Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:29–32
50:29Page 519
مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩
The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ مُناسِبٌ لِما تَقَدَّمَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، أمّا إذا قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (لَدَيَّ) أنَّ قَوْلَهُ: (فَألْقِياهُ) وقَوْلَ القائِلِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] لا تَبْدِيلَ لَهُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ العَنِيدِ فَلا يَكُونُ هو ظَلّامًا لِلْعَبِيدِ. وأمّا إذا قُلْنا بِأنَّ المُرادَ لا ﴿يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ بَلْ كانَ الواجِبُ التَّبْدِيلَ قَبْلَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَّ فَكَذَلِكَ لِأنَّهُ أنْذَرَ مِن قَبْلُ، وما عَذَّبَ إلّا بَعْدَ أنْ أرْسَلَ وبَيَّنَ السُّبُلَ، وفِيهِ مَباحِثُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ.
أمّا اللَّفْظِيَّةُ فَهي في الباءِ مِن قَوْلِهِ: ”لَيْسَ بِظَلّامٍ“ وفي اللّامِ مِن قَوْلِهِ: (لِلْعَبِيدِ) أمّا الباءُ فَنَقُولُ الباءُ تَدْخُلُ في المَفْعُولِ بِهِ حَيْثُ لا يَكُونُ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِهِ ظاهِرًا ولا يَجُوزُ إدْخالُها فِيهِ حَيْثُ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ، ويَجُوزُ الإدْخالُ والتَّرْكُ حَيْثُ لا يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ ولا في غايَةِ الخَفاءِ، فَلا يُقالُ ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ لِظُهُورِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِزَيْدٍ، ولا يُقالُ خَرَجْتُ وذَهَبْتُ زَيْدًا بَدَلَ قَوْلِنا خَرَجْتُ وذَهَبْتُ بِزَيْدٍ لِخَفاءِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِزَيْدٍ فِيهِما، ويُقالُ شَكَرْتُهُ لَهُ لِلتَّوَسُّطِ فَكَذَلِكَ خَبَرُ ما لَمّا كانَ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ، ولَيْسَ في كَوْنِهِ فِعْلًا غَيْرَ ظاهِرٍ غايَةَ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ إلْحاقَ الضَّمائِرِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالأفْعالِ الماضِيَةِ كالتّاءِ والنُّونِ في قَوْلِكَ: لَسْتَ ولَسْتُمْ ولَسْتُنَّ ولَسْنا يُصَحِّحُ كَوْنَها فِعْلًا كَما في قَوْلِكَ كُنْتُ وكُنّا، لَكِنْ في الِاسْتِقْبالِ يَبِينُ الفَرْقُ حَيْثُ نَقُولُ يَكُونُ وتَكُونُ، وكُنْ، ولا نَقُولُ ذَلِكَ في لَيْسَ وما يُشَبَّهُ بِها فَصارَتا كالفِعْلِ الَّذِي لا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ غايَةَ الظُّهُورِ، فَجازَ أنْ يُقالَ لَيْسَ زَيْدٌ جاهِلًا ولَيْسَ زَيْدٌ بِجاهِلٍ، كَما يُقالُ مَسَحْتُهُ ومَسَحْتُ بِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ كانَ زَيْدٌ بِخارِجٍ وصارَ عَمْرٌو بِدارِجٍ لِأنَّ صارَ وكانَ فِعْلٌ ظاهِرٌ غايَةَ الظُّهُورِ بِخِلافِ لَيْسَ وما النّافِيَةِ، وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: (ما هَذا بَشَرًا) وهَذا ظاهِرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: لَوْ قالَ قائِلٌ: كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ إخْلاءُ خَبَرِ ما عَنِ الباءِ، كَما لا يَجُوزُ إدْخالُ الباءِ في خَبَرِ كانَ، وخَبَرُ لَيْسَ يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ وتَقْرِيرُ هَذا السُّؤالِ هو أنَّ كانَ لَمّا كانَ فِعْلًا ظاهِرًا جَعَلْناهُ بِمَنزِلَةِ ضَرَبَ حَيْثُ مَنَعْنا دُخُولَ الباءِ في خَبَرِهِ كَما مَنَعْناهُ في مَفْعُولِهِ، ولَيْسَ لَمّا كانَ فِعْلًا مِن وجْهٍ نَظَرًا إلى قَوْلِنا لَسْتَ ولَسْنا
صفحة ١٤٨
ولَسْتُمْ، ولَمْ يَكُنْ فِعْلًا ظاهِرًا نَظَرًا إلى صِيَغِ الِاسْتِقْبالِ والأمْرِ جَعَلْناهُ مُتَوَسِّطًا وجَوَّزْنا إدْخالَ الباءِ في خَبَرِهِ وتَرْكَهُ، كَما قُلْنا في مَفْعُولِ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وما لَمّا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بِوَجْهٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ إلّا بِالحَرْفِ وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجِيءَ خَبَرُهُ إلّا مَعَ الباءِ كَما لا يَجِيءُ مَفْعُولُ ذَهَبَ إلّا مَعَ الباءِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنّا فَرَّقْنا بَيْنَ ما ولَيْسَ وكانَ، وجَعَلَنا لِكُلِّ واحِدَةِ مَرْتَبَةً لَيْسَتْ لِلْأُخْرى فَجَوَّزْنا تَأْخِيرَ كانَ في اللَّفْظِ حَيْثُ جَوَّزْنا أنْ يَقُولَ القائِلُ زَيْدٌ خارِجًا كانَ، وما جَوَّزْنا زَيْدٌ خارِجًا لَيْسَ؛ لِأنَّ كانَ فِعْلٌ ظاهِرٌ ولَيْسَ دُونَهُ في الظُّهُورِ، وما جَوَّزْنا تَأْخِيرَ ما عَنْ أحَدِ شَطْرَيِ الكَلامِ أيْضًا بِخِلافِ لَيْسَ، حَيْثُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ القائِلُ: زَيْدٌ ما بِظَلّامٍ، إلّا أنْ يُعِيدَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيَقُولَ زَيْدٌ ما هو بِظَلّامٍ فَصارَ بَيْنَهُما تَرْتِيبٌ ما يُوَجَّهُ، ولَيْسَ يُؤَخَّرُ عَنْ أحَدِ الشَّطْرَيْنِ ولا يُؤَخَّرُ في الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ يُؤَخَّرُ بِالكُلِّيَّةِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في إلْحاقِ الباءِ كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَصِحَّ إخْلاءُ خَبَرِ ما عَنِ الباءِ، وفي لَيْسَ يَجُوزُ الأمْرانِ، وفي كانَ لا يَجُوزُ الإدْخالُ، وهَذا هو المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ حَيْثُ قالُوا: إنَّ ما بَعْدَ ما إذا جُعِلَ خَبَرًا يَجِبُ إدْخالُ الباءِ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعَرَّبًا عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ ولا يَكُونُ خَبَرًا، والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ هو أنْ نَقُولَ الأكْثَرُ إدْخالُ الباءِ في خَبَرِ ما ولا سِيَّما في القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾ [فاطر: ٢٢]، ﴿وما هم بِخارِجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ [ق: ٢٩] وأمّا الوُجُوبُ فَلا لِأنَّ ما أشْبَهَ لَيْسَ في المَعْنى في الحَقِيقَةِ وخالَفَها في العَوارِضِ وهو لُحُوقُ التّاءِ والنُّونِ، وأمّا في المَعْنى فَهُما لِنَفْيِ الحالِ فالشَّبَهُ مُقْتَضٍ لِجَوازِ الإخْلاءِ، والمُخالَفَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِوُجُوبِ الإدْخالِ، لَكِنَّ ذَلِكَ المُقْتَضى أقْوى لِأنَّهُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ، وهَذا راجِعٌ إلى الأمْرِ العارِضِيِّ وما بِالنَّفْسِ أقْوى مِمّا بِالعارِضِ، وأمّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ وُجُوبُ إدْخالِ الباءِ، وأمّا الكَلامُ في اللّامِ فَنَقُولُ اللّامُ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الإضافَةِ يُقالُ غُلامُ زَيْدٍ وغُلامٌ لِزَيْدٍ، وهَذا في الإضافاتِ الحَقِيقِيَّةِ بِإثْباتِ التَّنْوِينِ فِيهِ، وأمّا في الإضافاتِ اللَّفْظِيَّةِ كَقَوْلِنا: ضارِبُ زَيْدٍ وقاتِلُ عَمْرٍو، فَإنَّ الإضافَةَ فِيهِ غَيْرُ مَعْنَوِيَّةٍ فَإذا خَرَجَ الضّارِبُ عَنْ كَوْنِهِ مُضافًا بِإثْباتِ التَّنْوِينِ فَقَدْ كانَ يَجِبُ أنْ يُعادَ الأصْلُ، ويُنْصَبُ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ الفاعِلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ ولا يُؤْتى بِاللّامِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَبْقَ الإضافَةُ في اللَّفْظِ، ولَمْ تَكُنِ الإضافَةُ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ مُنْحَطُّ الدَّرَجَةِ عَنِ الفِعْلِ فَصارَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ أضْعَفَ مِن تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ، وصارَ مِن بابِ الأفْعالِ الضَّعِيفَةِ التَّعَلُّقِ حَيْثُ بَيَّنّا جَوازَ تَعْدِيَتِها إلى المَفْعُولِ بِحَرْفٍ وغَيْرِ حَرْفٍ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُقالَ: ضارِبٌ زِيدًا أوْ ضارِبٌ لِزَيْدٍ، كَما جازَ: مَسَحْتُهُ ومَسَحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وذَلِكَ إذا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] لِلضَّعْفِ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ فَمَباحِثُ:
الأوَّلُ: الظَّلّامُ مُبالَغَةٌ في الظّالِمِ ويَلْزَمُ مِن إثْباتِهِ إثْباتُ أصْلِ الظُّلْمِ إذا قالَ القائِلُ هو كَذّابٌ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا كَثُرَ كَذِبُهُ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ نَفْيُ أصْلِ الكَذِبِ لِجَوازِ أنْ يُقالَ فُلانٌ لَيْسَ بِكَذّابٍ كَثِيرَ الكَذِبِ لَكِنَّهُ يَكْذِبُ أحْيانًا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ نَفْيُ أصْلِ الظُّلْمِ واللَّهُ لَيْسَ بِظالِمٍ فَما الوَجْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الظَّلّامَ بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلْعَبِيدِ) لِتَحْقِيقِ النِّسْبَةِ لِأنَّ الفَعّالَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى ذِي ظُلْمٍ، وهَذا وجْهٌ جَيِّدٌ مُسْتَفادٌ مِنَ الإمامِ زَيْنِ الدِّينِ أدامَ اللَّهُ فَوائِدَهُ.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْ ظَلَمْتُ عَبْدِيَ
صفحة ١٤٩
الضَّعِيفَ الَّذِي هو مَحَلُّ الرَّحْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ غايَةَ الظُّلْمِ، وما أنا بِذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ ظَلّامًا نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا، ويُحَقِّقُ هَذا الوَجْهَ إظْهارُ لَفْظِ العَبِيدِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي امْتَلَأتْ جَهَنَّمُ مَعَ سِعَتِها حَتّى تَصِيحَ وتَقُولَ لَمْ يَبْقَ لِي طاقَةٌ بِهِمْ، ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَهم فَهَلْ مِن مَزِيدٍ، اسْتِفْهامُ اسْتِكْثارٍ، فَذَلِكَ اليَوْمُ مَعَ أنِّي أُلْقِي فِيها عَدَدًا لا حَصْرَ لَهُ لا أكُونُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّعْذِيبِ كَثِيرَ الظُّلْمِ وهَذا مُناسِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ النَّفْيَ بِالزَّمانِ حَيْثُ قالَ: ما أنا بِظَلّامٍ يَوْمَ نَقُولُ: أيْ وما أنا بِظَلّامٍ في جَمِيعِ الأزْمانِ أيْضًا، وخَصَّصَ بِالعَبِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ولَمْ يُطْلِقْ، فَكَذَلِكَ خَصَّصَ النَّفْيَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ولَمْ يُطْلِقْ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي حَقَّ غَيْرِ العَبِيدِ وإنْ خَصَّصَ، والفائِدَةُ في التَّخْصِيصِ أنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ مِنَ التَّعْمِيمِ.
والثّالِثُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لِأنَّهُ نَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا ولَمْ يَلْزَمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا، ونَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا لِلْعَبِيدِ، ولَمْ يَلْزِمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظَلّامًا لِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في حَقِّ الآدَمِيِّ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ هَهُنا: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، وقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النمل: ٨١]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] عَلى وجْهِ الإضافَةِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: الكَلامُ قَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ العُمُومِ، ثُمَّ يُخَصَّصُ لِأمْرٍ ما لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ويَكُونُ غَرَضُهُ التَّعْمِيمَ، فَإنْ سَألَ سائِلٌ: يُعْطِي مَن، ويَمْنَعُ مَن ؟ يَقُولُ: زَيْدًا وعَمْرًا، ويَأْتِي بِالمُخَصَّصِ لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، وقَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ الخُصُوصِ، فَيَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي زَيْدًا مالَهُ. إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ كَلامٌ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكانَ لِلْعُمُومِ، فَأتى بِلَفْظِ العَبِيدِ لا لِكَوْنِ عَدَمِ الظُّلْمِ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ لِكَوْنِهِمْ أقْرَبَ إلى كَوْنِهِمْ مَحَلَّ الظُّلْمِ مِن نَفْسِهِ تَعالى، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَكانَ في نَفْسِهِ هادِيًا، وإنَّما أرادَ نَفْيَ ذَلِكَ الخاصِّ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النَّمْلِ: ٨١] وما قالَ: ما أنْتَ بِهادٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] .
البَحْثُ الثّالِثُ: العَبِيدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفّارَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [يس: ٣٠] يَعْنِي أُعَذِّبُهم وما أنا بِظَلّامٍ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُؤْمِنِينَ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لَوْ أبْدَلْتُ القَوْلَ ورَحِمْتُ الكافِرَ، لَكُنْتُ في تَكْلِيفِ العِبادِ ظالِمًا لِعِبادِيَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنِّي مَنَعْتُهم مِنَ الشَّهَواتِ لِأجْلِ هَذا اليَوْمِ، فَإنْ كانَ يَنالُ مَن لَمْ يَأْتِ بِما أتى المُؤْمِنُ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُ، لَكانَ إتْيانُهُ بِما أتى بِهِ مِنَ الإيمانِ والعِبادَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ فائِدَةً، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيمَ. ثُمَّ قالَ تَعالى:
50:30Page 519
يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠
On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ .
العامِلُ في (يَوْمَ) ماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما أنا بِظَلّامٍ مُطْلَقًا.
والثّانِي: الوَقْتُ، حَيْثُ قالَ ما أنا يَوْمَ
صفحة ١٥٠
كَذا، ولَمْ يَقُلْ: ما أنْ بِظَلّامٍ في سائِرِ الأزْمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَإنْ قِيلَ فَما فائِدَةُ التَّخْصِيصِ ؟ نَقُولُ النَّفْيُ الخاصُّ أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ مِنَ النَّفْيِ العامِّ؛ لِأنَّ المُتَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَإنَّ قاصِرَ النَّظَرِ يَقُولُ: يَوْمَ يُدْخِلُ اللَّهُ عَبْدَهُ الضَّعِيفَ جَهَنَّمَ يَكُونُ ظالِمًا لَهُ، ولا يَقُولُ: بِأنَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ يَرْزُقُهُ ويُرَبِّيهِ يَكُونُ ظالِمًا، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَظْلِمُ عَبْدَهُ بِإدْخالِهِ النّارَ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَ عَبِيدِهِ المَذْكُورِينَ، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ مَن يُدْخِلُ خَلْقًا كَثِيرًا لا يَجُوزُهُ حَدٌّ ولا يُدْرِكُهُ عَدُّ النّارِ ويَتْرُكُهم فِيهِ زَمانًا لا نِهايَةَ لَهُ كَثِيرُ الظُّلْمِ، فَنَفى ما يُتَوَهَّمُ دُونَ ما لا يُتَوَهَّمُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ بَيانٌ لِتَصْدِيقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِبَيانِ اسْتِكْثارِها الدّاخِلِينَ، كَما أنَّ مَن يَضْرِبُ غَيْرَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، أوْ يَشْتُمُهُ شَتْمًا قَبِيحًا فاحِشًا، ويَقُولُ المَضْرُوبُ: هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ !، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( لَأمْلَأنَّ) لِأنَّ الِامْتِلاءَ لا بُدَّ مِن أنْ يَحْصُلَ، فَلا يَبْقى في جَهَنَّمَ مَوْضِعٌ خالٍ حَتّى تَطْلُبَ المَزِيدَ.
والثّانِي: هو أنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ، وحِينَئِذٍ لَوْ قالَ قائِلٌ فَكَيْفَ يُفْهَمُ مَعَ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (لَأمْلَأنَّ) ؟ نَقُولُ: (الجَوابُ): عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الكَلامَ رُبَّما يَقَعُ قَبْلَ إدْخالِ الكُلِّ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ جَهَنَّمَ تَتَغَيَّظُ عَلى الكُفّارِ فَتَطْلُبُهم، ثُمَّ يَبْقى فِيها مَوْضِعٌ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، فَتَطْلُبُ جَهَنَّمُ امْتِلاءَها لِظَنِّها بَقاءَ أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ خارِجًا، فَيُدْخَلُ العاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَيُبْرِدُ إيمانُهَ حَرارَتَها، ويُسْكِنُ إيقانُهُ غَيْظَها فَتَسْكُنُ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ، أنَّ جَهَنَّمَ تَطْلُبُ الزِّيادَةَ حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ قَدَمَهُ، والمُؤْمِنُ جَبّارٌ مُتَكَبِّرٌ عَلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى ذَلِيلٌ مُتَواضِعٌ لِلَّهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ تَطْلُبُ أوَّلًا سِعَةً في نَفْسِها، ثُمَّ مَزِيدًا في الدّاخِلِينَ لِظَنِّها بَقاءَ أحَدٍ مِنَ الكُفّارٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المَلْءَ لَهُ دَرَجاتٌ، فَإنَّ الكَيْلَ إذا مُلِئَ مِن غَيْرِ كَبْسٍ صَحَّ أنْ يُقالَ: مُلِئَ وامْتَلَأ، فَإذا كُبِسَ يَسَعُ غَيْرَهُ ولا يُنافِي كَوْنَهُ مَلْآنَ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ في جَهَنَّمَ مَلَأها اللَّهُ ثُمَّ تَطْلُبُ زِيادَةً تَضْيِيقًا لِلْمَكانِ عَلَيْهِمْ وزِيادَةً في التَّعْذِيبِ، والمَزِيدُ جازَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ تَزِيدُ بِهِ.
50:31Page 519
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١
And Paradise will be brought near to the righteous, not far,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ . بِمَعْنى قَرِيبًا أوْ بِمَعْنى قَرِيبٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ التَّقْرِيبِ، مَعَ أنَّ الجَنَّةَ مَكانٌ والأمْكِنَةُ يَقْرُبُ مِنها وهي لا تَقْرُبُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ: عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الجَنَّةَ لا تُزالُ ولا تُنْقَلُ، ولا المُؤْمِنُ يُؤْمَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالِانْتِقالِ إلَيْها مَعَ بُعْدِها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَطْوِي المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ المُؤْمِنِ والجَنَّةِ فَهو التَّقْرِيبُ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا لَيْسَ إزْلافُ الجَنَّةِ مِنَ المُؤْمِنِ بِأوْلى مِن إزْلافِ المُؤْمِنِ مِنَ الجَنَّةِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ ؟ نَقُولُ: إكْرامًا لِلْمُؤْمِنِ، كَأنَّهُ تَعالى أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ المُتَّقِي أنَّهُ مِمَّنْ يُمْشى إلَيْهِ ويُدْنى مِنهُ.
الثّانِي: قُرِّبَتْ مِنَ الحُصُولِ في الدُّخُولِ، لا بِمَعْنى القُرْبِ المَكانِيِّ، يُقالُ يَطْلُبُ مِنَ المَلِكِ أمْرًا خَطِيرًا، والمَلِكُ بِعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إذا رَأى مِنهُ مَخايِلَ إنْجازِ حاجَتِهِ يُقالُ قُرِّبَ المَلِكُ، وما زِلْتُ أُنْهِي إلَيْهِ حالَكَ حَتّى قَرَّبْتَهُ، فَكَذَلِكَ الجَنَّةُ كانَتْ بَعِيدَةَ الحُصُولِ؛ لِأنَّها بِما فِيها لا قِيمَةَ لَها، ولا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلى تَحْصِيلِها لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ ﷺ: «”ما مِن أحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ولا أنا“»
صفحة ١٥١
وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ”غَيْرَ“ نُصِبَ عَلى الحالِ، تَقْدِيرُهُ قُرِّبَتْ مِنَ الحُصُولِ، ولَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً في المَسافَةِ حَتّى يُقالَ كَيْفَ قُرِّبَتْ.
الثّالِثُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى نَقْلِ الجَنَّةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَيُقَرِّبُها لِلْمُؤْمِنِ. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّها قُرِّبَتْ، فَمَعْناهُ جُمِعَتْ مَحاسِنُها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَلى هَذا الوَجْهِ وعَلى قَوْلِنا قُرِّبَتْ تَقْرِيبَ حُصُولٍ ودُخُولٍ، فَهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، وأمّا في جَمْعِ المَحاسِنِ فَرُبَّما يَزِيدُ اللَّهُ فِيها زِينَةَ وقْتِ الدُّخُولِ، وأمّا في الحُصُولِ فَلِأنَّ الدُّخُولَ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ مُسْتَبْعَدًا إذا لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ في الدُّنْيا ووَعَدَ بِهِ في الآخِرَةِ فَقُرِّبَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ﴾ أيْ أُزْلِفَتْ في الدُّنْيا، إمّا بِمَعْنى جَمْعِ المَحاسِنِ فَلِأنَّها مَخْلُوقَةٌ وخُلِقَ فِيها كُلُّ شَيْءٍ، وإمّا بِمَعْنى تَقْرِيبِ الحُصُولِ فَلِأنَّها تَحْصُلُ بِكَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وإمّا عَلى تَفْسِيرِ الإزْلافِ بِالتَّقْرِيبِ المَكانِيِّ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا إلّا عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ أيْ أُزْلِفَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلْمُتَّقِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ حُمِلَ عَلى القُرْبِ المَكانِيِّ، فَما الفائِدَةُ في الِاخْتِصاصِ بِالمُتَّقِينَ مَعَ أنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ في عَرْصَةٍ واحِدَةٍ ؟ فَنَقُولُ قَدْ يَكُونُ شَخْصانِ في مَكانٍ واحِدٍ وهُناكَ مَكانٌ آخَرُ هو إلى أحَدِهِما في غايَةِ القُرْبِ، وعَنِ الآخَرِ في غايَةِ البُعْدِ، مِثالُهُ مَقْطُوعُ الرِّجْلَيْنِ والسَّلِيمُ الشَّدِيدُ العَدْوِ إذا اجْتَمَعا في مَوْضِعٍ وبِحَضْرَتِهِما شَيْءٌ لا تَصِلُ إلَيْهِ اليَدُ بِالمَدِّ فَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ المَقْطُوعِ وهو في غايَةِ القُرْبِ مِنَ العادِي، أوْ نَقُولُ: إذا اجْتَمَعَ شَخْصانِ في مَكانِ وأحَدُهُما أُحِيطَ بِهِ سَدٌّ مِن حَدِيدٍ ووُضِعَ بِقُرْبِهِ شَيْءٌ لا تَنالُهُ يَدُهُ بِالمَدِّ والآخَرُ لَمْ يُحِطْ بِهِ ذَلِكَ السَّدُّ يَصِحُّ أنْ يُقالَ هو بَعِيدٌ عَنِ المَسْدُودِ وقَرِيبٌ مِنَ المَحْظُوظِ والمَجْدُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ يُقالُ اجْلِسْ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنِّي أيْ مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وذَلِكَ لِأنَّ القَرِيبَ قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ، فَإنَّ المَكانَ الَّذِي هو عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البِلادِ النّائِيَةِ وبَعِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَنَزَّهاتِ المَدِينَةِ، فَإذا قالَ قائِلٌ أيُّما أقْرَبُ المَسْجِدُ الأقْصى أوِ البَلَدُ الَّذِي هو بِأقْصى المَغْرِبِ أوِ المَشْرِقِ ؟ يُقالُ لَهُ المَسْجِدُ الأقْصى قَرِيبٌ، وإنْ قالَ أيُّهُما أقْرَبُ هو أوِ البَلَدُ ؟ يُقَلْ لَهُ هو بَعِيدٌ. فَقَوْلُهُ تَعالى:”وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ...... غَيْرَ بَعِيدٍ“ أيْ قُرِّبَتْ قُرْبًا حَقِيقِيًّا لا نِسْبِيًّا حَيْثُ لا يُقالُ فِيها إنَّها بَعِيدَةٌ عَنْهُ مُقايَسَةً أوْ مُناسِبَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: قَرُبَتْ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ غايَةَ التَّقْرِيبِ أوْ نَقُولُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْنى أُزْلِفَتْ قَرُبَتْ وهي غَيْرُ بَعِيدٍ، فَيَحْصُلُ المَعْنَيانِ جَمِيعًا الإقْرابُ والِاقْتِرابُ أوْ يَكُونُ المُرادُ القُرْبَ والحُصُولَ لا لِلْمَكانِ فَيَحْصُلُ مَعْنَيانِ القُرْبُ المَكانِيُّ بِقَوْلِهِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ والحُصُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُزْلِفَتْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أُزْلِفَتْ﴾ عَلى التَّأْنِيثِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: إذا قُلْنا إنَّ غَيْرَ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ مَكانًا غَيْرَ.
الثّانِي: التَّذْكِيرُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦] إجْراءٌ لِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
الثّالِثُ: أنْ يُقالَ ”غَيْرَ“ مَنصُوبٌ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ إزْلافًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنْ قُدْرَتِنا فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الجَنَّةَ مَكانٌ، والمَكانُ لا يَقْرُبُ وإنَّما يُقْرَبُ مِنهُ، فَقالَ: الإزْلافُ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قُدْرَتِنا فَإنّا نَطْوِي المَسافَةَ بَيْنَهُما.
50:32Page 519
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢
[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].
صفحة ١٥٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ بَدَلٌ عَنِ المُتَّقِينَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ لِكُلِّ أوّابٍ“ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ وهَذا بَدَلُ الكُلِّ وقالَ: (هَذا) إشارَةً إلى الثَّوابِ أيْ هَذا الثَّوابُ ما تُوعَدُونَ أوْ إلى الإزْلافِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُزْلِفَتْ﴾ أيْ هَذا الإزْلافُ ما وُعِدْتُمْ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هو كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ ووَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى لا ما يُوعَدُ بِهِ يُقالُ لِلْمَوْعُودِ هَذا لَكَ وكَأنَّهُ تَعالى قالَ هَذا ما قُلْتُ إنَّهُ لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ في تُوعَدُونَ، وكَذَلِكَ إنْ قُرِئَ بِالياءِ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ هَذا لِكُلِّ أوّابٍ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ، والأوّابُ الرَّجّاعُ، قِيلَ هو الَّذِي يَرْجِعُ مِنَ الذُّنُوبِ ويَسْتَغْفِرُ، والحَفِيظُ الحافِظُ لِلَّذِي يَحْفَظُ تَوْبَتَهُ مِنَ النَّقْضِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الأوّابُ هو الرَّجّاعُ إلى اللَّهِ بِفِكْرِهِ، والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ اللَّهَ في ذِكْرِهِ أيْ رَجَعَ إلَيْهِ بِالفِكْرِ فَيَرى كُلَّ شَيْءٍ واقِعًا بِهِ ومُوجَدًا مِنهُ ثُمَّ إذا انْتَهى إلَيْهِ حَفِظَهُ بِحَيْثُ لا يَنْساهُ عِنْدَ الرَّخاءِ والنَّعْماءِ، والأوّابُ والحَفِيظُ كِلاهُما مِن بابِ المُبالَغَةِ أيْ يَكُونُ كَثِيرَ الأوْبِ شَدِيدَ الحِفْظِ، وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ أدَقُّ، وهو أنَّ الأوّابَ هو الَّذِي رَجَعَ عَنْ مُتابَعَةِ هَواهُ في الإقْبالِ عَلى ما سِواهُ، والحَفِيظُ هو الَّذِي إذا أدْرَكَهُ بِأشْرَفِ قُواهُ لا يَتْرُكُهُ فَيُكْمِلُ بِها تَقْواهُ ويَكُونُ هَذا تَفْسِيرًا لِلْمُتَّقِي؛ لِأنَّ المُتَّقِي هو الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والتَّعْطِيلَ ولَمْ يُنْكِرْهُ ولَمْ يَعْتَرِفْ بِغَيْرِهِ، والأوّابُ هو الَّذِي لا يَعْتَرِفُ بِغَيْرِهِ ويَرْجِعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والحَفِيظُ هو الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ إلى شَيْءٍ مِمّا عَداهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences