Ar-RaziQaf · 50:21–28

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:21–28

50:21Page 519

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١

And every soul will come, with it a driver and a witness.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ قَدْ بَيَّنّا مِن قَبْلُ أنَّ السّائِقَ هو الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المَوْقِفِ ومِنهُ إلى مَقْعَدِهِ، والشَّهِيدُ هو الكاتِبُ، والسّائِقُ لازِمٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، أمّا البَرُّ فَيُساقُ إلى الجَنَّةِ، وأمّا الفاجِرُ فَإلى النّارِ، وقالَ تَعالى: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١] ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] .

50:22–24Page 519

لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢

[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣

And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."

أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤

[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ إمّا عَلى تَقْدِيرٍ يُقالُ لَهُ أوْ قِيلَ لَهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] والخِطابُ عامٌّ، أمّا الكافِرُ فَمَعْلُومُ الدُّخُولِ في هَذا الحُكْمِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يَزْدادُ عِلْمًا ويَظْهَرُ لَهُ ما كانَ مَخْفِيًّا عَنْهُ ويَرى عِلْمَهُ يَقِينًا رَأْيَ المُعْتَبَرِ يَقِينًا، فَيَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الأحْوالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ كالغافِلِ، وفِيهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ والغَفْلَةُ شَيْءٌ مِنَ الغِطاءِ، كاللَّبْسِ وأكْثَرَ مِنهُ؛ لِأنَّ الشّاكَّ يَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْهِ، والغافِلَ يَكُونُ الأمْرُ بِالكُلِّيَّةِ مَحْجُوبًا قَلْبُهُ عَنْهُ، وهو الغُلْفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ أيْ أزَلْنا عَنْكَ غَفْلَتَكَ ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وكانَ مِن قَبْلُ كَلِيلًا، وقَرِينُكَ حَدِيدًا، وكانَ في الدُّنْيا خَلِيلًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ وفي القَرِينِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الشَّيْطانُ الَّذِي زَيَّنَ الكُفْرَ لَهُ والعِصْيانَ، وهو الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] فالإشارَةُ بِهَذا المَسُوقِ إلى المُرْتَكِبِ الفُجُورَ والفُسُوقَ، والعَتِيدُ مَعْناهُ المُعَدُّ لِلنّارِ، وجُمْلَةُ الآيَةِ مَعْناها أنَّ الشَّيْطانَ يَقُولُ: هَذا العاصِي شَيْءٌ هو عِنْدِي مُعَدٌّ لِجَهَنَّمَ، أعْدَدْتُهُ بِالإغْواءِ والإضْلالِ، والوَجْهُ الثّانِي ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ القَعِيدُ الشَّهِيدُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو المَلَكُ، وهَذا إشارَةٌ إلى كِتابِ أعْمالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَكُونُ مِنَ المَكانَةِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ القَوْلَ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ فَيَكُونُ عَتِيدٌ صِفَتُهُ.

وثانِيهُما: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، فَيَكُونُ عَتِيدٌ مُحْتَمِلًا الثَّلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والخَبَرُ الأوَّلُ (ما لَدَيَّ) مَعْناهُ هَذا الَّذِي هو لَدَيَّ وهو عَتِيدٌ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ عَتِيدٌ هو الخَبَرُ لا غَيْرُ، و(ما لَدَيَّ) يَقَعُ كالوَصْفِ المُمَيِّزِ لِلْعَتِيدِ عَنْ غَيْرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا الَّذِي عِنْدَ زَيْدٍ وهَذا الَّذِي يَجِيئُنِي عَمْرٌو، فَيَكُونُ الَّذِي عِنْدِي والَّذِي يَجِيئُنِي لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ

صفحة ١٤٣

ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ ثُمَّ يُقالُ لِلسّائِقِ أوِ الشَّهِيدِ ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ فَيَكُونُ هو أمْرًا لِواحِدٍ، وفِيهِ وجْهانِ

أحَدُهُما أنَّهُ ثَنّى تَكْرارَ الأمْرِ كَما: ألْقِ ألْقِ.

وثانِيهِما عادَةُ العَرَبِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ الكَفّارُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكُفْرانِ فَيَكُونَ بِمَعْنى كَثِيرِ الكُفْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكُفْرِ، فَيَكُونَ بِمَعَنى شَدِيدِ الكُفْرِ، والتَّشْدِيدُ في لَفْظَةِ فَعّالٍ يَدُلُّ عَلى شِدَّةٍ في المَعْنى، والعَنِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن عَنَدَ عُنُودًا ومِنهُ العِنادُ، فَإنْ كانَ الكَفّارُ مِنَ الكُفْرانِ، فَهو أنْكَرَ نِعَمَ اللَّهِ مَعَ كَثْرَتِها.

50:25Page 519

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥

Preventer of good, aggressor, and doubter,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ .

فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: كَثِيرُ المَنعِ لِلْمالِ الواجِبِ، وإنْ كانَ مِنَ الكُفْرِ، فَهو أنْكَرَ دَلائِلَ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ مَعَ قُوَّتِها وظُهُورِها، فَكانَ شَدِيدَ الكُفْرِ عَنِيدًا حَيْثُ أنْكَرَ الأمْرَ اللّائِحَ والحَقَّ الواضِحَ، وكانَ كَثِيرَ الكُفْرانِ لِوُجُودِ الكُفْرانِ مِنهُ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ (عَنِيدٍ) يُنْكِرُها مَعَ كَثْرَتِها عَنِ المُسْتَحِقِّ الطّالِبِ، والخَيْرُ هو المالُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦] حَيْثُ بَدَأ بِبَيانِ الشِّرْكِ، وثَنّى بِالِامْتِناعِ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ مُناسَبَةٌ شَدِيدَةٌ إذا جَعَلَنا الكَفّارَ مِنَ الكُفْرانِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كَفَرَ أنْعُمَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُؤَدِّ مِنها شَيْئًا لِشُكْرِ أنْعُمِهِ.

وثانِيهِما: شَدِيدُ المَنعِ مِنَ الإيمانِ فَهو ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ وهو الإيمانُ الَّذِي هو خَيْرٌ مَحْضٌ مِن أنْ يَدْخُلَ في قُلُوبِ العِبادِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ مُناسَبَةٌ شَدِيدَةٌ إذا جَعَلْنا الكَفّارَ مِنَ الكُفْرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: كَفَرَ بِاللَّهِ، ولَمْ يَقْتَنِعْ بِكُفْرِهِ حَتّى مَنَعَ الخَيْرَ مِنَ الغَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾ .

فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُرَتَّبًا عَلى ﴿مَنّاعٍ﴾ بِمَعْنى مَنّاعِ الزَّكاةِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَمْ يُؤَدِّ الواجِبَ، وتَعَدّى ذَلِكَ حَتّى أخَذَ الحَرامَ أيْضًا بِالرِّبا والسَّرِقَةِ، كَما كانَ عادَةَ المُشْرِكِينَ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُرَتَّبًا عَلى ﴿مَنّاعٍ﴾ بِمَعْنى مَنعِ الإيمانِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: مَنَعَ الإيمانَ ولَمْ يَقْنَعْ بِهِ حَتّى تَعَدّاهُ، وأهانَ مَن آمَنَ وآذاهُ، وأعانَ مَن كَفَرَ وآواهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُرِيبٍ﴾

فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ذُو رَيْبٍ، وهَذا عَلى قَوْلِنا: الكَفّارُ كَثِيرُ الكُفْرانِ، والمَنّاعُ مانِعُ الزَّكاةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لا يُعْطِي الزَّكاةَ لِأنَّهُ في رَيْبٍ مِنَ الآخِرَةِ والثَّوابِ، فَيَقُولُ: لا أُقَرِّبُ مالًا مِن غَيْرِ عِوَضٍ.

وثانِيهِما: ﴿مُرِيبٍ﴾ يُوقِعُ الغَيْرَ في الرَّيْبِ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ، والإرابَةُ جاءَتْ بِالمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، وفي الآيَةِ تَرْتِيبٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، وهو أنْ يُقالَ: هَذا بَيانُ أحْوالِ الكُفْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، وإلى رَسُولِ اللَّهِ، وإلى اليَوْمِ الآخِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى حالِهِ مَعَ اللَّهِ يَكْفُرُ بِهِ ويُعانِدُ آياتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إشارَةٌ إلى حالِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَيَمْنَعُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِهِ، ومِنَ الإنْفاقِ عَلى مَن عِنْدَهُ، ويَتَعَدّى بِالإيذاءِ وكَثْرَةِ الهُذاءِ، وقَوْلُهُ: (مُرِيبٍ) إشارَةٌ إلى حالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَوْمِ الآخِرِ يَرِيبُ فِيهِ ويَرْتابُ، ولا يَظُنُّ أنَّ السّاعَةَ قائِمَةٌ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ

صفحة ١٤٤

تَعالى: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ يَكُونَ الإلْقاءُ خاصًّا بِمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ بِأسْرِها، والكُفْرُ كافٍ في إيراثِ الإلْقاءِ في جَهَنَّمَ والأمْرِ بِهِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الوَصْفَ المُمَيِّزَ، كَما يُقالُ: أعْطِ العالِمَ الزّاهِدَ، بَلِ المُرادُ الوَصْفُ المُبَيِّنُ بِكَوْنِ المَوْصُوفِ مَوْصُوفًا بِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، كَما يُقالُ: هَذا حاتِمٌ السَّخِيُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ يُفِيدُ أنَّ الكَفّارَ عَنِيدٌ ومَنّاعٌ، فالكَفّارُ كافِرٌ؛ لِأنَّ آياتِ الوَحْدانِيَّةِ ظاهِرَةٌ، ونِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ وافِرَةٌ، وعَنِيدٌ ومَنّاعٌ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّهُ يَمْدَحُ دِينَهُ ويَذُمُّ دِينَ الحَقِّ فَهو يَمْنَعُ، ومُرِيبٌ لِأنَّهُ شاكٌّ في الحَشْرِ، فَكُلُّ كافِرٍ فَهو مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.

50:26–27Page 519

ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦

Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."

۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧

His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ .

فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

ثانِيها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

ثالِثُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ كَأنَّهُ قالَ:”ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ“ أيْ والَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقَياهُ بَعْدَما ألْقَيْتُمُوهُ في جَهَنَّمَ في عَذابٍ شَدِيدٍ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ .

وهُوَ جَوابٌ لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ الكافِرَ حِينَما يُلْقى في النّارِ يَقُولُ: رَبَّنا أطْغانِي شَيْطانِي، فَيَقُولُ الشَّيْطانُ: رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] الِاخْتِصامُ يَسْتَدْعِي كَلامًا مِنَ الجانِبَيْنِ وحِينَئِذٍ هَذا، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وفي ص: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ﴾ [ص:٦١] إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ بِالقَرِينِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هو الشَّيْطانُ لا المَلَكُ الَّذِي هو شَهِيدٌ وقَعِيدٌ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذا. وقالَ غَيْرُهُ، المُرادُ المَلَكُ لا الشَّيْطانُ، وهَذا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِمَن قالَ ذَلِكَ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ في الأوَّلِ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ مَعْناهُ هَذا الشَّخْصُ عِنْدِي عَتِيدٌ مُعْتَدٌ لِلنّارِ أعْتَدْتُهُ بِإغْوائِي، فَإنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ صَرَّحَ في تَفْسِيرِ تِلْكَ بِهَذِهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] مُناقِضًا لِقَوْلِهِ (أعْتَدْتُهُ) .

ولِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَقُولَ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ إنَّ الشَّيْطانَ يَقُولُ (أعْتَدْتُهُ) بِمَعْنى زَيَّنْتُ لَهُ الأمْرَ وما ألْجَأْتُهُ فَيَصِحُّ القَوْلانِ مِنَ الشَّيْطانِ.

وثانِيهِما: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حالَيْنِ: فَفي الحالَةِ الأُولى إنَّما فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ إظْهارًا لِلِانْتِقامِ مِن بَنِي آدَمَ، وتَصْحِيحًا لِما قالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ثُمَّ إذا رَأى العَذابَ وأنَّهُ مَعَهُ مُشْتَرِكٌ ولَهُ عَلى الإغْواءِ عَذابٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥] فَيَقُولُ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ فَيَرْجِعُ عَنْ مَقالَتِهِ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ.

صفحة ١٤٥

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ مِن غَيْرِ واوٍ، وقالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ بِالواوِ العاطِفَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ في الأوَّلِ الإشارَةَ وقَعَتْ إلى مَعْنَيَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ، وأنَّ كُلَّ نَفْسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَجِيءُ ومَعَها سائِقٌ، ويَقُولُ الشَّهِيدُ ذَلِكَ القَوْلَ، وفي الثّانِي لَمْ يُوجَدْ هُناكَ مَعْنَيانِ مُجْتَمِعانِ حَتّى يُذْكَرَ بِالواوِ، والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ﴾ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ مُناسَبَةً مُقْتَضِيَةً لِلْعَطْفِ بِالواوِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُ هَهُنا واحِدٌ، وقالَ: (رَبَّنا) ولَمْ يَقُلْ رَبِّ، وفي كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا، قالَ رَبِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقَوْلِ نُوحٍ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [ ص: ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩] نَقُولُ في جَمِيعِ تِلْكَ المَواضِعِ القائِلُ طالِبٌ، ولا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ الطّالِبُ: يا رَبِّ عَمِّرْنِي واخْصُصْنِي وأعْطِنِي كَذا، وإنَّما يَقُولُ: أعْطِنا لِأنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لا يُناسِبُ تَخْصِيصَ الطّالِبِ، وأمّا هَذا المَوْضِعُ فَمَوْضِعُ الهَيْبَةِ والعَظَمَةِ وعَرْضِ الحالِ دُونَ الطَّلَبِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .

يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِإطْغائِهِ، وإنَّما كانَ ضالًّا مُتَغَلْغِلًا في الضَّلالِ فَطَغى، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الوَجْهُ في اتِّصافِ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ ؟ نَقُولُ الضّالُّ يَكُونُ أكْثَرَ ضَلالًا عَنِ الطَّرِيقِ، فَإذا تَمادى في الضَّلالِ وبَقِيَ فِيهِ مُدَّةً يَبْعُدُ عَنِ المَقْصِدِ كَثِيرًا، وإذا عَلِمَ الضَّلالَ قَصَّرَ في الطَّرِيقِ مِن قَرِيبٍ فَلا يَبْعُدُ عَنِ المَقْصِدِ كَثِيرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ وصْفُ المَصْدَرِ بِما يُوصَفُ بِهِ الفاعِلُ، كَما يُقالُ كَلامٌ صادِقٌ وعِيشَةٌ راضِيَةٌ أيْ ضَلالٌ ذُو بُعْدٍ، والضَّلالُ إذا بَعُدَ مَداهُ، وامْتَدَّ الضّالُّ فِيهِ يَصِيرُ بَيِّنًا ويَظْهَرُ الضَّلالُ؛ لِأنَّ مَن حادَ عَنِ الطَّرِيقِ وأبْعَدَ عَنْهُ تَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ السِّماتُ والجِهاتُ ولا يَرى عَيْنَ المَقْصِدِ ويَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، ورُبَّما يَقَعُ في أوْدِيَةٍ ومَفاوِزَ ويَظْهَرُ لَهُ أماراتُ الضَّلالِ بِخِلافِ مَن حادَ قَلِيلًا، فالضَّلالُ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالوَصْفَيْنِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، فَقالَ تارَةً في ضَلالٍ مُبِينٍ، وأُخْرى قالَ: ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] أيْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ العِبادِ، فَجَعَلَهم أهْلَ العِنادِ، ولَوْ كانَ لَهم في سَبِيلِكَ قَدَمُ صِدْقٍ لَما كانَ لِي عَلَيْهِمْ مِن يَدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ قالَ ما أطْغَيْتُهُ مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: وجْهانِ قَدْ تَقَدَّما في الِاعْتِذارِ عَمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والثّالِثُ هو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ أيْ لَأُدِيمَنَّهم عَلى الغَوايَةِ كَما أنَّ الضّالَّ إذا قالَ لَهُ شَخْصٌ أنْتَ عَلى الجادَّةِ، فَلا تَتْرُكْها، يُقالُ أنَّهُ يُضِلُّهُ كَذَلِكَ هَهُنا، وقَوْلُهُ: ﴿ما أطْغَيْتُهُ﴾ أيْ ما كانَ ابْتِداءُ الإطْغاءِ مِنِّي.

50:28Page 519

قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨

[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ .

صفحة ١٤٦

قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هُناكَ كَلامًا قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ وهو قَوْلُ المُلْقى في النّارِ رَبَّنا أطْغانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ يُفِيدُ مَفْهُومُهُ أنَّ الِاخْتِصامَ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَبْلَ الحُضُورِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ .

تَقْرِيرٌ لِلْمَنعِ مِنَ الِاخْتِصامِ وبَيانٌ لِعَدَمِ فائِدَتِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ قَدْ قُلْتُ إنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ تَدْخُلُونَ النّارَ وقَدِ اتَّبَعْتُمُوهُ، فَإنْ قِيلَ ما حُكْمُ الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالوَعِيدِ﴾ ؟ قُلْنا فِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها هُناكَ زائِدَةٌ، وقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦] .

وثانِيها: مُعَدِّيَّةٌ، فَقَدَّمْتُ بِمَعْنى تَقَدَّمْتُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١] .

ثالِثُها: في الكَلامِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم مُقْتَرِنًا بِالوَعِيدِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ فَيَكُونُ المُقَدَّمُ هو قَوْلَهُ: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ.

رابِعُها: هي المُصاحَبَةُ يَقُولُ القائِلُ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بِلِجامِهِ وسَرْجِهِ أيْ مَعَهُ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قَدَّمْتُ إلَيْكم ما يَجِبُ مَعَ الوَعِيدِ عَلى تَرْكِهِ بِالإنْذارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (لَدَيَّ) مُتَعَلِّقًا بِالقَوْلِ أيْ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ .

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (ما يُبَدَّلُ) أيْ لا يَقَعُ التَّبْدِيلُ عِنْدِي، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في القَوْلِ الَّذِي لَدَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هو أنَّهم لَمّا قالُوا حَتّى يُبَدَّلَ ما قِيلَ في حَقِّهِمْ (ألْقِيا) بِقَوْلِ اللَّهِ بَعْدَ اعْتِذارِهِمْ لا تُلْقِياهُ فَقالَ تَعالى: ما يُبَدَّلُ هَذا القَوْلُ لَدَيَّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] لا تَبْدِيلَ لَهُ.

ثانِيها: هو قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣] أيْ لا تَبْدِيلَ لِهَذا القَوْلِ.

ثالِثُها: لا خُلْفَ في إيعادِ اللَّهِ تَعالى كَما لا إخْلافَ في مِيعادِ اللَّهِ، وهَذا يَرُدُّ عَلى المُرْجِئَةِ حَيْثُ قالُوا ما ورَدَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ، فَهو تَخْوِيفٌ لا يُحَقِّقُ اللَّهُ شَيْئًا مِنهُ، وقالُوا: الكَرِيمُ إذا وعَدَ أنْجَزَ ووَفّى، وإذا أوْعَدَ أخْلَفَ وعَفا.

رابِعُها: لا يُبَدَّلُ القَوْلُ السّابِقُ أنَّ هَذا شَقِيٌّ، وهَذا سَعِيدٌ، حِينَ خَلَقْتُ العِبادَ، قُلْتُ هَذا شَقِيٌّ ويَعْمَلُ عَمَلَ الأشْقِياءِ، وهَذا تَقِيٌّ ويَعْمَلُ عَمَلَ الأتْقِياءِ، وذَلِكَ القَوْلُ عِنْدِي لا تَبْدِيلَ لَهُ بِسَعْيِ ساعٍ ولا سَعادَةَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَفِي: ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ وُجُوهٌ أيْضًا:

أحَدُها: لا يُكْذَبُ لَدَيَّ ولا يُفْتَرى بَيْنَ يَدَيَّ، فَإنِّي عالِمٌ عَلِمْتُ مَن طَغى ومَن أطْغى، ومَن كانَ طاغِيًا ومَن كانَ أطْغى، فَلا يُفِيدُكم قَوْلُكم أطْغانِي شَيْطانِي، ولا قَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ .

ثانِيها: إشارَةٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] كَأنَّهُ تَعالى قالَ لَوْ أرَدْتُمْ أنْ لا أقُولَ فَألْقَياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ كُنْتُمْ بَدَّلْتُمْ هَذا مِن قَبْلُ بِتَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ تَقِفُوا بَيْنَ يَدَيَّ، وأمّا الآنَ فَما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ المُرادُ أنَّ اخْتِصامَكم كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ هَذا حَيْثُ قُلْتُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .

ثالِثُها: مَعْناهُ لا يُبَدَّلُ الكُفْرُ بِالإيمانِ لَدَيَّ، فَإنَّ الإيمانَ عِنْدَ اليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَقَوْلُكم: رَبَّنا وإلَهَنا لا يُفِيدُكم فَمَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ”رَبَّنا ما أشْرَكْنا“ وقَوْلُهُ: ”رَبَّنا آمَنّا“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الحالِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ما يُبَدَّلُ اليَوْمَ لَدَيَّ القَوْلُ؛ لِأنَّ (ما) يُنْفى بِها الحالُ إذا دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ المُضارِعِ، يَقُولُ القائِلُ ماذا تَفْعَلُ غَدًا ؟ يُقالُ ما أفْعَلُ شَيْئًا أيْ في الحالِ، وإذا قالَ القائِلُ ماذا يَفْعَلُ غَدًا ؟

صفحة ١٤٧

يُقالُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا أوْ لَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا إذا أُرِيدَ زِيادَةُ بَيانِ النَّفْيِ، فَإنْ قِيلَ هَلْ فِيهِ بَيانٌ مَعْنَوِيٌّ يُفِيدُ افْتِراقَ (ما) و(لا) في المَعْنى، نَقُولُ: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ (لا) أدَلُّ عَلى النَّفْيِ لِكَوْنِها مَوْضُوعَةً لِلنَّفْيِ وما في مَعْناهُ كالنَّهْيِ خاصَّةً لا يُفِيدُ الإثْباتَ إلّا بِطَرِيقِ الحَذْفِ أوِ الإضْمارِ وبِالجُمْلَةِ فَبِطَرِيقِ المَجازِ كَما في قَوْلِهِ (لا أُقْسِمُ) [البلد: ١] وأمّا (ما) فَغَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ لِلنَّفْيِ لِأنَّها وارِدَةٌ لِغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي حَيْثُ تَكُونُ اسْمًا والنَّفْيُ في الحالِ لا يُفِيدُ النَّفْيَ المُطْلَقَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مَعَ النَّفْيِ في الحالِ الإثْباتُ في الِاسْتِقْبالِ، كَما يُقالُ ما يَفْعَلُ الآنَ شَيْئًا وسَيَفْعَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فاخْتُصَّ بِما لَمْ يَتَمَحَّضْ نَفْيًا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مُتَمَحٍّضَةً لِلنَّفْيِ لا يُقالُ إنَّ (لا) لِلنَّفْيِ في الِاسْتِقْبالِ والإثْباتِ في الحالِ فاكْتَفى في الِاسْتِقْبالِ بِما لَمْ يَتَمَحَّضْ نَفْيًا؛ لِأنّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لا يَفْعَلُ زَيْدٌ ويَفْعَلُ الآنَ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لا يَفْعَلُ غَدًا، ويَفْعَلُ الآنَ لِكَوْنِ قَوْلِكَ غَدًا يَجْعَلُ الزَّمانَ مُمَيَّزًا فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُكَ لا يَفْعَلُ لِلنَّفْيِ في الِاسْتِقْبالِ بَلْ كانَ لِلنَّفْيِ في بَعْضِ أزْمِنَةِ الِاسْتِقْبالِ، وفي مِثالِنا قُلْنا ما لا يَفْعَلُ وسَيَفْعَلُ وما قُلْنا سَيَفْعَلُ غَدًا وبَعْدَ غَدٍ، بَلْ هَهُنا نَفَيْنا في الحالِ وأثْبَتْنا في الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزِ زَمانٍ مِن أزْمِنَةِ الِاسْتِقْبالِ عَنْ زَمانٍ، ومِثالُهُ في العَكْسِ أنْ يُقالَ لا يَفْعَلُ زَيْدٌ وهو يَفْعَلُ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ وتَمْيِيزٍ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском