Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:4–5
5:4Page 107
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤
They ask you, [O Muḥammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals1 which you train as Allāh has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allāh upon it, and fear Allāh." Indeed, Allāh is swift in account.
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ وهَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ المَطاعِمِ والمَآكِلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ لَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ماذا أُحِلَّ لَنا حِكايَةً لِما قالُوهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا حِكايَةً لِكَلامِهِمْ لَكانُوا قَدْ قالُوا ماذا أُحِلَّ لَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا باطِلٌ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ ذَلِكَ، بَلْ إنَّما يَقُولُونَ ماذا أُحِلَّ لَنا، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ هَذا لَيْسَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بِعِبارَتِهِمْ، بَلْ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”ماذا“ إنْ جَعَلْتَهُ اسْمًا واحِدًا فَهو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”أُحِلَّ“ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ خَبَرُها ”ذا“ و”أُحِلَّ“ مِن صِلَةِ ”ذا“ لِأنَّهُ بِمَعْنى: ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ مِنَ الطَّيِّباتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ. فَهم كانُوا يَحْكُمُونَ بِكَوْنِها طَيِّبَةً إلّا أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أكْلَها لِشُبُهاتٍ ضَعِيفَةٍ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ ما يُسْتَطابُ فَهو حَلالٌ، وأكَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعْرافِ: ٣٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] .
واعْلَمْ أنَّ الطَّيِّبَ في اللُّغَةِ هو المُسْتَلَذُّ، والحَلالُ المَأْذُونُ فِيهِ يُسَمّى أيْضًا طَيِّبًا تَشْبِيهًا بِما هو مُسْتَلَذٌّ، لِأنَّهُما اجْتَمَعا في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطَّيِّباتِ هَهُنا المُحَلَّلاتِ، وإلّا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ المُحَلَّلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّيِّباتِ عَلى المُسْتَلَذِّ المُشْتَهى، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أُحِلَّ لَكم كُلُّ ما يَسْتَلَذُّ ويُشْتَهى.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ العِبْرَةَ في الِاسْتِلْذاذِ والِاسْتِطابَةِ بِأهْلِ المُرُوءَةِ والأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، فَإنَّ أهْلَ البادِيَةِ يَسْتَطِيبُونَ أكْلَ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ويَتَأكَّدُ دَلالَةُ هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٩] فَهَذا يَقْتَضِي التَّمَكُّنَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِكُلِّ ما في الأرْضِ، إلّا أنَّهُ أدْخَلَ التَّخْصِيصَ في ذَلِكَ العُمُومِ فَقالَ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ، ١٥٧] ونَصَّ في هَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةِ عَلى إباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ والطَّيِّباتِ فَصارَ هَذا أصْلًا كَبِيرًا، وقانُونًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ الأطْعِمَةِ، مِنها أنَّ لَحْمَ الخَيْلِ مُباحٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِمُباحٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ مُسْتَلَذٌّ مُسْتَطابٌ، والعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ومِنها أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُباحٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ حَرامٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ مُسْتَطابٌ مُسْتَلَذٌّ، فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنى المُذَكّاةَ ثُمَّ فَسَّرَ الذَّكاةَ بِما بَيْنَ اللَّبَّةِ والصَّدْرِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ في الخَيْلِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مُذَكّاةً، فَوَجَبَ أنْ تَحِلَّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وأمّا في مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ فالذَّكاةُ أيْضًا حاصِلَةٌ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ ناسِيًا فَهي مُذَكّاةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى بِاللِّسانِ لَيْسَ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الذَّكاةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإتْيانُ بِالذَّكاةِ بِدُونِ الإتْيانِ بِالتَّسْمِيَةِ مُمْكِنًا، فَنَحْنُ مِثْلُكم فِيما إذا وُجِدَ ذَلِكَ، وإذا حَصَلَتِ الذَّكاةُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ومِنها أنَّ لَحْمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ
صفحة ١١٣
مُباحٌ عِنْدَ مالِكٍ وعِنْدَ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ وقَدِ احْتَجّا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، إلّا أنّا نَعْتَمِدُ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ «حَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ فِيها إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، فَحَذَفَ الصَّيْدَ وهو مُرادٌ في الكَلامِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ .
الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ، وخَبَرُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ الكَلامُ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وإضْمارٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الجَوارِحِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الكَواسِبُ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ، واحِدُها جارِحَةٌ، سُمِّيَتْ جَوارِحَ لِأنَّها كَواسِبُ مِن جَرَحَ واجْتَرَحَ إذا اكْتَسَبَ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] أيِ: اكْتَسَبُوا، وقالُوا: إنَّ ما أُخِذَ مِنَ الصَّيْدِ فَلَمْ يَسِلْ مِنهُ دَمٌ لَمْ يَحِلَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، أنَّ ما صادَهُ غَيْرُ الكِلابِ فَلَمْ يُدْرَكْ ذَكاتُهُ لَمْ يَجُزْ أكْلُهُ، وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: (مُكَلِّبِينَ) قالُوا: لِأنَّ التَّخْصِيصَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِهِ، وزَعَمَ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُمْكِنُ الِاصْطِيادُ بِهِ، كالفَهْدِ والسِّباعِ مِنَ الطَّيْرِ: مِثْلَ الشّاهِينِ والباشِقِ والعُقابِ، قالَ اللَّيْثُ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنِ الصَّقْرِ والبازِي والعُقابِ والفَهْدِ وما يَصْطادُ بِهِ مِنَ السِّباعِ، فَقالَ: هَذِهِ كُلُّها جَوارِحُ. وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (مُكَلِّبِينَ) مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُكَلِّبَ هو مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُعَلِّمُها أنْ تَصْطادَ لِصاحِبِها، وإنَّما اشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ الكَلْبِ لِأنَّ التَّأْدِيبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ في الكِلابِ، فاشْتُقَّ مِنهُ هَذا اللَّفْظُ لِكَثْرَتِهِ في جِنْسِهِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ سَبْعٍ فَإنَّهُ يُسَمّى كَلْبًا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ» “ .
الثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الكَلَبِ الَّذِي هو بِمَعْنى الضَّراوَةِ، يُقالُ فُلانٌ: كَلِبٌ بِكَذا إذا كانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: هَبْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ إباحَةُ الصَّيْدِ بِالكَلْبِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ لا يَنْفِي حِلَّ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ أنَّ الِاصْطِيادَ بِالرَّمْيِ ووَضْعِ الشَّبَكَةِ جائِزٌ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاصْطِيادَ بِالجَوارِحِ إنَّما يَحِلُّ إذا كانَتِ الجَوارِحُ مُعَلَّمَةً، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وقالَ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» “، قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والكَلْبُ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلّا عِنْدَ أُمُورٍ، وهي إذا أُرْسِلَ اسْتَرْسَلَ، وإذا أُخِذَ حُبِسَ ولا يَأْكُلُ، وإذا دَعاهُ أجابَهُ، وإذا أرادَهُ لَمْ يَفِرَّ مِنهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ مَرّاتٍ فَهو مُعَلَّمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ حَدًّا مُعَيَّنًا، بَلْ قالَ: إنَّهُ مَتى غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ تَعَلَّمَ حُكِمَ بِهِ، قالَ: لِأنَّ الِاسْمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنَ النَّصِّ أوِ الإجْماعِ وجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى العُرْفِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أظْهَرِ الرِّواياتِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: أنَّهُ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِثَلاثِ مَرّاتٍ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكَلّابُ والمُكَلِّبُ هو الَّذِي يُعَلِّمُ الكِلابَ الصَّيْدَ، فَمُكَلِّبٌ صاحِبُ التَّكْلِيبِ كَمُعَلِّمٍ صاحِبِ التَّعْلِيمِ، ومُؤَدِّبٍ صاحِبِ التَّأْدِيبِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ مُكْلِبِينَ بِالتَّخْفِيفِ، وأفْعَلَ وفَعَلَ يَشْتَرِكانِ كَثِيرًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: انْتِصابُ مُكَلِّبِينَ عَلى الحالِ مِن ”عَلَّمْتُمْ“ .
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذِهِ الحالِ وقَدِ اسْتَغْنى عَنْها بِعَلَّمْتُمْ ؟
قُلْنا: فائِدَتُها أنْ يَكُونَ مَن يُعَلِّمُ الجَوارِحَ نِحْرِيرًا في عِلْمِهِ مُدَرَّبًا فِيهِ مَوْصُوفًا بِالتَّكْلِيبِ ”وتُعَلِّمُونَهُنَّ“ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في اشْتِراطِ التَّعْلِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ الكَلْبُ مُعَلَّمًا ثُمَّ صادَ صَيْدًا وجَرَحَهُ وقَتَلَهُ وأدْرَكَهُ الصّائِدُ مَيِّتًا فَهو حَلالٌ، وجُرْحُ الجارِحَةِ كالذَّبْحِ، وكَذا الحُكْمُ في سائِرِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ. وكَذا في السَّهْمِ والرُّمْحِ، أمّا إذا صادَهُ الكَلْبُ فَجَثَمَ عَلَيْهِ وقَتَلَهُ بِالفَمِ مِن غَيْرِ جُرْحٍ فَقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أكْلُهُ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ. وقالَ آخَرُونَ: يَحِلُّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ لا يَحِلُّ، وهو أظْهَرُ أقْوالِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ أمْسَكَ الصَّيْدَ عَلى نَفْسِهِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنَّما يَحِلُّ إذا أمْسَكَهُ عَلى صاحِبِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإنْ أدْرَكْتَهُ ولَمْ يَقْتُلْ فاذْبَحْ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنْ أدْرَكْتَهُ وقَدْ قَتَلَ ولَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَقَدْ أمْسَكَ عَلَيْكَ، وإنْ وجَدْتَهُ قَدْ أكَلَ فَلا تَطْعَمْ مِنهُ شَيْئًا فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» “ وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّهُ يَحِلُّ وإنْ أكَلَ، وهو القَوْلُ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . واخْتَلَفُوا في البازِي إذا أكَلَ، فَقالَ قائِلُونَ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلْبِ، فَإنْ أكَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو حَنِيفَةَ والمُزَنِيُّ: يُؤْكَلُ ما بَقِيَ مِن جَوارِحِ الطَّيْرِ ولا يُؤْكَلُ ما بَقِيَ مِنَ الكَلْبِ، الفَرْقُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُؤَدَّبَ الكَلْبُ عَلى الأكْلِ بِالضَّرْبِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُؤَدَّبَ البازِي عَلى الأكْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنْعامِ: ١٤١] .
والثّانِي: أنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصَّيْدَ كُلَّهُ لا يُؤْكَلُ؛ فَإنَّ لَحْمَهُ يُؤْكَلُ، أمّا عَظْمُهُ ودَمُهُ ورِيشُهُ فَلا يُؤْكَلُ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى كُلُوا مِمّا تُبْقِي لَكُمُ الجَوارِحُ بَعْدَ أكْلِها مِنهُ، قالُوا: فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ كانَتِ البَقِيَّةُ حَلالًا، قالُوا وإنْ أكَلَهُ مِنَ الصَّيْدِ لا يَقْدَحُ في أنَّهُ أمْسَكَهُ عَلى صاحِبِهِ لِأنَّ صِفَةَ الإمْساكِ هو أنْ يَأْخُذَ الصَّيْدَ ولا يَتْرُكَهُ حَتّى يَذْهَبَ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ أكَلَ مِنهُ أوْ لَمْ يَأْكُلْ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: سَمِّ اللَّهَ إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» “ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ.
صفحة ١١٥
القَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما أمْسَكْنَ، يَعْنِي سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأكْلِ، يَعْنِي واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى الأكْلِ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ: ”«سَمِّ اللَّهَ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ» “ .
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا يَحِلُّ أكْلُهُ، فَإنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ فَلا كَلامَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ والثّانِي كانَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ النَّدْبَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى حِلِّهِ، وسَنَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: واحْذَرُوا مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ في تَحْلِيلِ ما أحَلَّهُ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ.
5:5Page 107
ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥
This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation,1 desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ أحَلَّ الطَّيِّباتِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ الإخْبارَ عَنْ هَذا الحُكْمِ، ثُمَّ أعادَ ذِكْرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ كَما أكْمَلَ الدِّينَ وأتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَكَذَلِكَ أتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنها إحْلالُ الطَّيِّباتِ، والغَرَضُ مِنَ الإعادَةِ رِعايَةُ هَذِهِ النُّكْتَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وفي المُرادِ بِالطَّعامِ هَهُنا وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الذَّبائِحُ، يَعْنِي أنَّهُ يَحِلُّ لَنا أكْلُ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سُنَّ فِيهِمْ سُنَّةُ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ اسْتَثْنى نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو الخَبْزُ والفاكِهَةُ وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الذَّكاةِ، وهو مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ جَمْعُ المَطْعُوماتِ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ورَجَّحُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الذَّبائِحَ هي الَّتِي تَصِيرُ طَعامًا بِفِعْلِ الذّابِحِ، فَحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ ما سِوى الذَّبائِحِ فَهي مُحَلَّلَةٌ قَبْلَ أنْ كانَتْ لِأهْلِ الكِتابِ وبَعْدَ أنْ صارَتْ لَهم، فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِها بِأهْلِ الكِتابِ فائِدَةٌ.
وثالِثُها: ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.
صفحة ١١٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: ويَحِلُّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم مِن طَعامِكم لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ أنْ نُطْعِمَهم مِن ذَبائِحِنا، وأيْضًا فالفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّ إباحَةَ المُناكَحَةِ غَيْرُ حاصِلَةٍ في الجانِبَيْنِ، وإباحَةَ الذَّبائِحِ كانَتْ حاصِلَةً في الجانِبَيْنِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ وفي المُحْصَناتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الحَرائِرُ.
والثّانِي: أنَّها العَفائِفُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ الأمَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ومَهْرُ الأمَةِ لا يُدْفَعُ إلَيْها بَلْ إلى سَيِّدِها.
وثانِيها: أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] أنَّ نِكاحَ الأمَةِ إنَّما يَحِلُّ بِشَرْطَيْنِ: عَدَمُ طَوْلِ الحُرَّةِ، وحُصُولُ الخَوْفِ مِنَ العَنَتِ.
وثالِثُها: أنَّ تَخْصِيصَ العَفائِفِ بِالحِلِّ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ الزّانِيَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، أمّا لَوْ حَمَلْنا المُحْصَناتِ عَلى الحَرائِرِ يَلْزَمُ تَحْرِيمُ نِكاحِ الأمَةِ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلى بَعْضِ التَّقْدِيراتِ.
ورابِعُها: أنا بَيَّنّا أنَّ اشْتِقاقَ الإحْصانِ مِنَ التَّحَصُّنِ، ووَصْفُ التَّحَصُّنِ في حَقِّ الحُرَّةِ أكْثَرُ ثُبُوتًا مِنهُ في حَقِّ الأمَةِ لِما بَيَّنّا أنَّ الأمَةَ وإنْ كانَتْ عَفِيفَةً إلّا أنَّها لا تَخْلُو مِنَ الخُرُوجِ والبُرُوزِ والمُخالَطَةِ مَعَ النّاسِ بِخِلافِ الحُرَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ تَفْسِيرَ المُحْصَناتِ بِالحَرائِرِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِغَيْرِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ يَحِلُّ التَّزَوُّجُ بِالذِّمِّيَّةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لا يَرى ذَلِكَ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] ويَقُولُ: لا أعْلَمُ شِرْكًا أعْظَمَ مِن قَوْلِها: إنَّ رَبَّها عِيسى، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم، فَإنَّهُ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّ اليَهُودِيَّةَ إذا آمَنَتْ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها أمْ لا ؟ فَبَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ جَوازَ ذَلِكَ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما رَخَّصَ اللَّهُ تَعالى في التَّزَوُّجِ بِالكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّهُ كانَ في المُسْلِماتِ قِلَّةٌ، وأمّا الآنَ فَفِيهِنَّ الكَثْرَةُ العَظِيمَةُ، فَزالَتِ الحاجَةُ فَلا جَرَمَ زالَتِ الرُّخْصَةُ.
والثّالِثُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ المُباعَدَةِ عَنِ الكُفّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٨] ولِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الزَّوْجِيَّةِ رُبَّما قَوِيَتِ المَحَبَّةُ ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَيْلِ الزَّوْجِ إلى دِينِها، وعِنْدَ حُدُوثِ الوَلَدِ فَرُبَّما مالَ الوَلَدُ إلى دِينِها، وكُلُّ ذَلِكَ إلْقاءٌ لِلنَّفْسِ في الضَّرَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في خاتِمَةِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالكافِرَةِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إباحَةَ التَّزَوُّجِ بِالكِتابِيَّةِ لَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَها كالتَّناقُضِ وهو غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قُلْنا: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: الحَرائِرُ، لَمْ تَدْخُلِ الأمَةُ الكِتابِيَّةُ تَحْتَ الآيَةِ، وإنْ قُلْنا: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: العَفائِفُ، دَخَلَتْ، وعَلى هَذا البَحْثِ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ فَعِنْدَ
صفحة ١١٧
الشّافِعِيِّ لا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ. قالَ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في حَقِّها نَوْعانِ مِنَ النُّقْصانِ: الكُفْرُ والرِّقُّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ، وتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ العَفائِفُ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الذِّمِّيّاتُ والحَرْبِيّاتُ، فَيَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِكُلِّهِنَّ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالذِّمِّيَّةِ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: مِن نِساءِ أهْلِ الكِتابِ مَن يَحِلُّ لَنا، ومِنهُنَّ مَن لا يَحِلُّ لَنا، وقَرَأ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] فَمَن أعْطى الجِزْيَةَ حَلَّ، ومَن لَمْ يُعْطِ لَمْ يَحِلَّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَجُوسَ قَدْ سُنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ المُسْلِمُ مَرِيضًا فَأمَرَ المَجُوسِيَّ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ويَذْبَحَ فَلا بَأْسَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: وإنْ أمَرَهُ بِذَلِكَ في الصِّحَّةِ فَلا بَأْسَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الكَثِيرُ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّما يَحِلُّ نِكاحُ الكِتابِيَّةِ الَّتِي دانَتْ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِن قَبْلِكم) يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن دانَ الكِتابَ بَعْدَ نُزُولِ الفُرْقانِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الكِتابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وتَقْيِيدُ التَّحْلِيلِ بِإيتاءِ الأُجُورِ يَدُلُّ عَلى تَأكُّدِ وُجُوبِها وأنَّ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً وعَزَمَ عَلى أنْ لا يُعْطِيَها صَداقَها كانَ في صُورَةِ الزّانِي، وتَسْمِيَةُ المَهْرِ بِالأجْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّداقَ لا يَتَقَدَّرُ، كَما أنَّ أقَلَّ الأجْرِ لا يَتَقَدَّرُ في الإجاراتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: الزِّنا ضَرْبانِ: السِّفاحُ وهو الزِّنا عَلى سَبِيلِ الإعْلانِ، واتِّخاذُ الخِدْنِ وهو الزِّنا في السِّرِّ، واللَّهُ تَعالى حَرَّمَهُما في هَذِهِ الآيَةِ وأباحَ التَّمَتُّعَ بِالمَرْأةِ عَلى جِهَةِ الإحْصانِ وهو التَّزَوُّجُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّرْغِيبُ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، يَعْنِي ومَن يَكْفُرْ بِشَرائِعِ اللَّهِ وبِتَكالِيفِهِ فَقَدْ خابَ وخَسِرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والثّانِي: قالَ القَفّالُ: المَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ حَصَلَتْ لَهم في الدُّنْيا فَضِيلَةُ المُناكَحَةِ وإباحَةُ الذَّبائِحِ في الدُّنْيا إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في أحْوالِ الآخِرَةِ وفي الثَّوابِ والعِقابِ، بَلْ كُلُّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ في الدُّنْيا ولَمْ يَصِلْ إلى شَيْءٍ مِنَ السَّعاداتِ في الآخِرَةِ البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُعْقَلُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأمّا الكُفْرُ بِالإيمانِ فَهو مُحالٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ أيْ: ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ، إنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ لِأنَّهُ تَعالى رَبُّ الإيمانِ، ورَبُّ الشَّيْءِ قَدْ يُسَمّى باسِمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ أيْ: بِشَهادَةِ
صفحة ١١٨
أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إيمانًا، فَإنَّ الإيمانَ بِها لَمّا كانَ واجِبًا كانَ الإيمانُ مِن لَوازِمِها بِحَسَبِ أمْرِ الشَّرْعِ، وإطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى لازَمِهِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
والثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: كَيْفَ نَتَزَوَّجُ نِساءَهم مَعَ كَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ دِينِنا ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ أيْ: ومَن يَكْفُرْ بِما نَزَلَ في القُرْآنِ فَهو كَذا وكَذا، فَسَمّى القُرْآنَ إيمانًا لِأنَّهُ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِالإحْباطِ قالُوا: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أيْ: عِقابُ كُفْرِهِ يُزِيلُ ما كانَ حاصِلًا لَهُ مِن ثَوابِ إيمانِهِ، والَّذِينَ يُنْكِرُونَ القَوْلَ بِالإحْباطِ قالُوا: مَعْناهُ أنَّ عَمَلَهُ الَّذِي أتى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الإيمانِ فَقَدْ هَلَكَ وضاعَ؛ فَإنَّهُ إنَّما يَأْتِي بِتِلْكَ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ لِاعْتِقادِهِ أنَّها خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كانَ ضائِعًا باطِلًا كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ باطِلَةً في أنْفُسِها، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ .
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَمُوتَ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ؛ إذْ لَوْ تابَ عَنِ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن هَذا الشَّرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] الآيَةَ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ العَبْدِ عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ وعَهْدُ العُبُودِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ طَلَبَ تَعالى مِن عِبادِهِ أنْ يَفُوا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهُنا العَهْدُ نَوْعانِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنكَ، وعَهْدُ العُبُودِيَّةِ مِنّا، فَأنْتَ أوْلى بِأنْ تُقَدِّمَ الوَفاءَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ والإحْسانِ. فَقالَ تَعالى: نَعَمْ أنا أُوفِي أوَّلًا بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ والكَرَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: لَذّاتِ المَطْعَمِ، ولَذّاتِ المَنكَحِ، فاسْتَقْصى سُبْحانَهُ في بَيانِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطاعِمِ والمُناكِحِ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى المَطْعُومِ فَوْقَ الحاجَةِ إلى المَنكُوحِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ بَيانَ المَطْعُومِ عَلى المَنكُوحِ، وعِنْدَ تَمامِ هَذا البَيانِ كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ وفَّيْتُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيما يُطْلَبُ في الدُّنْيا مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ، فاشْتَغِلْ أنْتَ في الدُّنْيا بِالوَفاءِ بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، ولَمّا كانَ أعْظَمُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةَ، وكانَتِ الصَّلاةُ لا يُمْكِنُ إقامَتُها إلّا بِالطَّهارَةِ، لا جَرَمَ بَدَأ تَعالى بِذِكْرِ شَرائِطِ الوُضُوءِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences