Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
القمر
Al-Qamar
The Moon · Meccan · 55 ayahs
54:1–2Page 528
ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١
The Hour has come near, and the moon has split [in two].1
وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ٢
And if they see a sign [i.e., miracle], they turn away and say, "Passing magic."1
صفحة ٢٦
(سُورَةُ القَمَرِ)
خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ أوَّلُ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] فَكَأنَّهُ أعادَ ذَلِكَ مَعَ الدَّلِيلِ، وقالَ قُلْتُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ وهو حَقٌّ؛ إذِ القَمَرُ انْشَقَّ، والمُفَسِّرُونَ بِأسْرِهِمْ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ، وحَصَلَ فِيهِ الِانْشِقاقُ، ودَلَّتِ الأخْبارُ عَلى حَدِيثِ الِانْشِقاقِ، وفي الصَّحِيحِ خَبَرٌ مَشْهُورٌ رَواهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وقالُوا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الِانْشِقاقِ بِعَيْنِها مُعْجِزَةً، فَسَألَ رَبَّهُ فَشَقَّهُ ومَضى، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ سَيَنْشَقُّ، وهو بَعِيدٌ ولا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ مَن مَنَعَ ذَلِكَ وهو الفَلْسَفِيُّ يَمْنَعُهُ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، ومَن يُجَوِّزُهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ الذّاهِبُ؛ لِأنَّ الِانْشِقاقَ أمْرٌ هائِلٌ، فَلَوْ وقَعَ لَعَمَّ وجْهَ الأرْضِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّواتُرِ، نَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ يَتَحَدّى بِالقُرْآنِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَأْتِي بِأفْصَحِ ما يَكُونُ مِنَ الكَلامِ، وعَجَزُوا عَنْهُ، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزَةً باقِيَةً إلى قِيامِ القِيامَةِ لا يَتَمَسَّكُ بِمُعْجِزَةٍ أُخْرى فَلَمْ يَنْقُلْهُ العُلَماءُ بِحَيْثُ يَبْلُغُ حَدَّ التَّواتُرِ. وأمّا المُؤَرِّخُونَ فَتَرَكُوهُ؛ لِأنَّ التَّوارِيخَ في أكْثَرِ الأمْرِ يَسْتَعْمِلُها المُنَجِّمُ، وهو لَمّا وقَعَ الأمْرُ قالُوا بِأنَّهُ مِثْلُ خُسُوفِ القَمَرِ، وظُهُورِ شَيْءٍ في الجَوِّ عَلى شَكْلِ نِصْفِ القَمَرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ فَتَرَكُوا حِكايَتَهُ في تَوارِيخِهِمْ، والقُرْآنُ أدَلُّ دَلِيلٍ وأقْوى مُثْبِتٍ لَهُ، وإمْكانُهُ لا يُشَكُّ فِيهِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ الصّادِقُ، فَيَجِبُ اعْتِقادُ وُقُوعِهِ، وحَدِيثُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ حَدِيثُ اللِّئامِ، وقَدْ ثَبَتَ جَوازُ الخَرْقِ والتَّخْرِيبِ عَلى السَّماواتِ، وذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ تَقْدِيرُهُ: وبَعْدَ هَذا إنْ يَرَوْا آيَةً يَقُولُوا سِحْرٌ، فَإنَّهم رَأوْا آياتٍ أرْضِيَّةً، وآياتٍ سَماوِيَّةً، ولَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَتْرُكُوا عِنادَهم، فَإنْ يَرَوْا ما يَرَوْنَ بَعْدَ هَذا لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: المَعْنى أنَّ عادَتَهم أنَّهم إنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، فَلَمّا رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ أعْرَضُوا لِتِلْكَ العادَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿آيَةً﴾ ماذا ؟ نَقُولُ آيَةُ اقْتِرابِ السّاعَةِ، فَإنَّ انْشِقاقَ القَمَرِ مِن آياتِهِ، وقَدْ رَدُّوا وكَذَّبُوا، فَإنْ يَرَوْا غَيْرَها أيْضًا يُعْرِضُوا، أوْ آيَةُ الِانْشِقاقِ فَإنَّها مُعْجِزَةٌ، أمّا كَوْنُها مُعْجِزَةً فَفي غايَةِ الظُّهُورِ، وأمّا كَوْنُها آيَةَ
صفحة ٢٧
السّاعَةِ، فَلِأنَّ مُنْكِرَ رَبِّ العالَمِ يُنْكِرُ انْشِقاقَ السَّماءِ وانْفِطارِها وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: في كُلِّ جِسْمٍ سَماوِيٍّ مِنَ الكَواكِبِ، فَإذا انْشَقَّ بَعْضُها ثَبَتَ خِلافَ ما يَقُولُ بِهِ، وبانَ جَوازُ خَرابِ العالَمِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ أنَّ مِن عَلاماتِ قِيامِ السّاعَةِ انْشِقاقُ القَمَرِ عَنْ قَرِيبٍ، وهَذا ضَعِيفٌ حَمَلَهم عَلى هَذا القَوْلِ ضِيقُ المَكانِ، وخَفاءُ الأمْرِ عَلى الأذْهانِ، وبَيانُ ضَعْفِهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أخْبَرَ في كِتابِهِ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ، وهو عَلّامَةُ قِيامِ السّاعَةِ، لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ مِثْلَ خُرُوجِ دابَّةِ الأرْضِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، فَلا يَكُونُ مُعْجِزَةَ النَّبِيِّ ﷺ، كَما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ عَجائِبُ، ولَيْسَتْ بِمُعْجِزَةٍ لِلنَّبِيِّ، لا يُقالُ: الإخْبارُ عَنْها قَبْلَ وُقُوعِها مُعْجِزَةٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا مِن قَبِيلِ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، فَلا يَكُونُ هو مُعْجِزَةً بِرَأْسِهِ وذَلِكَ فاسِدٌ، ولا يُقالُ: بِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً وعَلامَةً، فَأخْبَرَ اللَّهُ في الصُّحُفِ والكُتُبِ السّالِفَةِ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وتَكُونُ السّاعَةُ قَرِيبَةً حِينَئِذٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلامَةٌ كائِنَةٌ حَيْثُ قالَ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» “ ولِهَذا يُحْكى عَنْ سَطِيحٍ أنَّهُ لَمّا أُخْبِرَ بِوُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ عَنْ أُمُورٍ تَكُونُ، فَكانَ وُجُودُهُ دَلِيلَ أُمُورٍ، وأيْضًا القَمَرُ لَمّا انْشَقَّ كانَ انْشِقاقُهُ عِنْدَ اسْتِدْلالِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ، وهم كانُوا غافِلِينَ عَمّا في الكُتُبِ، وأمّا أصْحابُ الكُتُبِ فَلَمْ يَفْتَقِرُوا إلى بَيانِ عَلامَةِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِها وبِقُرْبِها، فَهي إذَنْ آيَةٌ دالَّةٌ عَلى جَوازِ تَخْرِيبِ السَّماواتِ وهو العُمْدَةُ الكُبْرى؛ لِأنَّ السَّماواتَ إذا طُوِيَتْ وجُوِّزَ ذَلِكَ، فالأرْضُ ومَن عَلَيْها لا يُسْتَبْعَدُ فَناؤُهُما، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في العُقُولِ والأذْهانِ، يَقُولُ: مَن يَسْمَعْ أمْرًا لا يَقَعُ هَذا بَعِيدٌ مُسْتَبْعَدٌ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ بَعْضُ ضُعَفاءِ الأذْهانِ يُنْكِرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهُ عَلى قُرْبِ الوُقُوعِ زَمانًا لا إمْكانًا يُمَكِّنُ الكافِرَ مِن مُجادَلَةٍ فاسِدَةٍ، فَيَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في زَمانِ النَّبِيَّ ﷺ: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ .
ويَقُولُونَ بِأنَّ مِن قَبْلُ أيْضًا في الكُتُبِ [السّابِقَةِ] كانَ يَقُولُ: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٩٧] ثُمَّ مَضى مِائَةُ سَنَةٍ ولَمْ يَقَعْ، ولا يَبْعُدْ أنْ يَمْضِيَ ألْفٌ آخَرُ ولا يَقَعُ، ولَوْ صَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ القُرْبِ زَمانًا عَلى مِثْلِ هَذا لا يَبْقى وُثُوقٌ بِالإخْباراتِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لِانْتِهازِ الفُرْصَةِ والإيمانِ قَبْلَ أنْ لا يَصِحَّ الإيمانُ، فَلِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ: إذا كانَ القُرْبُ بِهَذا المَعْنى فَلا خَوْفَ مِنها؛ لِأنَّها لا تُدْرِكُنِي، ولا تُدْرِكُ أوْلادِي، ولا أوْلادَ أوْلادِي، وإذا كانَ إمْكانُها قَرِيبًا في العُقُولِ يَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا بالِغًا عَلى المُشْرِكِينَ والفَلاسِفَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلَ ما كَلَّفَ الِاعْتِرافَ بِالوَحْدانِيَّةِ واليَوْمِ الآخِرِ، وقالَ: اعْلَمُوا أنَّ الحَشْرَ كائِنٌ فَخالَفَ المُشْرِكُ والفَلْسَفِيُّ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ إنْكارِ ما ورَدَ الشَّرْعُ بِبَيانِهِ، ولَمْ يَقُلْ: لا يَقَعُ أوْ لَيْسَ بِكائِنٍ، بَلْ قالَ: ذَلِكَ بَعِيدٌ، ولَمْ يَقْنَعْ بِهَذا أيْضًا، بَلْ قالَ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولَمْ يَقْنَعْ بِهِ أيْضًا، بَلْ قالَ فَإنَّ امْتِناعَهُ ضَرُورِيٌّ، فَإنَّ مَذْهَبَهم أنَّ إعادَةَ المَعْدُومِ وإحْياءَ المَوْتى مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ، ولِهَذا قالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ [المؤمنون: ٨٢] ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [النازعات: ١١] ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ، فَلَمّا اسْتَبْعَدُوا لَمْ يَكْتَفِ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِبَيانِ وُقُوعِهِ، بَلْ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بَلْ قالَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] ولَمْ يَتْرُكْها حَتّى قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] اقْتِرابًا عَقْلِيًّا لا يَجُوزُ أنْ يُنْكَرَ ما يَقَعُ في زَمانٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى اللَّهِ يَسِيرُ، كَما أنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ عَلَيْنا يَسِيرٌ، بَلْ هو أقْرَبُ مِنهُ بِكَثِيرٍ، والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُ العامَّةِ: إنَّ زَمانَ وُجُودِ العالَمِ زَمانٌ مَدِيدٌ، والباقِي بِالنِّسْبَةِ إلى الماضِي شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ .
صفحة ٢٨
وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ» “ فَمَعْناهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي فَإنَّ زَمانِي يَمْتَدُّ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَزَمانِي والسّاعَةُ مُتَلاصِقانِ كَهاتَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ الزَّمانَ زَمانُ النَّبِيِّ ﷺ، وما دامَتْ أوامِرُهُ نافِذَةً فالزَّمانُ زَمانُهُ وإنْ كانَ لَيْسَ هو فِيهِ، كَما أنَّ المَكانَ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ أوامِرُ المَلِكِ مَكانُ المَلِكِ يُقالُ لَهُ بِلادُ فُلانٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى القُرْبِ بِالمَعْقُولِ مَعَ أنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ؟ قُلْتُ: كَما صَحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] فَإنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي والأمْرُ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ، وفائِدَتُهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ مُمْكِنٌ لا إمْكانًا بَعِيدًا عَنِ العاداتِ كَحَمْلِ الآدَمِيِّ في زَمانِنا حِمْلًا في غايَةِ الثِّقَلِ، أوْ قَطْعِهِ مَسافَةً بَعِيدَةً في زَمانٍ يَسِيرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ إمْكانًا بَعِيدًا، وأمّا تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ فَمُمْكِنٌ إمْكانًا في غايَةِ القُرْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَمْعُ الَّذِينَ تَكُونُ الواوُ ضَمِيرَهم في قَوْلِهِ: ﴿يَرَوْا﴾ و﴿يُعْرِضُوا﴾ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَمَن هم ؟ نَقُولُ: هم مَعْلُومُونَ وهُمُ الكُفّارُ، تَقْدِيرُهُ: وهَؤُلاءِ الكُفّارُ إنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: التَّنْكِيرُ في الآيَةِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ: إنْ يَرَوْا آيَةً قَوِيَّةً أوْ عَظِيمَةً يُعْرِضُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ بَيانُ كَوْنِ الآيَةِ خالِيَةً عَنْ شَوائِبَ الشَّبَهِ، وأنَّ الِاعْتِرافَ لَزِمَهم لِأنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ نَأْتِي بِمِثْلِها وبَيانُ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ لا إعْراضَ مَعْذُورٍ، فَإنَّ مَن يُعْرِضُ إعْراضَ مَشْغُولٍ بِأمْرٍ مُهِمٍّ فَلَمْ يَنْظُرْ في الآيَةِ لا يُسْتَقْبَحُ مِنهُ الإعْراضُ مِثْلَ ما يُسْتَقْبَحُ لِمَن يَنْظُرُ إلى آخِرِها ويَعْجَزُ عَنْ نِسْبَتِها إلى أحَدٍ ودَعْوى الإتْيانِ بِمِثْلِها، ثُمَّ يَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ هَذا سِحْرٌ؛ لِأنَّ ما مِن آيَةٍ إلّا ويُمْكِنُ المُعانِدُ أنْ يَقُولَ فِيها هَذا القَوْلَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المُسْتَمِرُّ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: دائِمٌ فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَأْتِي كُلُّ زَمانٍ بِمُعْجِزَةٍ قَوْلِيَّةٍ أوْ فِعْلِيَّةٍ أرْضِيَّةٍ أوْ سَماوِيَّةٍ، فَقالُوا: هَذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ دائِمٌ لا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ سِحْرِ السَّحَرَةِ، فَإنَّ بَعْضَهم يَقْدِرُ عَلى أمْرٍ وأمْرَيْنِ وثَلاثَةٍ، ويَعْجَزُ عَنْ غَيْرِها وهو قادِرٌ عَلى الكُلِّ.
وثانِيها: مُسْتَمِرٌّ أيْ: قَوِيٌّ مِن حَبْلٍ مَرِيرِ الفَتْلِ مِنَ المِرَّةِ وهي الشِّدَّةُ.
وثالِثُها: مِنَ المَرارَةِ أيْ: سِحْرٌ مُرٌّ مُسْتَبْشَعٌ.
ورابِعُها: مُسْتَمِرٌّ أيْ: مارٍّ ذاهِبٍ، فَإنَّ السِّحْرَ لا بَقاءَ لَهُ.
54:3–4Page 528
وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ٣
And they denied and followed their inclinations. But for every matter is a [time of] settlement.
وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ٤
And there has already come to them of information that in which there is deterrence.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: وكَذَّبُوا مُحَمَّدًا المُخْبِرَ عَنِ اقْتِرابِ السّاعَةِ.
وثانِيهِما: كَذَّبُوا بِالآيَةِ وهي انْشِقاقُ القَمَرِ، فَإنْ قُلْنا: كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ أيْ تَرَكُوا الحُجَّةَ وأوَّلُوا الآياتِ وقالُوا: هو مَجْنُونٌ تُعِينُهُ الجِنُّ وكاهِنٌ يَقُولُ عَنِ النُّجُومِ ويَخْتارُ الأوْقاتَ لِلْأفْعالِ وساحِرٌ، فَهَذِهِ أهْواؤُهم. وإنْ قُلْنا: كَذَّبُوا بِانْشِقاقِ القَمَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ في أنَّهُ سَحَرَ القَمَرَ، وأنَّهُ خُسُوفٌ والقَمَرُ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَهَذِهِ أهْواؤُهم، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في كُلِّ آيَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ عَلى سُنَنِ الحَقِّ يَثْبُتُ والباطِلُ يَزْهَقُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَهْدِيدًا لَهم، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٤]
صفحة ٢٩
أيْ بِأنَّها حَقٌّ.
ثانِيها: وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٍّ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ٥] فَهم كَذَّبُوا واتَّبَعُوا أهْواءَهم، والأنْبِياءُ صَدَّقُوا وبَلَّغُوا ما جاءَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ وكَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣] .
ثالِثُها: هو جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أيْ لَيْسَ أمْرُهُ بِذاهِبٍ بَلْ كُلُّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ مُسْتَقِرٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما هو لُطْفٌ بِالعِبادِ قَدْ وُجِدَ، فَأخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِاقْتِرابِ السّاعَةِ، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وإمْكانِ قِيامِ السّاعَةِ عَقِيبَ دَعَواهُ بِانْشِقاقِ القَمَرِ الَّذِي هو آيَةٌ؛ لِأنَّ مَن يُكَذِّبُ بِها لا يُصَدِّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ فَكَذَّبُوا بِها واتَّبَعُوا الأباطِيلَ الذّاهِبَةَ، وذَكَرُوا الأقاوِيلَ الكاذِبَةَ، فَذَكَرَ لَهم أنْباءَ المُهْلِكِينَ بِالآيَتَيْنِ تَخْوِيفًا لَهم، وهَذا هو التَّرْتِيبُ الحُكْمِيُّ، ولِهَذا قالَ بَعْدَ الآياتِ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أيْ: هَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، والأنْباءُ هي الأخْبارُ العِظامُ، ويَدُلُّكَ عَلى صِدْقِهِ أنَّ في القُرْآنِ لَمْ يَرِدِ النَّبَأُ والأنْباءُ إلّا لِما لَهُ وقْعٌ قالَ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] لِأنَّهُ كانَ خَبَرًا عَظِيمًا.
وقالَ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] أيْ: مُحارَبَةٌ أوْ مُسالَمَةٌ وما يُشْبِهُهُ مِنَ الأُمُورِ العُرْفِيَّةِ، وإنَّما يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أمْرٌ ذُو بالٍ، وكَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَكَذَلِكَ الأنْباءُ هاهُنا، وقالَ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَصْلُحُ أنْ يُقالَ لَهُ نَبَأٌ ولَمْ يَقْصِدْهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنْباءُ المُهْلِكِينَ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ القُرْآنُ، وتَقْدِيرُهُ جاءَ فِيهِ الأنْباءُ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِنَ الزَّواجِرِ والمَواعِظِ وما ذَكَرْناهُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ وفي: ”ما“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَوْصُولَةٌ أيْ جاءَكُمُ الَّذِي فِيهِ مُزْدَجَرٌ.
ثانِيهِما: مَوْصُوفَةٌ، تَقْدِيرُهُ: ”جاءَكم مِنَ الأنْباءِ“ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ بِأنَّ فِيهِ مُزْدَجَرٌ وهَذا أظْهَرُ، والمُزْدَجَرُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما ازْدِجارٌ.
وثانِيهِما مَوْضِعُ ازْدِجارٍ، كالمُرْتَقى، ولَفْظُ المَفْعُولِ بِمَعْنى المَصْدَرِ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هو المَفْعُولُ الحَقِيقِيُّ.
54:5–6Page 528
حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ٥
Extensive wisdom - but warning does not avail [them].
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦
So leave them, [O Muḥammad]. The Day the Caller1 calls to something forbidding,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَلى قَوْلِ مَن قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ﴾ المُرادُ مِنهُ القُرْآنُ، قالَ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ بَدَلٌ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ.
ثانِيها: أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ .
الثّانِي: ”حِكْمَةٌ بالِغَةٌ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، والإشارَةُ حِينَئِذٍ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا.
أحَدُها: هَذا التَّرْتِيبُ الَّذِي في إرْسالِ الرَّسُولِ وإيضاحِ الدَّلِيلِ والإنْذارِ بِمَن مَضى مِنَ القُرُونِ وانْقَضى حِكْمَةٌ بالِغَةٌ.
ثانِيها: إنْزالُ ما فِيهِ الأنْباءُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ .
ثالِثُها: هَذِهِ السّاعَةُ المُقْتَرِبَةُ والآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها حِكْمَةٌ.
الثّالِثُ: قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ حالًا وذُو الحالِ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أيْ جاءَكم ذَلِكَ حِكْمَةً، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ ”ما“ مَوْصُولَةً تَكُونُ مُعَرَّفَةً فَيَحْسُنُ كَوْنُهُ ذا الحالِ، فَأمّا إنْ كانَتْ بِمَعْنى جاءَهم مِنَ الأنْباءِ شَيْءٌ فِيهِ ازْدِجارٌ يَكُونُ مُنَكَّرًا وتَنْكِيرُ ذِي الحالِ قَبِيحٌ نَقُولُ: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا يَحْسُنُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ ”ما“ نافِيَةٌ، ومَعْناهُ أنَّ النُّذُرَ لَمْ يُبْعَثُوا لِيُغْنُوا ويُلْجِئُوا قَوْمَهم إلى الحَقِّ، وإنَّما أُرْسِلُوا مُبَلِّغِينَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى: ٤٨] ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ ولا عَلى الأنْبِياءِ الإغْناءُ والإلْجاءُ، فَإذا بَلَّغَتْ فَقَدْ
صفحة ٣٠
أتَيْتَ بِما عَلَيْكَ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وتَوَلَّ إذا لَمْ تَقْدِرْ.
ثانِيهِما: ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْنى الآياتِ حِينَئِذٍ أنَّكَ أتَيْتَ بِما عَلَيْكَ مِنَ الدَّعْوى وإظْهارِ الآيَةِ عَلَيْها، وكَذَّبُوا فَأنْذَرْتَهم بِما جَرى عَلى المُكَذِّبِينَ فَلَمْ يُفِدْهم، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وما الَّذِي تُغْنِي النُّذُرُ غَيْرَ هَذا فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ شَيْءٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ إنَّ قَوْلَهُ: ( تَوَلَّ) مَنسُوخٌ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ لا تُناظِرْهم بِالكَلامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أيْضًا أنَّ مَن يَنْصَحْ شَخْصًا ولا يُؤَثِّرْ فِيهِ النُّصْحُ يُعْرِضْ عَنْهُ، ويَقُولُ مَعَ غَيْرِهِ ما فِيهِ نُصْحُ المُعْرِضِ عَنْهُ، ويَكُونُ فِيهِ قَصْدُ إرْشادِهِ أيْضًا فَقالَ بَعْدَما قالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي﴾ ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [القمر: ٧] لِلتَّخْوِيفِ، والعامِلُ في: ﴿يَوْمَ﴾ هو ما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ والدّاعِي مُعَرَّفٌ كالمُنادِي في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِي﴾ [ق: ٤١] لِأنَّهُ مَعْلُومٌ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، فَقِيلَ: إنَّ مُنادِيًا يُنادِي وداعِيًا يَدْعُو، وفي الدّاعِي وُجُوهٌ:
أحَدُها أنَّهُ إسْرافِيلُ.
وثانِيها: أنَّهُ جِبْرِيلُ.
وثالِثُها: أنَّهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِذَلِكَ، والتَّعْرِيفُ حِينَئِذٍ لا يَقْطَعُ حَدَّ العِلْمِيَّةِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِنا: جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: الرَّجُلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أيْ: مُنْكَرٍ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: إلى شَيْءٍ نُكُرٍ في يَوْمِنا هَذا لِأنَّهم أنْكَرُوهُ أيْ: يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى الشَّيْءِ الَّذِي أنْكَرُوهُ يَخْرُجُونَ.
ثانِيها: ”نُكُرٍ“ أيْ: مُنْكَرٍ يَقُولُ: ذَلِكَ القائِلُ كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ أيْ: مِن شَأْنِهِ أنْ لا يُوجَدَ، يُقالُ: فُلانٌ يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وعَلى هَذا فَهو عِنْدَهم كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ؛ لِأنَّهُ يُرْدِيهِمْ في الهاوِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ما ذَلِكَ الشَّيْءُ النُّكُرُ ؟ نَقُولُ: الحِسابُ أوِ الجَمْعُ لَهُ أوِ النَّشْرُ لِلْجَمْعِ، وهَذا أقْرَبُ، فَإنْ قِيلَ: النَّشْرُ لا يَكُونُ مُنْكَرًا فَإنَّهُ إحْياءٌ؛ ولِأنَّ الكافِرَ مِن أيْنَ يَعْرِفُ وقْتَ النَّشْرِ وما يَجْرِي عَلَيْهِ لِيُنْكِرَهُ ؟ نَقُولُ: يَعْرِفُ ويَعْلَمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] .
54:7Page 529
خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧
Their eyes humbled, they will emerge from the graves as if they were locusts spreading,
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ وفِيهِ قِراءاتٌ خاشِعًا وخاشِعَةً وخُشَّعًا، فَمَن قَرَأ ”خاشِعًا“ عَلى قَوْلِ القائِلِ: يَخْشَعُ أبْصارُهم عَلى تَرْكِ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ، ومَن قَرَأ ”خاشِعَةً“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣] ومَن قَرَأ خُشَّعًا فَلَهُ وُجُوهٌ.
أحَدُها: عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: يَخْشَعْنَ أبْصارُهم عَلى طَرِيقَةِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ.
ثانِيها: في ﴿خُشَّعًا﴾ ضَمِيرُ ”أبْصارُهم“ بَدَلٌ عَنْهُ، تَقْدِيرُهُ يَخْشَعُونَ أبْصارُهم عَلى بَدَلِ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِ القائِلِ: أعْجَبُونِي حُسْنُهم.
ثالِثُها: فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ يَخْرُجُونَ تَقْدِيرُهُ يَخْرُجُونَ خُشَّعًا أبْصارُهم عَلى بَدَلِ الِاشْتِمالِ والصَّحِيحُ خاشِعًا، رُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا رَأى النَّبِيَّ ﷺ في مَنامِهِ فَقالَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ خُشَّعًا أبْصارُهم أوْ خاشِعًا أبْصارُهم ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (خاشِعًا)، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ أظْهَرُ مِمّا قالُوهُ وهو أنْ يَكُونَ ”خُشَّعًا“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي﴾ خُشَّعًا أيْ يَدْعُو هَؤُلاءِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ.
ثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَعْدَ الدُّعاءِ فَيَكُونُونَ خُشَّعًا قَبْلَ الخُرُوجِ، وإنَّهُ باطِلٌ.
ثالِثُها: قِراءَةُ ”خاشِعًا“ تُبْطِلُ هَذا.
نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ
صفحة ٣١
أحَدٍ لا يُدْعى إلى شَيْءٍ نُكُرٍ، وعَنِ الثّانِي المُرادُ: ”مِن شَيْءٍ نُكُرٍ“ الحِسابُ العَسِرُ يَعْنِي يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى الحِسابِ العَسِرِ خُشَّعًا ولا يَكُونُ العامِلُ في: ﴿يَوْمَ يَدْعُو﴾ ”يَخْرُجُونَ“ بَلِ اذْكُرُوا، أوْ: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ويَكُونُ يَخْرُجُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ؛ و”خاشِعًا“ نُصِبَ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَدْعُو“ كَأنَّهُ يَقُولُ: يَدْعُو الدّاعِي قَوْمًا خاشِعًا أبْصارُهم والخُشُوعُ السُّكُونُ قالَ تَعالى: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ [طه: ١٠٨] وخُشُوعُ الأبْصارِ سُكُونُها عَلى كُلِّ حالٍ لا تَنْفَلِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مَثَّلَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُنْتَشِرُ مُطاوِعُ نَشَرَهُ إذا أحْياهُ فَكَأنَّهم جَرادٌ يَتَحَرَّكُ مِنَ الأرْضِ ويَدِبُّ إشارَةً إلى كَيْفِيَّةِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ وضَعْفِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences