Ar-RaziAt‑Tur · 52:33–40

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:33–40

52:33–34Page 525

أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.

فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤

Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [ الطُّورِ: ٣٠] وتَقْدِيرُهُ عَلى ما ذَكَرْنا أتَقُولُونَ كاهِنٌ، أمْ تَقُولُونَ شاعِرٌ، أمْ تَقَوَّلَهُ.

ثُمَّ قالَ لِبُطْلانِ جَمِيعِ الأقْسامِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أيْ إنْ كانَ هو شاعِرًا فَفِيكُمُ الشُّعَراءُ البُلَغاءُ والكَهَنَةُ الأذْكِياءُ ومَن يَرْتَجِلُ الخُطَبَ والقَصائِدَ ويَقُصُّ القَصَصَ ولا يَخْتَلِفُ النّاقِصُ والزّائِدُ، فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ، والتَّقَوُّلُ يُرادُ بِهِ الكَذِبُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ التَّفَعُّلَ لِلتَّكَلُّفِ وِإراءَةِ الشَّيْءِ وهو لَيْسَ عَلى ما يُرى، يُقالُ تَمَرَّضَ فُلانٌ أيْ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا، وأرى مِن نَفْسِهِ المَرَضَ وحِينَئِذٍ كَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ كَذِبٌ، ولَيْسَ بِقَوْلٍ إنَّما هو تَقَوُّلُ صُورَةِ القَوْلِ، ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ بِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ المُكَذِّبَ هو الصّادِقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَيانُ هَذا أنَّهم كانُوا في زَمانِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ المُعْجِزَةِ كانُوا

صفحة ٢٢٢

يُشاهِدُونَها وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَشْهَدُوا لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ ويَكُونُوا كالنُّجُومِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَما كانَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بَلْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا أيْضًا وهو أنْ يَكُونُوا مِن آحادِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا تِلْكَ الأُمُورَ ولَمْ يَظْهَرِ الأمْرُ عِنْدَهم ذَلِكَ الظُّهُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ لِيُصَحِّحَ كَلامَهم ويُبْطِلَ كَلامَهُ وفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ بِقَوْلِ القائِلِ لِمَن يَدَّعِي أمْرًا أوْ فِعْلًا ويَكُونُ غَرَضُهُ إظْهارَ عَجْزِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ هاهُنا يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ائْتُوا مُطْلَقًا بَلْ إنَّما قالَ: ائْتُوا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ووُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ يَجِبُ الإتْيانُ بِهِ، وأمْرُ التَّعْجِيزِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٥٨] ولَيْسَ هَذا بَحْثًا يُورِثُ خَلَلًا في كَلامِهِمْ.

الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَدِيثُ مُحْدَثٌ والقُرْآنُ سَمّاهُ حَدِيثًا فَيَكُونُ مُحْدَثًا، نَقُولُ الحَدِيثُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، يُقالُ لِلْمُحْدَثِ والقَدِيمِ، ولِهَذا يَصِحُّ أنْ يُقالَ هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ بِمَعْنى مُتَقادِمِ العَهْدِ لا بِمَعْنى سَلْبِ الأوَّلِيَّةِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ.

الثّالِثُ: النُّحاةُ يَقُولُونَ: الصِّفَةُ تَتْبَعُ المَوْصُوفَ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، لَكِنَّ المَوْصُوفَ حَدِيثٌ وهو مُنَكَّرٌ، ومِثْلُ مُضافٌ إلى القُرْآنِ والمُضافُ إلى المُعَرَّفِ مُعَرَّفٌ، فَكَيْفَ هَذا ؟ نَقُولُ مِثْلُ وغَيْرُ لا يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما هو مِثْلُهُما والسَّبَبُ أنَّ غَيْرَ أوْ مِثْلًا وأمْثالَهُما في غايَةِ التَّنْكِيرِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ ما رَأيْتُ شَيْئًا مِثْلَ زَيْدٍ يَتَناوَلُ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلُ زَيْدٍ في كَوْنِهِ شَيْئًا، فالجَمادُ مِثْلُهُ في الجِسْمِ والحَجْمِ والإمْكانِ، والنَّباتُ مِثْلُهُ في النُّشُوءِ والنَّماءِ والذُّبُولِ والفَناءِ، والحَيَوانُ مِثْلُهُ في الحَرَكَةِ والإدْراكِ وغَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ، وأمّا غَيْرُ فَهو عِنْدَ الإضافَةِ يُنَكَّرُ وعِنْدَ قَطْعِ الإضافَةِ رُبَّما يَتَعَرَّفُ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ غَيْرَ زَيْدٍ صارَ في غايَةِ الإيهامِ، فَإنَّهُ يَتَناوَلُ أُمُورًا لا حَصْرَ لَها، وأمّا إذا قَطَعْتَهُ عَنِ الإضافَةِ رُبَّما تَقُولُ الغَيْرُ والمُغايَرَةُ مِن بابٍ واحِدٍ وكَذَلِكَ التَّغَيُّرُ فَتَجْعَلُ الغَيْرَ كَأسْماءِ الأجْناسِ، أوْ تَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً وتُرِيدُ بِهِ مَعْنًى مُعَيَّنًا.

الرّابِعُ: ﴿إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ [ الطُّورِ: ٣٣] وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما سَبَقَ مِن أنَّهُ كاهِنٌ وأنَّهُ مَجْنُونٌ، وأنَّهُ شاعِرٌ، وأنَّهُ مُتَقَوِّلٌ، ولَوْ كانُوا صادِقِينَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَهانَ عَلَيْهِمِ الإتْيانُ بِمِثْلِ القُرْآنِ، ولَمّا امْتَنَعَ كَذَبُوا في الكُلِّ.

البَحْثُ الخامِسُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ ولا شَكَّ فِيهِ، فَإنَّ الخَلْقَ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما يَقْرُبُ مِنهُ عِنْدَ التَّحَدِّي فَإمّا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا لِفَصاحَتِهِ وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا لِصَرْفِ اللَّهِ عُقُولَ العُقَلاءِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وعَقْلِهِ ألْسِنَتَهم عَنِ النُّطْقِ بِما يَقْرُبُ مِنهُ، ومَنعِ القادِرِ مِنَ الإتْيانِ بِالمَقْدُورِ كَإتْيانِ الواحِدِ بِفِعْلٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَإنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ أنا أُحَرِّكُ هَذا الجَبَلَ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ، وكَذا إذا قالَ إنِّي أفْعَلُ فِعْلًا لا يَقْدِرُ الخَلْقُ [ مَعَهُ] عَلى حَمْلِ تُفّاحَةٍ مِن مَوْضِعِها يُسْتَبْعَدُ مِنهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ فِعْلٌ مُعْجِزٌ إذا اتَّصَلَ بِالدَّعْوى، وهَذا مَذْهَبُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ ولا فَسادَ فِيهِ وعَلى أنْ يُقالَ هو مُعْجِزٌ بِهِما جَمِيعًا.

صفحة ٢٢٣

52:35–36Page 525

أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥

Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?

أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦

Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ومِن هُنا لا خِلافَ أنَّ (أمْ) لَيْسَتْ بِمَعْنى بَلْ، لَكِنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ما يَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، إمّا بِالهَمْزَةِ فَكَأنَّهُ يَقُولُ أخُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أوْ هَلْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هو عَلى أصْلِ الوَضْعِ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقَعُ في أثْناءِ الكَلامِ وتَقْدِيرُهُ أما خُلِقُوا، أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، أمْ هُمُ الخالِقُونَ ؟ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ نَقُولُ لَمّا كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ ونَسَبُوهُ إلى الكِهانَةِ والجُنُونِ والشِّعْرِ وبَرَّأهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمْ وبَدَأ بِأنْفُسِهِمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ كَيْفَ يُكَذِّبُونَهُ وفي أنْفُسِهِمْ دَلِيلُ صِدْقِهِ لِأنَّ قَوْلَهَ في ثَلاثَةِ أشْياءَ في التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والرِّسالَةِ فَفي أنْفُسِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ، وبَيانُهُ هو أنَّهم خُلِقُوا وذَلِكَ دَلِيلُ التَّوْحِيدِ لِما بَيَّنّا أنَّ في كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ.

وأمّا الحَشْرُ فَلِأنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الخَلْقِ الثّانِي وإمْكانِهِ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ الِاسْتِفْهاماتِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٤٣] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُ فَلِمَ حُذِفَ قَوْلُهُ أما خُلِقُوا ؟ نَقُولُ: لِظُهُورِ انْتِفاءِ ذَلِكَ ظُهُورًا لا يَبْقى مَعَهُ لِلْخِلافِ وجْهٌ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يُصَدَّرْ بِقَوْلِهِ أما خُلِقُوا ويَقُولُ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ؟ نَقُولُ لِيُعْلَمَ أنَّ قَبْلَ هَذا أمْرًا مَنفِيًّا ظاهِرًا، وهَذا المَذْكُورُ قَرِيبٌ مِنهُ في ظُهُورِ البُطْلانِ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أيْضًا ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونُطْفَةٍ، نَقُولُ: الأوَّلُ أظْهَرُ في البُطْلانِ لِأنَّ كَوْنَهم غَيْرَ مَخْلُوقِينَ أمْرٌ يَكُونُ مُدَّعِيهِ مُنْكِرًا لِلضَّرُورَةِ فَمُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ لِأمْرٍ ضَرُورِيٍّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ المَنقُولُ مِنها أنَّهم، خُلِقُوا مِن غَيْرِ خالِقٍ وقِيلَ إنَّهم خُلِقُوا لا لِشَيْءٍ عَبَثًا، وقِيلَ إنَّهم خُلِقُوا مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، أيْ ألَمْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ أوْ مِن ماءٍ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ المُرْسَلاتِ: ٢٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الِاسْتِفْهامُ الثّانِي لَيْسَ بِمَعْنى النَّفْيِ بَلْ هو بِمَعْنى الإثْباتِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٩]، ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٦٤]، ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٧٢] كُلُّ ذَلِكَ في الأوَّلِ مَنفِيٌّ وفي الثّانِي مُثْبَتٌ كَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أيِ الصّادِقُ هو هَذا الثّانِي حِينَئِذٍ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ الإثْباتُ والآدَمِيُّ خُلِقَ مِن تُرابٍ ؟ نَقُولُ: والتُّرابُ خُلِقَ مِن غَيْرِ شَيْءٍ، فالإنْسانُ إذا نَظَرْتَ إلى خَلْقِهِ وأسْنَدْتَ النَّظَرَ إلى ابْتِداءِ أمْرِهِ وجَدْتَهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ شَيْءٍ، أوْ نَقُولُ المُرادُ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ مَذْكُورٍ أوْ مُعْتَبَرٍ وهو الماءُ المَهِينُ.

صفحة ٢٢٤

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الوَجْهُ في ذِكْرِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ الَّتِي في الآيَةِ ؟ نَقُولُ هي أُمُورٌ مُرَتَّبَةٌ كُلُّ واحِدٍ مِنها يَمْنَعُ القَوْلَ بِالوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ فاسْتُفْهِمَ بِها، وقالَ أما خُلِقُوا أصْلًا، ولِذَلِكَ يُنْكِرُونَ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ لِانْتِفاءِ الإيجادِ وهو الخَلْقُ، ويُنْكِرُونَ الحَشْرَ لِانْتِفاءِ الخَلْقِ الأوَّلِ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾، أيْ أمْ يَقُولُونَ بِأنَّهم خُلِقُوا لا لِشَيْءٍ فَلا إعادَةَ، كَما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١١٥] . وعَلى قَوْلِنا إنَّ المُرادَ خُلِقُوا لا مِن تُرابٍ ولا مِن ماءٍ فَلَهُ وجْهٌ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الخَلْقَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن شَيْءٍ بَلْ يَكُونُ إبْداعِيًّا يَخْفى كَوْنُهُ مَخْلُوقًا عَلى بَعْضِ الأغْبِياءِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمُ: السَّماءُ رُفِعَ اتِّفاقًا ووُجِدَ مِن غَيْرِ خالِقٍ، وأمّا الإنْسانُ الَّذِي يَكُونُ أوَّلًا نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا وعَظْمًا لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن إنْكارِهِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ تَغَيُّرِ أحْوالِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾ بِحَيْثُ يَخْفى عَلَيْهِمْ وجْهُ خَلْقِهِمْ بِأنْ خُلِقُوا ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبْقِ حالَةٍ عَلَيْهِمْ يَكُونُونَ فِيها تُرابًا ولا ماءً ولا نُطْفَةً، لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هم كانُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ خُلِقُوا مِنهُ خَلْقًا، فَما خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ حَتّى يُنْكِرُوا الوَحْدانِيَّةَ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [ الزُّمَرِ: ٦] ولِهَذا أكْثَرَ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [ الإنْسانِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ المُرْسَلاتِ: ٢٠] يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفى المَجْمُوعَ بِنَفْيِ الخَلْقِ، فَيَكُونَ كَأنَّهُ قالَ: أخُلِقْتُمْ لا مِن ماءٍ، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، أيْ مِن غَيْرِ خالِقٍ فَفِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ الصّانِعِ، إمّا أنْ يَكُونَ بِنَفْيِ كَوْنِ العالَمِ مَخْلُوقًا فَلا يَكُونُ مُمْكِنًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، لَكِنَّ المُمْكِنَ لا يَكُونُ مُحْتاجًا فَيَقَعُ المُمْكِنُ مِن غَيْرِ مُؤَثِّرٍ، وكِلاهُما مُحالٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ فَمَعْناهُ الخالِقُونَ لِلْخَلْقِ فَيَعْجِزُ الخالِقُ بِكَثْرَةِ العَمَلِ، فَإنَّ دَأْبَ الإنْسانِ أنَّهُ يَعْيا بِالخَلْقِ، فَما قَوْلُهم أما خُلِقُوا فَلا يَثْبُتُ لَهم إلَهٌ البَتَّةَ، أمْ خُلِقُوا وخَفِيَ عَلَيْهِمْ وجْهُ الخَلْقِ أمْ جَعَلُوا الخالِقَ مِثْلَهم فَنَسَبُوا إلَيْهِ العَجْزَ، ومِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ ق: ١٥] هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الحَشْرِ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوْحِيدِ فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: الأُمُورُ مُخْتَلِفَةٌ واخْتِلافُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُؤَثِّراتِ، وقالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ ص: ٥] فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ حَيْثُ لا يَقْدِرُ الخَبّازُ عَلى الخِياطَةِ والخَيّاطُ عَلى البِناءِ وكُلُّ واحِدٍ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.

52:37–38Page 525

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧

Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?

أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨

Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو أنَّهم لا يُوقِنُونَ بِأنَّهم خُلِقُوا، وهو حِينَئِذٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٥] أيْ هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ ولَيْسَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ.

وثانِيها: المُرادُ بَلْ لا يُوقِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ، وتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ ما خُلِقُوا وإنَّما لا يُوقِنُونَ بِوِحْدَةِ اللَّهِ.

وثالِثُها: لا يُوقِنُونَ أصْلًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ مَفْعُولٍ، يُقالُ فُلانٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وفُلانٌ لَيْسَ بِكافِرٍ لِبَيانِ مَذْهَبِهِ وإنْ لَمْ يَنْوِ مَفْعُولًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ يُؤْذِي ويُؤَدِّي لِبَيانِ ما فِيهِ لا مَعَ القَصْدِ إلى ذِكْرِ مَفْعُولٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ أنَّهم ما خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ ولا يُوقِنُونَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ، بَلْ لا يُوقِنُونَ أصْلًا وإنْ جِئْتَهم بِكُلِّ آيَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ

صفحة ٢٢٥

﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [ الطُّورِ: ٤٤] وهَذِهِ الآيَةُ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الآفاقِ، وقَوْلُهُ مِن قَبْلُ ﴿أمْ خُلِقُوا﴾ [ الطُّورِ: ٣٧] دَلِيلُ الأنْفُسِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: المُرادُ مِنَ الخَزائِنِ خَزائِنُ الرَّحْمَةِ.

ثانِيها: خَزائِنُ الغَيْبِ.

ثالِثُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ المَخْفِيَّةِ عَنِ الأعْيانِ. رابِعُها: خَزائِنُ المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَمْ يَرَها الإنْسانُ ولَمْ يَسْمَعْ بِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ الأوَّلُ والثّانِي مَنقُولٌ، والثّالِثُ والرّابِعُ مُسْتَنْبَطٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ تَتِمَّةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَيْسُوا بِخَزَنَةِ [ رَحْمَةِ] اللَّهِ فَيَعْلَمُوا خَزائِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ بِمُجَرَّدِ انْتِفاءِ كَوْنِهِمْ خَزَنَةً يَنْتَفِي العِلْمُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُشْرِفًا عَلى الخِزانَةِ، فَإنَّ العِلْمَ بِالخَزائِنِ عِنْدَ الخازِنِ والكاتِبِ في الخِزانَةِ، فَقالَ لَسْتُمْ بِخَزَنَةٍ ولا بِكَتَبَةِ الخِزانَةِ المُسَلَّطِينَ عَلَيْها، ولا يَبْعُدُ تَفْسِيرُ المُسَيْطِرِينَ بِكَتَبَةِ الخِزانَةِ؛ لِأنَّ التَّرْكِيبَ يَدُلُّ عَلى السَّطْرِ وهو يُسْتَعْمَلُ في الكِتابِ، وقِيلَ المُسَيْطِرُ المُسَلَّطُ وقُرِئَ بِالصّادِ، وكَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مَعَ الطّاءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (بِمُصَيْطِرٍ) [ الغاشِيَةِ: ٢٢] و[ قَدْ قُرِئَ] مُصَيْطِرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ وهو أيْضًا تَتْمِيمٌ لِلدَّلِيلِ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ خازِنًا ولا كاتِبًا قَدْ يَطَّلِعُ عَلى الأمْرِ بِالسَّماعِ مِنَ الخازِنِ أوِ الكاتِبِ، فَقالَ أنْتُمْ لَسْتُمْ بِخَزَنَةٍ ولا كَتَبَةٍ ولا اجْتَمَعْتُمْ بِهِمْ، لِأنَّهم مَلائِكَةٌ ولا صُعُودَ لَكم إلَيْهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ نَفْيُ الصُّعُودِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ السُّلَّمِ لَهم نَفْيُ الصُّعُودِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ النَّفْيُ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الصُّعُودِ، وهو نَفْيُ الِاسْتِماعِ وآخِرُ الآيَةِ شامِلٌ لِلْكُلِّ، قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السُّلَّمُ لا يُسْتَمَعُ فِيهِ، وإنَّما يُسْتَمَعُ عَلَيْهِ، فَما الجَوابُ ؟ نَقُولُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ صاعِدِينَ فِيهِ.

وثانِيهِما: ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ أنَّ في بِمَعْنى عَلى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [ طَه: ٧١] أيْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وكِلاهُما ضَعِيفٌ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ والتَّغْيِيرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِمَ تَرَكَ ذِكْرَ مَفْعُولِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وماذا هو ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: المُسْتَمَعُ هو الوَحْيُ، أيْ هَلْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ الوَحْيَ.

ثانِيها: يَسْتَمِعُونَ ما يَقُولُونَ مِن أنَّهُ شاعِرٌ، وأنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، وأنَّ الحَشْرَ لا يَكُونُ.

ثالِثُها: تَرَكَ المَفْعُولَ رَأْسًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَلْ لَهم قُوَّةُ الِاسْتِماعِ مِنَ السَّماءِ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، وكَلامُهُ لَيْسَ بِمُرْسَلٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَلْيَأْتُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [ الطُّورِ: ٣٤] نَقُولُ طَلَبَ مِنهم ما يَكُونُ أهْوَنَ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِمْ، لِيَكُونَ اجْتِماعُهم عَلَيْهِ أدَلَّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، فَقالَ هُناكَ ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ أيِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وتَعاوَنُوا، وأتَوْا بِمِثْلِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ أهْوَنُ، وأمّا الِارْتِقاءُ في السُّلَّمِ بِالِاجْتِماعِ [ فَإنَّهُ] مُتَعَذِّرٌ لِأنَّهُ لا يَرْتَقِي إلّا واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، ولا يَحْصُلُ في الدَّرَجَةِ العُلْيا إلّا

صفحة ٢٢٦

واحِدٌ فَقالَ: ﴿فَلْيَأْتِ﴾ ذَلِكَ الواحِدُ الَّذِي كانَ أشَدَّ رُقِيًّا بِما سَمِعَهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ما المُرادُ بِهِ ؟ نَقُولُ هو إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّهُ لَوْ طُلِبَ مِنهم ما سَمِعُوهُ، وقِيلَ لَهم ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ بِما سَمِعَ لَكانَ لِواحِدٍ أنْ يَقُولَ: أنا سَمِعْتُ كَذا وكَذا فَيَفْتَرِي كَذِبًا، فَقالَ لا بَلِ الواجِبُ أنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

52:39Page 525

أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩

Or has He daughters while you have sons?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الشِّرْكِ، وفَسادِ ما يَقُولُونَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّ المُتَصَرِّفَ إنَّما يَحْتاجُ إلى الشَّرِيكِ لِعَجْزِهِ، واللَّهُ قادِرٌ فَلا شَرِيكَ لَهُ، فَإنَّهم قالُوا: نَحْنُ لا نَجْعَلُ هَذِهِ الأصْنامَ وغَيْرَها شُرَكاءَ، وإنَّما نُعَظِّمُها لِأنَّها بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى: كَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، وخَلْقُ البَناتِ والبَنِينَ إنَّما كانَ لِجَوازِ الفَناءِ عَلى الشَّخْصِ، ولَوْلا التَّوالُدُ لانْقَطَعَ النَّسْلُ وارْتَفَعَ الأصْلُ، مِن غَيْرِ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ الفَصْلُ، فَقَدَّرَ اللَّهُ التَّوالُدَ، ولِهَذا لا يَكُونُ في الجَنَّةِ وِلادَةٌ، لِأنَّ الدّارَ دارُ البَقاءِ، لا مَوْتَ فِيها لِلْآباءِ، حَتّى تُقامَ العِمارَةُ بِحُدُوثِ الأبْناءِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالوَلَدُ إنَّما يَكُونُ في صُورَةِ إمْكانِ فَناءِ الأبِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٢] أيْ حَيٌّ لا يَمُوتُ فَيَحْتاجُ إلى ولَدٍ يَرِثُهُ، وهو قَيُّومٌ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَضْعُفُ، فَيَفْتَقِرُ إلى ولَدٍ لِيَقُومَ مَقامَهُ، لِأنَّهُ ورَدَ في نَصارى نَجْرانَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ هَذا بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وقالَ إنَّهم يَجْعَلُونَ لَهُ بَناتٍ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ بَنَيْنَ، مَعَ أنَّ جَعْلَ البَناتِ لَهم أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ البَناتِ تُعِينُ عَلى كَثْرَةِ الأوْلادِ، لِأنَّ الإناثَ الكَثِيرَةَ يُمْكِنُ مِنهُنَّ الوِلادَةُ بِأوْلادٍ كَثِيرَةٍ مِن واحِدٍ. وأمّا الذُّكُورُ الكَثِيرَةُ لا يُمْكِنُ مِنهم إحْبالُ أُنْثى واحِدَةٍ بِأوْلادٍ، ألا تَرى أنَّ الغَنَمَ لا يُذْبَحُ مِنها الإناثُ إلّا نادِرًا، وذَلِكَ لِما ثَبَتَ أنَّ إبْقاءَ النَّوْعِ بِالأُنْثى أنْفَعُ نَظَرًا إلى التَّكْثِيرِ، فَقالَ تَعالى: أنا القَيُّومُ الَّذِي لا فَناءَ لِي، ولا حاجَةَ لِي في بَقاءِ النَّوْعِ في حُدُوثِ الشَّخْصِ، وأنْتُمْ مُعَرَّضُونَ لِلْمَوْتِ العاجِلِ، وبَقاءُ العالَمِ بِالإناثِ أكْثَرُ، وتَتَبَرَّءُونَ مِنهُنَّ واللَّهُ تَعالى مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ وتَجْعَلُونَ لَهُ البَناتِ، وعَلى هَذا فَما تَقَدَّمَ كانَ إشارَةً إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ نَظَرًا إلى أنَّهُ لا ابْتِداءَ لِلَّهِ، وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ نَظَرًا إلى أنَّهُ لا فَناءَ لَهُ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وقَعَ لَهم نِسْبَةُ البَناتِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ هَذا أمْرٌ في غايَةِ القُبْحِ لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ، والقَوْمُ كانَ لَهُمُ العُقُولُ الَّتِي هي مَناطُ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في العِلْمِ بِفَسادِ هَذا القَوْلِ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ القَوْلُ دَعاهم إلَيْهِ اتِّباعُ العَقْلِ، وعَدَمُ اعْتِبارِ النَّقْلِ، ومَذْهَبُهم في ذَلِكَ مَذْهَبُ الفَلاسِفَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ: يَجِبُ اتِّباعُ العَقْلِ الصَّرِيحِ، ويَقُولُونَ النَّقْلُ بِمَعْزِلٍ لا يُتَّبَعُ إلّا إذا وافَقَ العَقْلَ، وإذا وافَقَ فَلا اعْتِبارَ لِلنَّقْلِ، لِأنَّ العَقْلَ هُناكَ كافٍ، ثُمَّ قالُوا الوالِدُ يُسَمّى والِدًا؛ لِأنَّهُ سَبَبُ وُجُودِ الوَلَدِ، ولِهَذا يُقالُ إذا ظَهَرَ شَيْءٌ مِن شَيْءٍ: هَذا تَوَلَّدَ مِن ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ الحُمّى تَتَوَلَّدُ مِن عُفُونَةِ الخَلْطِ، فَقالُوا اللَّهُ تَعالى سَبَبُ وُجُودِ المَلائِكَةِ سَبَبًا واجِبًا لا اخْتِيارَ لَهُ فَسَمَّوْهُ بِالوالِدِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِما يُوهِمُ النَّقْصَ، ووُجُوبُ الِاقْتِصارِ في أسْمائِهِ عَلى الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي ورَدَ بِها الشَّرْعُ لِعَدَمِ اعْتِبارِهِمُ النَّقْلَ، فَقالُوا يَجُوزُ إطْلاقُ الأسْماءِ المَجازِيَّةِ والحَقِيقِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَسَمَّوْهُ عاشِقًا ومَعْشُوقًا، وسَمَّوْهُ أبًا ووالِدًا، ولَمْ يُسَمُّوهُ ابْنًا ولا مَوْلُودًا بِاتِّفاقِهِمْ، وذَلِكَ ضَلالَةٌ.

صفحة ٢٢٧

52:40Page 525

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠

Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾

وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اطَّرَحُوا الشَّرْعَ واتَّبَعُوا ما ظَنُّوهُ عَقْلًا، وسَمُّوا المَوْجُودَ بَعْدَ العَدَمِ مَوْلُودًا ومُتَوَلِّدًا، والمُوجِدُ والِدًا لَزِمَهُمُ الكُفْرُ بِسَبَبِهِ والإشْراكُ، فَقالَ لَهم ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلى اطِّراحِ الشَّرْعِ، وتَرْكِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ ؟ هَلْ ذَلِكَ لِطَلَبِهِ مِنكم شَيْئًا فَما كانَ يَسَعُهم أنْ يَقُولُوا نَعَمْ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوا لا، فَنَقُولُ لَهم: كَيْفَ اتَّبَعْتُمْ قَوْلَ الفَلْسَفِيِّ الَّذِي يُسَوِّغُ لَكُمُ الزُّورَ وما يُوجِبُ الِاسْتِخْفافَ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى لَفْظًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى كَما تَقُولُونَ، ولا تَتَّبِعُونَ الَّذِي يَأْمُرُكم بِالعَدْلِ في المَعْنى والإحْسانِ في اللَّفْظِ، ويَقُولُ لَكُمُ اتَّبِعُوا المَعْنى الحَقَّ الواضِحَ واسْتَعْمِلُوا اللَّفْظَ الحَسَنَ المُؤَدَّبَ ؟ وهَذا في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في سُؤالِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قالَ أمْ تَسْألُهم ولَمْ يَقُلْ أمْ يُسْألُونَ أجْرًا كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [ يُونُسَ: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [ الطُّورِ: ٤٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: تَسْلِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الِاسْتِماعِ واسْتَنْكَفُوا مِنَ الِاتِّباعِ صَعُبَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ رَبُّهُ أنْتَ أتَيْتَ بِما عَلَيْكَ فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأنْتَ غَيْرُ مَلُومٍ، وإنَّما كُنْتَ تُلامُ لَوْ كُنْتَ طَلَبْتَ مِنهم أجْرًا، فَهَلْ طَلَبْتَ ذَلِكَ فَأثْقَلَهم ؟ لا فَلا حَرَجَ عَلَيْكَ إذًا.

ثانِيهِما: أنَّهُ لَوْ قالَ أمْ يُسْألُونَ لَزِمَ في أجْرٍ مُطْلَقًا ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ ويُطالِبُونَ بِالأجْرِ مِن رُؤَسائِهِمْ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ لَهُ أنْتَ لا تَسْألُهم أجْرًا فَهم لا يَتَّبِعُونَكَ، وغَيْرُكَ يَسْألُهم وهم يُسْألُونَ ويَتَّبِعُونَ السّائِلِينَ، وهَذا غايَةُ الضَّلالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ ألْزَمْتَ أنْ تُبَيِّنَ أنَّ أمْ لا تَقَعُ إلّا مُتَوَسِّطَةً حَقِيقَةً أوْ تَقْدِيرًا فَكَيْفَ ذَلِكَ هاهُنا ؟ نَقُولُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ أتَهْدِيهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أمْ تَسْألُهم أجْرًا، وتَرَكَ الأوَّلَ لِعَدَمِ وُقُوعِ الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ إنَّ المِقْدارَ هو واحِدٌ أمْ لَهُ البَناتُ، وتَرَكَ ذِكْرَ الأوَّلِ لِعَدَمِ وُقُوعِ الإنْكارِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَوْنِهِمْ قائِلِينَ بِأنَّهُ لا يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يُرِيدُ الرِّياسَةَ والأجْرَ في الدُّنْيا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ في خُصُوصِ قَوْلِهِ تَعالى (أجْرًا) فائِدَةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ لَوْ قالَ أمْ تَسْألُهم شَيْئًا أوْ مالًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ أنَّ كُلَّ لَفْظٍ في القُرْآنِ فِيهِ فائِدَةٌ وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُها، والَّذِي يَظْهَرُ هاهُنا أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَأْتِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ مَصْلَحَتُهم وذَلِكَ لِأنَّ الأجْرَ لا يُطْلَبُ إلّا عِنْدَ فِعْلِ شَيْءٍ يُفِيدُ المَطْلُوبُ مِنهُ الأجْرَ فَقالَ: أنْتَ أتَيْتَهم بِما لَوْ طَلَبْتَ عَلَيْهِ أجْرًا وعَلِمُوا كَمالَ ما في دَعْوَتِكَ مِنَ المَنفَعَةِ لَهم وبِهِمْ، لَأتَوْكَ بِجَمِيعِ أمْوالِهِمْ ولَفَدَوْكَ بِأنْفُسِهِمْ، ومَعَ هَذا لا تَطْلُبُ مِنهم أجْرًا، ولَوْ قالَ شَيْئًا أوْ مالًا لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ مِنهم أجْرًا ما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾

صفحة ٢٢٨

[ الشُّورى: ٢٣] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا ما فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ لا تَفْرِقَةَ بَيْنِهِما بَلِ الكُلُّ حَقٌّ وكِلاهُما كَكَلامٍ واحِدٍ، وبَيانُهُ هو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [ الشُّورى: ٢٣] هو أنِّي لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا يَعُودُ إلى الدُّنْيا، وإنَّما أجْرِي المَحَبَّةُ في الزُّلْفى إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّ عِبادَ اللَّهِ الكامِلِينَ أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عِبادِهِ النّاقِصِينَ، وعِبادَ اللَّهِ الَّذِينَ كَلَّمَهُمُ اللَّهُ وكَلَّمُوهُ وأرْسَلَهم لِتَكْمِيلِ عِبادِهِ فَكَمِلُوا أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ [ لَمْ يُكَلِّمْهُمْ] ولَمْ يُرْسِلْهُمُ اللَّهُ ولَمْ يَكْمُلُوا، وعَلى هَذا فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [ هُودٍ: ٢٩] وإلَيْهِ أنْتَمِي، وقَوْلُهُ ﷺ: ”«فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ» “، وقَوْلُهُ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ وبَيْنَ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ المُرادُ أجْرُ الدُّنْيا، وقَوْلَهُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ المُرادُ العُمُومُ ثُمَّ اسْتَثْنى، ولا حاجَةَ إلى ما قالَهُ الواحِدِيُّ إنَّ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ مَعْناهُ لَكِنَّ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ ذَكَرْناهُ هُناكَ فَلْيُطْلَبْ مِنهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ ما طَلَبَ مِنهم شَيْئًا ولَوْ طالَبَهم بِأجْرٍ ما كانَ لَهم أنْ يَتْرُكُوا اتِّباعَهُ بِأدْنى شَيْءٍ، اللَّهُمَّ إلّا إنْ أثْقَلَهُمُ التَّكْلِيفُ ويَأْخُذُ كُلَّ ما لَهم ويَمْنَعُهُمُ التَّخْلِيفَ، فَيُثْقِلُهُمُ الدَّيْنُ بَعْدَما لا يَبْقى لَهُمُ العَيْنُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском