Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:32–34

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:32–34

5:32Page 113

مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ.

فَإنْ قِيلَ عَلَيْهِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: عَنْ قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ما مَرَّ مِن قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ القَصاصَ، وذاكَ مُشْكِلٌ فَإنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ واقِعَةِ قابِيلَ وهابِيلَ وبَيْنَ وُجُوبِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

الثّانِي: أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ حُكْمٌ ثابِتٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ فَما فائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ ؟

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: قالَ الحَسَنُ: هَذا القَتْلُ إنَّما وقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ لا بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ فِيما تَقَدَّمَ.

والثّانِي: أنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القَتْلَ وقَعَ بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ القَتْلِ الحَرامِ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ خَسارَةُ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ مِن قَلْبِهِ أنْواعُ النَّدَمِ والحَسْرَةِ والحُزْنِ مَعَ أنَّهُ لا دَفْعَ لَهُ البَتَّةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا في أثْناءِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ شَرَّعْنا القَصاصَ في حَقِّ القاتِلِ، وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: والجَوابُ عَنْهُ أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ في حَقِّ القاتِلِ وإنْ كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ المَذْكُورَ هَهُنا في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ ثابِتٍ في جَمِيعِ الأدْيانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ هَهُنا

صفحة ١٦٧

بِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ جارٍ مَجْرى قَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، ولا شَكَّ في أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ عِقابِ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ، والمَقْصُودُ مِن شَرْحِ هَذِهِ المُبالَغَةِ أنَّ اليَهُودَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ أقْدَمُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ونِهايَةِ بُعْدِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الواقِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّهم عَزَمُوا عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِأكابِرِ أصْحابِهِ، كانَ تَخْصِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ مُناسِبًا لِلْكَلامِ ومُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ لِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلَيْها وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ، فَإذا خَفَّفَ كَسَرَ النُّونَ مُلْقِيًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القائِلُونَ بِالقِياسِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَكُونُ مُعَلَّلَةً بِالعِلَلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَذا وكَذا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ كَتَبَةَ تِلْكَ الأحْكامِ مُعَلَّلَةٌ بِتِلْكَ المَعانِي المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ والمُعْتَزِلَةُ أيْضًا قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ والقَبائِحِ فِيهِمْ مُرِيدًا وُقُوعَها مِنهم؛ لِأنَّ خَلْقَ القَبائِحِ وإرادَتَها تَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُراعِيًا لِلْمَصالِحِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ التَّعْلِيلَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ أصْحابُنا: القَوْلُ بِتَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ العِلَّةَ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ المَعْلُولِ، وإنْ كانَتْ مُحْدَثَةً وجَبَ تَعْلِيلُها بِعِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ.

وثانِيها: لَوْ كانَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ فَوُجُودُ تِلْكَ العِلَّةِ وعَدَمُها بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ عَلى السَّوِيَّةِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّوِيَّةِ فَأحَدُهُما بِهِ أوْلى، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُسْتَفِيدًا تِلْكَ الأوْلَوِيَّةَ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ، فَيَكُونُ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ وهو مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَوَقُّفُ الفِعْلِ عَلى الدَّواعِي، ويَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّسَلْسُلِ في الدَّواعِي، بَلْ يَجِبُ انْتِهاؤُها إلى الدّاعِيَةِ الأُولى الَّتِي حَدَثَتْ في العَبْدِ لا مِنَ العَبْدِ بَلْ مِنَ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُدُوثِ الدّاعِيَةِ يَجِبُ الفِعْلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُتَشابِهاتِ لا مِنَ المُحاكَماتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ١٧) وذَلِكَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَتَوَقَّفُ خَلْقُهُ وحُكْمُهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (نَفْسٍ) والتَّقْدِيرُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ في الأرْضِ، وإنَّما قالَ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ يَحِلُّ لِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ، مِنها القَصاصُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ ومِنها الكُفْرُ مَعَ الحِرابِ، ومِنها الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنها قَطْعُ الطَّرِيقِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ (المائِدَةِ: ٣٣) فَجَمَعَ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ إشْكالٌ. وهو أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ كَيْفَ يَكُونُ مُساوِيًا لِقَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، فَإنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ مُساوِيًا لِلْكُلِّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ بِسَبَبِ هَذا

صفحة ١٦٨

السُّؤالِ وُجُوهًا مِنَ الجَوابِ، وهي بِأسْرِها مَبْنِيَّةٌ عَلى مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ، وهي أنَّ تَشْبِيهَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالآخَرِ لا يَقْتَضِي الحُكْمَ بِمُشابَهَتِهِما مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: هَذا يُشْبِهُ ذاكَ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: إنَّهُ يُشْبِهُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، أوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإذا ظَهَرَتْ صِحَّةُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ فَنَقُولُ: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المَقْصُودُ مِن تَشْبِيهِ قَتْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ أمْرِ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، يَعْنِي كَما أنَّ قَتْلَ كُلِّ الخَلْقِ أمْرٌ مُسْتَعْظَمٌ عِنْدِ كُلِّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَتْلُ الإنْسانِ الواحِدِ مُسْتَعْظَمًا مَهِيبًا فالمَقْصُودُ مُشارَكَتُهُما في الِاسْتِعْظامِ، لا بَيانُ مُشارَكَتِهِما في مِقْدارِ الِاسْتِعْظامِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ مُسْتَعْظَمًا وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ٩٣) .

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: هو أنَّ جَمِيعَ النّاسِ لَوْ عَلِمُوا مِن إنْسانٍ واحِدٍ أنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَهم بِأجْمَعِهِمْ فَلا شَكَّ أنَّهم يَدْفَعُونَهُ دَفْعًا لا يُمَكِّنُهُ تَحْصِيلَ مَقْصُودِهِ، فَكَذَلِكَ إذا عَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَ إنْسانٍ واحِدٍ مُعَيَّنٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِدُّهم واجْتِهادُهم في مَنعِهِ عَنْ قَتْلِ ذَلِكَ الإنْسانِ مِثْلَ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الصُّورَةِ الأُولى.

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّهُ لَمّا أقْدَمَ عَلى القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَقَدْ رَجَّحَ داعِيَةَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى داعِيَةِ الطّاعَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ هَذا التَّرْجِيحُ حاصِلًا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَكانَ في قَلْبِهِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن مَطالِبِهِ فَإنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَقَتَلَهُ، ونِيَّةُ المُؤْمِنِ في الخَيْراتِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ المُؤْمِنِ في الشُّرُورِ شَرٌّ مِن عَمَلِهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: ومَن يَقْتُلْ إنْسانًا قَتْلًا عَمْدًا عُدْوانًا فَكَأنَّما قَتَلَ جَمِيعَ النّاسِ، وهَذِهِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ حَسَنَةٌ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ المُرادُ مِن إحْياءِ النَّفْسِ تَخْلِيصُها عَنِ المُهْلِكاتِ مِثْلِ الحَرْقِ والغَرَقِ والجُوعِ المُفْرِطِ والبَرْدِ والحَرِّ المُفْرِطَيْنِ، والكَلامُ في أنَّ إحْياءَ النَّفْسِ الواحِدَةِ مِثْلُ إحْياءِ النُّفُوسِ عَلى قِياسِ ما قَرَّرْناهُ في أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ مِثْلُ قَتْلِ النُّفُوسِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ .

والمَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، وبَعْدَ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ القَتْلِ لَمُسْرِفُونَ، يَعْنِي في القَتْلِ لا يُبالُونَ بِعَظَمَتِهِ.

5:33–34Page 113

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤

Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٩

المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.

والثّانِي: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَ رَسُولِهِ كَذا وكَذا. وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ في فُسّاقِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْمٍ مِن عُرَيْنَةَ نَزَلُوا المَدِينَةَ مُظْهَرِينَ لِلْإسْلامِ، فَمَرِضَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ ألْوانُهم، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها فَيَصِحُّوا، فَلَمّا وصَلُوا إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ وشَرِبُوا وصَحُّوا قَتَلُوا الرُّعاةَ وساقُوا الإبِلَ وارْتَدُّوا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في أثَرِهِمْ وأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتُرِكُوا هُناكَ حَتّى ماتُوا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، فَصارَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ مَنسُوخَةً بِهَذا القُرْآنِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ كانَ النّاسِخُ لِتِلْكَ السُّنَّةِ سَنَةً أُخْرى ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ مُطابِقًا لِلسُّنَّةِ النّاسِخَةِ.

والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ وأبُو بَرْزَةَ غائِبٌ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم بَعْدَ أنْ غَلَّظَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِقابَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَهم مُسْرِفُونَ في القَتْلِ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَمَن أتى مِنهم بِالقَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ فَجَزاؤُهم كَذا وكَذا.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُرْتَدِّينَ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ قَطْعَ المُرْتَدِّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى المُحارَبَةِ ولا عَلى إظْهارِ الفَسادِ في دارِ الإسْلامِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وثانِيها: لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ في المُرْتَدِّ عَلى قَطْعِ اليَدِ ولا عَلى النَّفْيِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي سُقُوطَ الحَدِّ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (المائِدَةِ: ٣٤) والمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالمُرْتَدِّينَ.

ورابِعُها: أنَّ الصَّلْبَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ في حَقِّ المُرْتَدِّ وهو مَشْرُوعٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالمُرْتَدِّ.

وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ مُسْلِمًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في الكُفّارِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحارِبُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ ولَهم مَنَعَةٌ مِمَّنْ أرادَهم بِسَبَبِ أنَّهم يَحْمِي بَعْضَهم بَعْضًا ويَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ في أرْواحِهِمْ ودِمائِهِمْ، وإنَّما اعْتَبَرْنا القُوَّةَ والشَّوْكَةَ لِأنَّ

صفحة ١٧٠

قاطِعَ الطَّرِيقِ إنَّما يَمْتازُ عَنِ السّارِقِ بِهَذا القَيْدِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحالَةَ إذا حَصَلَتْ في الصَّحْراءِ كانُوا قَطّاعَ الطَّرِيقِ، فَأمّا لَوْ حَصَلَتْ في نَفْسِ البَلْدَةِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ يَكُونُ أيْضًا ساعِيًا في الأرْضِ بِالفَسادِ ويُقامُ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ. قالَ: وأراهم في المِصْرِ إنْ لَمْ يَكُونُوا أعْظَمَ ذَنْبًا فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: إذا حَصَلَ ذَلِكَ في المِصْرِ فَإنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّصُّ والقِياسُ، أمّا النَّصُّ فَعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا المَعْنى في البَلَدِ كانَ لا مَحالَةَ داخِلًا تَحْتَ عُمُومِ هَذا النَّصِّ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ هَذا حَدٌّ فَلا يَخْتَلِفُ في المِصْرِ وغَيْرِ المِصْرِ كَسائِرِ الحُدُودِ. وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الدّاخِلَ في المِصْرِ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ في الغالِبِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ المُقاتَلَةِ فَصارَ في حُكْمِ السّارِقِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ لِلْعُلَماءِ في لَفْظِ (أوْ) في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ وقَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٍ، والمَعْنى أنَّ الإمامَ إنْ شاءَ قَتَّلَ وإنْ شاءَ صَلَّبَ، وإنْ شاءَ قَطَّعَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، وإنْ شاءَ نَفى، أيَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ شاءَ فَعَلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: كَلِمَةُ (أوْ) هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ هي لِبَيانِ أنَّ الأحْكامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الجِناياتِ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ قُتِّلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المالَ قُتِّلَ وصُلِّبَ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى أخْذِ المالِ قُطِّعَ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ. ومَن أخافَ السُّبُلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ لَوَجَبَ أنْ يُمَكَّنَ الإمامُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّفْيِ، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا المُحارِبَ إذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ فَقَدْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ ولَمْ يَفْعَلْ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ كالعَزْمِ عَلى سائِرِ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَيَجِبُ أنْ يُضْمِرَ في كُلِّ فِعْلٍ عَلى حِدَةٍ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أنْ يُقَتَّلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا إنْ جَمَعُوا بَيْنَ أخْذِ المالِ والقَتْلِ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ أخافُوا السُّبُلَ، والقِياسُ الجَلِيُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ القَتْلَ العَمْدَ العُدْوانَ يُوجِبُ القَتْلَ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ، وصارَ القَتْلُ حَتْمًا لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ، وأخْذُ المالِ يَتَعَلَّقُ بِهِ القَطْعُ في غَيْرِ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الطَّرَفَيْنِ، وإنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ أخْذِ المالِ جَمَعَ في حَقِّهِمْ بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ الصَّلْبِ؛ لِأنَّ بَقاءَهُ مَصْلُوبًا في مَمَرِّ الطَّرِيقِ يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِهارِ إيقاعِ هَذِهِ العُقُوبَةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ زاجِرًا لِغَيْرِهِ عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وأمّا إنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الإخافَةِ اقْتَصَرَ الشَّرْعُ مِنهُ عَلى عُقُوبَةٍ خَفِيفَةٍ وهي النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: أنْ يُقَتِّلَهم فَقَطْ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُقَطِّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قَبْلَ القَتْلِ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُصَلِّبَهم، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا بُدَّ مِنَ الصَّلْبِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى الصَّلْبِ كَما نَصَّ عَلى القَتْلِ فَلَمْ يَجُزْ إسْقاطُ الصَّلْبِ

صفحة ١٧١

كَما لَمْ يَجُزْ إسْقاطُ القَتْلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الصَّلْبِ، فَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُزَجُّ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْتَلُ ويُصَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ النَّفْيِ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْناهُ إنْ وجَدَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ قَتَلَهم وصَلَبَهم وقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَجِدْهم طَلَبَهم أبَدًا حَتّى إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ فَعَلَ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ رَحِمَهُما اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ هو الحَبْسُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّفْيَ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إخْراجُهُ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ إلى بَلْدَةٍ أُخْرى، وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذا النَّفْيِ دَفْعُ شَرِّهِ عَنِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أخْرَجْناهُ إلى بَلَدٍ آخَرَ لاسْتَضَرَّ بِهِ مَن كانَ هُناكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إخْراجَهُ إلى دارِ الكُفْرِ وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ إخْراجَ المُسْلِمِ إلى دارِ الكُفْرِ تَعْرِيضٌ لَهُ بِالرِّدَّةِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّفْيِ نَفْيَهُ عَنْ جَمِيعِ الأرْضِ إلّا مَكانَ الحَبْسِ. قالُوا: والمَحْبُوسُ قَدْ يُسَمّى مَنفِيًّا مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، ولا يَرى أحَدًا مِن أحْبابِهِ، فَصارَ مَنفِيًّا عَنْ جَمِيعِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ والطَّيِّباتِ فَكانَ كالمَنفِيِّ في الحَقِيقَةِ. ولَمّا حَبَسُوا صالِحَ بْنَ عَبْدِ القُدُّوسِ عَلى تُهْمَةِ الزَّنْدَقَةِ في حَبْسٍ ضَيِّقٍ وطالَ لُبْثُهُ هُنالِكَ ذَكَرَ شِعْرًا، مِنهُ قَوْلُهُ:

خَرَجْنا عَنِ الدُّنْيا وعَنْ وصْلِ أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأحْيا ولَسْنا مِنَ المَوْتى

إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا

قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا النَّفْيُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا؛ فَكَوْنُهم خائِفِينَ مِنَ الإمامِ هارِبِينَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ هو المُرادُ مِنَ النَّفْيِ.

الثّانِي: القَوْمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الواقِعَةَ ويُكْثِرُونَ جَمْعَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ ويُخِيفُونَ المُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم ما قَتَلُوا وما أخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا. فَيَقُولُ الشّافِعِيُّ هَهُنا: إنَّ الإمامَ يَأْخُذُهم ويُعَزِّرُهم ويَحْبِسُهم، فالمُرادُ بِنَفْيِهِمْ عَنِ الأرْضِ هو هَذا الحَبْسُ لا غَيْرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ فَضِيحَةٌ وهَوانٌ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ قَتْلَهم قَدْ أحْبَطَ ثَوابَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ، وكَوْنُهم مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ في الحالِ يَمْنَعُ مِن بَقاءِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ لِما أنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ القَوْلُ بِالقَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وثَبَتَ القَوْلُ بِالإحْباطِ.

صفحة ١٧٢

والجَوابُ: لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَكم في أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَكُونُ واقِعًا عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ إذا لَمْ تَحْصُلِ التَّوْبَةُ، فَأمّا عِنْدَ حُصُولِ التَّوْبَةِ فَإنَّ هَذا الحَدَّ لا يَكُونُ عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ، بَلْ يَكُونُ عَلى جِهَةِ الِامْتِحانِ، فَإذا جازَ لَكم أنْ تَشْتَرِطُوا هَذا الحُكْمَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلى اعْتِبارِ هَذا الشَّرْطِ، فَنَحْنُ أيْضًا نَشْرُطُ هَذا الحُكْمَ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الكَلامُ إلّا في أنَّهُ هَلْ دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الفُسّاقِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ٨١) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا شَرَحَ ما يَجِبُ عَلى هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ مِنَ الحُدُودِ والعُقُوباتِ اسْتَثْنى عَنْهُما إذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وضَبْطُ هَذا الكَلامِ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ مِن تِلْكَ الأحْكامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَسْقُطُ بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وما يَتَعَلَّقُ مِنها بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ فَإنَّهُ لا يَسْقُطُ، فَهَؤُلاءِ المُحارِبُونَ إنْ قَتَلُوا إنْسانًا ثُمَّ تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ كانَ ولِيُّ الدَّمِ عَلى حَقِّهِ في القَصاصِ والعَفْوِ، إلّا أنَّهُ يَزُولُ حَتْمُ القَتْلِ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وإنْ أخَذَ مالًا وجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَطْعُ اليَدِ أوِ الرِّجْلِ، وأمّا إذا تابَ بَعْدَ القُدْرَةِ فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تَنْفَعُهُ، وتُقامُ الحُدُودُ عَلَيْهِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَدِّ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ماعِزًا لَمّا رُجِمَ أظْهَرَ تَوْبَتَهُ، فَلَمّا تَمَّمُوا رَجْمَهُ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”«هَلّا تَرَكْتُمُوهُ» “، أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنِ المُكَلَّفِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском