Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:6

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6

5:6Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَيْسَ نَفْسَ القِيامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الوُضُوءِ عَنِ الصَّلاةِ، وأنَّهُ باطِلٌ بِالإجْماعِ.

الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ غَسَلَ الأعْضاءَ قَبْلَ الصَّلاةِ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا لَكانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إذا شَمَّرْتُمْ

صفحة ١١٩

لِلْقِيامِ إلى الصَّلاةِ وأرَدْتُمْ ذَلِكَ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَشْهُورٌ مُتَعارَفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الفِعْلِ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ٣٤] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ القِيامَ الَّذِي هو الِانْتِصابُ، يُقالُ: فُلانٌ قائِمٌ بِذَلِكَ الأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ البَتَّةَ الِانْتِصابَ، بَلِ المُرادُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مُتَهَيِّئًا لَهُ مُسْتَعِدًّا لِإدْخالِهِ في الوُجُودِ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ مَعْناهُ إذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ والِاشْتِغالَ بِإقامَتِها.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: الأمْرُ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، الشَّرْطُ فِيها القِيامُ إلى الصَّلاةِ، والجَزاءُ الأمْرُ بِالغَسْلِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ. وقالَ آخَرُونَ: المَقْصُودُ مِنَ الوُضُوءِ الطَّهارَةُ، والطَّهارَةُ مَقْصُودَةٌ بِذاتِها بِدَلِيلِ القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بُنِيَ الدِّينُ عَلى النَّظافَةِ» “ وقالَ: ”«أُمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ ولِأنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ وارِدَةٌ في كَوْنِ الوُضُوءِ سَبَبًا لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ داوُدُ: يَجِبُ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ. احْتَجَّ داوُدُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ قِيامًا واحِدًا وصَلاةً واحِدَةً، فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُمُومَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لِأنَّ تَعْيِينَ تِلْكَ المَرَّةِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ إخْراجٌ لَها عَنِ الفائِدَةِ، وذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ، ومِن شَأْنِهِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، وذَلِكَ يُوجِبُ العُمُومَ.

وثالِثُها: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ غَيْرُ مَقْصُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ ولا عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وإذا بَطَلَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ، إذْ لَوْ لَمْ تُحْمَلْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا المَحْمَلِ لَزِمَ احْتِياجُ هَذِهِ الآيَةِ في دَلالَتِها عَلى ما هو مُرادُ اللَّهِ تَعالى إلى سائِرِ الدَّلائِلِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ وحْدَها مُجْمَلَةً، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنّا نَسْتَفِيدُ هَذا العُمُومَ مِن إيماءِ اللَّفْظِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ اشْتِغالٌ بِخِدْمَةِ المَعْبُودِ، والِاشْتِغالُ بِالخِدْمَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِأقْصى ما يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْظِيمِ، ومِن وُجُوهِ التَّعْظِيمِ كَوْنُهُ آتِيًا بِالخِدْمَةِ حالَ كَوْنِهِ في غايَةِ النَّظافَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَجْدِيدَ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ مُبالَغَةٌ في النَّظافَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ المُناسِبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ لِعُمُومِهِ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ. ثُمَّ قالَ داوُدُ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ورَدَ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، أوْ يُقالُ: إنّا نَتْرُكُ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِوُرُودِ خَبَرِ الواحِدِ عَلى خِلافِهِ، قالَ: أمّا القِراءَةُ الشّاذَّةُ فَمَرْدُودَةٌ قَطْعًا، لِأنّا إنْ جَوَّزْنا ثُبُوتَ قُرْآنٍ غَيْرِ مَنقُولٍ بِالتَّواتُرِ لَزِمَ الطَّعْنُ في كُلِّ القُرْآنِ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ القُرْآنَ كانَ أكْثَرَ مِمّا هو الآنَ بِكَثِيرٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وأيْضًا فَلِأنَّ

صفحة ١٢٠

مَعْرِفَةَ أحْوالِ الوُضُوءِ مِن أعْظَمِ ما عَمَّ بِهِ البَلْوى، ومِن أشَدِّ الأُمُورِ الَّتِي يَحْتاجُ كُلُّ أحَدٍ إلى مَعْرِفَتِها، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ قُرْآنًا لامْتَنَعَ بَقاؤُهُ في حَيِّزِ الشُّذُوذِ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِخَبَرِ الواحِدِ فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِالخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. قالَ الفُقَهاءُ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرَّةً طُلِّقَتْ، ثُمَّ لَوْ دَخَلَتْ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا إنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: إذا دَخَلْتَ السُّوقَ فادْخُلْ عَلى فُلانٍ وقُلْ لَهُ كَذا وكَذا، فَهَذا لا يُفِيدُ الأمْرَ بِالفِعْلِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً.

واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ داوُدَ في مَسْألَةِ الطَّلاقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ فَلَعَلَّهُ يَلْتَزِمُ العُمُومَ، وأيْضًا فَلَهُ أنْ يَقُولَ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ في هَذِهِ الآيَةِ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ التَّكالِيفَ الوارِدَةَ في القُرْآنِ مَبْناها عَلى التَّكْرِيرِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ، فَإنَّ القَرائِنَ الظّاهِرَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَبْنى الأمْرِ فِيها عَلى التَّكْرِيرِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ فَإنَّهُ صَلّى الصَّلَواتِ كُلَّها بِوُضُوءٍ واحِدٍ. قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَقُلْتُ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَلِكَ يا عُمَرُ» .

أجابَ داوُدُ بِأنّا ذَكَرْنا أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يَنْسَخُ القُرْآنَ، وأيْضًا فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مُواظِبًا عَلى تَجْدِيدِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ، وهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لِقَوْلِهِ تَعالى: (فاتَّبِعُوهُ) بَقِيَ أنْ يُقالَ: قَدْ جاءَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَنَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ فالتَّرْجِيحُ مَعَنا مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: هَبْ أنَّ التَّجْدِيدَ لِكُلِّ صَلاةٍ لَيْسَ بِواجِبٍ لَكِنَّهُ مَندُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَزِيدُ في يَوْمِ الفَتْحِ في الطّاعاتِ ولا يَنْقُصُ مِنها، لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو يَوْمُ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وزِيادَةُ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تُناسِبُ زِيادَةَ الطّاعاتِ لا نُقْصانَها.

والثّانِي: أنَّ الِاحْتِياطَ لا شَكَّ أنَّهُ مِن جانِبِنا فَيَكُونُ راجِحًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» “ .

الثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ.

والرّابِعُ: أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى قَوْلِنا لَفْظِيَّةٌ، ودَلالَةَ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْتُمْ عَلى قَوْلِكم فِعْلِيَّةٌ، والدَّلالَةُ القَوْلِيَّةُ أقْوى مِنَ الدَّلالَةِ الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ الدَّلالَةَ القَوْلِيَّةَ غَنِيَّةٌ عَنِ الفِعْلِيَّةِ ولا يَنْعَكِسُ، فَهَذا ما في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْوى في إثْباتِ المَذْهَبِ المَشْهُورِ أنْ يُقالَ: لَوْ وجَبَ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ لَكانَ المُوجِبُ لِلْوُضُوءِ هو القِيامَ إلى الصَّلاةِ ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ تَأْثِيرٌ في إيجابِ الوُضُوءِ، لَكِنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلى المُتَغَوِّطِ والمُجامِعِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبًا لِوُجُوبِ الطَّهارَةِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وُجُوبُ الوُضُوءِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى القِيامِ إلى الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ ؟ والأصَحُّ أنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ فِعْلَ الصَّلاةِ عَلى الطَّهُورِ بِالماءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَتى عُدِمَ لا تَصِحُّ إلّا بِالتَّيَمُّمِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَما صَحَّ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالصَّلاةِ مَعَ الوُضُوءِ، فالآتِي بِالصَّلاةِ بِدُونِ الوُضُوءِ تارِكٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وتارِكُ المَأْمُورِ بِهِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، ولا مَعْنى لِلْبَقاءِ في عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ إلّا ذَلِكَ، فَإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ كَوْنُ الوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: النِّيَّةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ والغُسْلِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ

صفحة ١٢١

اللَّهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ.

أمّا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ قالَ: الوُضُوءُ مَأْمُورٌ بِهِ، وكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا فالوُضُوءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ شَرْطًا لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ”فاغْسِلُوا وامْسَحُوا“ أمْرٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيَعْبُدُوا) ظاهِرٌ لِلتَّعْلِيلِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الباءِ لِما عُرِفَ مِن جَوازِ إقامَةِ حُرُوفِ الجَرِّ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما أُمِرُوا إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، والإخْلاصُ عِبارَةٌ عَنِ النِّيَّةِ الخالِصَةِ، ومَتى كانَتِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ مُعْتَبَرَةً كانَ أصْلُ النِّيَّةِ مُعْتَبَرًا. وقَدْ حَقَّقْنا الكَلامَ في هَذا الدَّلِيلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ في طَلَبِ زِيادَةِ الإتْقانِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ وُضُوءٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ وُضُوءٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا أقْصى ما في البابِ أنَّ قَوْلَنا: كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا مَخْصُوصٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ، لَكِنّا إنَّما أثْبَتْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ بِعُمُومِ النَّصِّ، والعامُّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.

وأمّا أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ غَسْلَ الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُوجِبِ النِّيَّةَ فِيها، فَإيجابُ النِّيَّةِ زِيادَةٌ عَلى النَّصِّ، والزِّيادَةُ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ لا يَجُوزُ.

وجَوابُنا: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ إنَّما أوْجَبْنا النِّيَّةَ في الوُضُوءِ بِدَلالَةِ القُرْآنِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: لَيْسَ كَذَلِكَ، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِداءِ بِغَسْلِ الوَجْهِ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وإذا وجَبَ التَّرْتِيبُ في هَذا العُضْوِ وجَبَ في غَيْرِهِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

فَإنْ قالُوا: فاءُ التَّعْقِيبِ إنَّما دَخَلَتْ في جُمْلَةِ هَذِهِ الأعْمالِ فَجَرى الكَلامُ مَجْرى أنْ يُقالَ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَأْتُوا بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ.

قُلْنا: فاءُ التَّعْقِيبِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى الوَجْهِ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ مُلْتَصِقَةٌ بِذِكْرِ الوَجْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الفاءَ بِواسِطَةِ دُخُولِها عَلى الوَجْهِ دَخَلَتْ عَلى سائِرِ الأعْمالِ، وعَلى هَذا دُخُولُ الفاءِ في غَسْلِ الوَجْهِ أصْلٌ، ودُخُولُها عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ تَبَعٌ لِدُخُولِها عَلى غَسْلِ الوَجْهِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ إيجابِ تَقْدِيمِ غَسْلِ الوَجْهِ وبَيْنَ إيجابِ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ، فَنَحْنُ اعْتَبَرْنا دَلالَةَ هَذِهِ الفاءِ في الأصْلِ والتَّبَعِ، وأنْتُمْ ألْغَيْتُمُوها في الأصْلِ واعْتَبَرْتُمُوها في التَّبَعِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: وقَعَتِ البَداءَةُ في الذِّكْرِ بِالوَجْهِ، فَوَجَبَ أنْ تَقَعَ البَداءَةُ بِهِ في العَمَلِ لِقَوْلِهِ:

صفحة ١٢٢

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هُودٍ: ١١٢] ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ وهَذا الخَبَرُ وإنْ ورَدَ في قِصَّةِ الصَّفا والمَرْوَةَ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ مَخْصُوصٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ لَكِنَّ العامَّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأعْضاءَ لا عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ في الحِسِّ، ولا عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ في الشَّرْعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ واجِبٌ.

بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّ التَّرْتِيبَ المُعْتَبَرَ في الحِسِّ أنْ يَبْدَأ مِنَ الرَّأْسِ نازِلًا إلى القَدَمِ، أوْ مِنَ القَدَمِ صاعِدًا إلى الرَّأْسِ، والتَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا التَّرْتِيبُ المُعْتَبَرُ في الشَّرْعِ فَهو أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ، ويُفْرِدَ المَمْسُوحَةَ عَنْها، والآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى أدْرَجَ المَمْسُوحَ في أثْناءِ المَغْسُولاتِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ إهْمالَ التَّرْتِيبِ في الكَلامِ مُسْتَقْبَحٌ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما إذا صارَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، فَيَبْقى في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى وفْقِ الأصْلِ.

الرّابِعُ: أنَّ إيجابَ الوُضُوءِ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الإتْيانِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ورَدَ في النَّصِّ.

بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الحَدَثَ يَخْرُجُ مِن مَوْضِعٍ والغَسْلَ يَجِبُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ وهو خِلافُ المَعْقُولِ.

وثانِيها: أنَّ أعْضاءَ المُحْدِثِ طاهِرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وكَلِمَةُ إنَّما لِلْحَصْرِ، وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيِّتًا» “ وتَطْهِيرُ الطّاهِرِ مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّ الشَّرْعَ أقامَ التَّيَمُّمَ مَقامَ الوُضُوءِ، ولا شَكَّ أنَّهُ ضِدُّ النَّظافَةِ والوَضاءَةِ.

ورابِعُها: أنَّ الشَّرْعَ أقامَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مَقامَ الغَسْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُفِيدُ البَتَّةَ في نَفْسِ العُضْوِ نَظافَةً.

وخامِسُها: أنَّ الماءَ الكَدِرَ العَفِنَ يُفِيدُ الطَّهارَةَ، وماءَ الوَرْدِ لا يُفِيدُها، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الوُضُوءَ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ الِاعْتِمادُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ المَذْكُورُ مُعْتَبَرًا إمّا لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ أوْ لِحِكَمٍ خَفِيَّةٍ لا نَعْرِفُها، فَلِهَذا السَّبَبِ أوْجَبْنا رِعايَةَ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ المَذْكُورِ في أرْكانِ الصَّلاةِ، بَلْ هَهُنا أوْلى، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أرْكانَ الصَّلاةِ في كِتابِهِ مُرَتَّبَةً وذَكَرَ أعْضاءَ الوُضُوءِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرْتَبَةً فَلَمّا وجَبَ التَّرْتِيبُ هُناكَ فَهَهُنا أوْلى.

واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ فَقالَ: الواوُ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَكانَتِ الآيَةُ خالِيَةً عَنْ إيجابِ التَّرْتِيبِ، فَلَوْ قُلْنا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ كانَ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى النَّصِّ، وهو نَسْخٌ وهو غَيْرُ جائِزٍ.

وجَوابُنا: أنّا بَيَّنّا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ مِن جِهاتٍ أُخَرَ غَيْرِ التَّمَسُّكِ بِأنَّ الواوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: مُوالاةُ أفْعالِ الوُضُوءِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ في القَوْلِ الجَدِيدِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ شَرْطٌ.

لَنا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ هَذِهِ الأعْمالَ، ولا شَكَّ أنَّ إيجابَها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إيجابِها عَلى سَبِيلِ المُوالاةِ وإيجابِها عَلى سَبِيلِ التَّراخِي ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ هَذا القَدْرَ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهارَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَثَبَتَ أنَّ الوُضُوءَ بِدُونِ المُوالاةِ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهارَةِ، فَوَجَبَ أنْ نَقُولَ بِجَوازِ الصَّلاةِ بِها لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مِفْتاحُ الصَّلاةِ الطَّهارَةُ» “ .

* * *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الخارِجُ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ الشّافِعِيُّ

صفحة ١٢٣

- رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَنْقُضُ.

احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ظاهِرُها يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَما لَمْ يَخْرُجِ الخارِجُ النَّجِسُ مِنَ البَدَنِ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ خُرُوجِ الخارِجِ النَّجِسِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَوَّلَ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وصَلّى ولَمْ يَزِدْ عَلى غَسْلِ أثَرِ مَحاجِمِهِ» .

* * *

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا وُضُوءَ في الخارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إذا كانَ غَيْرَ مُعْتادٍ وسَلَّمَ في دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، وقالَ رَبِيعَةُ: لا وُضُوءَ أيْضًا في دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، لَنا التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الآيَةِ.

* * *

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القَهْقَهَةُ في الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ تَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ الباقُونَ: لا تَنْقُضُ، ولِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى ما قَرَّرْناهُ.

* * *

المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَمْسُ المَرْأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَنْقُضُهُ، لِلشّافِعِيِّ أنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ الآيَةِ، قالَ: وهَذا العُمُومُ مُتَأكِّدٌ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وحُجَّةُ الخَصْمِ خَبَرُ واحِدٍ، أوْ قِياسٌ، فَلا يَصِيرُ مُعارِضًا لَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسُّ الفَرْجِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَنْقُضُهُ، لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ الآيَةِ، وهَذا العُمُومُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» “ والخَبَرُ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ الخَصْمُ عَلى خِلافِ عُمُومِ الآيَةِ فَكانَ التَّرْجِيحُ مَعَنا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كانَ عَلى بَدَنِهِ أوْ وجْهِهِ نَجاسَةٌ فَغَسَلَها ونَوى الطَّهارَةَ عَنِ الحَدَثِ بِذَلِكَ الغَسْلِ هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ ؟ ما رَأيْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ مَوْضُوعَةً في كُتُبِ أصْحابِنا. والَّذِي أقُولُهُ: إنَّهُ يَكْفِي لِأنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ وقَدْ أتى بِهِ فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ لِأنَّهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلى التَّبَرُّدِ والتَّنَظُّفِ لَوْ نَوى فَإنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ، كَذا هَهُنا. وأيْضًا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» “ وهَذا الإنْسانُ نَوى فَيَجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ المَنوِيُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ وقَفَ تَحْتَ مِيزابٍ حَتّى سالَ عَلَيْهِ الماءُ ونَوى رَفْعَ الحَدَثِ هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ أمْ لا ؟ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ، والغَسْلُ عَمَلٌ وهو لَمْ يَأْتِ بِالعَمَلِ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ لِأنَّ الغَسْلَ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ المُفْضِي إلى الِانْغِسالِ، والوُقُوفُ تَحْتَ المِيزابِ يُفْضِي إلى الِانْغِسالِ فَكانَ ذَلِكَ الوُقُوفُ غَسْلًا.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: إذا غَسَلَ هَذِهِ الأعْضاءَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَشَّرَتِ الجِلْدَةُ عَنْها فَلا شَكَّ أنَّ ما ظَهَرَ تَحْتَ الجَلْدَةِ غَيْرُ مَغْسُولٍ، إنَّما المَغْسُولُ هو تِلْكَ الجَلْدَةُ وقَدْ تَقَلَّصَتْ وسَقَطَتْ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: الغَسْلُ عِبارَةٌ عَنْ إمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ، فَلَوْ رَطَّبَ هَذِهِ الأعْضاءَ، ولَكِنْ ما سالَ الماءُ عَلَيْها لَمْ يَكْفِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِإمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ، وفي غُسْلِ الجَنابَةِ احْتِمالٌ أنْ يَكْفِيَ ذَلِكَ، والفَرْقُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ في الوُضُوءِ الغَسْلُ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ إمْرارِ الماءِ، وفي الجَنابَةِ المَأْمُورُ بِهِ الطُّهْرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وذَلِكَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ التَّرْطِيبِ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أخَذَ الثَّلْجَ وأمَرَّهُ عَلى وجْهِهِ، فَإنْ كانَ الهَواءُ حارًّا يُذِيبُ الثَّلْجَ ويُسِيلُ

صفحة ١٢٤

جازَ، وإنْ كانَ بِخِلافِهِ لَمْ يَجُزْ خِلافًا لِمالِكٍ والأوْزاعِيِّ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِالغَسْلِ، وهَذا لا يُسَمّى غَسْلًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُجْزِي.

* * *

المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: التَّثْلِيثُ في أعْمالِ الوُضُوءِ سُنَّةٌ لا واجِبٌ، إنَّما الواجِبُ هو المَرَّةُ الواحِدَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالغَسْلِ فَقالَ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ وماهِيَّةُ الغَسْلِ تَدْخُلُ في الوُجُودِ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عَلى هَذا القَدْرِ حُصُولَ الطِّهارَةِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فَثَبَتَ أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الوُضُوءِ ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأ مَرَّةً ثُمَّ قالَ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» .

* * *

المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: السِّواكُ سُنَّةٌ، وقالَ داوُدُ: واجِبٌ ولَكِنْ تَرْكُهُ لا يَقْدَحُ في الصَّلاةِ. لَنا أنَّ السِّواكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحُصُولِ الطَّهارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وإذا حَصَلَتِ الطَّهارَةُ حَصَلَ جَوازُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مِفْتاحُ الصَّلاةِ الطَّهارَةُ» “ .

* * *

المَسْألَةُ العِشْرُونَ: التَّسْمِيَةُ في أوَّلِ الوُضُوءِ سُنَّةٌ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: واجِبَةٌ، وإنْ تَرَكَها عامِدًا بَطَلَتِ الطَّهارَةُ، لَنا أنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحُصُولِ الطَّهارَةِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَن تَوَضَّأ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ ومَن تَوَضَّأ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ طَهُورًا لِأعْضاءِ وُضُوئِهِ» “ .

* * *

المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: تَقْدِيمُ غَسْلِ اليَدَيْنِ عَلى الوُضُوءِ واجِبٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ سُنَّةٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ في السِّواكِ وفي التَّسْمِيَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: حَدُّ الوَجْهِ مِن مَبْدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى الذَّقَنِ طُولًا، ومِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، ولَفْظُ الوَجْهِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواجَهَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى داخِلِ العَيْنِ، وقالَ الباقُونَ لا يَجِبُ، حُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وجَبَ غَسْلُ كُلِّ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والعَيْنُ جُزْءٌ مِنَ الوَجْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ غَسْلُهُ. حُجَّةُ الفُقَهاءِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ ولا شَكَّ أنَّ في إدْخالِ الماءِ في العَيْنِ حَرَجًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ لا يَجِبانِ في الوُضُوءِ والغُسْلِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعِنْدَ أحْمَدَ وإسْحاقَ رَحِمَهُما اللَّهُ واجِبانِ فِيهِما، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - واجِبٌ في الغُسْلِ، غَيْرُ واجِبٍ في الوُضُوءِ. لَنا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ غَسْلَ الوَجْهِ، والوَجْهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُواجِهًا وداخِلَ الأنْفِ، والفَمُ غَيْرُ مُواجِهٍ فَلا يَكُونُ مِنَ الوَجْهِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ الماءِ إلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ يُفِيدُ الطَّهارَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ والطَّهارَةُ تُفِيدُ جَوازَ الصَّلاةِ كَما بَيَّنّاهُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ والعِشْرُونَ: غَسْلُ البَياضِ الَّذِي بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ واجِبٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وقالَ أبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَجِبُ، لَنا أنَّهُ مِنَ الوَجْهِ، والوَجْهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِالآيَةِ،

صفحة ١٢٥

ولِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ قَبْلَ نَباتِ الشَّعْرِ، فَحَيْلُولَةُ الشَّعْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَجْهِ لا تَسْقُطُ كالجَبْهَةِ لَمّا وجَبَ غَسْلُها قَبْلَ نَباتِ شَعْرِ الحاجِبِ وجَبَ أيْضًا بَعْدَهُ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ والعِشْرُونَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَ اللِّحْيَةِ الخَفِيفَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يُوجِبُ غَسْلَ الوَجْهِ، والوَجْهُ اسْمٌ لِلْجِلْدَةِ المُمْتَدَّةِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الذَّقَنِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ كَثافَةِ اللِّحْيَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ وعِنْدَ خِفَّةِ اللِّحْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الحَرَجُ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ غَسْلِهِ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ: هَلْ يَجِبُ إمْرارُ الماءِ عَلى ما نَزَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنْ حَدِّ الوَجْهِ وعَلى الخارِجِ مِنها إلى الأُذُنَيْنِ عَرْضًا ؟ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَجِبُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والمُزَنِيِّ.

حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ في اللِّحْيَةِ الكَثِيفَةِ لا يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى مَنابِتِ الشُّعُورِ وهي الجِلْدُ، وإنَّما أسْقَطْنا هَذا التَّكْلِيفَ لِأنّا أقَمْنا ظاهِرَ اللِّحْيَةِ مَقامَ جِلْدَةِ الوَجْهِ في كَوْنِهِ وجْهًا، وإذا كانَ ظاهِرُ اللِّحْيَةِ يُسَمّى وجْهًا والوَجْهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِالتَّمامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لَزِمَ بِحُكْمِ هَذا الدَّلِيلِ إيصالُ الماءِ إلى ظاهِرِ جَمِيعِ اللِّحْيَةِ.

* * *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском