Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Muhammad 47:27–37
47:27Page 509
فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧
Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قالَ: فَهَبْ أنَّهم يُسِرُّونَ واللَّهُ لا يُظْهِرُهُ اليَوْمَ فَكَيْفَ يَبْقى مَخْفِيًّا وقْتَ وفاتِهِمْ ؟ أوْ نَقُولُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ وهَبْ أنَّهم يَخْتارُونَ القِتالَ لِما فِيهِ الضَّرْبُ والطِّعانُ، مَعَ أنَّهُ مُفِيدٌ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إنْ غَلَبُوا فالمالُ في الحالِ والثَّوابُ في المَآلِ، وإنْ غُلِبُوا فالشَّهادَةُ والسَّعادَةُ، فَكَيْفَ حالُهم إذا ضَرَبَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، وعَلى هَذا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ القِتالَ في الحالِ إنْ أقْدَمَ عَلى المُبارَزَةِ فَرُبَّما يَهْزِمُ الخَصْمَ ويُسَلِّمُ وجْهَهُ وقَفاهُ، وإنْ لَمْ يَهْزِمْهُ فالضَّرْبُ عَلى وجْهِهِ إنْ صَبَرَ وثَبَتَ، وإنْ لَمْ يَثْبُتْ وانْهَزَمَ، فَإنْ فاتَ القَرْنُ فَقَدْ سَلَّمَ وجْهَهُ وقَفاهُ، وإنْ لَمْ يَفُتْهُ فالضَّرْبُ عَلى قَفاهُ لا غَيْرُ، ويَوْمُ الوَفاةِ لا نُصْرَةَ لَهُ ولا مَفَرَّ، فَوَجْهُهُ وظَهْرُهُ مَضْرُوبٌ مَطْعُونٌ، فَكَيْفَ يَحْتَرِزُ عَنِ الأذى ويَخْتارُ العَذابَ الأكْبَرَ.
47:28–30Page 509
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨
That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩
Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?
وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠
And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أمْرَيْنِ: ضَرْبَ الوَجْهِ، وضَرْبَ الأدْبارِ، وذَكَرَ بَعْدَهُما أمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: اتِّباعُ ما أسْخَطَ اللَّهَ، وكَراهَةُ رِضْوانِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قابَلَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: ”يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ“ حَيْثُ أقْبَلُوا عَلى سُخْطِ اللَّهِ، فَإنَّ المُتَّسِعَ لِلشَّيْءِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، ويَضْرِبُونَ أدْبارَهم لِأنَّهم تَوَلَّوْا عَمّا فِيهِ رِضا اللَّهِ، فَإنَّ الكارِهَ لِلشَّيْءِ يَتَوَلّى عَنْهُ، وما أسْخَطَ اللَّهَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا الأوَّلُ: إنْكارُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورِضْوانُهُ الإقْرارُ بِهِ والإسْلامُ.
الثّانِي: الكُفْرُ هو ما أسْخَطَ اللَّهَ، والإيمانُ ما يُرْضِيهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾
صفحة ٦٠
[البَيِّنَةِ: ٧] إلى أنْ قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٨] .
الثّالِثُ: ما أسْخَطَ اللَّهَ تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ، ورِضْوانُ اللَّهِ التَّعْوِيلُ عَلى البُرْهانِ والقُرْآنِ، فَإنْ قِيلَ: هم ما كانُوا يَكْرَهُونَ رِضْوانَ اللَّهِ، بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ فِيهِ رِضْوانُ اللَّهِ، ولا نَطْلُبُ إلّا رِضاءَ اللَّهِ، وكَيْفَ لا والمُشْرِكُونَ بِإشْراكِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَطْلُبُ رِضاءَ اللَّهِ. كَما قالُوا: ﴿لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] وقالُوا: ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعْرافِ: ٥٣] فَنَقُولُ: مَعْناهُ كَرِهُوا ما فِيهِ رِضاءُ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ما أرْضى اللَّهَ وذَلِكَ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سابِقَةٌ، فَلَهُ رَحْمَةٌ ثابِتَةٌ وهي مَنشَأُ الرِّضْوانِ، وغَضَبُ اللَّهِ مُتَأخِّرٌ فَهو يَكُونُ عَلى ذَنْبٍ، فَقالَ: (رِضْوانَهُ) لِأنَّهُ وصْفٌ ثابِتٌ لِلَّهِ سابِقٌ، ولَمْ يَقُلْ سَخَطَ اللَّهِ، بَلْ: ﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّخَطَ لَيْسَ ثُبُوتُهُ كَثُبُوتِ الرِّضْوانِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ في اللِّعانِ في حَقِّ المَرْأةِ: ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [النُّورِ: ٩] يُقالُ: ”غَضَبَ اللَّهِ“ مُضافًا لِأنَّ لِعانَهُ قَدْ سَبَقَ مُظْهِرُ الزِّنا بِقَوْلِهِ وأيْمانِهِ، وقَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ غَضَبٌ، و”رِضْوانُ اللَّهِ“ أمْرٌ يَكُونُ مِنهُ الفِعْلُ، وغَضَبُ اللَّهِ أمْرٌ يَكُونُ مِن فِعْلِهِ، ولْنَضْرِبْ لَهُ مِثالًا: الكَرِيمُ الَّذِي رُسِّخَ الكَرَمُ في نَفْسِهِ يَحْمِلُهُ الكَرَمُ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ، فَإذا كَثُرَ مِنَ السَّيِّئِ الإساءَةُ فَغَضَبُهُ لا لِأمْرٍ يَعُودُ إلَيْهِ، بَلْ غَضَبُهُ عَلَيْهِ يَكُونُ لِإصْلاحِ حالَةٍ، وزَجْرًا لِأمْثالِهِ عَنْ مِثْلِ فِعالِهِ، فَيُقالُ: هو كانَ الكَرِيمُ فَكَرَّمَهُ لِما فِيهِ مِنَ الغَرِيزَةِ الجِنْسِيَّةِ، لَكِنَّ فُلانًا أغْضَبَهُ وظَهَرَ مِنهُ الغَضَبُ، فَيَجْعَلُ الغَضَبَ ظاهِرًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلَ الحَسَنَ ظاهِرًا مِنَ الكَرَمِ، فالغَضَبُ في الكَرِيمِ بَعْدَ فِعْلٍ، والفِعْلُ مِنهُ بَعْدَ كَرَمٍ، ومِن هَذا يُعْرَفُ لُطْفُ قَوْلِهِ: ﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا إرْضاءَ اللَّهِ، وإنَّما طَلَبُوا إرْضاءَ الشَّيْطانِ والأصْنامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ .
هَذا إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ و”أمْ“ تَسْتَدْعِي جُمْلَةً أُخْرى اسْتِفْهامِيَّةً إذا كانَتْ لِلِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”أمْ“ إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً اسْتِفْهامِيَّةً تَسْتَدْعِي سَبْقَ جُمْلَةٍ أُخْرى اسْتِفْهامِيَّةٍ، يُقالُ: أزَيْدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو، وإذا كانَتْ مُنْقَطِعَةً لا تَسْتَدْعِي ذَلِكَ، يُقالُ: إنَّ هَذا لَزَيْدٌ أمْ عَمْرٌو، وكَما يُقالُ: بَلْ عَمْرٌو، والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، والسّابِقُ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ إسْرارَهم أمْ حَسِبَ المُنافِقُونَ أنْ لَنْ يُظْهِرَها والكُلُّ قاصِرٌ، وإنَّما يَعْلَمُها ويُظْهِرُها، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المُنْقَطِعَةَ لا تَكادُ تَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ فَلا يُقالُ ابْتِداءً: بَلْ جاءَ زَيْدٌ، ولا أمْ جاءَ عَمْرٌو، والإخْراجُ بِمَعْنى الإظْهارِ فَإنَّهُ إبْرازٌ، والأضْغانُ هي الحُقُودُ والأمْراضُ، واحِدُها ضِغْنٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ .
لَمّا كانَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ ضَمائِرَهم ويُبْرِزُ سَرائِرَهم كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَلِمَ لَمْ يُظْهِرْ فَقالَ: أخَّرْناهُ لِمَحْضِ المَشِيئَةِ لا لِخَوْفٍ مِنهم، كَما لا تُفْشى أسْرارُ الأكابِرِ خَوْفًا مِنهم: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ لا مانِعَ لَنا والإراءَةُ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، وقَوْلُهُ
صفحة ٦١
: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ لِزِيادَةِ فائِدَةٍ، وهي أنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يُطْلَقُ ولا يَلْزَمُهُ المَعْرِفَةُ، يُقالُ: عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِفْ، وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فَقالَ هَهُنا: ﴿لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ يَعْنِي: عَرَّفْناهم تَعْرِيفًا تَعْرِفُهم بِهِ، إشارَةٌ إلى قُوَّةِ التَّعْرِيفِ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ هي الَّتِي تَقَعُ في جَزاءِ لَوْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَأرَيْناكَهُمْ﴾ أُدْخِلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ إشارَةً إلى أنَّ المَعْرِفَةَ كالمُرَتَّبَةِ عَلى المَشِيئَةِ كَأنَّهُ قالَ: ولَوْ نَشاءُ لَعَرَفْتَهم، لِيُفْهَمَ أنَّ المَعْرِفَةَ غَيْرُ مُتَأخِّرَةٍ عَنِ التَّعْرِيفِ فَتُفِيدُ تَأْكِيدَ التَّعْرِيفِ، أيْ لَوْ نَشاءُ لَعَرَّفْناكَ تَعْرِيفًا مَعَهُ المَعْرِفَةُ لا بَعْدَهُ، وأمّا اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قالَ ولَتَعْرِفَنَّهم واللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ
أحَدُها: في مَعْنى القَوْلِ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَوْلِ: قَوْلُهم أيْ لَتَعْرِفَنَّهم في مَعْنى قَوْلِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ ما مَعْناهُ النِّفاقُ كَقَوْلِهِمْ حِينَ مَجِيءِ النَّصْرِ إنّا كُنّا مَعَكم، وقَوْلُهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ﴾ [المُنافِقُونَ: ٨] وقَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ١٣] وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ لَتَعْرِفَنَّهم في مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالَ ما تَعْلَمُ مِنهُ حالَ المُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [النُّورِ: ٦٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وثانِيها: في مَيْلِ القَوْلِ عَنِ الصَّوابِ حَيْثُ قالُوا ما لَمْ يَعْتَقِدُوا، فَأمالُوا كَلامَهم حَيْثُ قالُوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ١] وقالُوا: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحْزابِ: ١٣]،: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحْزابِ: ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وثالِثُها: في لَحْنِ القَوْلِ أيْ في الوَجْهِ الخَفِيِّ مِنَ القَوْلِ الَّذِي يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أيْضًا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ المُنافِقَ ولَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ أمْرَهُ إلى أنَّ أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في إظْهارِ أمْرِهِمْ ومُنِعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى جَنائِزِهِمْ والقِيامِ عَلى قُبُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِسِيماهُمْ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَعَلَ عَلى وُجُوهِهِمْ عَلامَةً أوْ يَمْسَخُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ [يس: ٦٧] ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أصْبَحُوا وعَلى جِباهِهِمْ مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبَيانٌ لِكَوْنِ حالِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ المُنافِقِ، فَإنَّ المُنافِقَ كانَ لَهُ قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ، والمُؤْمِنُ كانَ لَهُ عَمَلٌ ولا يَقُولُ بِهِ، وإنَّما قَوْلُهُ التَّسْبِيحُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩٣] وكانُوا يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ويَتَكَلَّمُونَ في السَّيِّئاتِ مُسْتَغْفِرِينَ مُشْفِقِينَ، والمُنافِقُ كانَ يَتَكَلَّمُ في الصّالِحاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤]: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا﴾ [الحُجُراتِ: ١٤]،: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ [البَقَرَةِ: ٨] ويَعْمَلُ السَّيِّئَ فَقالَ تَعالى: اللَّهُ يَسْمَعُ أقْوالَهُمُ الفارِغَةَ ويَعْلَمُ أعْمالَكُمُ الصّالِحَةَ فَلا يُضَيِّعُ.
47:31Page 510
وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١
And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ .
أيْ لَنَأْمُرَنَّكم بِما لا يَكُونُ مُتَعَيِّنًا لِلْوُقُوعِ، بَلْ بِما يَحْتَمِلُ الوُقُوعَ ويَحْتَمِلُ عَدَمَ الوُقُوعِ كَما يَفْعَلُ المُخْتَبِرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ أيْ نَعْلَمُ المُجاهِدِينَ مِن غَيْرِ المُجاهِدِينَ ويَدْخُلُ في عِلْمِ الشَّهادَةِ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ عَلَّمَهُ عِلْمَ الغَيْبِ وقَدْ ذَكَرْنا ما هو التَّحْقِيقُ في الِابْتِلاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ وقَوْلُهُ:
صفحة ٦٢
: ﴿المُجاهِدِينَ﴾ أيِ المُقْدِمِينَ عَلى الجِهادِ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ أيِ الثّابِتِينَ الَّذِينَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وقَوْلُهُ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحُدُها: قَوْلُهُ ”آمَنّا“ لِأنَّ المُنافِقَ وُجِدَ مِنهُ هَذا الخَبَرُ والمُؤْمِنَ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ أيْضًا، وبِالجِهادِ يُعْلَمُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، [الحُجُراتِ: ١٥] .
وثانِيها: إخْبارُهم مِن عَدَمِ التَّوْلِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحْزابِ: ١٥] والمُنافِقُ كانَ كالهَباءِ يَنْزَعِجُ بِأدْنى صَيْحَةٍ.
وثالِثُها: المُؤْمِنُ كانَ لَهُ أخْبارٌ صادِقَةٌ مَسْمُوعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧]: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١]، و﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] ولِلْمُنافِقِ أخْبارٌ أراجِيفُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٠] فَعِنْدَ تَحَقُّقِ الإيجافِ، يَتَبَيَّنُ الصِّدْقُ مِنَ الإرْجافِ.
47:32–33Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ . وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هم أهْلُ الكِتابِ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ.
والثّانِي: كُفّارُ قُرَيْشٍ يَدُلُّ عَلى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ قِيلَ: أهْلُ الكِتابِ تَبَيَّنَ لَهم صِدْقُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَهْدِيدٌ مَعْناهُ هم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ الشِّقاقَ مَعَ الرَّسُولِ وهم بِهِ يُشاقُّونَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشِّقاقُ مَعَ اللَّهِ، فَإنَّمُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ فَإنْ ضَرُّوا يَضُرُّوا الرُّسُلَ لَكِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ كافِرٍ وفِسْقِ فاسِقٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ قَدْ عُلِمَ مَعْناهُ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْبَطَ أعْمالَهم فَكَيْفَ يُحْبَطُ في المُسْتَقْبَلِ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في أوَّلِ السُّورَةِ المُشْرِكُونَ، ومِن أوَّلِ الأمْرِ كانُوا مُبْطِلِينَ، وأعْمالُهم كانَتْ عَلى غَيْرِ شَرِيعَةٍ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَهُنا أهْلُ الكِتابِ وكانَتْ لَهم أعْمالٌ قَبْلَ الرَّسُولِ فَأحْبَطَها اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ولا يَنْفَعُهم إيمانُهم بِالحَشْرِ والرُّسُلِ والتَّوْحِيدِ، والكافِرُ المُشْرِكُ أُحْبِطَ عَمَلُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرْعٍ أصْلًا ولا كانَ مُعْتَرِفًا بِالحَشْرِ.
الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ هَهُنا مَكايِدُهم في القِتالِ وذَلِكَ في تَحَقُّقٍ مِنهم واللَّهُ سَيُبْطِلُهُ حَيْثُ يَكُونُ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِالأعْمالِ في أوَّلِ السُّورَةِ هو ما ظَنُّوهُ حَسَنَةً.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾
العَطْفُ هَهُنا مِن بابِ عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ يُقالُ: اجْلِسْ واسْتَرِحْ وقُمْ وامْشِ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُحْمَلُ عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ، وهَذا إشارَةٌ إلى العَمَلِ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلِمْتُمُ الحَقَّ فافْعَلُوا الخَيْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحُدُها: دُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُشْرِكُوا فَتَبْطُلَ أعْمالُكم، قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] الوَجْهُ الثّانِي: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾
صفحة ٦٣
بِتَرْكِ طاعَةِ الرَّسُولِ كَما أبْطَلَ أهْلُ الكِتابِ أعْمالَهم بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ وعِصْيانِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ٢] إلى أنْ قالَ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ٢] .
الثّالِثُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] كَما قالَ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٧] وذَلِكَ أنَّ مَن يَمُنُّ بِالطّاعَةِ عَلى الرَّسُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ هَذا فَعَلْتُهُ لِأجْلِ قَلْبِكَ، ولَوْلا رِضاكَ بِهِ لَما فَعَلْتُ، وهو مُنافٍ لِلْإخْلاصِ، واللَّهُ لا يَقْبَلُ إلّا العَمَلَ الخالِصَ.
47:34–35Page 510
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤
Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.
فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥
So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ وما دُونَ ذَلِكَ يَغْفِرُهُ إنْ شاءَ حَتّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ أعْمالَهم وإنْ بَطَلَتْ لَكِنَّ فَضْلَ اللَّهِ باقٍ يَغْفِرُ لَهم بِفَضْلِهِ، وإنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهم بِعَمَلِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ أنَّ عَمَلَ الكافِرِ الَّذِي لَهُ صُورَةُ الحَسَناتِ مُحْبَطٌ، وذَنْبَهُ الَّذِي هو أقْبَحُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، بَيَّنَ أنْ لا حُرْمَةَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأمَرَ بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا بَعْدَ ما وُجِدَ السَّبَبُ في الجِدِّ في الأمْرِ والِاجْتِهادِ في الجِهادِ فَقالَهُ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ وفي الآياتِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي السَّعْيَ في القِتالِ لِأنَّ أمْرَ اللَّهِ وأمْرَ الرَّسُولِ ورَدَ بِالجِهادِ وقَدْ أُمِرُوا بِالطّاعَةِ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَضْعُفَ المُكَلَّفُ ولا يَكْسَلَ ولا يَهِنَ ولا يَتَهاوَنَ، ثُمَّ إنَّ بَعْدَ المُقْتَضى قَدْ يَتَحَقَّقُ مانِعٌ ولا يَتَحَقَّقُ المُسَبِّبُ، والمانِعُ مِنَ القِتالِ إمّا أُخْرَوِيٌّ وإمّا دُنْيَوِيٌّ، فَذَكَرَ الأُخْرَوِيَّ وهو أنَّ الكافِرَ لا حُرْمَةَ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ في الدُّنْيا ولا مَغْفِرَةَ لَهُ في الآخِرَةِ، فَإذا وُجِدَ السَّبَبُ ولَمْ يُوجَدِ المانِعُ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ المُسَبِّبُ، ولَمْ يُقَدِّمِ المانِعَ الدُّنْيَوِيَّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ إشارَةً إلى أنَّ الأُمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مانِعَةً مِنَ الإتْيانِ، فَلا تَهِنُوا فَإنَّ لَكُمُ النَّصْرَ، أوْ عَلَيْكم بِالعَزِيمَةِ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِزامِ لِلْهَزِيمَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ المانِعُ الدُّنْيَوِيُّ مَعَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مانِعًا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ أيْضًا حَيْثُ: (أنْتُمُ الأعْلَوْنَ) والأعْلَوْنَ والمُصْطَفَوْنَ في الجَمْعِ حالَةَ الرَّفْعِ مَعْلُومُ الأصْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ كَيْفَ آلَ إلى هَذِهِ الصِّيغَةِ في التَّصْرِيفِ، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَهُ في الجَمْعِ المُوافِقِ أعْلِيُونَ ومُصْطَفِيُونَ فَسُكِّنَتِ الياءُ لِكَوْنِها حَرْفَ عِلَّةٍ فَتَحَرَّكَ ما قَبْلَها، والواوُ كانَتْ ساكِنَةً فالتَقى ساكِنانِ ولَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن حَذْفِ أحَدِهِما أوْ تَحْرِيكِهِ، والتَّحْرِيكُ كانَ يُوقِعُ في المَحْذُورِ الَّذِي اجْتُنِبَ مِنهُ فَوَجَبَ الحَذْفُ، والواوُ كانَتْ فِيهِ لِمَعْنًى لا يُسْتَفادُ إلّا مِنها وهو الجَمْعُ فَأُسْقِطَتِ الياءُ وبَقِيَ أعْلَوْنَ، وبِهَذا الدَّلِيلِ صارَ في الجَرِّ أعْلَيْنَ ومُصْطَفَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ هِدايَةٌ وإرْشادٌ يَمْنَعُ المُكَلَّفَ مِنَ الإعْجابِ بِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ كانَ ذَلِكَ سَبَبَ الِافْتِخارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي لَيْسَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِكم بَلْ مِنَ اللَّهِ، أوْ نَقُولُ لَمّا قالَ:
صفحة ٦٤
: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ ضَعْفَ أنْفُسِهِمْ وقِلَّتَهم مَعَ كَثْرَةِ الكُفّارِ وشَوْكَتِهِمْ وكانَ يَقَعُ في نَفْسِ بَعْضِهِمْ أنَّهم كَيْفَ يَكُونُ لَهُمُ الغَلَبَةُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَعَكم لا يَبْقى لَكم شَكٌّ ولا ارْتِيابٌ في أنَّ الغَلَبَةَ لَكم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المُجادَلَةِ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وعْدٌ آخَرُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ: إنَّ اللَّهَ مَعَكم، كانَ فِيهِ أنَّ النُّصْرَةَ بِاللَّهِ لا بِكم فَكانَ القائِلُ يَقُولُ لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي عَمَلٌ لَهُ اعْتِبارٌ فَلا أسْتَحِقُّ تَعْظِيمًا، فَقالَ هو يَنْصُرُكم ومَعَ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن أعْمالِكم شَيْئًا، ويَجْعَلُ كَأنَّ النُّصْرَةَ جُعِلَتْ بِكم ومِنكم فَكَأنَّكم مُسْتَقِلُّونَ في ذَلِكَ ويُعْطِيكم أجْرَ المُسْتَبِدِّ، والتِّرَةُ النَّقْصُ، ومِنهُ المُوتِرُ كَأنَّهُ نَقَصَ مِنهُ ما يَشْفَعُهُ، ويَقُولُ عِنْدَ القِتالِ: إنْ قُتِلَ مِنَ الكافِرِينَ أحَدٌ فَقَدْ وُتِرُوا في أهْلِهِمْ وعَمَلِهِمْ حَيْثُ نَقَصَ عَدَدُهم وضاعَ عَمَلُهم، والمُؤْمِنُ إنْ قُتِلَ فَإنَّما يَنْقُصُ مِن عَدَدِهِ ولَمْ يَنْقُصْ مِن عَمَلِهِ، وكَيْفَ ولَمْ يَنْقُصْ مِن عَدَدِهِ أيْضًا، فَإنَّهُ حَيٌّ مَرْزُوقٌ فَرِحٌ بِما هو إلَيْهِ مَسُوقٌ.
47:36–37Page 510
إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦
[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.
إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧
If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your hatred [i.e., unwillingness].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ .
زِيادَةٌ في التَّسْلِيَةِ يَعْنِي كَيْفَ تَمْنَعُكَ الدُّنْيا مِن طَلَبِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ، وهي لا تَفُوتُكَ لِكَوْنِكَ مَنصُورًا غالِبًا، وإنْ فاتَتْكَ فَعَمَلُكَ غَيْرُ مُوتَرٍ، فَكَيْفَ وما يَفُوتُكَ، فَإنْ فاتَ فائِتٌ ولَمْ يُعَوَّضْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلَيْها لِكَوْنِها لَعِبًا ولَهْوًا، وقَدْ ذَكَرْنا في اللَّعِبِ واللَّهْوِ مِرارًا أنَّ اللَّعِبَ ما تَشْتَغِلُ بِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ ضَرُورَةٌ في الحالِ ولا مَنفَعَةٌ في المَآلِ، ثُمَّ إنِ اسْتَعْمَلَهُ الإنْسانُ ولَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَثْنِهِ عَنْ أشْغالِهِ المُهِمَّةِ فَهو لَعِبٌ وإنْ شَغَلَهُ ودَهَشَهُ عَنْ مُهِمّاتِهِ فَهو لَهْوٌ، ولِهَذا يُقالُ: مَلاهٍ لِآلاتِ المَلاهِي لِأنَّها مَشْغَلَةٌ عَنِ الغَيْرِ، ويُقالُ لِما دُونَهُ لَعِبٌ كاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ والحَمامِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ إعادَةٌ لِلْوَعْدِ والإضافَةُ لِلتَّعْرِيفِ، أيِ الأجْرُ الَّذِي وعَدَكم بِقَوْلِهِ: ﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١١]: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ١٢]: ﴿وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحُجُراتِ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الجِهادَ لا بُدَّ لَهُ مِن إنْفاقٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ أنا لا أُنْفِقُ مالِي، فَيُقالُ لَهُ: اللَّهُ لا يَسْألُكم مالَكم في الجِهاتِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والغَنِيمَةِ وأمْوالِ المَصالِحِ فِيما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ المالِ لا تُراعُونَ بِإخْراجِهِ.
وثانِيها: الأمْوالُ لِلَّهِ وهي في أيْدِيكم عارِيَةٌ وقَدْ طَلَبَ مِنكم أوْ أجازَ لَكم في صَرْفِها في جِهَةِ الجِهادِ فَلا مَعْنى لِبُخْلِكم بِمالِهِ، وإلى هَذا إشارَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] أيِ الكُلُّ لِلَّهِ.
وثالِثُها: لا يَسْألُكم أمْوالَكم كُلَّها، وإنَّما يَسْألُكم شَيْئًا يَسِيرًا مِنها وهو رُبْعُ العُشْرِ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا لِأنَّ العُشْرَ هو الجُزْءُ الأقَلُّ إذْ لَيْسَ دُونَهُ جُزْءٌ ولَيْسَ اسْمًا مُفْرَدًا، وأمّا الجُزْءُ مِن أحَدَ عَشَرَ ومِنِ اثْنَيْ عَشَرَ و[إلى] مِائَةِ جُزْءٍ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفَتًا إلَيْهِ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ في رَأْسِ المالِ بَلْ أوْجَبَ ذَلِكَ في الرِّبْحِ الَّذِي هو مِن فَضْلِ اللَّهِ
صفحة ٦٥
وعَطائِهِ، وإنْ كانَ رَأْسُ المالِ أيْضًا كَذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا المَعْنى في الرِّبْحِ أظْهَرُ، ولَمّا كانَ المالُ مِنهُ ما يُنْفَقُ لِلتِّجارَةِ فِيهِ ومِنهُ ما لا يُنْفَقُ، وما أُنْفِقَ مِنهُ لِلتِّجارَةِ أحَدُ قِسْمَيْهِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ فِيهِ رابِحَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَكُونَ رابِحَةً فَصارَ القِسْمُ الواحِدُ قِسْمَيْنِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ كانَ الرِّبْحُ في رُبْعِهِ فَأوْجَبَ [رُبْعَ] عُشْرِ الَّذِي فِيهِ الرِّبْحُ وهو عُشْرٌ فَهو رُبْعُ العُشْرِ وهو الواجِبُ، فَعُلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْألُكم أمْوالَكم ولا الكَثِيرَ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ .
الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإحْفاءَ يَتْبَعُ السُّؤالَ بَيانًا لِشُحِّ الأنْفُسِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ قَدْ يَكُونُ لِلْمِثْلَيْنِ وبِالفاءِ لا يَكُونُ إلّا لِلْمُتَعاقِبَيْنِ أوْ مُتَعَلِّقَيْنِ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإحْفاءَ يَقَعُ عَقِيبَ السُّؤالِ لِأنَّ الإنْسانَ بِمُجَرَّدِ السُّؤالِ لا يُعْطِي شَيْئًا وقَوْلُهُ: ﴿تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ يَعْنِي ما طَلَبَها ولَوْ طَلَبَها وألَحَّ عَلَيْكم في الطَّلَبِ، كَيْفَ وأنْتُمْ تَبْخَلُونَ بِاليَسِيرِ لا تَبْخَلُونَ بِالكَثِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ يَعْنِي بِسَبَبِهِ فَإنَّ الطّالِبَ وهو النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ يَطْلُبُونَكم وأنْتُمْ لِمَحَبَّةِ المالِ وشُحِّ الأنْفُسِ تَمْتَنِعُونَ فَيُفْضِي إلى القِتالِ وتَظْهَرُ بِهِ الضَّغائِنُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences