Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6, continued
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إذا كانَ مَعَهُ ماءٌ وكانَ حَيَوانٌ آخَرُ عَطْشانًا مُشْرِفًا عَلى الهَلاكِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الماءَ واجِبُ الصَّرْفِ إلى ذَلِكَ الحَيَوانِ؛ لِأنَّ حَقَّ الحَيَوانِ مُقَدَّمٌ عَلى الصَّلاةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلاةِ عِنْدَ إشْرافِ صَبِيٍّ أوْ أعْمى عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الماءُ كالمَعْدُومِ، فَدَخَلَ حِينَئِذٍ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ماءٌ ولَكِنْ كانَ مَعَ غَيْرِهِ ماءٌ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَشْتَرِيَ إلّا بِالغَبْنِ الفاحِشِ جازَ التَّيَمُّمُ لَهُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٧٨) رَفَعَ عَنْهُ تَحَمُّلَ الغَبْنِ الفاحِشِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ كالفاقِدِ لِلْماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وكَذا القَوْلُ إذا كانَ يُباعُ الماءُ بِثَمَنِ المِثْلِ لَكِنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، أوْ كانَ مَعَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْهِ حاجَةً ضَرُورِيَّةً، فَأمّا إذا كانَ واجِدًا لِثَمَنِ المِثْلِ ولَمْ يَكُنْ بِهِ إلَيْهِ حاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَهُنا يَجِبُ شِراءُ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا وُهِبَ مِنَّةً ذَلِكَ الماءَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ؟ قالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ الماءِ؛ لِأنَّ المِنَّةَ في قَبُولِ الهِبَةِ شاقَّةٌ، وأنا أتَعَجَّبُ مِنهم فَإنَّهم لَمّا جَعَلُوا هَذا القَدْرَ مِنَ الحَرَجِ سَبَبًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ فَلِمَ لَمْ يَجِدُوا خَوْفَ زِيادَةِ الألَمِ في المَرَضِ سَبَبًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ!
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: إذا أُعِيرَ مِنَّهً الدَّلْوَ والرِّشاءَ، فَهَهُنا الأكْثَرُونَ قالُوا: لا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ المِنَّةَ في هَذِهِ الإعارَةِ قَلِيلَةٌ، وكانَ هَذا الإنْسانُ واجِدًا لِلْماءِ مِن غَيْرِ حَرَجٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾
صفحة ١٣٣
دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوازِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ وِجْدانِ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ ألْحَقُوا بِهِ كُلَّ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ سَواءٌ كانَ مُعْتادًا أوْ نادِرًا لِدَلالَةِ الأحادِيثِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِنْجاءُ واجِبٌ إمّا بِالماءِ وإمّا بِالأحْجارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: غَيْرُ واجِبٍ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ عِنْدَ المَجِيءِ مِنَ الغائِطِ الوُضُوءَ أوِ التَّيَمُّمَ ولَمْ يُوجِبْ غَسْلَ مَوْضِعِ الحَدَثِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَمْسُ المَرْأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولا يَنْقُضُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ يَدُلُّ عَلى انْتِقاضِ وُضُوءِ اللّامِسِ، أمّا انْتِقاضُ وُضُوءِ المَلْمُوسِ فَغَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنَ الآيَةِ، بَلْ إنَّما أُخِذَ مِنَ الخَبَرِ، أوْ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ، وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ:
أحَدُهُما: الكَلامُ في أنَّ الماءَ المُطَهِّرَ ما هو ؟ .
والثّانِي: الكَلامُ في أنَّ التَّيَمُّمَ كَيْفَ هو ؟
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوُضُوءُ بِالماءِ المُسَخَّنِ جائِزٌ ولا يُكْرَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُكْرَهُ. لَنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والغَسْلُ عِبارَةٌ عَنْ إمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ وقَدْ أتى بِهِ فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ بِفِقْدانِ الماءِ، وهَهُنا لَمْ يَحْصُلْ فِقْدانُ الماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: الماءُ إذا قَصَدَ تَشْمِيسَهُ في الإناءِ كُرِهَ الوُضُوءُ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ رَحِمَهُما اللَّهُ: لا يُكْرَهُ.
حُجَّةُ أصْحابِنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَنِ اغْتَسَلَ بِماءٍ مُشَمَّسٍ فَأصابَهُ وضَحٌ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ» “ ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا يُكْرَهُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، بَلْ مِن جِهَةِ الطِّبِّ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وهَذا غَسْلٌ فَيَكُونُ كافِيًا، الثّانِي أنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يُكْرَهُ الوُضُوءُ بِما فَضَلَ عَنْ وُضُوءِ المُشْرِكِ، وكَذا لا يُكْرَهُ الوُضُوءُ بِالماءِ الَّذِي يَكُونُ في أوانِي المُشْرِكِينَ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ؛ ولِأنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلا يَتَيَمَّمُ. ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوَضَّأ مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ»، وتَوَضَّأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن ماءٍ في جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ.
* * *
صفحة ١٣٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ البَحْرِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ لا يَجُوزُ. لَنا أنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ؛ ولِأنَّ شَرْطَ جَوازِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الماءِ، ومَن وجَدَ ماءَ البَحْرِ فَقَدْ وجَدَ الماءَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ في السَّفَرِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ الشّارِعُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ التَّيَمُّمَ، وعِنْدَ الخَصْمِ يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ لِلتَّيَمُّمِ بَلْ يَجِبُ، وذَلِكَ بِأنْ يَتَوَضَّأ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ، فَإنْ تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ الجِنِّ قُلْنا: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ كانَ ماءً نُبِذَتْ فِيهِ تُمَيْراتٌ لِإزالَةِ المُلُوحَةِ، وأيْضًا فَقِصَّةُ الجِنِّ كانَتْ بِمَكَّةَ وسُورَةُ المائِدَةِ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، فَجَعْلُ هَذا ناسِخًا لِذَلِكَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَهَبَ الأوْزاعِيُّ والأصَمُّ إلى أنَّهُ يَجُوزُ الوُضُوءُ والغُسْلُ بِجَمِيعِ المائِعاتِ الطّاهِرَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ أوْجَبَ اللَّهُ التَّيَمُّمَ، وتَجْوِيزُ الوُضُوءِ بِسائِرِ المائِعاتِ يُبْطِلُ ذَلِكَ. احْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ بِمُطْلِقِ الغَسْلِ، وإمْرارُ المائِعِ عَلى العُضْوِ يُسَمّى غَسْلًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
فَيا حُسْنَها إذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَها
وإذا كانَ الغَسْلُ اسْمًا لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ بَيْنَ ما يَحْصُلُ بِالماءِ وبَيْنَ ما يَحْصُلُ بِسائِرِ المائِعاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فاغْسِلُوا﴾ إذْنًا في الوُضُوءِ بِكُلِّ المائِعاتِ.
قُلْنا: هَذا مُطْلَقٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ مُقَيَّدٌ، وحَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ هو الواجِبُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الماءُ المُتَغَيِّرُ بِالزَّعْفَرانِ تَغَيُّرًا فاحِشًا لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ مِثْلَ هَذا الماءِ لا يُسَمّى ماءً عَلى الإطْلاقِ، فَواجِدُهُ غَيْرُ واجِدٍ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، وحُجَّةُأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ واجِدَهُ واجِدٌ لِلْماءِ؛ لِأنَّ الماءَ المُتَغَيِّرَ بِالزَّعْفَرانِ ماءٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَكانَ أصْلُ الماءِ مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، فَواجِدُهُ يَكُونُ واجِدًا لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ بِعَدَمِ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الماءُ الَّذِي تَغَيَّرَ وتَعَفَّنَ بِطُولِ المُكْثِ طاهِرٌ طَهُورٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ عَلى عَدَمِ الماءِ، وهَذا الماءُ المُتَعَفِّنُ ماءٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِهِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ مالِكٌ وداوُدُ: الماءُ المُسْتَعْمَلُ في الوُضُوءِ يَبْقى طاهِرًا طَهُورًا، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الجَدِيدُ لِلشّافِعِيِّ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ طَهُورًا ولَكِنَّهُ طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أكْثَرِ الرِّواياتِ: إنَّهُ نَجِسٌ. حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ جَوازَ التَّيَمُّمِ مُعَلَّقٌ عَلى عَدَمِ وِجْدانِ الماءِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وواجِدُ الماءِ المُسْتَعْمَلِ واجِدٌ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ، وإذا لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ جازَ لَهُ التَّوَضُّؤُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ٤٨) والطَّهُورُ هو الَّذِي يَتَكَرَّرُ مِنهُ هَذا الفِعْلُ كالضَّحُوكِ والقَتُولِ والأكُولِ والشَّرُوبِ، والتَّكْرارُ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ المُسْتَعْمَلُ في الطَّهارَةِ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ فِيها مَرَّةً أُخْرى.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ مالِكٌ: الماءُ إذا وقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ ولَمْ يَتَغَيَّرِ الماءُ بِتِلْكَ النَّجاسَةِ بَقِيَ طاهِرًا
صفحة ١٣٥
طَهُورًا سَواءٌ كانَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ أقَلَّ مِنَ القُلَّتَيْنِ يَنْجَسُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ أقَلَّ مِن عَشَرَةٍ في عَشَرَةٍ يَنْجَسُ. حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَدَمَ الماءِ شَرْطًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ، وواجِدُ هَذا الماءِ الَّذِي فِيهِ النِّزاعُ واجِدٌ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ التَّيَمُّمُ. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: هَذا المَعْنى مَوْجُودٌ عِنْدَ صَيْرُورَةِ الماءِ القَلِيلِ مُتَغَيِّرًا، إلّا أنّا نَقُولُ: العامُّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ بِمُطْلَقِ الغَسْلِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في سائِرِ المائِعاتِ وفي الماءِ القَلِيلِ الَّذِي تَغَيَّرَ بِالنَّجاسَةِ، فَيَبْقى حُجَّةً في الباقِي. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ تَأيَّدَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خُلِقَ الماءُ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيحَهُ أوْ لَوْنَهُ» “ ولا يُعارَضُ هَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» “ لِأنَّ القُرْآنَ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ، والمَنطُوقَ أوْلى مِنَ المَفْهُومِ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِفَضْلِ ماءِ الجُنُبِ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ بِفَضْلِ ماءِ المَرْأةِ إذا خَلَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وواجِدُ هَذا الماءِ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، وإذا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ جازَ لَهُ الوُضُوءُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أسْآرُ السِّباعِ طاهِرَةٌ مُطَهِّرَةٌ، وكَذا سُؤْرُ الحِمارِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَجِسَةٌ. لَنا أنَّ واجِدَ هَذا السُّؤْرِ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاغْسِلُوا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الماءِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: الماءُ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ووَقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ مُغَيِّرَةٌ بَقِيَ طاهِرًا طَهُورًا عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْجَسُ. لَنا أنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ ولِأنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ فَخَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الماءُ الَّذِي تَفَتَّتَتِ الأوْراقُ فِيهِ، لِلنّاسِ فِيهِ تَفاصِيلُ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ طاهِرًا مُطَهِّرًا ما لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الماءِ المُطْلَقِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كُلَّما بَقِيَ اسْمُ الماءِ المُطْلَقِ كانَ طاهِرًا طَهُورًا.
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَسائِلِ المُسْتَخْرَجَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن مَسائِلِ التَّيَمُّمِ.
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ والأكْثَرُونَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا بُدَّ في التَّيَمُّمِ مِنَ النِّيَّةِ، وقالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَجِبُ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ والتَّيَمُّمُ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ تَيَمُّمُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ إلى الرُّسْغَيْنِ، وعَنْ مالِكٍ إلى الكُوعَيْنِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ إلى الآباطِ.
لَنا: اليَدُ اسْمٌ لِهَذا العُضْوِ إلى الإبِطِ فَقَوْلُهُ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي المَسْحَ إلى الإبِطَيْنِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهَذا النَّصِّ في العَضُدَيْنِ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ. ومَبْناهُ عَلى التَّخْفِيفِ بِدَلِيلِ أنَّ الواجِبَ تَطْهِيرُ أعْضاءٍ أرْبَعَةٍ في الوُضُوءِ، وفي التَّيَمُّمِ الواجِبُ تَطْهِيرُ عُضْوَيْنِ، وتَأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ التَّيَمُّمِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ فَإذا كانَ العَضُدانِ غَيْرَ مُعْتَبَرَيْنِ في
صفحة ١٣٦
الوُضُوءِ فَبِأنْ لا يَكُونا مُعْتَبَرَيْنِ في التَّيَمُّمِ أوْلى، وإذا خَرَجَ العَضُدانِ عَنْ ظاهِرِ النَّصِّ بِهَذا الدَّلِيلِ بَقِيَ اليَدانِ إلى المِرْفَقَيْنِ فِيهِ، فالحاصِلُ أنَّهُ تَعالى إنَّما تَرَكَ تَقْيِيدَ التَّيَمُّمِ في اليَدَيْنِ بِالمِرْفَقَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ، فَتَقْيِيدُهُ بِهِما في الوُضُوءِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ هَذا التَّقْيِيدِ في التَّيَمُّمِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجِبُ اسْتِيعابُ العُضْوَيْنِ في التَّيَمُّمِ، ونَقَلَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إذا يَمَّمَ الأكْثَرَ جازَ.
لَنا قَوْلُهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ والوَجْهُ واليَدُ اسْمٌ لِجُمْلَةِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاسْتِيعابِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أنَّ الباءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فَكَذا هَهُنا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى الأرْضِ فَما لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ لَمْ يُجْزِهِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ رَحِمَهُما اللَّهُ يُجْزِئُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ وكَلِمَةُ (مِنهُ) تَدُلُّ عَلى التَّمَسُّحِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ التُّرابِ كَما أنَّ مَن قالَ: فُلانٌ يَمْسَحُ مِنَ الدُّهْنِ أفادَ هَذا المَعْنى، وقَدْ بالَغْنا في تَقْرِيرِ هَذا في تَفْسِيرِ آيَةِ التَّيَمُّمِ مِن سُورَةِ النِّساءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا بِالتُّرابِ الخالِصِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ بِالتُّرابِ وبِالرَّمْلِ وبِالخَزَفِ المَدْقُوقِ والجِصِّ والنُّورَةِ والزَّرْنِيخِ.
لَنا ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الصَّعِيدُ هو التُّرابُ، وأيْضًا التَّيَمُّمُ طَهارَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ المَعْنى، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ، والنَّصُّ المُفَصَّلُ إنَّما ورَدَ في التُّرابِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ حِجَجٍ» “ وقالَ ”«جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا» “ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لَوْ وقَفَ عَلى مَهَبِّ الرِّياحِ فَسَفَتِ الرِّياحُ التُّرابَ عَلَيْهِ فَأمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُمِرَّ، ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَكْفِي. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَكْفِي؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ الغُبارُ إلى أعْضائِهِ ثُمَّ أمَرَّ الغُبارَ عَلى تِلْكَ الأعْضاءِ فَقَدْ قَصَدَ إلى اسْتِعْمالِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ في أعْضائِهِ فَكانَ كافِيًا.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: المَذْهَبُ أنَّهُ إذا يَمَّمَهُ غَيْرُهُ صَحَّ، وقِيلَ لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أمْرٌ لَهُ بِالفِعْلِ ولَمْ يُوجَدْ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ والقِيامُ إلى الصَّلاةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ وقْتِها.
* * *
والمَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا ضَرَبَ رِجْلَهُ حَتّى ارْتَفَعَ عَنْهُ غُبارٌ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَجُوزُ. حُجَّةُ أبِي يُوسُفَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والغُبارُ المُنْفَصِلُ عَنِ
صفحة ١٣٧
التُّرابِ لا يُقالُ: إنَّهُ صَعِيدٌ طَيِّبٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يُجْزِيَ.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ نَجِسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والنَّجِسُ لا يَكُونُ طَيِّبًا.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُسافِرُ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ بِقُرْبِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ إلّا بَعْدَ الطَّلَبِ عَنِ اليَمِينِ واليَسارِ، وإنْ كانَ هُناكَ وادٍ هَبَطَ إلَيْهِ، وإنْ كانَ جَبَلٌ صَعِدَهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ عَدَمُ الماءِ لَمْ يَجِبْ طَلَبُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ جَعَلَ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ شَرْطًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ مَشْرُوطٌ بِتَقْدِيمِ الطَّلَبِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الطَّلَبِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: لا يَصِحُّ الطَّلَبُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ، فَإنْ طَلَبَ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ ثانِيًا بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلّا أنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ يَقِينٌ أنَّ الأمْرَ بَقِيَ كَما كانَ ولَمْ يَتَغَيَّرْ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الوِجْدانِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لا خِلافَ في جَوازِ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنِ الوُضُوءِ. وأمّا التَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنِ الغَسْلِ في حِقِّ الجُنُبِ فَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُهُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ. وعَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ.
لَنا أنَّ قَوْلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالجِماعِ أوْ يَدْخُلُ فِيهِ الجِماعُ، فَوَجَبَ جَوازُ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنِ الغَسْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجْمَعُ بِالتَّيَمُّمِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ، وإنْ لَمْ يُحْدِثْ كَما في الوُضُوءِ. وقالَ أحْمَدُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الفَوائِتِ، ولا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاتَيْ وقْتَيْنِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ .
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِكُلِّ وُضُوءٍ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ إنْ وُجِدَ الماءُ، وبِالتَّيَمُّمِ إنْ فُقِدَ الماءُ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الوُضُوءِ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَبْقى في التَّيَمُّمِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ في أوَّلِ الوَقْتِ ويَتَوَقَّعُ وِجْدانَهُ في آخِرِ الوَقْتِ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ في أوَّلِ الوَقْتِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: بَلْ يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ إلى آخِرِ الوَقْتِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، بَلِ المُرادُ دُخُولُ وقْتِ الصَّلاةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ.
صفحة ١٣٨
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذا وجَدَ الماءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وقَبْلَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والشَّعْبِيُّ: لا يَبْطُلُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ شَرَطَ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ بِجَوازِ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ، ومَن وجَدَ الماءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وقَبْلَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ فَقَدْ فاتَهُ هَذا الشَّرْطُ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ الشُّرُوعُ في الصَّلاةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ وجَدَ الماءَ لا يَلْزَمُهُ إعادَةُ الصَّلاةِ. قالَ طاوُسٌ: يَلْزَمُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ جَوَّزَ لَهُ الشُّرُوعَ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِ الماءِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ بِهِ سَبَبٌ لِلْإجْزاءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: لَوْ وجَدَ الماءَ في أثْناءِ الصَّلاةِ لا يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ مِنها، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ، وهو اخْتِيارُ المُزَنِيِّ وابْنِ شُرَيْحٍ.
لَنا أنَّ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ يَقْتَضِي جَوازَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عَلى ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَقَدِ انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ صَحِيحَةً، فَإذا وجَدَ الماءَ في أثْناءِ الصَّلاةِ فَنَقُولُ: ما لَمْ يُبْطِلْ صَلاتَهُ لا يَصِيرُ قادِرًا عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ، وما لَمْ يَصِرْ قادِرًا عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ لا تَبْطُلُ صَلاتُهُ، فَيَتَوَقَّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَيَكُونُ دَوْرًا وهو باطِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ وتَيَمَّمَ وصَلّى ثُمَّ عَلِمَ وُجُودَ الماءِ لَزِمَهُ الإعادَةُ عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وأبِي يُوسُفَ، والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ. حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ الماءِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الماءِ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَكَذَلِكَ النِّسْيانُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عِنْدَ النِّسْيانِ عاجِزٌ فِيهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في ذَلِكَ النِّسْيانِ.
* * *
المَسْألَةُ العِشْرُونَ: إذا ضَلَّ رَحْلُهُ في الرِّحالِ فَفِيهِ الخِلافُ المَذْكُورُ، والأوْلى أنْ لا تَجِبَ الإعادَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: إذا نَسِيَ كَوْنَ الماءِ في رَحْلِهِ ولَكِنَّهُ اسْتَقْصى في الطَّلَبِ فَلَمْ يَجِدْهُ وتَيَمَّمَ وصَلّى ثُمَّ وجَدَهُ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَجِبُ الإعادَةُ؛ لِأنَّ العُذْرَ ضَعِيفٌ. وقالَ قَوْمٌ: لا تَجِبُ الإعادَةُ؛ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَقْصى في الطَّلَبِ صارَ عاجِزًا عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: لَوْ صَلّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وجَدَ ماءً في بِئْرٍ بِجَنْبِهِ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ الماءِ، فَإنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ أوَّلًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَهو كَما لَوْ نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِها قَطُّ، فَإنْ كانَ عَلَيْها عَلامَةٌ ظاهِرَةٌ لَزِمَهُ الإعادَةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها عَلامَةٌ فَلا إعادَةَ؛ لِأنَّهُ عاجِزٌ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهي مِائَةُ مَسْألَةٍ، وقَدْ كَتَبْناها في مَوْضِعٍ ما كانَ مَعَنا شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ، وكانَ القَلْبُ مُشَوَّشًا بِسَبَبِ
صفحة ١٣٩
اسْتِيلاءِ الكُفّارِ عَلى بِلادِ المُسْلِمِينَ. فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَكْفِيَنا شَرَّهم، وأنْ يَجْعَلَ كَدَّنا في اسْتِنْباطِ أحْكامِ اللَّهِ مِن نَصِّ اللَّهِ سَبَبًا لِرُجْحانِ الحَسَناتِ عَلى السَّيِّئاتِ؛ إنَّهُ أعَزُّ مَأْمُولٍ وأكْرَمُ مَسْؤُولٍ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأئِمَّةِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مُرِيدًا، فَقالَ الحَسَنُ النَّجّارُ: أنَّهُ مُرِيدٌ بِمَعْنى أنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ولا مُكْرَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْنى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ أنَّهُ دَعاهُ الدّاعِي إلى إيجادِها، ومَعْنى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِأفْعالِ غَيْرِهِ أنَّهُ دَعاهُ الدّاعِي إلى الأمْرِ بِها، وهو قَوْلُ الجاحِظِ وأبِي قاسِمٍ الكَعْبِيِّ وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الباقُونَ: كَوْنُهُ مُرِيدًا صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالدّاعِي، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُرِيدٌ لِذاتِهِ، وهَذِهِ هي الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ الحَسَنِ النَّجّارِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مُرِيدٌ بِإرادَةٍ، ثُمَّ قالَ أصْحابُنا: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ قَدِيمَةٍ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ مُحْدَثَةٍ لا في مَحَلِّهِ، وقالَتِ الكَرّامِيَّةُ: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ مُحْدَثَةٍ قائِمَةٍ بِذاتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ لا يُوجَدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ أشَدُّ أنْواعِ الحَرَجِ. قالَ أصْحابُنا: لَمّا كانَ خِلافُ المَعْلُومِ مُحالَ الوُقُوعِ فَقَدْ لَزِمَكم ما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ، وهو أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ أنْ لا تَكُونَ مَشْرُوعَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٧٨) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٥) ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» “ وأمّا بَيانُ أنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٩) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences