Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:89–91
5:89Page 122
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩
Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذا الحُكْمِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ والمَلابِسَ واخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ وحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
صفحة ٦٢
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في يَمِينَ اللَّغْوِ ما هو، قَدْ سَبَقَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (عَقَّدْتُمُ) بِتَشْدِيدِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَقَدْتُمْ) بِتَخْفِيفِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (عاقَدْتُمْ) بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: عَقَدَ فُلانٌ اليَمِينَ والعَهْدَ والحَبْلَ عَقْدًا: إذا وكَّدَهُ وأحْكَمَهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا: عَقَّدَ، بِالتَّشْدِيدِ: إذا وكَّدَ، ومِثْلُهُ أيْضًا عاقَدَ، بِالألِفِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّهُ صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، يُقالُ: عَقَدَ زَيْدٌ يَمِينَهُ، وعَقَدُوا أيْمانَهم، وأمّا مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فاعْلَمْ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ زَيَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: التَّشْدِيدُ لِلتَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فالقِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تُوجِبُ سُقُوطَ الكَفّارَةِ عَنِ اليَمِينِ الواحِدَةِ لِأنَّها لَمْ تَتَكَرَّرْ.
وأجابَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: (عَقَدَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ واحِدٌ في المَعْنى.
الثّانِي: هَبْ أنَّها تُفِيدُ التَّكْرِيرَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣] إلّا أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَحْصُلُ بِأنْ يَعْقِدَها بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، ومَتى جَمَعَ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّكْرِيرُ، أمّا لَوْ عَقَدَ اليَمِينَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ مُعَقِّدًا. وأمّا مَن قَرَأ بِالألِفِ فَإنَّهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالواحِدِ مِثْلُ عافاهُ اللَّهُ وطارَقْتُ النَّعْلَ وعاقَبْتُ اللِّصَّ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ كَقِراءَةِ مَن خَفَّفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ما) مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِعَقْدِكم أوْ بِتَعْقِيدِكم أوْ بِمُعاقَدَتِكُمُ الأيْمانَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنَثْتُمْ، فَحَذَفَ وقْتَ المُؤاخَذَةِ لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ. وأمّا كَيْفِيَّةُ اسْتِدْلالِ الشّافِعِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ الغَمُوسَ تُوجِبُ الكَفّارَةَ فَقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
صفحة ٦٣
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ في كَفّارَةِ اليَمِينِ أحَدُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْها جَمِيعًا فالواجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وهو الصَّوْمُ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الواجِبِ المُخَيَّرِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُها جَمِيعًا، ومَتى أتى بِأيِّ واحِدٍ شاءَ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ القُيُودُ الثَّلاثَةُ فَذاكَ هو الواجِبُ المُخَيَّرُ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: الواحِدُ لا بِعَيْنِهِ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ أنْ يُقالَ: الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُدْخِلَ في الوُجُودِ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا بِعَيْنِهِ، وهَذا مُحالٌ في العُقُولِ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَكُونُ مُعَيَّنًا في نَفْسِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُرادُ بِهِ التَّكْلِيفُ.
الثّانِي أنْ يُقالَ: الواجِبُ عَلَيْهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ في نَفْسِهِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ مَجْهُولُ العَيْنِ عِنْدَ الفاعِلِ، وذَلِكَ أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ واجِبًا بِعَيْنِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى هو أنَّهُ لا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِحالٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِتَقْدِيرِ الإتْيانِ بِغَيْرِهِ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وهو مُحالٌ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَصِيبُ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، وهو ثُلُثا مَنٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والقاسِمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الواجِبُ نِصْفُ صاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ، وصاعٌ مِن غَيْرِ الحِنْطَةِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في الإطْعامِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ وهَذا الوَسَطُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في العُرْفِ، أوْ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في الشَّرْعِ، فَإنْ كانَ المُرادُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في العُرْفِ فَثُلُثا مَنٍ مِنَ الحِنْطَةِ، إذا جُعِلَ دَقِيقًا أوْ جُعِلَ خُبْزًا فَإنَّهُ يَصِيرُ قَرِيبًا مِنَ المَنِ، وذَلِكَ كافٍ في قُوتِ اليَوْمِ الواحِدِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ المُرادُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في الشَّرْعِ فَلَمْ يَرِدْ في الشَّرْعِ لَهُ مِقْدارٌ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهو ما رُوِيَ «فِي خَبَرِ المُفْطِرِ في نَهارِ رَمَضانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ مِقْدارٍ، فَقالَ الرَّجُلُ: ما أجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أطْعِمْ هَذا» . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ طَعامِ المِسْكِينِ بِرُبْعِ الصّاعِ، وهو مُدٌّ، ولا يُلْزَمُ كَفّارَةَ الحَلِفِ لِأنَّها شُرِعَتْ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقَةً عَنِ التَّقْدِيرِ بِإطْعامِ الأهْلِ، فَكانَ قَدْرُها مُعْتَبَرًا بِصَدَقَةِ الفِطْرِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ تَقْدِيرُها بِالصّاعِ لا بِالمُدِّ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ والأوْسَطُ هو الأعْدَلُ، والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هو أدْنى ما يَكْفِي، فَأمّا الأعْدَلُ فَيَكُونُ بِإدامٍ، وهَكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: مُدٌّ مَعَهُ إدامُهُ، والإدامُ يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ مُدٍّ آخَرَ أوْ يَزِيدُ في الأغْلَبِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّوَسُّطَ في القَدْرِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ قَلِيلَ الأكْلِ جِدًّا يَكْفِيهِ الرَّغِيفُ الواحِدُ، ورُبَّما كانَ كَثِيرَ الأكْلِ فَلا يَكْفِيهِ المَنَوانِ، إلّا أنَّ المُتَوَسِّطَ الغالِبَ أنَّهُ يَكْفِيهِ مِنَ الخُبْزِ ما يَقْرُبُ مِنَ المَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّوَسُّطَ في القِيمَةِ، لا يَكُونُ غالِيًا كالسُّكَّرِ، ولا يَكُونُ خَسِيسَ الثَّمَنِ كالنُّخالَةِ والذُّرَةِ، والأوْسَطُ هو الحِنْطَةُ والتَّمْرُ والزَّبِيبُ
صفحة ٦٤
والخُبْزُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأوْسَطَ في الطِّيبِ واللَّذاذَةِ، ولَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ فَنَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ذَكَرْناهُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّ الإدامَ غَيْرُ واجِبٍ بِالإجْماعِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى التَّوَسُّطِ في قَدْرِ الطَّعامِ.
الثّانِي: أنَّ هَذا القَدْرَ واجِبٌ بِيَقِينٍ، والباقِي مَشْكُوكٌ فِيهِ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، فَأوْجَبْنا اليَقِينَ وطَرَحْنا الشَّكَّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الواجِبُ تَمْلِيكُ الطَّعامِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا غَدّى أوْ عَشّى عَشَرَةَ مَساكِينَ جازَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنَّ الواجِبَ في هَذِهِ الكَفّارَةِ أحَدُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: إمّا الإطْعامُ أوِ الكِسْوَةُ أوِ الإعْتاقُ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ الواجِبَ في الكِسْوَةِ التَّمْلِيكُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ في الإطْعامِ هو التَّمْلِيكَ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواجِبَ هو الإطْعامُ، والتَّغْدِيَةُ والتَّعْشِيَةُ هُما إطْعامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ وإطْعامُ الأهْلِ يَكُونُ بِالتَّمْكِينِ لا بِالتَّمْلِيكِ، ويُقالُ في العُرْفِ: فُلانٌ يُطْعِمُ الفُقَراءَ: إذا كانَ يُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ ويُمَكِّنُهم مِن أكْلِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ أمْرٌ بِالإطْعامِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الواجِبَ إمّا المُدُّ أوِ الأزْيَدُ، والتَّغْدِيَةُ والتَّعْشِيَةُ قَدْ تَكُونُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَلا يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ إلّا بِاليَقِينِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُجْزِئُهُ إلّا طَعامُ عَشَرَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أطْعَمَ مِسْكِينًا واحِدًا عَشَرَةَ أيّامٍ جازَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ مَدارَ هَذا البابِ عَلى التَّعَبُّدِ الَّذِي لا يُعْقَلُ مَعْناهُ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِسْوَةُ في اللُّغَةِ مَعْناها اللِّباسُ، وهو كُلُّ ما يُكْتَسى بِهِ، فَأمّا الَّتِي تُجْزِي في الكَفّارَةِ فَهو أقَلُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِسْوَةِ إزارٌ أوْ رِداءٌ أوْ قَمِيصٌ أوْ سَراوِيلُ أوْ عِمامَةٌ أوْ مِقْنَعَةٌ ثَوْبٌ واحِدٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُرادُ بِالرَّقَبَةِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ الأصْلُ في هَذا المَجازِ أنَّ الأسِيرَ في العَرَبِ كانَ يُجْمَعُ يَداهُ إلى رَقَبَتِهِ بِحَبْلٍ، فَإذا أُطْلِقَ حُلَّ ذَلِكَ الحَبْلُ فَسُمِّيَ الإطْلاقُ مِنَ الرَّقَبَةِ فَكَّ الرَّقَبَةِ، ثُمَّ جَرى ذَلِكَ عَلى العِتْقِ، ومَذْهَبُ أهْلِ الظّاهِرِ أنَّ جَمِيعَ الرَّقَباتِ تُجْزِيهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّقَبَةُ المُجْزِيَةُ في الكَفّارَةِ كُلُّ رَقَبَةٍ سَلِيمَةٍ مِن عَيْبٍ يَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ، صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، ذَكَرًا أوْ أُنْثى، بَعْدَ أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، ولا يَجُوزُ إعْتاقُ الكافِرَةِ في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ، ولا إعْتاقُ المُكاتَبِ، ولا شِراءُ القَرِيبِ، وهَذِهِ المَسائِلُ قَدْ ذَكَرْناها في آيَةِ الظِّهارِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ فائِدَةٍ لِتَقْدِيمِ الإطْعامِ عَلى العِتْقِ مَعَ أنَّ العِتْقَ أفْضَلُ لا مَحالَةَ ؟
قُلْنا: لَهُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ وجَبَتْ عَلى التَّخْيِيرِ لا عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّها لَوْ وجَبَتْ عَلى التَّرْتِيبِ لَوَجَبَتِ البُداءَةُ بِالأغْلَظِ.
وثانِيها: قُدِّمَ الإطْعامُ لِأنَّهُ أسْهَلُ لِكَوْنِ الطَّعامِ أعَمَّ
صفحة ٦٥
وُجُودًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُراعِي التَّخْفِيفَ والتَّسْهِيلَ في التَّكالِيفِ.
وثالِثُها: أنَّ الإطْعامَ أفْضَلُ لِأنَّ الحُرَّ الفَقِيرَ قَدْ لا يَجِدُ الطَّعامَ، ولا يَكُونُ هُناكَ مَن يُعْطِيهِ الطَّعامَ فَيَقَعُ في الضُّرِّ، أمّا العَبْدُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى مَوْلاهُ إطْعامُهُ وكِسْوَتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا كانَ عِنْدَهُ قُوتُهُ وقُوتُ عِيالِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ومِنَ الفَضْلِ ما يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بِالإطْعامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَذا القَدْرُ جازَ لَهُ الصِّيامُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَجُوزُ لَهُ الصِّيامُ إذا كانَ عِنْدَهُ مِنَ المالِ ما لا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَجُعِلَ مَن لا زَكاةَ عَلَيْهِ عادِمًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ جَوازَ الصِّيامِ عَلى عَدَمِ وِجْدانِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَعِنْدَ وِجْدانِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الصَّوْمُ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ عِنْدَ وِجْدانِ قُوتِ نَفْسِهِ وقُوتِ عِيالِهِ يَوْمًا ولَيْلَةً لِأنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ المُضْطَرِّ إلَيْهِ، وقَدْ رَأيْنا في الشَّرْعِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ في حَقِّ النَّفْسِ وحَقِّ الغَيْرِ كانَ تَقْدِيمُ حَقِّ النَّفْسِ واجِبًا، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى الآيَةُ مَعْمُولًا بِها في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أصَحِّ قَوْلَيْهِ أنَّهُ يَصُومُ ثَلاثَةَ أيّامٍ إنْ شاءَ مُتَتابِعَةً وإنْ شاءَ مُتَفَرِّقَةً.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ التَّتابُعُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والآتِي بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أيّامٍ عَلى التَّفَرُّقِ آتٍ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما رُوِيَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: (فَصَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) وقِراءَتُهُما لا تَخْتَلِفُ عَنْ رِوايَتِهِما.
والجَوابُ أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ قُرْآنًا لَنُقِلَتْ نَقْلًا مُتَواتِرًا، إذْ لَوْ جَوَّزْنا في القُرْآنِ أنْ لا يُنْقَلَ عَلى التَّواتُرِ لَزِمَ طَعْنُ الرَّوافِضِ والمَلاحِدَةِ في القُرْآنِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ، فَلا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ حُجَّةً. وأيْضًا نُقِلَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ (فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ مُتَتابِعاتٍ) مَعَ أنَّ التَّتابُعَ هُناكَ ما كانَ شَرْطًا، وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: عَلَيَّ أيّامٌ مِن رَمَضانَ أفَأقْضِيها مُتَفَرِّقاتٍ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَ الدِّرْهَمَ فالدِّرْهَمَ أما كانَ يُجْزِيكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يَعْفُوَ وأنْ يَصْفَحَ“» .
قُلْنا: فَهَذا الحَدِيثُ وإنْ وقَعَ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ في صَوْمِ رَمَضانَ إلّا أنَّ لَفْظَهُ عامٌّ وتَعْلِيلَهُ عامٌّ في جَمِيعِ الصِّياماتِ، وقَدْ ثَبَتَ في الأُصُولِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى جَوازِ التَّفْرِيقِ هاهُنا أيْضًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن صامَ سِتَّةَ أيّامٍ عَنْ يَمِينَيْنِ أجْزَأهُ، سَواءٌ عَيَّنَ إحْدى الثَّلاثَتَيْنِ لِإحْدى اليَمِينَيْنِ أوْ لا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ عَلَيْهِ، وقَدْ أتى بِها، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
صفحة ٦٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الطَّعامِ والكِسْوَةِ وتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ وحَنَثْتُمْ لِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الحَلِفِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ الحِنْثِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، كَما قالَ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٤] أيْ فَأفْطَرَ.
احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الحِنْثِ جائِزٌ فَقالَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ كَفّارَةٌ لِلْيَمِينِ عِنْدَ وُجُودِ الحَلِفِ، فَإذا أدّاها بَعْدَ الحَلِفِ قَبْلَ الحِنْثِ فَقَدْ أدّى الكَفّارَةَ عَنْ ذَلِكَ اليَمِينِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ قَبْلَ اليَمِينِ لا يَجُوزُ، وأمّا بَعْدَ اليَمِينِ وقَبْلَ الحِنْثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ قَلِّلُوا الأيْمانَ ولا تُكْثِرُوا مِنها، قالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
5:90Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠
O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ثُمَّ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ المُسْتَطابَةِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُما غَيْرُ داخِلَيْنِ في المُحَلَّلاتِ، بَلْ في المُحَرَّماتِ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الخَمْرِ والمَيْسِرِ وذَكَرْنا مَعْنى الأنْصابِ والأزْلامِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فَعَلَيْهِ بِهَذِهِ المَواضِعِ.
وفِي اشْتِقاقِ لَفْظِ الخَمْرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها خامَرَتِ العَقْلَ، أيْ خالَطَتْهُ فَسَتَرَتْهُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: تُرِكَتْ فاخْتَمَرَتْ، أيْ تَغَيَّرَ رِيحُها، والمَيْسِرُ هو قِمارُهم في الجَزُورِ، والأنْصابُ هي آلِهَتُهُمُ الَّتِي نَصَبُوها يَعْبُدُونَها، والأزْلامُ سِهامٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها خَيْرٌ وشَرٌّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِوَصْفَيْنِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رِجْسٌ) والرِّجْسُ في اللُّغَةِ كُلُّ ما اسْتُقْذِرَ مِن عَمَلٍ، يُقالُ: رَجُسَ الرَّجُلُ رِجْسًا ورَجِسَ يَرْجَسُ: إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا، وأصْلُهُ مِنَ الرَّجْسِ بِفَتْحِ الرّاءِ،
صفحة ٦٧
وهُوَ شِدَّةُ الصَّوْتِ، يُقالُ: سَحابٌ رَجّاسٌ: إذا كانَ شَدِيدَ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ، فَكانَ الرَّجْسُ هو العَمَلُ الَّذِي يَكُونُ قَوِيَّ الدَّرَجَةِ كامِلَ الرُّتْبَةِ في القُبْحِ.
الوَصْفُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهَذا أيْضًا مُكَمِّلٌ لِكَوْنِهِ رِجْسًا لِأنَّ الشَّيْطانَ نَجَسٌ خَبِيثٌ لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ نَجَسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والخَبِيثُ لا يَدْعُو إلّا إلى الخَبِيثِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النُّورِ: ٢٦] وأيْضًا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى الشَّيْطانِ فالمُرادُ مِن تِلْكَ الإضافَةِ المُبالَغَةُ في كَمالِ قُبْحِهِ. قالَ تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القَصَصِ: ١٥] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيْ كُونُوا جانِبًا مِنهُ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّها عائِدَةٌ إلى الرِّجْسِ، والرِّجْسٌ واقِعٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ.
الثّانِي: أنَّها عائِدَةٌ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .
5:91Page 123
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١
Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ فِيها نَوْعَيْنِ مِنَ المَفْسَدَةِ، فالأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهو قَوْلُهُ:
﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا نَشْرَحُ وجْهَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ أوَّلًا في الخَمْرِ ثُمَّ في المَيْسِرِ:
أمّا الخَمْرُ فاعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ فِيمَن يَشْرَبُ الخَمْرَ أنَّهُ يَشْرَبُها مَعَ جَماعَةٍ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الشُّرْبِ أنْ يَسْتَأْنِسَ بِرُفَقائِهِ ويَفْرَحَ بِمُحادَثَتِهِمْ ومُكالَمَتِهِمْ، فَكانَ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الِاجْتِماعِ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَنْقَلِبُ إلى الضِّدِّ؛ لِأنَّ الخَمْرَ يُزِيلُ العَقْلَ، وإذا زالَ العَقْلُ اسْتَوْلَتِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ مِن غَيْرِ مُدافَعَةِ العَقْلِ، وعِنْدَ اسْتِيلائِهِما تَحْصُلُ المُنازَعَةُ بَيْنَ أُولَئِكَ الأصْحابِ، وتِلْكَ المُنازَعَةُ رُبَّما أدَّتْ إلى الضَّرْبِ والقَتْلِ والمُشافَهَةِ بِالفُحْشِ، وذَلِكَ يُورِثُ أشَدَّ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، فالشَّيْطانُ يُسَوِّلُ أنَّ الِاجْتِماعَ عَلى الشُّرْبِ يُوجِبُ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وبِالآخِرَةِ انْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَتْ نِهايَةُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ.
وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ بِإزاءِ التَّوْسِعَةِ عَلى المُحْتاجِينَ الإجْحافُ بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ مَن صارَ مَغْلُوبًا في القِمارِ مَرَّةً دَعاهُ ذَلِكَ إلى اللَّجاجِ فِيهِ عَنْ رَجاءِ أنَّهُ رُبَّما صارَ غالِبًا فِيهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ إلى أنْ لا يَبْقى لَهُ شَيْءٌ مِنَ المالِ، وإلى أنْ يُقامِرَ عَلى لِحْيَتِهِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْقى فَقِيرًا مِسْكِينًا ويَصِيرُ مِن أعْدى الأعْداءِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا غالِبِينَ لَهُ، فَظَهَرَ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ سَبَبانِ عَظِيمانِ في إثارَةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ شِدَّةَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ تُفْضِي إلى أحْوالٍ مَذْمُومَةٍ مِنَ الهَرْجِ والمَرْجِ والفِتَنِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُضادٌّ لِمَصالِحِ العالَمِ.
صفحة ٦٨
فَإنْ قِيلَ: لِمَ جَمَعَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ ثُمَّ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ والمَقْصُودُ نَهْيُهم عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإظْهارُ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُتَقارِبَةٌ في القُبْحِ والمَفْسَدَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإنَّما ضَمَّ الأنْصابَ والأزْلامَ إلى الخَمْرِ والمَيْسِرِ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، لا جَرَمَ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ بِالذِّكْرِ.
أمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ المَفاسِدِ المَوْجُودَةِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ: المَفاسِدُ المُتَعَلِّقَةُ بِالدِّينِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ يَمْنَعُ ذِكْرَ اللَّهِ فَظاهِرٌ، لِأنَّ شُرْبَ الخُمُورِ يُورِثُ الطَّرَبَ واللَّذَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، والنَّفْسُ إذا اسْتَغْرَقَتْ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ غَفَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا أنَّ المَيْسِرَ مانِعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَكَذَلِكَ، لِأنَّهُ إنْ كانَ غالِبًا صارَ اسْتِغْراقُهُ في لَذَّةِ الغَلَبَةِ مانِعًا مِن أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ شَيْءٌ سِواهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ مِمّا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ.
فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ هي هَذِهِ المَعانِي، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ مَعَ أنَّ التَّحْرِيمَ ما كانَ حاصِلًا وهَذا يَقْدَحُ في صِحَّةِ هَذا التَّعْلِيلِ.
قُلْنا: هَذا هو أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عِلَّةً.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى اشْتِمالَ شُرْبِ الخَمْرِ واللَّعِبِ بِالمَيْسِرِ عَلى هَذِهِ المَفاسِدِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو النَّهْيُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذِهِ الأفْعالَ وأظْهَرَ قُبْحَها لِلْمُخاطَبِ، فَلَمّا اسْتَفْهَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِها لَمْ يَقْدِرِ المُخاطَبُ إلّا عَلى الإقْرارِ بِالتَّرْكِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُهُ بَعْدَما قَدْ ظَهَرَ مِن قُبْحِهِ ما قَدْ ظَهَرَ ؟ فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى تَنْصِيصِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوبِ الِانْتِهاءِ مَقْرُونًا بِإقْرارِ المُكَلَّفِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ مِن وُجُوهٍ:
دُها: تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا رِجْسَ ولا شَيْءَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.
ثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَرَنَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» “ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالِاجْتِنابِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ شَرَحَ أنْواعَ المَفاسِدِ المُتَوَلِّدَةِ مِنها في الدُّنْيا والدِّينِ، وهي وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ الخَلْقِ وحُصُولُ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الصَّلاةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهو مِن أبْلَغِ ما يُنْتَهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيها مِن أنْواعِ المَفاسِدِ والقَبائِحِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ مَعَ هَذِهِ الصَّوارِفِ ؟ أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ تُوعَظُوا بِهَذِهِ المَواعِظِ ؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences