Ar-RaziAt‑Tur · 52:46–49

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:46–49

52:46Page 525

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦

The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ .

صفحة ٢٣٤

لَمّا قالَ: ﴿يُلاقُوا يَوْمَهُمُ﴾ [ الطُّورِ: ٤٥] وكُلُّ بَرِّ وفاجِرٍ يُلاقِي يَوْمَهُ أعادَ صِفَةَ يَوْمِهِمْ وذَكَرَ ما يَتَمَيَّزُ بِهِ يَوْمُهم عَنْ يَوْمِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ وهو يُخالِفُ يَوْمَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ تَعالى قالَ فِيهِ ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [ المائِدَةِ: ١١٩]، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ”يَوْمَ لا يُغْنِي“ وجْهانِ:

الأوَّلُ: بَدَلٌ عَنْ قَوْلِهِ (يَوْمَهم) .

ثانِيهِما: ظَرْفُ يُلاقُوا أيْ يُلاقُوا يَوْمَهم يَوْمَ، فَإنْ قِيلَ هَذا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ اليَوْمُ في يَوْمٍ فَيَكُونَ اليَوْمُ ظَرْفَ اليَوْمِ نَقُولُ هو عَلى حَدِّ قَوْلِ مَن يَقُولُ يَأْتِي يَوْمُ قَتْلِ فُلانٍ يَوْمَ تُبَيَّنُ جَرائِمُهُ، ولا مانِعَ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرْنا بَحْثَ الزَّمانِ وجَوازَ كَوْنِهِ ظَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: (يَوْمَئِذٍ) وجَوازُ إضافَةِ اليَوْمِ إلى الزَّمانِ مَعَ أنَّهُ زَمانٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ يَوْمَ لا يُغْنِيهِمْ كَيْدُهم مَعَ أنَّ الإغْناءَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ وهي أنَّ قَوْلَ القائِلِ أغْنانِي كَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ نَفَعَنِي، وقَوْلَهُ أغْنى عَنِّي يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ دَفَعَ عَنِّي الضَّرَرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ أغْنانِي مَعْناهُ في الحَقِيقَةِ أفادَنِي غَيْرَ مُسْتَفِيدٍ وقَوْلَهُ: أغْنى عَنِّي، أيْ لَمْ يُحْوِجْنِي إلى الحُضُورِ فَأغْنى غَيْرِي عَنْ حُضُورِي يَقُولُ مَن يُطْلَبُ لِأمْرٍ: خُذُوا عَنِّي ولَدِي، فَإنَّهُ يُغْنِي عَنِّي أيْ يُغْنِيكم عَنِّي فَيَدْفَعُ عَنِّي أيْضًا مَشَقَّةَ الحُضُورِ فَقَوْلُهُ ﴿لا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضَّرَرَ، ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ لا يَدْفَعُ عَنْهم ضَرَرًا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لا يَنْفَعُهم نَفْعًا وإنَّما في المُؤْمِنِ لَوْ قالَ يَوْمَ يُغْنِي عَنْهم صِدْقُهم لَما فُهِمَ مِنهُ نَفْعُهم، فَقالَ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ [ المائِدَةِ: ١١٩] كَأنَّهُ قالَ يَوْمَ يُغْنِيهِمْ صِدْقُهم، فَكَأنَّهُ اسْتَعْمَلَ في المُؤْمِنِ يُغْنِيهِمْ وفي الكافِرِ لا يُغْنِي عَنْهم وهو مِمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن يَكُونُ عِنْدَهُ مِن عِلْمِ البَيانِ طَرَفٌ ويَتَفَكَّرُ بِقَرِيحَةٍ وقّادَةٍ آياتِ اللَّهِ ووَفَّقَهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ، والأصْلُ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى المُظْهَرِ، أمّا في الأوَّلِ فَلِأنَّ الفاعِلَ مُتَّصِلٌ بِالفِعْلِ؛ ولِهَذا قالُوا فَعَلْتُ فَأسْكَنُوا اللّامَ لِئَلّا يَلْزَمَ أرْبَعُ مُتَحَرِّكاتٍ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وقالُوا ضَرَبَكَ ولَمْ يُسَكِّنُوا لِأنَّ الكافَ ضَمِيرُ المَفْعُولِ وهو مُنْفَصِلٌ، وأمّا تَقْدِيمُ المُضْمَرِ فَلِأنَّهُ يَكُونُ أشَدَّ اخْتِصارًا، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرَبَنِي زَيْدٌ يَكُونُ أقْرَبَ إلى الِاخْتِصارِ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ إيّايَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ اخْتِصارٌ كَقَوْلِكَ مَرَّ بِي زَيْدٌ ومَرَّ بِي فالأوْلى تَقْدِيمُ الفاعِلِ، وهاهُنا لَوْ قالَ يَوْمَ لا يُغْنِيهِمْ كَيْدُهم كانَ الأحْسَنُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ، فَإذا قالَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم صارَ كَما قُلْنا في مَرَّ زَيْدٌ بِي فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمِ الفاعِلَ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمِ البَيانِ، وهو أنَّ تَقْدِيمَ الأهَمِّ أوْلى فَلَوْ قالَ يَوْمُ لا يُغْنِي كَيْدُهم كانَ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ رُبَّما يَقُولُ لا يُغْنِي كَيْدُهم غَيْرَهم فَيَرْجُو الخَيْرَ في حَقِّهِمْ، وإذا سَمِعَ لا يُغْنِي عَنْهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهُ وانْتَظَرَ الأمْرَ الَّذِي لَيْسَ بِمُغْنٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الكَيْدِ هو فِعْلٌ يَسُوءُ مَن نَزَلَ بِهِ وإنْ حَسُنَ مِمَّنْ صَدَرَ مِنهُ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ العَمَلِ الَّذِي يَسُوءُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَقُلْ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم أفْعالُهم عَلى الإطْلاقِ ؟ نَقُولُ هو قِياسٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى لِأنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَقالَ ما أغْنى أحْسَنُ أعْمالِهِمُ الَّذِي كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ لِيَقْطَعَ رَجاءَهم عَمّا دُونَهُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ وقَدْ قُلْنا إنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ تَدْبِيرُهم في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿هُمُ المَكِيدُونَ﴾ أيْ لا يَنْفَعُهم كَيْدُهم في الدُّنْيا فَماذا يَفْعَلُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الكَيْدُ بَلْ يَضُرُّهم، وقَوْلُهُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

صفحة ٢٣٥

فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ مُتَمِّمُ بَيانٍ، وجْهُهُ هو أنَّ الدّاعِيَ أوَّلًا يُرَتِّبُ أُمُورًا لِدَفْعِ المَكْرُوهِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى الِانْتِصارِ بِالغَيْرِ والمِنَّةِ ثُمَّ إذا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ يَنْتَصِرُ بِالأغْيارِ، فَقالَ لا يَنْفَعُهم أفْعالُ أنْفُسِهِمْ ولا يَنْصُرُهم عِنْدَ اليَأْسِ وحُصُولِ اليَأْسِ عَنْ إقْبالِهِمْ.

ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ [ يس: ٢٣]، فَقَوْلُهُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ، وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ [ يُونُسَ: ١٨] وقَوْلُهم ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا﴾ [ الزُّمَرِ: ٣] وقَوْلُهُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، أيْ لا نَصِيرَ لَهم كَما لا شَفِيعَ، ودَفْعُ العَذابِ، إمّا بِشَفاعَةِ شَفِيعٍ أوْ بِنَصْرِ ناصِرٍ.

ثالِثُها: أنْ نَقُولَ: الإضافَةُ في كَيْدِهِمْ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، لا إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ، فَكَأنَّهُ قالَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُ الشَّيْطانِ إيّاهم، وبَيانُهُ هو أنَّكَ تَقُولُ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ عَمْرًا، وأعْجَبَنِي ضَرْبُ عَمْرٍو، فَإذا اقْتَصَرْتَ عَلى المَصْدَرِ والمُضافِ إلَيْهِ لا يُعْلَمُ إلّا بِالقَرِينَةِ والنِّيَّةِ، فَإذا سَمِعْتَ قَوْلَ القائِلِ، أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ ضارِبًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَضْرُوبًا، فَإذا سَمِعْتَ قَوْلَ القائِلِ، أعْجَبَنِي قَطْعُ اللِّصِّ عَلى سَرِقَتِهِ دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا فاسِدٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ إيضاحُ واضِحٍ لِأنَّ كَيْدَ المَكِيدِ لا يَنْفَعُ قَطْعًا، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، لَكِنَّ كَيْدَ الكائِدِ يَظُنُّ أنَّهُ يَنْفَعُ، فَقالَ تَعالى: ذَلِكَ لا يَنْفَعُ، نَقُولُ كَيْدَ الشَّيْطانِ إيّاهم عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّها تَنْفَعُ، وأمّا كَيْدُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ وإنَّما طَلَبُوا أنْ يَنْفَعَهم في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، فالإشْكالُ يَنْقَلِبُ عَلى صاحِبِ الوَجْهِ الأوَّلِ، ولا إشْكالَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إذا تَفَكَّرْتَ فِيما قُلْناهُ.

52:47Page 525

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧

And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ في اتِّصالِ الكَلامِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [ الطُّورِ: ٤٥] وذَلِكَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ جَوازِ القِتالِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ نازِلٌ قَبْلَ شَرْعِ القِتالِ، وحِينَئِذٍ كَأنَّهُ قالَ فَذَرْهم ولا تَذَرْهم مُطْلَقًا مِن غَيْرِ قِتالٍ، بَلْ لَهم قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ حَيْثُ تُؤْمَرُ بِقِتالِهِمْ، فَيَكُونُ بَيانًا وعْدًا يَنْسَخُ فَذَرْهم بِالعَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ.

ثانِيهِما: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغْنِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَيْدَهم لا يُغْنِي عَنْهم قالَ ولا يَقْتَصِرُ عَلى عَدَمِ الإغْناءِ بَلْ لَهم مَعَ أنَّ كَيْدَهم لا يُغْنِي ويْلٌ آخَرُ وهو العَذابُ المُعَدُّ لَهم، ولَوْ قالَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم كانَ يُوهِمُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ، ولَكِنْ لا يَضُرُّ، ولَمّا قالَ مَعَ ذَلِكَ ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا﴾ زالَ ذَلِكَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ ظَلَمُوا هم أهْلُ مَكَّةَ إنْ قُلْنا العَذابُ هو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وإنْ قُلْنا العَذابُ هو عَذابُ القَبْرِ فالَّذِينَ ظَلَمُوا عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ هاهُنا ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو كَيْدُهم نَبِيَّهم.

والثّانِي: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ.

والثّالِثُ: كُفْرُهم وهَذا مُناسِبٌ لِلْوَجْهِ الثّانِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”دُونَ ذَلِكَ“، عَلى قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مَعْناهُ (قَبْلَ) ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٢١] ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:

أحَدُهُما: دُونَ ذَلِكَ، أيْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ في الدَّوامِ والشِّدَّةِ، يُقالُ الضَّرْبُ دُونَ القَتْلِ في الإيلامِ، ولا شَكَّ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ

صفحة ٢٣٦

عَلى هَذا المَعْنى، وعَلى هَذا فَفِيهِ فائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ العَظِيمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قالَ عَذابًا دُونَ ذَلِكَ أيْ قَتْلًا وعَذابًا في القَبْرِ فَيَتَفَكَّرُ المُتَفَكِّرُ ويَقُولُ ما يَكُونُ القَتْلُ دُونَهُ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، فَإنْ قِيلَ فَهَذا المَعْنى لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ قُلْنا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ولَكِنْ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ هاهُنا هَذا الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ القائِلِ: تَحْتَ لَجاجِكَ مَفاسِدُ ودُونَ غَرَضِكَ مَتاعِبُ، وبَيانُهُ هو أنَّهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ وضَعُوها في غَيْرِ مَوْضِعِها الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ، فَقِيلَ لَهم إنَّ لَكم دُونَ ذَلِكَ الظُّلْمِ عَذابًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ الظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ، وفِيهِ وجْهانِ آخَرانِ:

أحَدُهُما: في قَوْلِهِ يُصْعَقُونَ، وقَوْلِهِ ﴿يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى عَذابٍ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [ الطُّورِ: ٧] وقَوْلُهُ دُونَ ذَلِكَ، أيْ دُونَ ذَلِكَ العَذابِ.

ثانِيهِما: دُونَ ذَلِكَ، أيْ كَيْدِهِمْ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكَيْدِ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في المِثالِ الَّذِي مَثَّلْنا وهو قَوْلُ القائِلِ: تَحْتَ لَجاجِكَ حِرْمانُكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَكَرْنا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ جَرى عَلى عادَةِ العَرَبِ حَيْثُ تُعَبِّرُ عَنِ الكُلِّ بِالأكْثَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [ سَبَأٍ: ٤١] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ عَلى تِلْكَ العادَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ اللَّهَ اسْتَحْسَنَها مِنَ المُتَكَلِّمِ حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ بَعِيدًا عَنِ الخُلْفِ.

ثانِيها: مِنهم مَن آمَنَ فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لا يَعْلَمُ.

ثالِثُها: هم في أكْثَرِ الأحْوالِ لَمْ يَعْلَمُوا وفي بَعْضِ الأحْوالِ عَلِمُوا وأقَلُّهُ أنَّهم عَلِمُوا حالَ الكَشْفِ وإنْ لَمْ يَنْفَعْهم.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَفْعُولُ ”لا يَعْلَمُونَ“ جازَ أنْ يَكُونَ هو ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ: وهو أنَّ لَهم عَذابًا دُونَ ذَلِكَ، وجازَ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَفْعُولٌ أصْلًا، فَيَكُونَ المُرادُ أكْثَرُهم غافِلُونَ جاهِلُونَ.

52:48Page 525

وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨

And be patient, [O Muḥammad], for the decision of your Lord, for indeed, you are in Our eyes [i.e., sight]. And exalt [Allāh] with praise of your Lord when you arise

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [ ق: ٣٩] ونُشِيرُ إلى بَعْضِهِ هاهُنا فَإنَّ طُولَ العَهْدِ يُنْسِي، فَنَقُولُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [ الطُّورِ: ٤٥] كانَ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في نُصْحِهِمْ نَفْعٌ ولا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [ الطُّورِ: ٤٤] وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى الدُّعاءِ كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [ نُوحٍ: ٢٦] وكَما دَعا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ﴾ وبَدِّلِ اللَّعْنَ بِالتَّسْبِيحِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ بَدَلَ قَوْلِكَ اللَّهُمَّ أهْلِكْهم ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [ القَلَمِ: ٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَكِيدُونَهُ كانَ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي في العُرْفِ المُبادَرَةَ إلى إهْلاكِهِمْ لِئَلّا يَتِمَّ كَيْدُهم فَقالَ: اصْبِرْ ولا تَخَفْ، فَإنَّكَ مَحْفُوظٌ بِأعْيُنِنا.

ثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ فاصْبِرْ ولا تَدْعُ عَلَيْهِمْ فَإنَّكَ بِمَرْأًى مِنّا نَراكَ، وهَذِهِ الحالَةُ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عَلى أفْضَلِ ما يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ، لَكِنَّ كَوْنَكَ مُسَبِّحًا لَنا أفْضَلَ مِن كَوْنِكَ داعِيًا عَلى عِبادٍ خَلَقْناهم، فاخْتَرِ الأفْضَلَ فَإنَّكَ بِمَرْأًى مِنّا.

ثالِثُها: أنَّ مَن يَشْكُو حالَهُ عَنْدَ

صفحة ٢٣٧

غَيْرِهِ يَكُونُ فِيهِ إنْباءٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِ المَشْكُوِّ إلَيْهِ بِحالِ الشّاكِي، فَقالَ تَعالى: اصْبِرْ ولا تَشْكُ حالَكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا نَراكَ فَلا فائِدَةَ في شَكْواكَ، وفِيهِ مَسائِلُ مُخْتَصَّةٌ بِهَذا المَوْضِعِ لا تُوجَدُ في قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ طَه: ١٣٠] .

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ﴾ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: هي بِمَعْنى (إلى) أيِ اصْبِرْ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ.

الثّانِي: الصَّبْرُ فِيهِ مَعْنى الثَّباتِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ فاثْبُتْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، يُقالُ ثَبَتَ فُلانٌ لِحَمْلِ قَرْنِهِ.

الثّالِثُ: هي اللّامُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّبَبِ، يُقالُ: لِمَ خَرَجْتَ ؟ فَيُقالُ لِحُكْمِ فُلانٍ عَلَيَّ بِالخُرُوجِ، فَقالَ: (واصْبِرْ) واجْعَلْ سَبَبَ الصَّبْرِ امْتِثالَ الأمْرِ، حَيْثُ قالَ واصْبِرْ لِهَذا الحُكْمِ عَلَيْكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ وقالَ في مَواضِعَ أُخَرَ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [ طَه: ٣٩] نَقُولُ لَمّا وحَّدَ الضَّمِيرَ هُناكَ وهو ياءُ المُتَكَلِّمِ وحَّدَ العَيْنَ، ولَمّا ذَكَرَ هاهُنا ضَمِيرَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (بِأعْيُنِنا) وهو النُّونُ جَمَعَ العَيْنَ، وقالَ: (بِأعْيُنِنا) هَذا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى فَلِأنَّ الحِفْظَ هاهُنا أتَمُّ لِأنَّ الصَّبْرَ مَطِيَّةُ الرَّحْمَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ اجْتَمَعَ لَهُ النّاسُ وجَمَعُوا لَهُ مَكايِدَ وتَشاوَرُوا في أمْرِهِ، وكَذَلِكَ أمَرَهُ بِالفُلْكِ وأمَرَهُ بِالِاتِّخاذِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ وحَفَظَهُ مِنَ الغَرَقِ مَعَ كَوْنِ كُلِّ البِقاعِ مَغْمُورَةً تَحْتَ الماءِ تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ عَظِيمٍ في نَظَرِ الخَلْقِ فَقالَ بِأعْيُنِنا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ تَعَلُّقِ الباءِ هاهُنا ؟ قُلْنا قَدْ ظَهَرَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، أمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ لِلْحِفْظِ فَتَقْدِيرُهُ مَحْفُوظٌ بِأعْيُنِنا، وإنْ قُلْنا لِلْعِلْمِ فَمَعْناهُ بِمَرْأًى مِنّا، أيْ بِمَكانٍ نَراكَ، وتَقْدِيرُهُ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا مَرْئِيٌّ، وحِينَئِذٍ هو كَقَوْلِ القائِلِ رَأيْتُهُ بِعَيْنَيَّ، كَما يُقالُ كُتِبَ بِالقَلَمِ الآلَةِ وإنْ كانَ رُؤْيَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِآلَةٍ، فَإنْ قِيلَ فَما الفَرْقُ في المَوْضِعَيْنِ حَيْثُ قالَ في طه ﴿عَلى عَيْنِي﴾ [ طَه: ٣٩] وقالَ هاهُنا (بِأعْيُنِنا) وما الفَرْقُ بَيْنَ عَلى وبَيْنَ الباءِ ؟ نَقُولُ مَعْنى عَلى هُناكَ هو أنَّهُ يَرى عَلى ما يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى، كَما يَقُولُ أفْعَلُهُ عَلى عَيْنِي أيْ عَلى رِضايَ، تَقْدِيرُهُ عَلى وجْهٍ يَدْخُلُ في عَيْنِي وألْتَفِتُ إلَيْهِ، فَإنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِغَيْرِهِ ولا يَرْتَضِيهِ لا يَنْظُرُ فِيهِ ولا يُقَلِّبُ عَيْنَهُ إلَيْهِ، والباءُ في قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قَدْ ذَكَرْناها، وقَوْلُهُ (حِينَ تَقُومُ) فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَقُومُ مِن مَوْضِعِكَ، والمُرادُ قَبْلَ القِيامِ حِينَ ما تَعْزِمُ عَلى القِيامِ وحِينَ مَجِيءِ القِيامِ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ «مَن قالَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ مِن قَبْلِ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ يُكْتَبُ ذَلِكَ كَفارَّةً» لِما يَكُونُ قَدْ صَدَرَ مِنهُ مِنَ اللَّفْظِ واللَّغْوِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ.

الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِنَ النَّوْمِ، وقَدْ ورَدَ أيْضًا فِيهِ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ ”«يُسَبِّحُ بَعْدَ الِانْتِباهِ» “ .

الثّالِثُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ في افْتِتاحِ الصَّلاةِ ”«سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ» “ .

الرّابِعُ: حِينَ تَقُومُ لِأمْرٍ ما ولا سِيَّما إذا قُمْتَ مُنْتَصِبًا لِمُجاهَدَةِ قَوْمِكَ ومُعاداتِهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وبَدِّلْ قِيامَكَ لِلْمُعاداةِ وانْتِصابَكَ لِلِانْتِقامِ بِقِيامِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ.

الخامِسُ: (حِينَ تَقُومُ) أيْ بِالنَّهارِ، فَإنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ السُّكُونِ والنَّهارَ مَحَلُّ الِابْتِغاءِ وهو بِالقِيامِ أوْلى، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَقِيَ مِنَ الزَّمانِ، وكَذَلِكَ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وهو أوَّلُ الصُّبْحِ.

52:49Page 525

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩

And in a part of the night exalt Him and after [the setting of] the stars.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ .

صفحة ٢٣٨

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٧] وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ الِاخْتِصاصِ بِهَذِهِ الأوْقاتِ ومَعْناهُ، ونَخْتِمُ هَذِهِ السُّورَةَ بِفائِدَةٍ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ هاهُنا ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقالَ في ق ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ ق: ٤٠]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ المَعْنى واحِدٌ والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ جَمْعُ ساجِدٍ، ولِلنُّجُومِ سُجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٦] وقِيلَ المُرادُ مِنَ النَّجْمِ نُجُومُ السَّماءِ، وقِيلَ النَّجْمُ ما لا ساقَ لَهُ مِنَ النَّباتِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [ النَّحْلِ: ٤٩] أوِ المُرادُ مِنَ النُّجُومِ الوَظائِفُ وكُلُّ وظِيفَةِ نَجْمٍ في اللُّغَةِ أيْ إذا فَرَغْتَ مِن وظائِفِ الصَّلاةِ فَقُلْ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ”«مَن قالَ عَقِيبَ الصَّلاةِ سُبْحانَ اللَّهِ عَشْرَ مَرّاتٍ والحَمْدُ لِلَّهِ عَشْرَ مَرّاتٍ واللَّهُ أكْبَرُ عَشْرَ مَرّاتٍ كُتِبَ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ» “ فَيَكُونُ المَعْنى في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ السُّجُودَ مِنَ الوَظائِفِ، والمَشْهُورُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن إدْبارِ النُّجُومِ وقْتُ الصُّبْحِ حَيْثُ يُدْبِرُ النَّجْمُ ويَخْفى ويَذْهَبُ ضِياؤُهُ بِضَوْءِ الشَّمْسِ، وحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ ما ذَكَرْنا مِنَ الوَجْهِ الخامِسِ في قَوْلِهِ حِينَ تَقُومُ أنَّ المُرادَ مِنهُ النَّهارُ لِأنَّهُ مَحَلُّ القِيامِ (ومِنَ اللَّيْلِ) القَدْرُ الَّذِي يَكُونُ الإنْسانُ يَقْظانَ فِيهِ ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقْتُ الصُّبْحِ فَلا يَخْرُجُ عَنِ التَّسْبِيحِ إلّا وقْتَ النَّوْمِ. وهَذا آخِرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ واللَّهُ أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском