Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:44–47

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:44–47

5:44Page 115

إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْيَهُودِ المُنْكِرِينَ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وتَرْغِيبٌ لَهم في أنْ يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِيهِمْ مِن مُسْلِمِي أحْبارِهِمْ والأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حُصُولُ الفَرْقِ بَيْنَ الهُدى والنُّورِ، فالهُدى مَحْمُولٌ عَلى بَيانِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، والنُّورُ بَيانٌ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ.

قالَ الزَّجّاجُ: (فِيها هُدًى) أيْ بَيانُ الحُكْمِ الَّذِي جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ (ونُورٌ) بَيانُ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لازِمٌ عَلَيْنا إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَنسُوخًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ في التَّوْراةِ هَدًى ونُورًا، والمُرادُ كَوْنُهُ هُدًى ونُورًا في أُصُولِ الشَّرْعِ وفُرُوعِهِ، ولَوْ كانَ مَنسُوخًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ الحُكْمِ بِالكُلِّيَّةِ لَما كانَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الهُدى والنُّورُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَقَطْ لِأنَّهُ ذَكَرَ الهُدى والنُّورَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُما مَعًا هو ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في مَسْألَةِ الرَّجْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ داخِلَةً في الآيَةِ؛ لِأنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ غَيْرَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ هَلْ يَدْخُلُ فِيها أمْ لا، لَكِنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ يُرِيدُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ

صفحة ٤

مُوسى، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ أُلُوفًا مِنَ الأنْبِياءِ لَيْسَ مَعَهم كِتابٌ، إنَّما بَعَثَهم بِإقامَةِ التَّوْراةِ حَتّى يَحُدُّوا حُدُودَها ويَقُومُوا بِفَرائِضِها ويُحِلُّوا حَلالَها ويُحَرِّمُوا حَرامَها.

فَإنْ قِيلَ: كُلُّ نَبِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ ؟ .

قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمُوا﴾ أيِ انْقادُوا لِحُكْمِ التَّوْراةِ، فَإنَّ مِنَ الأنْبِياءِ مَن لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ، والَّذِينَ كانُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ حَكَمَ عَلى اليَهُودِيَّيْنِ بِالرَّجْمِ، وكانَ هَذا حُكْمَ التَّوْراةِ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٤٥] وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما كانَ حاصِلًا لِأكْثَرِ الأنْبِياءِ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا يَقُولُونَ: الأنْبِياءُ كُلُّهم يَهُودٌ أوْ نَصارى، فَقالَ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ ما كانُوا مَوْصُوفِينَ بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، بَلْ كانُوا مُسْلِمِينَ لِلَّهِ مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِهِ.

الرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كانَ مَقْصُودُهم مِنَ الحُكْمِ بِالتَّوْراةِ الإيمانَ والإسْلامَ وإظْهارَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى والِانْقِيادَ لِتَكالِيفِهِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قُبْحِ طَرِيقَةِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ غَرَضَهم مِنَ ادِّعاءِ الحُكْمِ بِالتَّوْراةِ أخْذُ الرَّشْوَةِ واسْتِتْباعُ العَوامِّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ النَّبِيِّينَ إنَّما يَحْكُمُونَ بِالتَّوْراةِ لِلَّذِينِ هادُوا، أيْ لِأجْلِهِمْ وفِيما بَيْنَهم.

والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى مَعْنى: إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أمّا الرَّبّانِيُّونَ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وأمّا الأحْبارُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الفُقَهاءُ، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في واحِدِهِ، قالَ الفَرّاءُ: إنَّما هو ”حِبْرٌ“ بِكَسْرِ الحاءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْعالِمِ وإنَّما سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِمَكانِ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ صاحِبَ كُتُبٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، قالَ اللَّيْثُ: هو حِبْرٌ وحَبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهْوَ الحِبْرُ أوِ الحَبْرُ، وأمّا اشْتِقاقُهُ فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ مِنَ التَّحْبِيرِ وهو التَّحْسِينُ، وفي الحَدِيثِ: ”«يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ النّارِ ذَهَبَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ» “ أيْ جَمالُهُ وبَهاؤُهُ، والمُحَبِّرُ لِلشَّيْءِ المُزَيِّنُ، ولَمّا كانَ العِلْمُ أكْمَلَ أقْسامِ الفَضِيلَةِ والجَمالِ والمَنقَبَةِ لا جَرَمَ سُمِّيَ العالِمُ بِهِ.

وقالَ آخَرُونَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَحْكُمُ بِالتَّوْراةِ النَّبِيُّونَ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّبّانِيِّينَ أعْلى حالًا مِنَ الأحْبارِ، فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ الرَّبّانِيُّونَ كالمُجْتَهِدِينَ، والأحْبارُ كَآحادِ العُلَماءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٥

المَسْألَةُ الأُولى: حِفْظُ كِتابِ اللَّهِ عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يُحْفَظَ فَلا يُنْسى.

الثّانِي: أنْ يُحْفَظَ فَلا يُضَيَّعُ، وقَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلى العُلَماءِ حِفْظَ كِتابِهِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَحْفَظُوهُ في صُدُورِهِمْ ويَدْرُسُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ.

والثّانِي: أنْ لا يُضَيِّعُوا أحْكامَهُ ولا يُهْمِلُوا شَرائِعَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ صِلَةَ الأحْبارِ عَلى مَعْنى: العُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى يَحْكُمُونَ بِما اسْتُحْفِظُوا، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ النَّبِيُّونَ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ كانُوا شُهَداءَ عَلى أنَّ كُلَّ ما في التَّوْراةِ حَقٌّ وصِدْقٌ ومِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ كانُوا يُمْضُونَ أحْكامَ التَّوْراةِ ويَحْفَظُونَها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ النَّبِيِّينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ كانُوا قائِمِينَ بِإمْضاءِ أحْكامِ التَّوْراةِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، خاطَبَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَنَعَهم مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ.

واعْلَمْ أنَّ إقْدامَ القَوْمِ عَلى التَّحْرِيفِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِخَوْفٍ ورَهْبَةٍ، أوْ لِطَمَعٍ ورَغْبَةٍ، ولَمّا كانَ الخَوْفُ أقْوى تَأْثِيرًا مِنَ الطَّمَعِ قَدَّمَ - تَعالى - ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ والمَعْنى إيّاكم وأنْ تُحَرِّفُوا كِتابِي لِلْخَوْفِ مِنَ النّاسِ والمُلُوكِ والأشْرافِ، فَتُسْقِطُوا عَنْهُمُ الحُدُودَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ وتَسْتَخْرِجُوا الحِيَلَ في سُقُوطِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم، فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنَ النّاسِ، بَلْ كُونُوا خائِفِينَ مِنِّي ومِن عِقابِي.

ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الرَّهْبَةِ أتْبَعَهُ بِأمْرِ الرَّغْبَةِ، فَقالَ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيْ كَما نَهَيْتُكم عَنْ تَغْيِيرِ أحْكامِي لِأجْلِ الخَوْفِ والرَّهْبَةِ، فَكَذَلِكَ أنْهاكم عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِأجْلِ الطَّمَعِ في المالِ والجاهِ وأخْذِ الرَّشْوَةِ، فَإنَّ كُلَّ مَتاعِ الدُّنْيا قَلِيلٌ، والرَّشْوَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَها مِنهم في غايَةِ القِلَّةِ، والرَّشْوَةُ لِكَوْنِها سُحْتًا تَكُونُ قَلِيلَةَ البَرَكَةِ والبَقاءِ والمَنفَعَةِ، فَكَذَلِكَ المالُ الَّذِي تَكْتَسِبُونَهُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ثُمَّ أنْتُمْ تُضَيِّعُونَ بِسَبَبِهِ الدِّينَ والثَّوابَ المُؤَبَّدَ والسَّعاداتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، لِلْخَوْفِ مِنَ الرُّؤَساءِ ولِأخْذِ الرَّشْوَةِ مِنَ العامَّةِ، ولَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأمْرَيْنِ عَلى ما في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ كانَ ذَلِكَ بُرْهانًا قاطِعًا في المَنعِ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.

صفحة ٦

ثُمَّ إنَّهُ أتْبَعَ هَذا البُرْهانَ الباهِرَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْدِيدُ اليَهُودِ في إقْدامِهِمْ عَلى تَحْرِيفِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في حَدِّ الزّانِي المُحْصَنِ، يَعْنِي أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا حُكْمَ اللَّهِ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ وقالُوا: إنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، فَهم كافِرُونَ عَلى الإطْلاقِ، لا يَسْتَحِقُّونَ اسْمَ الإيمانِ لا بِمُوسى والتَّوْراةِ ولا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الخَوارِجُ: كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو كافِرٌ. وقالَ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أمّا الخَوارِجُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها نَصٌّ في أنَّ كُلَّ مَن حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَهو كافِرٌ، وكُلُّ مَن أذْنَبَ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِرًا.

وذَكَرَ المُتَكَلِّمُونَ والمُفَسِّرُونَ أجْوِبَةً عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِنهم مَن حاوَلَ دَفْعَ هَذا السُّؤالِ فَقالَ: المُرادُ ومَن لَمْ يَحْكم مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ أُدْخِلَ فِيهِ كَلِمَةُ (مَن) في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، فَيَكُونَ لِلْعُمُومِ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: المُرادُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم فَهو زِيادَةٌ في النَّصِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّانِي: قالَ عَطاءٌ: هو كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وقالَ طاوُسٌ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ كَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَكَأنَّهم حَمَلُوا الآيَةَ عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ لا عَلى كُفْرِ الدِّينِ، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الكُفْرِ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى الكُفْرِ في الدِّينِ.

والثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ، ويُشْبِهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ الكافِرِينَ، وهَذا ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.

والرّابِعُ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى الكِنانِيُّ: قَوْلُهُ ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ، فَقَوْلُهُ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ مَن أتى بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الكافِرَ هو الَّذِي أتى بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ، أمّا الفاسِقُ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ إلّا في القَلِيلِ، وهو العَمَلُ، أمّا في الِاعْتِقادِ والإقْرارِ فَهو مُوافِقٌ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا مَخْصُوصًا بِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَتَناوَلْ هَذا الوَعِيدُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ في الرَّجْمِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في واقِعَةِ الرَّجْمِ، فَيَدُلُّ عَلى سُقُوطِ هَذا الجَوابِ.

والخامِسُ: قالَ عِكْرِمَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن أنْكَرَ بِقَلْبِهِ وجَحَدَ بِلِسانِهِ، أمّا مَن عَرَفَ بِقَلْبِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّهِ وأقَرَّ بِلِسانِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ أتى بِما يُضادُّهُ فَهو حاكِمٌ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّهُ تارِكٌ لَهُ، فَلا يَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ واللَّهُ أعْلَمُ.

5:45Page 115

وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ .

والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في التَّوْراةِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وهَؤُلاءِ اليَهُودُ غَيَّرُوا هَذا الحُكْمَ أيْضًا، فَفَضَّلُوا بَنِي النَّضِيرِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وخَصَّصُوا إيجابَ القَوْدِ بِبَنِي قُرَيْظَةَ دُونَ بَنِي النَّضِيرِ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ: ”العَيْنُ والأنْفُ والأُذُنُ والسِّنُّ والجُرُوحُ“ كُلَّها بِالرَّفْعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: العَطْفُ عَلى مَحَلِّ (أنَّ النَّفْسَ) لِأنَّ المَعْنى: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها النَّفْسُ بِالنَّفْسِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَتَبْنا قُلْنا.

وثانِيها: أنَّ الكِتابَةَ تَقَعُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ تَقُولُ: كَتَبْتُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وقَرَأْتُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها) .

وثالِثُها: أنَّها تَرْتَفِعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ النَّفْسَ مَقْتُولَةٌ بِالنَّفْسِ والعَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ الكُلِّ سِوى (الجُرُوحِ) فَإنَّهُ بِالرَّفْعِ، فالعَيْنُ والأنْفُ والأُذُنُ نُصِبَ عَطْفًا عَلى النَّفْسِ، ثُمَّ (الجُرُوحُ) مُبْتَدَأٌ، و(قِصاصٌ) خَبَرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ كُلَّها بِالنَّصْبِ عَطْفًا لِبَعْضِ ذَلِكَ عَلى بَعْضٍ، وخَبَرُ الجَمِيعِ قِصاصٌ، وقَرَأ نافِعٌ (الأُذْنُ) بِسُكُونِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ، والباقُونَ بِالضَّمِّ مُثْقَلَةٌ، وهُما لُغَتانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ وفَرَضْنا عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، يُرِيدُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ قَوْدٍ قِيدَ مِنهُ، ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ دِيَةً في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، إنَّما هو العَفْوُ أوِ القِصاصُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا الأطْرافُ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ جَرى القِصاصُ بَيْنَهُما في النَّفْسِ جَرى القِصاصُ بَيْنَهُما في جَمِيعِ الأطْرافِ إذا تَماثَلا في السَّلامَةِ، وإذا امْتَنَعَ القِصاصُ في النَّفْسِ امْتَنَعَ أيْضًا في الأطْرافِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأعْضاءِ عَمَّمَ الحُكْمَ في كُلِّها فَقالَ ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وهو كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُقْتَصَّ مِنهُ، مِثْلُ الشَّفَتَيْنِ والذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ والأنْفِ والقَدَمَيْنِ واليَدَيْنِ وغَيْرِها، فَأمّا ما لا يُمْكِنُ القِصاصُ فِيهِ مِن رَضٍّ في لَحْمٍ، أوْ كَسْرٍ في عَظْمٍ، أوْ جِراحَةٍ في بَطْنٍ يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ فَفِيهِ أرْشٌ وحُكُومَةٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذا كانَ شَرْعًا في التَّوْراةِ، فَمَن قالَ: شَرْعُ مَن قَبْلَنا يَلْزَمُنا إلّا ما نُسِخَ بِالتَّفْصِيلِ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ في شَرْعِنا، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْنا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”القِصاصُ“ هَهُنا مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ والجُرُوحُ مُتَقاصَّةٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (لَهُ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العافِي أوْ إلى المَعْفُوِّ عَنْهُ، أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ أنَّ المَجْرُوحَ أوْ ولِيَّ المَقْتُولِ إذا عَفا كانَ ذَلِكَ كَفّارَةً لَهُ، أيْ لِلْعافِي ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ القِصاصِ ٣ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكُونَ كَأبِي ضَمْضَمٍ ؟ كانَ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ عَلى النّاسِ»، ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن تَصَدَّقَ مِن جَسَدِهِ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِن ذُنُوبِهِ» وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ عائِدٌ إلى القاتِلِ والجارِحِ، يَعْنِي أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذا عَفا عَنِ الجانِي صارَ ذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةً لِلْجانِي، يَعْنِي لا يُؤاخِذُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ العَفْوِ، وأمّا المَجْنِيُّ عَلَيْهِ الَّذِي عَفا فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، وثانِيًا: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ، فَلَمّا ذَكَرَ أعْظَمَ التَّهْدِيداتِ أوَّلًا، فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الأخَفِّ بَعْدَهُ ؟

وجَوابُهُ: أنَّ الكُفْرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ إنْكارٌ لِنِعْمَةِ المَوْلى وجُحُودٌ لَها فَهو كُفْرٌ، ومِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي إبْقاءَ النَّفْسِ في العِقابِ الدّائِمِ الشَّدِيدِ فَهو ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ، فَفي الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ اللَّهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْصِيرِهِ في حَقِّ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْصِيرِ في حَقِّ نَفْسِهِ.

5:46Page 116

وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦

And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

قَفَيْتُهُ: مِثْلُ عَقَبْتُهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ثُمَّ يُقالُ: عَقَّبْتُهُ بِفُلانٍ وقَفَّيْتُهُ بِهِ، فَتَعَدِّيهِ إلى الثّانِي بِزِيادَةِ الباءِ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ المَفْعُولُ الأوَّلُ في الآيَةِ ؟

صفحة ٩

قُلْنا: هو مَحْذُوفٌ، والظَّرْفُ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ كالسّادِّ مَسَدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَفّى بِهِ عَلى أثَرِهِ فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ، والضَّمِيرُ في (آثارِهِمْ) لِلنَّبِيِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ عَمَلُهُ عَلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإنَّ شَرِيعَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُغايِرَةً لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ فَكَيْفَ طَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ؟

والجَوابُ: مَعْنى كَوْنِ عِيسى مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ أنَّهُ أقَرَّ بِأنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كانَ حَقًّا واجِبَ العَمَلِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّسْخِ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كَرَّرَ قَوْلَهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؟

والجَوابُ: لَيْسَ فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ: أنَّ المَسِيحَ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ، وفي الثّانِي: الإنْجِيلُ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الإنْجِيلَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ فَقالَ: ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مُباحَثاتٌ ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ ؟ .

وثانِيها: لِمَ ذَكَرَ الهُدى مَرَّتَيْنِ ؟ .

وثالِثُها: لِمَ خَصَّصَهُ بِكَوْنِهِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ؟ .

والجَوابُ عَلى الأوَّلِ: أنَّ الإنْجِيلَ هَدًى بِمَعْنى أنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والمِثْلِ والضِّدِّ، وعَلى النُّبُوَّةِ وعَلى المَعادِ، فَهَذا هو المُرادُ بِكَوْنِهِ هُدًى، وأمّا كَوْنُهُ نُورًا، فالمُرادُ بِهِ كَوْنُهُ بَيانًا لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ولِتَفاصِيلِ التَّكالِيفِ، وأمّا كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى كَوْنِهِ مُبَشِّرًا بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِمَقْدِمِهِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى مَرَّةً أُخْرى فَلِأنَّ اشْتِمالَهُ عَلى البِشارَةِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَبَبٌ لِاهْتِداءِ النّاسِ إلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَمّا كانَ أشَدُّ وُجُوهِ المُنازَعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى في ذَلِكَ لا جَرَمَ أعادَهُ اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإنْجِيلَ يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ هُدًى في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي أشَدُّ المَسائِلِ احْتِياجًا إلى البَيانِ والتَّقْرِيرِ، وأمّا كَوْنُهُ مَوْعِظَةً فَلِاشْتِمالِ الإنْجِيلِ عَلى النَّصائِحِ والمَواعِظِ والزَّواجِرِ البَلِيغَةِ المُتَأكِّدَةِ وإنَّما خَصَّها بِالمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِها، كَما في قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

السُّؤالُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ في صِفَةِ الإنْجِيلِ ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ماذا ؟

الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ (فِيهِ هُدًى)، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرِ: وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى ونُورًا ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.

5:47Page 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ (لِيَحْكُمَ) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ، جَعَلَ اللّامَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ لِأنَّ إيتاءَ الإنْجِيلِ إنْزالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكانَ المَعْنى آتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَحْكُمَ، وأمّا الباقُونَ فَقَرَأُوا بِجَزْمِ اللّامِ والمِيمِ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وقُلْنا لِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَمّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الحُكْمِ بِما تَضَمَّنَهُ الإنْجِيلُ، ثُمَّ حَذَفَ القَوْلَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (وكَتَبْنا) (وقَفَّيْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ، وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣] أيْ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (ولْيَحْكم) ابْتِداءَ أمْرٍ لِلنَّصارى بِالحُكْمِ بِما في الإنْجِيلِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالحُكْمِ بِما في الإنْجِيلِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

والثّانِي: ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِمّا لَمْ يَصِرْ مَنسُوخًا بِالقُرْآنِ.

والثّالِثُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ زَجْرُهم عَنْ تَحْرِيفِ ما في الإنْجِيلِ وتَغْيِيرِهِ مِثْلَ ما فَعَلَهُ اليَهُودُ مِن إخْفاءِ أحْكامِ التَّوْراةِ، فالمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (ولْيَحْكم) أيْ ولْيُقِرَّ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَمِنهم مَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ، أعْنِي قَوْلَهُ: (الكافِرُونَ، الظّالِمُونَ، الفاسِقُونَ) صِفاتٍ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ.

قالَ القَفّالُ: ولَيْسَ في إفْرادِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِلَفْظٍ ما يُوجِبُ القَدْحَ في المَعْنى، بَلْ هو كَما يُقالُ: مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو المُؤْمِنُ، مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو البَرُّ، مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو المُتَّقِي؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ حاصِلَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ.

وقالَ آخَرُونَ: الأوَّلُ في الجاحِدِ، والثّانِي والثّالِثُ في المُقِرِّ التّارِكِ، وقالَ الأصَمُّ: الأوَّلُ والثّانِي في اليَهُودِ، والثّالِثُ في النَّصارى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском