّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنَّ ما سَمِعَتْ أمْرَ عِيسى فَلِذَلِكَ قالُوا: مِن بَعْدِ مُوسى، ثُمَّ إنَّ الجِنَّ لَمّا وصَفُوا القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ قالُوا: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلِ المُرادُ بِداعِي اللَّهِ الرَّسُولُ أوِ الواسِطَةُ الَّتِي تُبَلِّغُ عَنْهُ؟ والأقْرَبُ أنَّهُ هو الرَّسُولُ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفَ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ كَما كانَ مَبْعُوثًا إلى الإنْسِ، قالَ مُقاتِلٌ: ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلى الإنْسِ والجِنِّ قَبْلَهُ.

صفحة ٢٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِإجابَتِهِ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأمْرُ بِالإيمانِ إلّا أنَّهُ أعادَ ذِكْرَ الإيمانِ عَلى التَّعْيِينِ، لِأجْلِ أنَّهُ أهَمُّ الأقْسامِ وأشْرَفُها، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِأنَّهُ يَذْكُرُ اللَّفْظَ العامَّ ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ أشْرَفَ أنْواعِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] ولَمّا أمَرَ بِالإيمانِ بِهِ ذَكَرَ فائِدَةَ ذَلِكَ الإيمانِ وهي قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، وقِيلَ: بَلِ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ هَهُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يَقَعُ ابْتِداءُ الغُفْرانِ بِالذُّنُوبِ، ثُمَّ يَنْتَهِي إلى غُفْرانِ ما صَدَرَ عَنْكم مِن تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الجِنَّ هَلْ لَهم ثَوابٌ أمْ لا؟ فَقِيلَ: لا ثَوابَ لَهم إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ، ثُمَّ يُقالُ لَهم: كُونُوا تُرابًا مِثْلَ البَهائِمِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والصَّحِيحُ أنَّهم في حُكْمِ بَنِي آدَمَ فَيَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ عَلى الطّاعَةِ والعِقابَ عَلى المَعْصِيَةِ، وهَذا القَوْلُ قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى ومالِكٍ، وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ في هَذا البابِ مُناظَرَةٌ، قالَ الضَّحّاكُ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ كُلَّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلى أنَّ البَشَرَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ عَلى الطّاعَةِ فَهو بِعَيْنِهِ قائِمٌ في حَقِّ الجِنِّ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا.

واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الجَنِّيَّ لَمّا أمَرَ قَوْمَهُ بِإجابَةِ الرَّسُولِ والإيمانِ بِهِ حَذَّرَهم مِن تِلْكَ الإجابَةِ فَقالَ: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لا يُنْجِي مِنهُ مَهْرَبٌ ولا يَسْبِقُ قَضاءَهُ سابِقٌ، ونَظِيُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجِنِّ: ١٢] ولا نَجِدُ لَهُ أيْضًا ولِيًّا ولا نَصِيرًا، ولا دافِعًا مِن دُونِ اللَّهِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском