Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:6–12

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6–12, continued

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ (المائِدَةِ: ٤) وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّباتِ المُسْتَلَذّاتُ والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، وإذا ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ فَعِنْدَ هَذا قالَ نُفاةُ القِياسِ: لا حاجَةَ البَتَّةَ أصْلًا إلى القِياسِ في الشَّرْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ حادِثَةٍ تَقَعُ فَحُكْمُها المُفَصَّلُ إنْ كانَ مَذْكُورًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ فَذاكَ هو المُرادُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ مِن بابِ المَضارِّ حَرَّمْناهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، وإنْ كانَ مِن بابِ المَنافِعِ أبَحْناهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى إباحَةِ المَنافِعِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقْدَحَ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ الأقْيِسَةِ؛ لِأنَّ القِياسَ المُعارِضَ لَهَذَيْنِ

صفحة ١٤٠

الأصْلَيْنِ يَكُونُ قِياسًا واقِعًا في مُقابَلَةِ النَّصِّ، وأنَّهُ مَرْدُودٌ فَكانَ باطِلًا.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

5:7Page 108

وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا التَّكْلِيفَ أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والِانْقِيادَ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ الِاشْتِغالَ بِخِدْمَةِ المُنْعِمِ والِانْقِيادَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ ”نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكم“؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلَ في أعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلُ في جِنْسِ نِعَمِ اللَّهِ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطاءِ نِعْمَةِ الحَياةِ والصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ والصَّوْنِ عَنِ الآفاتِ والإيصالِ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَجِنْسُ نِعْمَةِ اللَّهِ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المُرادُ التَّأمُّلُ في هَذا النَّوْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتازٌ عَنْ نِعْمَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ الِامْتِيازُ هو أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ مَتى كانْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ وُجُوبُ الِاشْتِغالِ بِشُكْرِها أتَمَّ وأكْمَلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِسَبْقِ النِّسْيانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ نِسْيانُها مَعَ أنَّها مُتَواتِرَةٌ مُتَوالِيَةٌ عَلَيْنا في جَمِيعِ السّاعاتِ والأوْقاتِ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّها لِكَثْرَتِها وتَعاقُبِها صارَتْ كالأمْرِ المُعْتادِ، فَصارَتْ غَلَبَةُ ظُهُورِها وكَثْرَتِها سَبَبًا لِوُقُوعِها في مَحَلِّ النِّسْيانِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما كانَ باطِنًا لِكَوْنِهِ ظاهِرًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.

السَّبَبُ الثّانِي: مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى هو المِيثاقُ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، والمُواثَقَةُ المُعاهَدَةُ الَّتِي قَدْ أُحْكِمَتْ بِالعَقْدِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذا المِيثاقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو المَواثِيقُ الَّتِي

صفحة ١٤٢

جَرَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهم في أنْ يَكُونُوا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في المَحْبُوبِ والمَكْرُوهِ، مِثْلُ مُبايَعَتِهِ مَعَ الأنْصارِ في أوَّلِ الأمْرِ ومُبايَعَتِهِ عامَّةَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ المِيثاقَ الصّادِرَ عَنِ الرَّسُولِ إلى نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ (النِّساءِ: ٨٠) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم أنَّهُمُ التَزَمُوا ذَلِكَ وقَبِلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا، ثُمَّ حَذَّرَهم مِن نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ والمَواثِيقِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْنِي لا تَنْقُضُوا تِلْكَ العُهُودَ ولا تَعْزِمُوا بِقُلُوبِكم عَلى نَقْضِها، فَإنَّهُ إنْ خَطَرَ ذَلِكَ بِبالِكم فاللَّهُ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وكَفى بِهِ مُجازِيًا.

والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا آمَنّا بِالتَّوْراةِ وبِكُلِّ ما فِيها، فَلَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ ما في التَّوْراةِ البِشارَةُ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم.

فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ بَنِي آدَمَ لا يَذْكُرُونَ هَذا العَهْدَ والمِيثاقَ فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِحِفْظِهِ ؟قُلْنا: لَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا حَصَلَ القَطْعُ بِحُصُولِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يَأْمُرَهم بِالوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ.

الرّابِعُ: قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالمِيثاقِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى التَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ.

5:8Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨

O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ هَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمُرادُ حَثُّهم عَلى الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ التَّكالِيفَ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ وهو التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومَعْنى القِيامِ لِلَّهِ هو أنْ يَقُومَ لِلَّهِ بِالحَقِّ في كُلِّ ما يَلْزَمُهُ القِيامُ بِهِ مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وتَعْظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: يَقُولُ لا تُحابِ في شَهادَتِكَ أهْلَ وُدِّكَ وقَرابَتَكَ، ولا تَمْنَعْ شَهادَتَكَ أعْداءَكَ وأضْدادَكَ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تُبَيِّنُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، لِأنَّ الشّاهِدَ يُبَيِّنُ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ أيْ لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا، وأرادَ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِمْ لَكِنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ تَجُورُوا عَلَيْهِمْ وتُجاوِزُوا الحَدَّ فِيهِمْ، بَلِ اعْدِلُوا فِيهِمْ وإنْ أساءُوا إلَيْكم، وأحْسِنُوا إلَيْهِمْ

صفحة ١٤٣

وإنْ بالَغُوا في إيحاشِكم، فَهَذا خِطابٌ عامٌّ، ومَعْناهُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِأنْ لا يُعامِلُوا أحَدًا إلّا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ، وتَرْكِ المَيْلِ والظُّلْمِ والِاعْتِسافِ.

والثّانِي: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ فَإنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ يُعْقَلُ ظُلْمُ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ ؟

قُلْنا: يُمْكِنُ ظُلْمُهم أيْضًا مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنها أنَّهم إذا أظْهَرُوا الإسْلامَ لا يَقْبَلُونَهُ مِنهم، ومِنها قَتْلُ أوْلادِهِمُ الأطْفالِ لِاغْتِمامِ الآباءِ، ومِنها إيقاعُ المُثْلَةِ بِهِمْ، ومِنها نَقْضُ عُهُودِهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنْ أنْ يَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٧) أيْ هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ العَدْلِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، فَما الظَّنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الكَلامَ الَّذِي يَكُونُ وعْدًا مَعَ المُطِيعِينَ ووَعِيدًا لِلْمُذْنِبِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِكم.

5:9–10Page 108

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩

Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فالمَغْفِرَةُ إسْقاطُ السَّيِّئاتِ كَما قالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (الفُرْقانِ: ٧٠) والأجْرُ العَظِيمُ إيصالُ الثَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ وعَدَهم ؟ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

الثّانِي: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقالَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والثّالِثُ: أجْرى قَوْلَهُ: (وعَدَ) مَجْرى قالَ، والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (وعَدَ) واقِعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ وعَدَهم بِهَذا المَجْمُوعِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخْبَرَ عَنْ هَذا الوَعْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ أخْبَرَ بِالمَوْعُودِ بِهِ كانَ ذَلِكَ أقْوى ؟

قُلْنا: بَلِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ هَذا الوَعْدِ وعْدَ اللَّهِ أقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أضافَ هَذا الوَعْدَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، وهَذا يَمْتَنِعُ الخُلْفُ في وعْدِهِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الخُلْفِ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسى وعْدَهُ، وإمّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وإمّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ البُخْلُ عَنِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ، وإمّا لِلْحاجَةِ، فَإذا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ دُخُولُ الخُلْفِ في وعْدِهِ مُحالًا، فَكانَ الإخْبارُ عَنْ

صفحة ١٤٤

هَذا الوَعْدِ أوْكَدَ وأقْوى مِن نَفْسِ الإخْبارِ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الوَعْدَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ فَيُفِيدُهُ السُّرُورَ عِنْدَ سَكَراتِ المَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الشَّدائِدُ، وبَعْدَ المَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ البَقاءُ في ظُلْمَةِ القَبْرِ وفي عَرْصَةِ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُصاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ كَما يُقالُ: أصْحابُ الصَّحْراءِ، أيِ المُلازِمُونَ لَها.

5:11Page 109

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا غالِبِينَ، والمُسْلِمِينَ كانُوا مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ، ولَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ أبَدًا يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والقَتْلِ والنَّهْبِ بِالمُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى كانَ يَمْنَعُهم عَنْ مَطْلُوبِهِمْ إلى أنْ قَوِيَ الإسْلامُ وعَظُمَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ وهو المُشْرِكُونَ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والنَّفْيِ فَكَفَّ اللَّهُ تَعالى بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ أيْدِيَ الكُفّارِ عَنْكم أيُّها المُسْلِمُونَ، ومِثْلُ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوا مَعاصِيَهُ ومُخالَفَتَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا تَخافُوا أحَدًا في إقامَةِ طاعاتِ اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في واقِعَةٍ خاصَّةٍ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً إلى بَنِي عامِرٍ فَقُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ: أحَدُهم عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِي، وانْصَرَفَ هو وآخَرُ مَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُخْبِراهُ خَبَرَ القَوْمِ، فَلَقِيا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ مَعَهُما أمانٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلاهُما ولَمْ يَعْلَما أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَجاءَ قَوْمُهُما يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ حَتّى دَخَلُوا عَلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَدْ كانُوا عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ وعَلى أنْ يُعِينُوهُ في الدِّياتِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَجُلٌ مِن أصْحابِي أصابَ رَجُلَيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي فَلَزِمَنِي دِيَتُهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي، فَقالُوا: اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُعْطِيَكَ ما تُرِيدُ، ثُمَّ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِأصْحابِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الحالِ مَعَ أصْحابِهِ وخَرَجُوا، فَقالَ اليَهُودُ: إنَّ قُدُورَنا تَغْلِي، فَأعْلَمَهُمُ الرَّسُولُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ» . قالَ عَطاءٌ: تَآمَرُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ رَحًا أوْ حَجَرًا، وقِيلَ: بَلْ

صفحة ١٤٥

ألْقَوْا فَأخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: قالَ آخَرُونَ: «إنَّ الرَّسُولَ نَزَلَ مَنزِلًا وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، وعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ وسَلَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ: لا أحَدَ، ثُمَّ صاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ فَأخْبَرَهم وأبى أنْ يُعاقِبَهُ»، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدَفْعِ الشَّرِّ والمَكْرُوهِ عَنْ نَبِيِّهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِن أعْظَمِ المِحَنِ.

والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ قامُوا إلى صَلاةِ الظُّهْرِ بِالجَماعَةِ وذَلِكَ بَعُسْفانَ، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمَ المُشْرِكُونَ وقالُوا لَيْتَنا أوْقَعْنا بِهِمْ في أثْناءِ صَلاتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وآبائِهِمْ، يَعْنُونَ صَلاةَ العَصْرِ، فَهَمُّوا بِأنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَلاةِ الخَوْفِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ، وبَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ. ومَعْنى بَسْطِ اليَدِ مَدُّها إلى المَبْطُوشِ بِهِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهم: فُلانٌ بَسِيطُ الباعِ ومَدِيدُ الباعِ بِمَعْنى واحِدٍ ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ مَنَعَها أنْ تَصِلَ إلَيْكم.

5:12Page 109

۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ فَقالَ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ (المائِدَةِ: ٧) ثُمَّ ذَكَرَ الآنَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَكِنَّهم نَقَضُوهُ وتَرَكُوا الوَفاءَ بِهِ، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَ أُولَئِكَ اليَهُودِ في هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ؛ لِئَلّا تَصِيرُوا مِثْلَهم فِيما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللَّعْنِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) وقَدْ ذَكَرْنا في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وأنَّهم أرادُوا إيقاعَ الشَّرِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضائِحِهِمْ وبَيانِ أنَّهم أبَدًا كانُوا مُواظِبِينَ عَلى نَقْضِ العُهُودِ والمَواثِيقِ.

الثّالِثُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَرْغِيبُ المُكَلَّفِينَ في قَبُولِ التَّكالِيفِ وتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ مَن كانَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ كَما كَلَّفَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ عادَةَ اللَّهِ في التَّكْلِيفِ والإلْزامِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، بَلْ هي عادَةٌ جارِيَةٌ لَهُ مَعَ جَمِيعِ عِبادِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ أصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، يُقالُ فُلانٌ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ يَنْقُبُ عَنْ أحْوالِهِمْ كَما يَنْقُبُ عَنِ الأسْرارِ، ومِنهُ المَناقِبُ وهي الفَضائِلُ؛ لِأنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْها، ونَقَبْتُ الحائِطَ أيْ بَلَغْتُ في النَّقْبِ إلى آخِرِهِ، ومِنهُ النُّقْبَةُ السَّراوِيلُ بِغَيْرِ رِجْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بُولِغَ في فَتْحِها ونَقْبِها، ويُقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ، وهو أنْ يَنْقُبَ حَنْجَرَتَهُ؛ لِئَلّا يَرْتَفِعَ صَوْتُ نُباحِهِ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ البُخَلاءُ مِنَ العَرَبِ لِئَلّا يَطْرُقَهم ضَيْفٌ.

صفحة ١٤٦

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ، والفَعِيلُ يَحْتَمِلُ الفاعِلَ والمَفْعُولَ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى الفاعِلِ فَهو النّاقِبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ المُفَتِّشُ عَنْها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّقِيبُ هَهُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَعْنِي اخْتارَهم عَلى عِلْمٍ بِهِمْ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَضْرُوبِ: ضَرِيبٌ، ولِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ والمُسْنَدُ إلَيْهِمْ أُمُورُ القَوْمِ وتَدْبِيرُ مَصالِحِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فاخْتارَ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا يَكُونُ نَقِيبًا لَهم وحاكِمًا فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: أنَّ النُّقَباءَ بُعِثُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقِتالِ مَعَهم لِيَقِفُوا عَلى أحْوالِهِمْ ويَرْجِعُوا بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ذَهَبُوا إلَيْهِمْ رَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وقُوَّةً وشَوْكَةً فَهابُوا ورَجَعُوا فَحَدَّثَهم قَوْمُهم، وقَدْ نَهاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُحَدِّثُوهم، فَنَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مَن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ مِن سِبْطِ إفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ، وهُما اللَّذانِ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٣) الآيَةَ.

* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ اللَّهُ لَهم إنِّي مَعَكم، إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِاتِّصالِ الكَلامِ بِذِكْرِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنُّقَباءِ، أيْ وقالَ اللَّهُ لِلنُّقَباءِ: إنِّي مَعَكم.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَكُونُ عائِدًا إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وأقْرَبُ المَذْكُورِ هُنا النُّقَباءُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ والمَعْنى إنِّي مَعَكم بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ فَأسْمَعُ كَلامَكم وأرى أفْعالَكم وأعْلَمُ ضَمائِرَكم وأقْدِرُ عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلَيْكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ مُقَدِّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ جِدًّا في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ لَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الكُلِّيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها جُمْلَةً شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ فِيها مُرَكَّبٌ مِن أُمُورٍ خَمْسَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والجَزاءُ هو قَوْلُهُ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى إزالَةِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو إشارَةٌ إلى إيصالِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

صفحة ١٤٧

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أخَّرَ الإيمانَ بِالرُّسُلِ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْها ؟

والجَوابُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهُ لا بُدَّ في حُصُولِ النَّجاةِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ إلّا أنَّهم كانُوا مُصِرِّينَ عَلى تَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ حَتّى يَحْصُلَ المَقْصُودُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ النَّجاةِ بِدُونِ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ.

والسُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى التَّعْزِيرِ ؟ الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: العَزْرُ في اللُّغَةِ الرَّدُّ، وتَأْوِيلُ عَزَّرْتُ فُلانًا، أيْ فَعَلْتُ بِهِ ما يَرُدُّهُ عَنِ القَبِيحِ ويَزْجُرُهُ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أيْ نَصَرْتُمُوهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَصَرَ إنْسانًا فَقَدْ رَدَّ عَنْهُ أعْداءَهُ. قالَ: ولَوْ كانَ التَّعْزِيرُ هو التَّوْقِيرُ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفَتْحِ: ٩) تَكْرارًا.

والسُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ دَخَلَ تَحْتَ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَما الفائِدَةُ في الإعادَةِ ؟

والجَوابُ: المُرادُ بِإيتاءِ الزَّكاةِ الواجِباتُ. وبِهَذا الإقْراضِ الصَّدَقاتُ المَندُوبَةُ، وخَصَّها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِها وعُلُوِّ مَرْتَبَتِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قالَ: وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ إقْراضًا حَسَنًا لَكانَ صَوابًا أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدْ يُقامُ الِاسْمُ مَقامَ المَصْدَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧) ولَمْ يَقُلْ بَتَقَبُّلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ولَمْ يَقُلْ إنْباتًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ أخْطَأ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو الدِّينُ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.

فَإنْ قِيلَ: مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

قُلْنا: أجَلْ، ولَكِنَّ الضَّلالَ بَعْدَهُ أظْهَرُ وأعْظَمُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إنَّما عَظُمَ قُبْحُهُ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ المَكْفُورَةِ، فَإذا زادَتِ النِّعْمَةُ زادَ قُبْحُ الكُفْرِ وبَلَغَ النِّهايَةَ القُصْوى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском