Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6, continued
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ والعِشْرُونَ: لَوْ نَبَتَ لِلْمَرْأةِ لِحْيَةٌ يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى جِلْدَةِ الوَجْهِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ اللِّحْيَةُ كَثِيفَةً، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ، والوَجْهُ عِبارَةٌ عَنِ الجِلْدَةِ المُمْتَدَّةِ مِن مَبْدَأِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى الذَّقَنِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ في حَقِّ الرِّجالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، ولِحْيَةُ المَرْأةِ نادِرَةٌ فَتَبْقى عَلى الأصْلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَ الشَّعْرِ الكَثِيفِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: العَنْفَقَةُ، والحاجِبانِ، والشّارِبانِ، والعِذارانِ، وأهْدابُ العَيْنَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ غَسْلِ كُلِّ جِلْدِ الوَجْهِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في اللِّحْيَةِ الكَثِيفَةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وهَذِهِ الشُّعُورُ خَفِيفَةٌ فَلا حَرَجَ في إيصالِ الماءِ إلى الجِلْدَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى عَلى الأصْلِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ والعِشْرُونَ: قالَ الشَّعْبِيُّ: ما أقْبَلَ مِنَ الأُذُنِ مَعْدُودٌ مِنَ الوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ مَعَ الوَجْهِ، وما أدْبَرَ مِنهُ فَهو مَعْدُودٌ مِنَ الرَّأْسِ فَيُمْسَحُ، وعِنْدَنا الأُذُنُ لَيْسَتِ البَتَّةَ مِنَ الوَجْهِ إذِ الوَجْهُ ما بِهِ المُواجَهَةُ، والأُذُنُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثَّلاثُونَ: قالَ الجُمْهُورُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ واجِبٌ مَعَهُما، وقالَ مالِكٌ وزُفَرُ رَحِمَهُما اللَّهُ: لا يَجِبُ غَسْلُ المِرْفَقَيْنِ، وهَذا الخِلافُ حاصِلٌ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ حُجَّةُ زُفَرَ أنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وما يُجْعَلُ غايَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ خارِجًا عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ غَسْلُ المِرْفَقَيْنِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ حَدَّ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا عَنِ المَحْدُودِ بِمَقْطَعٍ مَحْسُوسٍ، وهَهُنا يَكُونُ الحَدُّ خارِجًا عَنِ المَحْدُودِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَإنَّ النَّهارَ مُنْفَصِلٌ عَنِ اللَّيْلِ انْفِصالًا مَحْسُوسًا لِأنَّ انْفِصالَ النُّورِ عَنِ الظُّلْمَةِ مَحْسُوسٌ، وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: بِعْتُكَ هَذا الثَّوْبَ مِن هَذا الطَّرَفِ إلى ذَلِكَ الطَّرَفِ، فَإنَّ طَرَفَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنِ الثَّوْبِ بِمَقْطَعٍ مَحْسُوسٍ.
صفحة ١٢٦
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ امْتِيازَ المِرْفَقِ عَنِ السّاعِدِ لَيْسَ لَهُ مَفْصِلٌ مُعَيَّنٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ إيجابُ الغَسْلِ إلى جُزْءٍ أوْلى مِن إيجابِهِ إلى جُزْءٍ آخَرَ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإيجابِ غَسْلِ كُلِّ المِرْفَقِ.
الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: سَلَّمْنا أنَّ المِرْفَقَ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، لَكِنَّ المِرْفَقَ اسْمٌ لِما جاوَزَ طَرَفَ العَظْمِ، فَإنَّهُ هو المَكانُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ أيْ: يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، ولا نِزاعَ في أنَّ ما وراءَ طَرَفِ العَظْمِ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، وهَذا الجَوابُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والثَّلاثُونَ: الرَّجُلُ إنْ كانَ أقْطَعَ، فَإنْ كانَ أقْطَعَ مِمّا دُونَ المِرْفَقِ وجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ ما بَقِيَ مِنَ المِرْفَقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإذا سَقَطَ بَعْضُهُ بِالقَطْعِ وجَبَ غَسْلُ الباقِي بِحُكْمِ الآيَةِ، وأمّا إنْ كانَ أقْطَعَ مِمّا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ لِأنَّ مَحَلَّ هَذا التَّكْلِيفِ لَمْ يَبْقَ أصْلًا، وأمّا إذا كانَ أقْطَعَ مِنَ المِرْفَقِ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ إمْساسُ الماءِ لِطَرَفِ العَظْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ غَسْلَ المِرْفَقِ لَمّا كانَ واجِبًا والمِرْفَقُ عِبارَةٌ عَنْ مُلْتَقى العَظْمَيْنِ، فَإذا وجَبَ إمْساسُ الماءِ لِمُلْتَقى العَظْمَيْنِ وجَبَ إمْساسُ الماءِ لِطَرَفِ العَظْمِ الثّانِي لا مَحالَةَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والثَّلاثُونَ: تَقْدِيمُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى مَندُوبٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وقالَ أحْمَدُ: هو واجِبٌ. لَنا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَقْدِيمَ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ هو غَسْلُ اليَدَيْنِ بِأيِّ صِفَةٍ كانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والثَّلاثُونَ: السُّنَّةُ أنْ يُصَبَّ الماءُ عَلى الكَفِّ بِحَيْثُ يَسِيلُ الماءُ مِنَ الكَفِّ إلى المِرْفَقِ، فَإنْ صَبَّ الماءَ عَلى المِرْفَقِ حَتّى سالَ الماءُ إلى الكَفِّ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ فَجَعَلَ المَرافِقَ غايَةَ الغَسْلِ، فَجَعَلَهُ مَبْدَأ الغَسْلِ خِلافَ الآيَةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: أنَّهُ لا يُخِلُّ بِصِحَّةِ الوُضُوءِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ تَرْكًا لِلسُّنَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: لَوْ نَبَتَ مِنَ المِرْفَقِ ساعِدانِ وكَفّانِ وجَبَ غَسْلُ الكُلِّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ كَما أنَّهُ لَوْ نَبَتَ عَلى الكَفِّ أُصْبُعٌ زائِدَةٌ فَإنَّهُ يَجِبُ غَسْلُها بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ والثَّلاثُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ يَقْتَضِي تَحْدِيدَ الأمْرِ لا تَحْدِيدَ المَأْمُورِ بِهِ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ أمْرٌ بِغَسْلِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإيجابُ الغَسْلِ مَحْدُودٌ بِهَذا الحَدِّ، فَبَقِيَ الواجِبُ هو هَذا القَدْرُ فَقَطْ، أمّا نَفْسُ الغَسْلِ فَغَيْرُ مَحْدُودٍ بِهَذا الحَدِّ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ تَطْوِيلَ الغُرَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ والثَّلاثُونَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الواجِبُ في مَسْحِ الرَّأْسِ أقَلُّ شَيْءٍ يُسَمّى مَسْحًا لِلرَّأْسِ، وقالَ مالِكٌ: يَجِبُ مَسْحُ الكُلِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الواجِبُ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لَوْ قالَ: مَسَحْتُ المِندِيلَ، فَهَذا لا يُصَدَّقُ إلّا عِنْدَ مَسْحِهِ بِالكُلِّيَّةِ أمّا لَوْ قالَ: مَسَحْتُ يَدِي بِالمِندِيلِ فَهَذا يَكْفِي في صِدْقِهِ مَسْحُ اليَدَيْنِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المِندِيلِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ مَسْحُ اليَدِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ذَلِكَ الجُزْءُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ في الآيَةِ، فَإنْ أوْجَبْنا تَقْدِيرَهُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُ ذَلِكَ المِقْدارِ إلّا بِدَلِيلٍ
صفحة ١٢٧
مُغايِرٍ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَيَلْزَمُ صَيْرُورَةُ الآيَةِ مُجْمَلَةً وهو خِلافُ الأصْلِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ يَكْفِي فِيهِ إيقاعُ المَسْحِ عَلى أيِّ جُزْءٍ كانَ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ كانَتِ الآيَةُ مُبِيِّنَةً مُفِيدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَحْمَلٍ تَبْقى الآيَةُ مَعَهُ مُفِيدَةً أوْلى مِن حَمْلِها عَلى مَحْمَلٍ تَبْقى الآيَةُ مَعَهُ مُجْمَلَةً، فَكانَ المَصِيرُ إلى ما قُلْناهُ أوْلى. وهَذا اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ مِنَ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: لا يَجُوزُ الِاكْتِفاءُ بِالمَسْحِ عَلى العِمامَةِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ: يَجُوزُ. لَنا أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ المَسْحُ عَلى الرَّأْسِ، ومَسْحُ العِمامَةِ لَيْسَ مَسْحًا لِلرَّأْسِ واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ عَلى العِمامَةِ» .
جَوابُنا: لَعَلَّهُ مَسَحَ قَدْرَ الفَرْضِ عَلى الرَّأْسِ والبَقِيَّةَ عَلى العِمامَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ والثَّلاثُونَ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وفي غَسْلِهِما، فَنَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ: أنَّ الواجِبَ فِيهِما المَسْحُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ: فَرْضُهُما الغَسْلُ، وقالَ داوُدُ الأصْفَهانِيُّ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَهُما وهو قَوْلُ النّاصِرِ لِلْحَقِّ مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ.
حُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِ المَسْحِ مَبْنِيٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ المَشْهُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالجَرِّ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِالنَّصْبِ، فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَهي تَقْتَضِي كَوْنَ الأرْجُلِ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، فَكَما وجَبَ المَسْحُ في الرَّأْسِ فَكَذَلِكَ في الأرْجُلِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا كُسِرَ عَلى الجِوارِ كَما في قَوْلِهِ: ”جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ“، وقَوْلِهِ:
كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلٍ
قُلْنا: هَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَسْرَ عَلى الجِوارِ مَعْدُودٌ في اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، وكَلامُ اللَّهِ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ.
وثانِيها: أنَّ الكَسْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ يَحْصُلُ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ كَما في قَوْلِهِ: ”جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ“، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الخَرِبَ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلضَّبِّ بَلْ لِلْجُحْرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ غَيْرُ حاصِلٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكَسْرَ بِالجِوارِ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ، وأمّا مَعَ حَرْفِ العَطْفِ فَلَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ العَرَبُ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَقالُوا أيْضًا: إنَّها تُوجِبُ المَسْحَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ”فَرُءُوسُكم“ في مَحَلِّ النَّصْبِ ولَكِنَّها مَجْرُورَةٌ بِالباءِ، فَإذا عَطَفْتَ الأرْجُلَ عَلى الرُّءُوسِ جازَ في الأرْجُلِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الرُّءُوسِ، والجَرُّ عَطْفًا عَلى الظّاهِرِ، وهَذا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِلنُّحاةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامِلُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ لَكِنِ العامِلانِ إذا اجْتَمَعا عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ كانَ إعْمالُ الأقْرَبِ أوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عامِلُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا﴾ فَثَبَتَ أنَّ قِراءَةَ ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾
صفحة ١٢٨
بِنَصْبِ اللّامِ تُوجِبُ المَسْحَ أيْضًا، فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ المَسْحِ، ثُمَّ قالُوا: ولا يَجُوزُ دَفْعُ ذَلِكَ بِالأخْبارِ لِأنَّها بِأسْرِها مِن بابِ الآحادِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا إلّا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ورَدَتْ بِإيجابِ الغَسْلِ، والغَسْلُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَسْحِ ولا يَنْعَكِسُ، فَكانَ الغَسْلُ أقْرَبَ إلى الِاحْتِياطِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ يَقُومُ مَقامَ مَسْحِها.
والثّانِي: أنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ مَحْدُودٌ إلى الكَعْبَيْنِ، والتَّحْدِيدُ إنَّما جاءَ في الغَسْلِ لا في المَسْحِ، والقَوْمُ أجابُوا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمِ الَّذِي تَحْتَ مَفْصِلِ القَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَجِبُ المَسْحُ عَلى ظَهْرِ القَدَمَيْنِ.
والثّانِي: أنَّهم سَلَّمُوا أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَمْسَحَ ظُهُورَ القَدَمَيْنِ إلى هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا السُّؤالُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، وقالَتِ الإمامِيَّةُ وكُلُّ مَن ذَهَبَ إلى وُجُوبِ المَسْحِ: إنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنْ عَظْمٍ مُسْتَدِيرٍ - مِثْلَ كَعْبِ البَقَرِ والغَنَمِ - مَوْضُوعٍ تَحْتَ عَظْمِ السّاقِ حَيْثُ يَكُونُ مَفْصِلُ السّاقِ والقَدَمِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وكانَ الأصْمَعِيُّ يَخْتارُ هَذا القَوْلَ ويَقُولُ: الطَّرَفانِ النّاتِئانِ يُسَمَّيانِ المَنجِمَيْنِ. هَكَذا رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ.
حُجَّةُ الجُمْهُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الكَعْبُ ما ذَكَرَهُ الإمامِيَّةُ لَكانَ الحاصِلُ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا واحِدًا، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ”وأرْجُلَكم إلى الكِعابِ“، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ الحاصِلُ في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقًا واحِدًا لا جَرَمَ قالَ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ .
والثّانِي: أنَّ العَظْمَ المُسْتَدِيرَ المَوْضُوعَ في المَفْصِلِ شَيْءٌ خَفِيٌّ لا يَعْرِفُهُ إلّا المُشَرِّحُونَ، والعَظْمانِ النّاتِئانِ في طَرَفَيِ السّاقِ مَحْسُوسانِ مَعْلُومانِ لِكُلِّ أحَدٍ، ومَناطُ التَّكالِيفِ العامَّةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أمْرًا ظاهِرًا، لا أمْرًا خَفِيًّا.
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ألْصِقُوا الكِعابَ بِالكِعابِ» “ ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الكَعْبَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّرَفِ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ جارِيَةٌ كاعِبٌ إذا نَتَأ ثَدْياها، ومِنهُ الكَعْبُ لِكُلِّ ما لَهُ ارْتِفاعٌ.
حُجَّةُ الإمامِيَّةِ: أنَّ اسْمَ الكَعْبِ واقِعٌ عَلى العَظْمِ المَخْصُوصِ المَوْجُودِ في أرْجُلِ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ الإنْسانِ كَذَلِكَ، وأيْضًا المَفْصِلُ يُسَمّى كَعْبًا، ومِنهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ لِمَفاصِلِهِ، وفي وسَطِ القَدَمِ مَفْصِلٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الكَعْبُ هو هو.
والجَوابُ: أنَّ مَناطَ التَّكالِيفِ الظّاهِرَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا ظاهِرًا، والَّذِي ذَكَرْناهُ أظْهَرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الكَعْبُ هو هو.
* * *
المَسْألَةُ الأرْبَعُونَ: أثْبَتَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ. وأطْبَقَتِ الشِّيعَةُ والخَوارِجُ عَلى إنْكارِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ يَقْتَضِي إمّا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ أوْ مَسْحَهُما، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ لَيْسَ مَسْحًا لِلرِّجْلَيْنِ ولا غَسْلًا لَهُما، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ بِحُكْمِ نَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ القائِلِينَ بِجَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ إنَّما يُعَوِّلُونَ عَلى الخَبَرِ، لَكِنَّ الرُّجُوعَ إلى القُرْآنِ أوْلى مِنَ الرُّجُوعِ إلى هَذا الخَبَرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ المائِدَةِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لا مَنسُوخَ فِيها البَتَّةَ إلّا قَوْلَهُ
صفحة ١٢٩
تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ بَعْضَهم قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَنسُوخٌ.
والثّالِثُ: أنَّ خَبَرَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ الآيَةِ كانَ خَبَرُ الواحِدِ مَنسُوخًا بِالقُرْآنِ، ولَوْ كانَ بِالعَكْسِ كانَ خَبَرُ الواحِدِ ناسِخًا لِلْقُرْآنِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تَرْجِيحَ القُرْآنِ المُتَواتِرِ عَلى خَبَرِ الواحِدِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وثانِيها: أنَّ العَمَلَ بِالآيَةِ أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا رُوِيَ لَكم عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَإنْ وافَقَهُ فاقْبَلُوهُ وإلّا فَرُدُّوهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ القُرْآنِ عَلى الخَبَرِ.
ورابِعُها: أنَّ قِصَّةَ مُعاذٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ القُرْآنِ عَلى الخَبَرِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في بَيانِ ضَعْفِ هَذا الخَبَرِ: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَأنْ تُقْطَعَ قَدَمايَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَأنْ أمْسَحَ عَلى جِلْدِ حِمارٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وأمّا مالِكٌ فَإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، ولا نِزاعَ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ الحَدِيثِ كالشَّمْسِ الطّالِعَةِ، فَلَوْلا أنَّهُ عَرَفَ فِيهِ ضَعْفًا وإلّا لَما قالَ ذَلِكَ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ ما أباحَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ، وأباحَهُ لِلْمُسافِرِ مَهْما شاءَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِيهِ.
وأمّا الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم جَوَّزُوهُ لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها مِن وقْتِ الحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ابْتِداؤُهُ مِن وقْتِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ: يُعْتَبَرُ وقْتُ المَسْحِ بَعْدَ الحَدَثِ: قالُوا: فَهَذا الِاخْتِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ الفُقَهاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَبَرَ ما بَلَغَ مَبْلَغَ الظُّهُورِ والشُّهْرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الأقْوالَ لَمّا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى ظاهِرِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنَّ الحاجَةَ إلى مَعْرِفَةِ جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ حاجَةٌ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَعَرَفَهُ الكُلُّ، ولَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ ضَعْفُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ كَلامِ مَن أنْكَرَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ.
وأمّا الفُقَهاءُ فَقالُوا: ظَهَرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ القَوْلُ بِهِ ولَمْ يَظْهَرْ مِنَ الباقِينَ إنْكارٌ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنَ الصَّحابَةِ، فَهَذا أقْوى ما يُقالُ فِيهِ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، وأمّا إنْكارُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَرُوِيَ أنَّ عِكْرِمَةَ رَوى ذَلِكَ عَنْهُ، فَلَمّا سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ فَقالَ: كَذَبَ عَلَيَّ. وقالَ عَطاءٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُخالِفُ النّاسَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وافَقَهم، وأمّا عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَرُوِيَ أنَّ شُرَيْحَ بْنَ هانِئٍ قالَ: سَألْتُها عَنْ مَسْحِ الخُفَّيْنِ فَقالَتِ: اذْهَبْ إلى عَلِيٍّ فاسْألْهُ فَإنَّهُ كانَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ في أسْفارِهِ، قالَ: فَسَألْتُهُ فَقالَ امْسَحْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ تَرَكَتْ ذَلِكَ الإنْكارَ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والأرْبَعُونَ: رَجُلٌ مَقْطُوعُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ سَقَطَ عَنْهُ هَذانِ الفَرْضانِ وبَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُ الوَجْهِ ومَسْحُ الرَّأْسِ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يُوَضِّئُهُ أوْ يُيَمِّمُهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ مَشْرُوطٌ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَإذا فاتَتِ القُدْرَةُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ المَسائِلِ بِآيَةِ الوُضُوءِ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ فَتَطَهَّرُوا، إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الطّاءِ لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَإذا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ سَكَنَ أوَّلُ الكَلِمَةِ فَزِيدَ فِيها ألِفُ الوَصْلِ لِيُبْتَدَأ بِها. فَقِيلَ: اطَّهَّرُوا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الطَّهارَةِ الصُّغْرى ذَكَرَ بَعْدَها كَيْفِيَّةَ الطَّهارَةِ الكُبْرى، وهي الغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِحُصُولِ الجَنابَةِ سَبَبانِ:
الأوَّلُ: نُزُولُ المَنِيِّ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» “ .
والثّانِي: التِقاءُ الخِتانَيْنِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ومُعاذٌ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: لا يَجِبُ الغُسْلُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ الماءِ. لَنا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا التَقى الخِتانانِ وجَبَ الغُسْلُ» “ .
واعْلَمْ أنَّ خِتانَ الرَّجُلِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنهُ جِلْدَةُ القُلْفَةِ، وأمّا خِتانُ المَرْأةِ فاعْلَمْ أنَّ شَفْرَيْها مُحِيطانِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: ثُقْبَةٌ في أسْفَلِ الفَرْجِ وهو مَدْخَلُ الذَّكَرِ ومَخْرَجُ الحَيْضِ والوَلَدِ، وثُقْبَةٌ أُخْرى فَوْقَ هَذِهِ مِثْلُ إحْلِيلِ الذَّكَرِ وهي مَخْرَجُ البَوْلِ لا غَيْرَ، والثّالِثُ فَوْقَ ثُقْبَةِ البَوْلِ مَوْضِعُ خِتانِها، وهُناكَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ قائِمَةٌ مِثْلُ عُرْفِ الدِّيكِ، وقَطْعُ هَذِهِ الجِلْدَةِ هو خِتانُها، فَإذا غابَتِ الحَشَفَةُ حاذى خِتانَها خِتانُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ عَلى الإطْلاقِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ دُونَ عُضْوٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الطَّهارَةِ في كُلِّ البَدَنِ عَلى الإطْلاقِ؛ ولِأنَّ الطَّهارَةَ لَمّا كانَتْ مَخْصُوصَةً بِبَعْضِ الأعْضاءِ - لا جَرَمَ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأعْضاءَ عَلى التَّعْيِينِ، فَهَهُنا لَمّا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنَ الأعْضاءِ عَلى التَّعْيِينِ عُلِمَ أنَّ هَذا الأمْرَ أمْرٌ بِطَهارَةِ كُلِّ البَدَنِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّطْهِيرَ هو الِاغْتِسالُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّساءِ: ٤٣] .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الدَّلْكُ غَيْرُ واجِبٍ في الغُسْلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: واجِبٌ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِتَطْهِيرِ البَدَنِ، وتَطْهِيرُ البَدَنِ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّلْكُ بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ قالَ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ خَفِيفاتٍ مِنَ الماءِ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ أثْبَتَ حُصُولَ الطِّهارَةِ بِدُونِ الدَّلْكِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّطْهِيرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الدَّلْكِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ مَسُّ المُصْحَفِ. وقالَ داوُدُ: يَجُوزُ. لَنا قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِطاهِرٍ، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِتَطْهِيرِ الطّاهِرِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ طاهِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٩] .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَجِبُ تَقْدِيمُ الوُضُوءِ عَلى الغُسْلِ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ: يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالتَّطْهِيرِ، والتَّطْهِيرُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِسالِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى الوُضُوءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ .
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ غَيْرُ واجِبَيْنِ في الغُسْلِ، وقالَ أبُو
صفحة ١٣١
حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُما واجِبانِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ .
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ الآيَةُ والخَبَرُ. أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ وهَذا أمْرٌ بِأنْ يُطَهِّرُوا أنْفُسَهم، وتَطْهِيرُ النَّفْسِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ أجْزاءِ النَّفْسِ. تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الأجْزاءِ الباطِنَةِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ تَطْهِيرُها، وداخِلُ الفَمِ والأنْفِ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُما، فَوَجَبَ بَقاؤُهُما تَحْتَ النَّصِّ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«بُلُّوا الشَّعَرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ فَإنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنابَةً» “ فَقَوْلُهُ: ”بُلُّوا الشَّعَرَ“ يَدْخُلُ فِيهِ الأنْفُ؛ لِأنَّ في داخِلِهِ شَعَرًا، وقَوْلُهُ: ”وأنْقُوا البَشَرَةَ“ يَدْخُلُ فِيهِ جِلْدَةُ داخِلِ الفَمِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: شَعَرُ الرَّأْسِ إنْ كانَ مَفْتُولًا لا مَشْدُودًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَظَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وُصُولِ الماءِ إلى جِلْدَةِ الرَّأْسِ وجَبَ نَقْضُهُ، وقالَ مالِكٌ لا يَجِبُ، وإنْ كانَ لا يَمْنَعُ لَمْ يَجِبْ وقالَ النَّخَعِيُّ: يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ الماءِ إلى جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ، فَإنْ كانَ شَدُّ بَعْضِ الشُّعُورِ بِالبَعْضِ مانِعًا مِنهُ وجَبَ إزالَةُ ذَلِكَ الشَّدِّ لِيَزُولَ ذَلِكَ المانِعُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنهُ لَمْ يَجِبْ إزالَتُهُ؛ لِأنَّ ما هو المَقْصُودُ قَدْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ: لا تَرْتِيبَ في الغُسْلِ، وقالَ إسْحاقُ: تَجِبُ البُداءَةُ بِأعْلى البَدَنِ لَنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالتَّطْهِيرِ المُطْلَقِ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِإيصالِ الماءِ إلى كُلِّ البَدَنِ، فَإذا حَصَلَ التَّطْهِيرُ وجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا في الخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أنْ يَتَيَمَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَرَطَ فِيهِ عَدَمَ الماءِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الماءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَلا مَعْنى لِضَمِّهِ إلى المَرَضِ، وإنَّما يَرْجِعُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المُسافِرِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرَضُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَخافَ الضَّرَرَ والتَّلَفَ، فَهَهُنا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفاقِ.
الثّانِي: أنْ لا يَخافَ الضَّرَرَ ولا التَّلَفَ، فَهَهُنا قالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ، وقالَ مالِكٌ وداوُدُ يَجُوزُ، وحُجَّتُهُما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ المَرَضِ.
الثّالِثُ: أنْ يَخافَ الزِّيادَةَ في العِلَّةِ وبُطْءِ المَرَضِ، فَهَهُنا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ عَلى أصَحِّ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وبِهِ قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ .
الرّابِعُ: أنْ يَخافَ بَقاءَ شَيْنٍ عَلى شَيْءٍ مِن أعْضائِهِ، قالَ في ”الجَدِيدِ“: لا يَتَيَمَّمُ. قالَ في ”القَدِيمِ“ يَتَيَمَّمُ وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ هو المُطابِقُ لِلْآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ كانَ المَرَضُ المانِعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ حاصِلًا في بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ يَغْسِلُ ما لا ضَرَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ أكْثَرُ البَدَنِ صَحِيحًا غَسَلَ الصَّحِيحَ دُونَ التَّيَمُّمِ، وإنْ كانَ أكْثَرُهُ جَرِيحًا يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الأخْذُ
صفحة ١٣٢
بِالِاحْتِياطِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المَرَضَ أحَدَ أسْبابِ جَوازِ التَّيَمُّمِ، والمَرَضُ إذا كانَ حالًّا في بَعْضِ أعْضائِهِ فَهو مَرِيضٌ فَكانَ داخِلًا تَحْتَ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ ألْصَقَ عَلى مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ لَصُوقًا يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى البَشَرَةِ ولا يَخافُ مِن نَزْعٍ ذَلِكَ اللَّصُوقِ التَّلَفَ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَلْزَمُهُ نَزْعُ اللَّصُوقِ عِنْدَ التَّيَمُّمِ حَتّى يَصِلَ التُّرابُ إلَيْهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: لا يَجِبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رِعايَةُ الِاحْتِياطِ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ مَدارَ الأمْرِ في التَّيَمُّمِ عَلى التَّخْفِيفِ وإزالَةِ الحَرَجِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٨٧) فَإيجابُ نَزْعِ اللَّصُوقِ حَرَجٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أصْحابِنا: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مُطْلَقٌ ولَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ أنَّ السَّفَرَ هَلْ هو طَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا إذا قُلْنا السَّفَرَ الطَّوِيلَ والقَصِيرَ سَبَبانِ لِلرُّخْصَةِ لِكَوْنِ لَفْظِ السَّفَرِ مُطْلَقًا وجَبَ أنْ نَقُولَ: المَرَضُ الخَفِيفُ والشَّدِيدُ سَبَبانِ لِلرُّخْصَةِ لِكَوْنِ لَفْظِ المَرَضِ مُطْلَقًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّفَرَ القَصِيرَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ انْصَرَفَ مِن قَوْمِهِ فَبَلَغَ مَوْضِعًا مُشْرِفًا عَلى المَدِينَةِ فَدَخَلَ وقْتُ العَصْرِ فَطَلَبَ الماءَ لِلْوُضُوءِ فَلَمْ يَجِدْ فَجَعَلَ يَتَيَمَّمُ، فَقالَ لَهُ مَوْلاهُ: أتَتَيَمَّمُ وها هي تَنْظُرُ إلَيْكَ جُدْرانُ المَدِينَةِ ؟ فَقالَ: أوَأعِيشُ حَتّى أبْلُغَها ؟ وتَيَمَّمَ وصَلّى، ودَخَلَ المَدِينَةَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ بَيْضاءُ وما أعادَ الصَّلاةَ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُسافِرُ إذا كانَ مَعَهُ ماءٌ ويَخافُ العَطَشَ جازَ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ ولِأنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ سَقَطَ عَنْهُ إذا أضَرَّ بِمالِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ إلّا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، فَإذا أضَرَّ بِنَفْسِهِ كانَ أوْلى.
* * *
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences