Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:20–26
5:20Page 111
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠
And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاتِّصالِ هو أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ واوُ عَطْفٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ وذَكَّرَهم مُوسى نِعَمَ اللَّهِ تَعالى وأمَرَهم بِمُحارَبَةِ الجَبّارِينَ فَخالَفُوا في القَوْلِ في المِيثاقِ، وخالَفُوهُ في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَمِنهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ فانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، وأيْضًا كانُوا مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ بِالِاتِّفاقِ كانُوا مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وأوْلادُ يَعْقُوبَ أيْضًا كانُوا -عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ- أنْبِياءَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لا يَبْعَثُ الأنْبِياءَ إلّا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَهَذا الشَّرَفُ حَصَلَ بِمَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، وبِالَّذِينِ كانُوا حاضِرِينَ مَعَ مُوسى، وبِالَّذِينِ أخْبَرَ اللَّهُ مُوسى أنَّهُ سَيَبْعَثُهم مِن ولَدِ يَعْقُوبَ وإسْماعِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ أنْفُسَكم بَعْدَ ما
صفحة ١٥٥
كُنْتُمْ في أيْدِي القِبْطِ بِمَنزِلَةِ أهْلِ الجِزْيَةِ فِينا، ولا يَغْلِبُكم عَلى أنْفُسِكم غالِبٌ.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ رَسُولًا ونَبِيًّا كانَ مَلِكًا؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ أمْرَ أُمَّتِهِ ويَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ، وكانَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ فَكانَ مَلِكًا، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ٥٤) .
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ في أسْلافِهِمْ وأخْلافِهِمْ مُلُوكٌ وعُظَماءُ، وقَدْ يُقالُ فِيمَن حَصَلَ فِيهِمْ مُلُوكٌ: أنْتُمْ مُلُوكٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُسْتَقِلًّا بِأمْرِ نَفْسِهِ ومَعِيشَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا في مَصالِحِهِ إلى أحَدٍ فَهو مَلِكٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَلِكُ مَن لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ مَنازِلُهم واسِعَةً وفِيها مِياهٌ جارِيَةٌ، وكانَتْ لَهم أمْوالٌ كَثِيرَةٌ وخَدَمٌ يَقُومُونَ بِأمْرِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَلِكًا.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِأنْواعٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الإكْرامِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَلَقَ البَحْرَ لَهم.
وثانِيها: أنَّهُ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أمْوالَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى.
ورابِعُها: أنَّهُ أخْرَجَ لَهُمُ المِياهَ العَذْبَةَ مِنَ الحَجَرِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أظَلَّ فَوْقَهُمُ الغَمامَ.
وسادِسُها: أنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِقَوْمٍ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ كَما جُمِعَ لَهم.
وسابِعُها: أنَّهم في تِلْكَ الأيّامِ كانُوا هُمُ العُلَماءُ بِاللَّهِ وهم أحْبابُ اللَّهِ وأنْصارُ دِينِهِ.
5:21Page 111
يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١
O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."
واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ وشَرَحَها لَهم أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ العَدُوِّ فَقالَ:
﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صَعِدَ جَبَلَ لُبْنانَ قالَ لَهُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرْ فَما أدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهو مُقَدَّسٌ، وهو مِيراثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. وقِيلَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى إسْكانَ أرْضِ الشّامِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُسَمُّونَ أرْضَ الشّامِ أرْضَ المَواعِيدِ، ثُمَّ بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنَ الأُمَناءِ لِيَتَجَسَّسُوا لَهم عَنْ أحْوالِ تِلْكَ الأراضِي، فَلَمّا دَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ رَأوْا أجْسامًا عَظِيمَةً هائِلَةً. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النُّقَباءَ لِأجْلِ التَّجَسُّسِ رَآهم واحِدٌ مِن أُولَئِكَ الجَبّارِينَ فَأخَذَهم وجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ فاكِهَةٍ كانَ قَدْ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ وأتى بِهِمُ المَلِكَ، فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ وقالَ مُتَعَجِّبًا لِلْمَلِكِ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم وأخْبِرُوهُ بِما شاهَدْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ أُولَئِكَ النُّقَباءُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ، فَأمَرَهم أنْ يَكْتُمُوا ما عاهَدُوهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، إلّا رَجُلانِ مِنهم، وهُمايُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، فَإنَّهُما سَهَّلا الأمْرَ وقالا: هي بِلادٌ طَيِّبَةٌ كَثِيرَةُ النِّعَمِ، والأقْوامُ وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً إلّا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وأمّا العَشَرَةُ الباقِيَةُ فَقَدْ أوْقَعُوا الجُبْنَ في قُلُوبِ النّاسِ حَتّى أظْهَرُوا الِامْتِناعَ مِن غَزْوِهِمْ، فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٤) فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أبْقاهم في التِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالُوا: وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ النُّقَباءِ لِلتَّجَسُّسِ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وماتَ أُولَئِكَ العُصاةُ في التِّيهِ، وأُهْلِكَ النُّقَباءُ العَشَرَةُ في التِّيهِ بِعُقُوباتٍ غَلِيظَةٍ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ماتا أيْضًا في التِّيهِ: ومِنهم مَن قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ وخَرَجَ مَعَهُ يُوشَعُ وكالِبُ وقاتَلُوا الجَبّارِينَ وغَلَبُوهم
صفحة ١٥٦
ودَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ، فَهَذِهِ هي القِصَّةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ هي الأرْضُ المُطَهَّرَةُ طُهِّرَتْ مِنَ الآفاتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ وجُعِلَتْ مَسْكَنًا وقَرارًا لِلْأنْبِياءِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ ما كانَتْ مُقَدَّسَةً عَنِ الشِّرْكِ، وما كانَتْ مَقَرًّا لِلْأنْبِياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّها كانَتْ كَذَلِكَ فِيما قَبْلُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأرْضِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحا وقالَ الكَلْبِيُّ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقِيلَ الطُّورُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها لَكم.
وثانِيها: وهَبَها اللَّهُ لَكم.
وثالِثُها: أمَرَكم بِدُخُولِها.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) .
والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ هِبَةً ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ وعِصْيانِهِمْ. وقِيلَ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا لَكِنَّ المُرادَ هو الخُصُوصُ، فَصارَ كَأنَّهُ مَكْتُوبٌ لِبَعْضِهِمْ وحَرامٌ عَلى بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِقَيْدِ الطّاعَةِ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ، وقِيلَ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضى الأرْبَعُونَ حَصَلَ ما كَتَبَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا جَبّارِينَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ بِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ لَهم، فَإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِصِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمُوا قَطْعًا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطُهم عَلَيْهِمْ فَلا بُدَّ وأنْ يُقْدِمُوا عَلى قِتالِهِمْ مِن غَيْرِ جُبْنٍ ولا خَوْفٍ ولا هَلَعٍ، فَهَذِهِ هي الفائِدَةُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا تَرْجِعُوا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ إلى الشَّكِّ في نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الأرْضَ لَهم كانَ هَذا وعْدًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَقْطَعُوا بِهَذِهِ النُّصْرَةِ صارُوا شاكِّينَ في صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَصِيرُوا كافِرِينَ بِالإلَهِيَّةِ والنُّبُوَّةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها إلى الأرْضِ الَّتِي خَرَجْتُمْ عَنْها. يُرْوى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: خاسِرِينَ في الآخِرَةِ فَإنَّهُ يَفُوتُكُمُ الثَّوابُ ويَلْحَقُكُمُ العِقابُ.
وثانِيها: تَرْجِعُونَ إلى الذُّلِّ.
وثالِثُها: تَمُوتُونَ في التِّيهِ ولا تَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِن مَطالِبِ الدُّنْيا ومَنافِعِ الآخِرَةِ.
5:22–23Page 111
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢
They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣
Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."
صفحة ١٥٧
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الجَبّارِينَ وجْهانِ:
الأوَّلُ: الجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا هو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما: جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا كانَتْ طَوِيلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقالُ: رَجُلٌ جَبّارٌ إذا كانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالجَبّارِ مِنَ النَّخْلِ، والقَوْمُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الأجْسامِ بِحَيْثُ كانَتْ أيْدِي قَوْمِ مُوسى ما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ، فَسَمَّوْهم جَبّارِينَ لِهَذا المَعْنى.
ثُمَّ قالَ القَوْمُ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ وإنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ (الأعْرافِ: ٤٠) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذانِ الرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، وكانا مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالهِدايَةِ والثِّقَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادِ عَلى نُصْرَةِ اللَّهِ.
قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ وهُمُ الجَبّارُونَ، وهُما رَجُلانِ مِنهم أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ فَآمَنا، وقالا هَذا القَوْلَ لِقَوْمِ مُوسى تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِهِمْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (يُخافُونَ) بِالضَّمِّ شاهِدَةٌ لِهَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَجُلانِ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ يُؤَكِّدُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَأنَّهُ قالَ: مَتى دَخَلْتُمْ بابَ بَلَدِهِمُ انْهَزَمُوا ولا يَبْقى مِنهم نافِخُ نارٍ ولا ساكِنُ دارٍ، فَلا تَخافُوهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَزَمَ هَذانِ الرَّجُلانِ في قَوْلِهِما: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِأنَّهُما كانا جازِمَيْنِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢١) لا جَرَمَ قَطَعا بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم والغَلَبَةَ حاصِلَةٌ في جانِبِهِمْ، ولِذَلِكَ خَتَمُوا كَلامَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَمّا وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرُوا خائِفِينَ مِن شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في حُصُولِ هَذا النَّصْرِ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ ومُؤْمِنِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
5:24–25Page 112
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤
They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥
[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."
صفحة ١٥٨
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِنهم هَذا الكَلامَ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾.
ذَكَرَ الزَّجّاجُ في إعْرابِ قَوْلِهِ: (وأخِي) وجْهَيْنِ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ.
أمّا الرَّفْعُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ (إنِّي) والمَعْنى أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣) .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْلِكُ) وهو ”أنا“ والمَعْنى: لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وأمّا النَّصْبُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخِي) مَعْطُوفًا عَلى (نَفْسِي) فَيَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي؛ لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مالِكُ طاعَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي، وكانَ مَعَهُ الرَّجُلانِ المَذْكُورانِ ؟
قُلْنا: كَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِما كُلَّ الوُثُوقِ لِما رَأى مِن إطْباقِ الأكْثَرِينَ عَلى التَّمَرُّدِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِمَن يُوافِقُهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأخِ مَن يُواخِيهِ في الدِّينِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكانا داخِلَيْنِ في قَوْلِهِ: (وأخِي) .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّ، وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (القَصَصِ: ٢١) .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (فَإنَّها) أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأرْضَ لَهم مِن غَيْرِ مُحارَبَةٍ، هَكَذا ذَكَرَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
صفحة ١٥٩
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ بَقُوا في تِلْكَ الحالَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأمّا الحُرْمَةُ فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ وماتُوا، ثُمَّ إنَّ أوْلادَهم دَخَلُوا تِلْكَ البَلْدَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ في دُعائِهِ عَلى القَوْمِ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٥) لَمْ يَقْصِدْ بِدُعائِهِ هَذا الجِنْسَ مِنَ العَذابِ، بَلْ أخَفَّ مِنهُ. فَلَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتِّيهِ عَلِمَ أنَّهُ يَحْزَنُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَعَزّاهُ وهَوَّنَ أمْرَهم عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأحْوالِ التِّيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: لِمَ دَعَوْتَ عَلَيْنا ونَدِمَ مُوسى عَلى ما عَمِلَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ﴿لا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَزَلْ شَأْنُهُمُ المَعاصِيَ ومُخالَفَةَ الرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
5:26Page 112
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ هَلْ بَقِيا في التِّيهِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُما ما كانا في التِّيهِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا اللَّهَ يَفْرُقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ، ودَعَواتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجابَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَعَهم في ذَلِكَ المَوْضِعِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التِّيهَ كانَ عَذابًا والأنْبِياءُ لا يُعَذَّبُونَ.
والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ إنَّما عُذِّبُوا بِسَبَبِ أنَّهم تَمَرَّدُوا ومُوسى وهارُونُ ما كانا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَعَ أُولَئِكَ الفاسِقِينَ في ذَلِكَ العَذابِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُما كانا مَعَ القَوْمِ في ذَلِكَ التِّيهِ إلّا أنَّهُ تَعالى سَهَّلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ العَذابَ كَما سَهَّلَ النّارَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُما هَلْ ماتا في التِّيهِ أوْ خَرَجا مِنهُ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ ثُمَّ ماتَ مُوسى بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وبَقِيَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكانَ ابْنَ أُخْتِ مُوسى ووَصِيَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهو الَّذِي فَتَحَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكَ الشَّأْمَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَقِيَ مُوسى بَعْدَ ذَلِكَ وخَرَجَ مِنَ التِّيهِ وحارَبَ الجَبّارِينَ وقَهَرَهم وأخَذَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، فَأمَرَهم بِأنْ يَمْكُثُوا في تِلْكَ المَفازَةِ في الشِّدَّةِ والبَلِيَّةِ عِقابًا لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في التِّيهِ فَقالَ الرَّبِيعُ: مِقْدارُ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: تِسْعَةُ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا. وقِيلَ: سِتَّةٌ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ هَذا الجَمْعِ العَظِيمِ في هَذا القَدْرِ الصَّغِيرِ مِنَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً بِحَيْثُ لا يَتَّفِقُ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَجِدَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ عَنْها، ولَوْ أنَّهم وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى حَرَكَةِ الشَّمْسِ أوِ الكَواكِبِ لَخَرَجُوا مِنها ولَوْ كانُوا في البَحْرِ العَظِيمِ، فَكَيْفَ في المَفازَةِ الصَّغِيرَةِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ انْخِراقَ العاداتِ في زَمانِ الأنْبِياءِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، إذْ لَوْ فَتَحْنا بابَ الِاسْتِبْعادِ لَزِمَ الطَّعْنُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ؛ وإنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: إذا فَسَّرْنا ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِتَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعَ إلى أوْطانِهِمْ، بَلْ أمَرَهم بِالمُكْثِ في تِلْكَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ جَزاءً لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ.
صفحة ١٦٠
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: يُقالُ: تاهَ يَتِيهُ تَيْهًا وتِيهًا وتَوْهًا، والتِّيهُ أعَمُّها، والتَّيْهاءُ الأرْضُ الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها.
قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، وكانَتْ حَرَكَتُهم في تِلْكَ المَفازَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدارَةِ، وهَذا مُشْكِلٌ فَإنَّهم إذا وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى مَسِيرِ الشَّمْسِ ولَمْ يَنْعَطِفُوا ولَمْ يَرْجِعُوا فَإنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَخْرُجُوا عَنِ المَفازَةِ، بَلِ الأوْلى حَمْلُ الكَلامِ عَلى تَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences