Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:30–37
54:30–31Page 530
فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٠
And how [severe] were My punishment and warning.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ ٣١
Indeed, We sent upon them one shriek [i.e., blast from the sky], and they became like the dry twig fragments of an [animal] pen.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ وتَفْسِيرُهُ غَيْرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ذَكَرَها في ثَلاثَةِ مَواضِعَ ذَكَرَها في حِكايَةِ نُوحٍ بَعْدَ بَيانِ العَذابِ، وذَكَرَها هاهُنا قَبْلَ بَيانِ العَذابِ، وذَكَرَها في حِكايَةِ عادٍ قَبْلَ بَيانِهِ، فَحَيْثُ ذَكَرَ قَبْلَ بَيانِ العَذابِ ذَكَرَها لِلْبَيانِ كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ فُلانًا أيَّ ضَرْبٍ وأيَّما ضَرْبٍ، وتَقُولُ: ضَرَبْتُهُ وكَيْفَ ضَرَبْتُهُ أيْ قَوِيًّا، وفي حِكايَةِ عادٍ ذَكَرَها مَرَّتَيْنِ لِلْبَيانِ والِاسْتِفْهامِ، وقَدْ ذَكَرْنا السَّبَبَ فِيهِ، فَفي حِكايَةِ نُوحٍ ذَكَرَ ”الَّذِي“ لِلتَّعْظِيمِ وفي حِكايَةِ ثَمُودَ ذَكَرَ ”الَّذِي“ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ عَذابَ قَوْمِ نُوحٍ كانَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ عامٍّ، وهو الطُّوفانُ الَّذِي عَمَّ العالَمَ ولا كَذَلِكَ عَذابُ قَوْمِ هُودٍ فَإنَّهُ كانَ مُخْتَصًّا بِهِمْ.
صفحة ٥٠
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ سَمِعُوا صَيْحَةً فَماتُوا وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ في قَوْلِهِ: (فَكانُوا) مِن أيِّ الأقْسامِ ؟ نَقُولُ: قالَ النُّحاةُ: تَجِيءُ تارَةً بِمَعْنى صارَ وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ القائِلِ:
بِتَيْماءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها
بِمَعْنى صارَتْ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في هَذا المَوْضِعِ إنَّها بِمَعْنى صارَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ”كانَ“ لا تُخالِفُ غَيْرَها مِنَ الأفْعالِ الماضِيَةِ اللّازِمَةِ الَّتِي لا تَتَعَدّى، والَّذِي يُقالُ: إنْ كانَتْ تامَّةً وناقِصَةً وزائِدَةً وبِمَعْنى صارَ فَلَيْسَ ذَلِكَ يُوجِبُ اخْتِلافَ أحْوالِها اخْتِلافًا يُفارِقُ غَيْرَها مِنَ الأفْعالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كانَ بِمَعْنى وُجِدَ أوْ حَصَلَ أوْ تَحَقَّقَ غَيْرَ أنَّ الَّذِي وُجِدَ تارَةً يَكُونُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وأُخْرى صِفَةً مِن صِفاتِهِ، فَإذا قُلْتَ: كانَتِ الكائِنَةُ وكُنْ فَيَكُونُ جَعَلْتَ الوُجُودَ والحُصُولَ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: وجَدْتُ الحَقِيقَةَ الكائِنَةَ، وكُنْ أيِ احْصُلْ فَيُوجَدُ في نَفْسِهِ، وإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا أيْ: وُجِدَ عِلْمُ زَيْدٍ، غَيْرَ أنّا نَقُولُ في وُجِدَ زَيْدٌ عالِمًا إنَّ عالِمًا حالٌ، وفي كانَ زَيْدٌ عالِمًا نَقُولُ: إنَّهُ خَبَرٌ كَقَوْلِنا حَصَلَ زَيْدٌ عالِمًا غَيْرَ أنَّ قَوْلَنا: وُجِدَ زَيْدٌ عالِمًا رُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الوُجُودَ والحُصُولَ لِزَيْدٍ في تِلْكَ الحالِ كَما تَقُولُ قامَ زَيْدٌ مُنْتَحِيًا حَيْثُ يَكُونُ القِيامُ لِزَيْدٍ في تِلْكَ الحالِ، وقَوْلُنا: كانَ زَيْدٌ عالِمًا لَيْسَ مَعْناهُ كانَ زَيْدٌ وفي تِلْكَ الحالِ هو عالِمٌ، لَكِنَّ هَذا لا يُوجِبُ أنَّ ”كانَ“ عَلى خِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الأفْعالِ اللّازِمَةِ الَّتِي لَها بِالحالِ تَعَلُّقٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْهَمُ مِن قَوْلِنا: حَصَلَ زَيْدٌ اليَوْمَ عَلى أحْسَنِ حالٍ ما نَفْهَمُهُ مِن قَوْلِنا: خَرَجَ زَيْدٌ اليَوْمَ في أحْسَنِ زِيٍّ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ مِن أنْ يَفْهَمَ مِن قَوْلِنا: كانَ زَيْدٌ عَلى أحْسَنِ حالٍ مِثْلَ ما فَهِمَ هُناكَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفِعْلُ الماضِي يُطْلَقُ تارَةً عَلى ما يُوجَدُ في الزَّمانِ المُتَّصِلِ بِالحاضِرِ، كَقَوْلِنا: قامَ زَيْدٌ في صِباهُ، ويُطْلَقُ تارَةً عَلى ما يُوجَدُ في الزَّمانِ الحاضِرِ كَقَوْلِنا: قامَ زَيْدٌ فَقُمْ وقُمْ فَإنَّ زَيْدًا قامَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في ”كانَ“ رُبَّما يُقالُ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا عامَ كَذا، ورُبَّما يُقالُ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا الآنَ كَما في قامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (فَكانُوا) فِيهِ اسْتِعْمالُ الماضِي فِيما اتَّصَلَ بِالحالِ، فَهو كَقَوْلِكَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ فَماتُوا أيْ مُتَّصِلًا بِتِلْكَ الحالِ، نَعَمْ لَوِ اسْتُعْمِلَ في هَذا المَوْضِعِ صارَ يَجُوزُ لَكِنْ ”كانَ“ و”صارَ“ كُلُّ واحِدٍ بِمَعْنًى في نَفْسِهِ ولَيْسَ وإنَّما يَلْزَمُ حَمْلُ ”كانَ“ عَلى ”صارَ“ إذا لَمْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ”هو كَذا“ كَما في البَيْتِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: البُيُوضُ فِراخٌ، وأمّا هُنا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هم كَهَشِيمٍ، ولَوْلا الكافُ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: يَجِبُ حَمْلُ كانَ عَلى صارَ إذا كانَ المُرادُ أنَّهُمُ انْقَلَبُوا هَشِيمًا كَما يُقْلَبُ المَمْسُوخُ ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الهَشِيمُ ؟ نَقُولُ هو المَهْشُومُ أيِ: المَكْسُورُ، وسُمِّيَ هاشِمٌ هاشِمًا لِهَشْمِهِ الثَّرِيدِ في الجِفانِ غَيْرَ أنَّ الهَشِيمَ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا في الحَطَبِ المُتَكَسِّرِ اليابِسِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا كالحَشِيشِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الحَظائِرِ بَعْدَ البِلا بِتَفَتُّتٍ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥] وهو مِن بابِ إقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَ المَوْصُوفِ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ جَرِيحًا ومِثْلُهُ السَّعِيرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِماذا شَبَّهَهم بِهِ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِكَوْنِهِمْ يابِسِينَ كالحَشِيشِ بَيْنَ المَوْتى الَّذِينَ ماتُوا مِن زَمانٍ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: سَمِعُوا الصَّيْحَةَ فَكانُوا كَأنَّهم ماتُوا مِن أيّامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهُمُ انْضَمُّوا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ كَما يَنْضَمُّ الرُّفَقاءُ عِنْدَ الخَوْفِ داخِلِينَ بَعْضُهم في بَعْضٍ فاجْتَمَعُوا بَعْضٌ فَوْقَ بَعْضٍ
صفحة ٥١
كَحَطَبِ الحاطِبِ الَّذِي يَصُفُّهُ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ مُنْتَظِرًا حُضُورَ مَن يَشْتَرِي مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّ الحَطّابَ الَّذِي عِنْدَهُ الحَطَبُ الكَثِيرُ يَجْعَلُ مِنهُ كالحَظِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ في الجَحِيمِ، أيْ كانُوا كالحَطَبِ اليابِسِ الَّذِي لِلْوَقِيدِ فَهو مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] كَذَلِكَ ماتُوا فَصارُوا كالحَطَبِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْإحْراقِ؛ لِأنَّ الهَشِيمَ لا يَصْلُحُ لِلْبِناءِ.
54:32–34Page 530
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٣٢
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣
The people of Lot denied the warning.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤
Indeed, We sent upon them a storm of stones, except the family of Lot - We saved them before dawn.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّذْكارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ حالَ قَوْمٍ آخَرِينَ وهم قَوْمُ لُوطٍ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾
ثُمَّ بَيَّنَ عَذابَهم وإهْلاكَهم، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
الأُولى: الحاصِبُ فاعِلٌ مِن حَصَبَ إذا رَمى الحَصْباءَ، وهي اسْمُ الحِجارَةِ والمُرْسَلُ عَلَيْهِمْ هو نَفْسُ الحِجارَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وقالَ تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] فالمُرْسَلُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِحاصِبٍ فَكَيْفَ الجَوابُ عَنْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا حاصِبًا بِالحِجارَةِ الَّتِي هي الحَصْباءُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الحاصِبِ في الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فَأقامَ الصِّفَةَ مَقامَ المَوْصُوفِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ قالَ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وقالَ تَعالى في: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ وما قالَ: لِقاحًا ولا لِقْحَةً، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مُسَوَّمَةً عَلَيْها عَلامَةُ كُلِّ واحِدٍ وهي لا تُسَمّى حَصْباءُ، وكانَ ذَلِكَ بِأيْدِي المَلائِكَةِ لا بِالرِّيحِ، نَقُولُ: تَأْنِيثُ الرِّيحِ لَيْسَ حَقِيقَةً ولَها أصْنافٌ الغالِبُ فِيها التَّذْكِيرُ كالإعْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] فَلَمّا كانَ حاصِبُ حِجارَةٍ كانَ كالَّذِي فِيهِ نارٌ، وأمّا قَوْلُهُ: كانَ الرَّمْيُ بِالسِّجِّيلِ لا بِالحَصْباءِ، وبِأيْدِي المَلائِكَةِ لا بِالرِّيحِ، فَنَقُولُ: كُلُّ رِيحٍ يَرْمِي بِحِجارَةٍ يُسَمّى حاصِبًا، وكَيْفَ لا والسَّحابُ الَّذِي يَأْتِي بِالبَرَدِ يُسَمّى تَشْبِيهًا لِلْبَرَدِ بِالحَصْباءِ، فَكَيْفَ لا يُقالُ في السِّجِّيلِ. وأمّا المَلائِكَةُ فَإنَّهم حَرَّكُوا الرِّيحَ وهي حَصَبَتِ الحِجارَةَ عَلَيْهِمْ.
الجَوابُ الثّانِي: المُرادُ عَذابٌ حاصِبٌ وهَذا أقْرَبُ لِتَناوُلِهِ المَلَكَ والحِسابَ والرِّيحَ وكُلَّ ما يُفْرَضُ.
الجَوابُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿حاصِبًا﴾ هو أقْرَبُ مِنَ الكُلِّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أرْسَلْنا﴾ يَدُلُّ عَلى مُرْسَلٍ هو مُرْسَلُ الحِجارَةِ وحاصِبِها، فَإنْ قِيلَ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: حاصِبِينَ، نَقُولُ: لَمّا لَمْ يَذْكُرِ المَوْصُوفَ رَجَّحَ جانِبَ اللَّفْظِ كَأنَّهُ قالَ شَيْئًا حاصِبًا؛ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ جِنْسِ العَذابِ لا بَيانُ مَن عَلى يَدِهِ العَذابُ، وهَذا وارِدٌ عَلى مَن قالَ: الرِّيحُ مُؤَنَّثٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ التَّأْنِيثِ هُناكَ كَتَرْكِ عَلامَةِ الجَمْعِ هُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما رَتَّبَ الإرْسالَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالفاءِ فَلَمْ يَقُلْ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ فَأرْسَلْنا كَما
صفحة ٥٢
قالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ [القمر: ١١] لِأنَّ الحِكايَةَ مَسُوقَةٌ عَلى مَساقِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكاياتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ كَما قالَ مِن قَبْلُ ثُمَّ قِيلَ: لا عِلْمَ لَنا بِهِ وإنَّما أنْتَ العَلِيمُ فَأخْبِرْنا، فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَرْكِ العَذابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ كَما قالَ في الحِكاياتِ الثَّلاثِ، نَقُولُ: لِأنَّ التَّكْرارَ ثَلاثَ مَرّاتٍ بالِغٌ، ولِهَذا قالَ ﷺ: ”«ألا هَلْ بَلَغْتُ ثَلاثًا» “ وقالَ ﷺ: ”«فَنِكاحُها باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ» “ والإذْكارُ تَكَرَّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَبِثَلاثِ مِرارٍ حَصَلَ التَّأْكِيدُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ في حِكايَةِ نُوحٍ لِلتَّعْظِيمِ، وفي حِكايَةِ ثَمُودَ لِلْبَيانِ، وفي حِكايَةِ عادٍ أعادَها مَرَّتَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والبَيانِ جَمِيعًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ في ثَلاثِ حِكاياتٍ أرْبَعَ مَرّاتٍ فالمَرَّةُ الواحِدَةُ لِلْإنْذارِ، والمَرّاتُ الثَّلاثُ لِلْإذْكارِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصَلَ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [ الرَّحْمَنِ ] ذَكَرَهُ مَرَّةً لِلْبَيانِ وأعادَها ثَلاثِينَ مَرَّةً غَيْرَ المَرَّةِ الأُولى كَما أعادَ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ثَلاثَ مَرّاتٍ غَيْرَ المَرَّةِ الأُولى، فَكانَ ذِكْرُ الآلاءِ عَشَرَةَ أمْثالِ ذِكْرِ العَذابِ إشارَةً إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي قالَ في بَيانِها: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في سُورَةِ: الرَّحْمَنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ماذا ؟ إنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ فالضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى قَوْمِ لُوطٍ وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ ثَمَّ قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ لَكِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ وآلُهُ مِن قَوْمِهِ فَيَكُونُ آلُهُ قَدْ كَذَّبُوا ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ؟ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِمَّنْ عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في عَلَيْهِمْ وهُمُ القَوْمُ بِأسْرِهِمْ غَيْرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ لا يُوجِبُ كَوْنَ آلِهِ مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: عَصى أهْلُ بَلْدَةِ كَذا يَصِحُّ وإنْ كانَ فِيها شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ يُطِيعُونَ فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِمْ واحِدٌ أوِ اثْنانِ مِنَ المُطِيعِينَ لا غَيْرَ ؟! فَإنْ قِيلَ: ما لَهُ حاجَةٌ إلى الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَصِحُّ وإنْ نَجا مِنهم طائِفَةٌ يَسِيرَةٌ نَقُولُ: الفائِدَةُ لَمّا كانَتْ لا تَحْصُلُ إلّا بِبَيانِ إهْلاكِ مَن كَذَّبَ وإنْجاءِ مَن آمَنَ فَكانَ ذِكْرُ الإنْجاءِ مَقْصُودًا، وحَيْثُ يَكُونُ القَلِيلُ مِنَ الجَمْعِ الكَثِيرِ مَقْصُودًا لا يَجُوزُ التَّعْمِيمُ والإطْلاقُ مِن غَيْرِ بَيانِ حالِ ذَلِكَ المَقْصُودِ بِالِاسْتِثْناءِ أوْ بِكَلامٍ مُنْفَصِلٍ مِثالُهُ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] اسْتَثْنى الواحِدَ لِأنَّهُ كانَ مَقْصُودًا، وقالَ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ولَمْ يَسْتَثْنِ إذِ المَقْصُودُ بَيانُ أنَّها أُوتِيَتْ، لا بَيانُ أنَّها ما أُوتِيَتْ، وفي حِكايَةِ إبْلِيسَ كِلاهُما مُرادٌ؛ لِيَعْلَمَ أنَّ مَن تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ عُوقِبَ، ومَن تَواضَعَ أُثِيبَ كَذَلِكَ القَوْلُ هاهُنا، وأمّا عِنْدَ التَّكْذِيبِ فَكَأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ المُكَذِّبِينَ فَلَمْ يَسْتَثْنِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن كَلامٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ فَما أنْجَيْنا مِنَ الحاصِبِ إلّا آلَ لُوطٍ، وجازَ أنْ يَكُونَ الإرْسالُ عَلَيْهِمْ والإهْلاكُ يَكُونُ عامًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فَكانَ الحاصِبُ أهْلَكَ مَن كانَ الإرْسالُ عَلَيْهِ مَقْصُودًا، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَأطْفالِهِمْ ودَوابِّهِمْ ومَساكِنِهِمْ، فَما نَجا مِنهم أحَدٌ إلّا آلُ لُوطٍ. فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْمِ لُوطٍ بَلْ كانَ مَن أمْرٍ عامٍّ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ لُوطٌ أيْضًا مُسْتَثْنًى ؟ نَقُولُ: هو مُسْتَثْنًى عَقْلًا؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَرْكُهُ وإنْجاءُ أتْباعِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُسْتَثْنًى قَوْلُهُ تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] في جَوابِهِمْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ:
صفحة ٥٣
﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ [الحجر: ٥٩] اسْتِثْناءٌ مِنَ المُجْرِمِينَ وآلُ لُوطٍ لَمْ يَكُونُوا مُجْرِمِينَ فَكَيْفَ اسْتَثْنى مِنهم ؟ والجَوابُ مِثْلُ ما ذَكَرْنا فَأحَدُ الجَوابَيْنِ إنّا أرْسَلَنا إلى قَوْمٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم مُجْرِمُونَ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يُجْرِمْ. ثانِيهِما: إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ بِإهْلاكٍ يَعُمُّ الكُلَّ إلّا آلَ لُوطٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ وقْتِ الإنْجاءِ أوْ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ آلَ لُوطٍ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا فِيهِمْ ولا يُصِيبُهُمُ الحاصِبُ كَما في عادٍ كانْتِ الرِّيحُ تَقْلَعُ الكافِرَ ولا يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنها مَكْرُوهٌ أوْ يَجْعَلُ لَهم مِدْفَعًا كَما في قَوْمِ نُوحٍ، فَقالَ: ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ أيْ أمَرْناهم بِالخُرُوجِ مِنَ القَرْيَةِ في آخِرِ اللَّيْلِ، والسَّحَرُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ، وقِيلَ: هو السُّدُسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.
54:35–36Page 530
نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ ٣٥
As favor from Us. Thus do We reward he who is grateful.
وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ ٣٦
And he had already warned them of Our assault, but they disputed the warning.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الإنْجاءُ كانَ فَضْلًا مِنّا كَما أنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ عَدْلًا ولَوْ أُهْلِكُوا لَكانَ ذَلِكَ عَدْلًا، قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] قالَ الحُكَماءُ العُضْوُ الفاسِدُ يُقْطَعُ، ولا بُدَّ أنْ يُقْطَعَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّحِيحِ لِيَحْصُلَ اسْتِئْصالُ الفَسادِ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى التَّمْيِيزِ التّامِّ فَهو مُخْتارٌ إنْ شاءَ أهْلَكَ مَن آمَنَ ومَن كَذَّبَ، ثُمَّ يُثَبِّتُ الَّذِينَ أهْلَكَهم مِنَ المُصَدِّقِينَ في دارِ الجَزاءِ، وإنْ شاءَ أهْلَكَ مَن كَذَّبَ، فَقالَ: ”﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾“ إشارَةً إلى ذَلِكَ وفي نَصْبِها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ كَأنَّهُ قالَ: نَجَّيْناهم نِعْمَةً مِنّا.
ثانِيهِما: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ لِأنَّ الإنْجاءَ مِنهُ إنْعامٌ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ بِالإنْجاءِ إنْعامًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: ظاهِرٌ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّهُ مَن آمَنَ كَذَلِكَ نُنَجِّيهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا ولا نُهْلِكُهُ وعْدًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ يَصُونُهم عَنِ الإهْلاكاتِ العامَّةِ والسَّيِّئاتِ المُطْبِقَةِ الشّامِلَةِ.
وثانِيهِما: وهو الأصَحُّ أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ لَهم وجَزاؤُهم بِالثَّوابِ في دارِ الآخِرَةِ كَأنَّهُ قالَ: كَما نَجَّيْناهم في الدُّنْيا، أيْ: كَما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ نُنْعِمُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الحِسابِ والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ النَّجاةَ مِنَ الإهْلاكاتِ في الدُّنْيا لَيْسَ بِلازِمٍ، ومِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لازِمٌ بِحُكْمِ الوَعِيدِ، وكَذَلِكَ يُنَجِّي اللَّهُ الشّاكِرِينَ مِن عَذابِ النّارِ ويَذَرُ الظّالِمِينَ فِيهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] والشّاكِرُ مُحْسِنٌ فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ جَزاؤُهم في الآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وفِيهِ تَبْرِئَةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيانُ أنَّهُ أتى بِما عَلَيْهِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا رَتَّبَ التَّعْذِيبَ عَلى التَّكْذِيبِ، وكانَ مِنَ الرَّحْمَةِ أنْ يُؤَخِّرَهُ ويُقَدِّمَ عَلَيْهِ الإنْذاراتِ البالِغَةَ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: أهْلَكْناهم وكانَ قَدْ أنْذَرَهم مِن قَبْلُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَطْشَتَنا﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ البَطْشَةُ الَّتِي وقَعَتْ وكانَ يُخَوِّفُهم بِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ، ذَكَرَها لِلْإنْدارِ بِها والتَّخْوِيفِ.
وثانِيهِما: المُرادُ بِها ما في الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ [الدخان: ١٦] وذَلِكَ لِأنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم كانُوا يُنْذِرُونَ قَوْمَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ وقالَ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [النبإ: ٤] إلى غَيْرِ
صفحة ٥٤
ذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] وقالَ هاهُنا: ﴿بَطْشَتَنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَطَشْنا وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ بَطْشِهِ، فَإذا كانَ جِنْسُهُ شَدِيدًا فَكَيْفَ الكُبْرى مِنهُ، وأمّا لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَذَكَرَ لَهُمُ البَطْشَةَ الكُبْرى؛ لِئَلّا يَكُونَ مُقَصِّرًا في التَّبْلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّذُرَ هي الإنْذاراتُ.
54:37Page 530
وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧
And they had demanded from him his guests, but We obliterated their eyes, [saying], "Taste My punishment and warning."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ والمُراوَدَةُ مِنَ الرَّوْدِ، ومِنهُ الإرادَةُ وهي قَرِيبَةٌ مِنَ المُطالَبَةِ غَيْرَ أنَّ المُطالَبَةَ تُسْتَعْمَلُ في العَيْنِ، يُقالُ: طالَبَ زَيْدٌ عَمْرًا بِالدَّراهِمِ، والمُراوَدَةُ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في العَمَلِ، يُقالُ: راوَدَهُ عَنِ المُساعَدَةِ، ولِهَذا تُعَدّى المُراوَدَةُ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ ”عْنَ“، والمُطالَبَةُ بِالباءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّغْلَ مَنُوطٌ بِاخْتِيارِ الفاعِلِ، والعَيْنُ قَدْ تُوجَدُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهُ وهَذا فَرْقُ الحالِ، فَإذا قُلْتَ: أخْبِرْنِي بِأمْرِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الخَبَرُ العَيْنُ، بِخِلافٍ ما إذا قِيلَ عَنْ كَذا، ويُزِيدُ هَذا ظُهُورًا قَوْلُ القائِلِ: أخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ مَجِيءِ فُلانٍ، وقَوْلُهُ: أخْبَرَنِي بِمَجِيئِهِ فَإنَّ مَن قالَ عَنْ مَجِيئِهِ، رُبَّما يَكُونُ الإخْبارُ عَنْ كَيْفِيَّةِ المَجِيءِ لا عَنْ نَفْسِهِ وأخْبَرَنِي بِمَجِيئِهِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ نَفْسِ المَجِيءِ، والضَّيْفُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الذّارِياتِ وكَيْفِيَّةُ المُراوَدَةِ مَذْكُورَةٌ فِيما تَقَدَّمَ، وهي أنَّهم كانُوا مُفْسِدِينَ، وسَمِعُوا بِضَيْفٍ دَخَلُوا عَلى لُوطٍ فَراوَدُوهُ عَنْهم. وقَوْلُهُ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ نَقُولُ: إنَّ جِبْرِيلَ كانَ فِيهِمْ فَضَرَبَ بِبَعْضِ جَناحِهِ عَلى وُجُوهِهِمْ فَأعْماهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: الضَّمِيرُ في راوَدُوهُ إنْ كانَ عائِدًا إلى قَوْمِ لُوطٍ فَما في قَوْلِهِ: (أعْيُنَهم) أيْضًا عائِدًا إلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَدْ طَمَسَ أعْيُنَ قَوْمٍ ولَمْ يَطْمِسْ إلّا أعْيُنَ قَلِيلٍ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ دَخَلُوا دارَ لُوطٍ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى الَّذِينَ دَخَلُوا الدّارَ فَلا ذِكْرَ لَهم فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: المُراوَدَةُ حَقِيقَةً حَصَلَتْ مِن جَمْعٍ مِنهم لَكِنْ لَمّا كانَ الأمْرُ مِنَ القَوْمِ، وكانَ غَيْرُهم ذَلِكَ مَذْهَبُهُ أسْنَدَها إلى الكُلِّ ثُمَّ بِقَوْلِهِ راوَدُوهُ حَصَلَ قَوْمٌ هُمُ المُراوِدُونَ حَقِيقَةً، فَعادَ الضَّمِيرُ في أعْيُنِهِمْ إلَيْهِمْ مِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ: الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوْا فَصَحَّتْ صَلاتُهم فَيَكُونُ هم في صَلاتِهِمْ عائِدًا إلى الَّذِينَ صَلَّوْا بَعْدَ ما آمَنُوا ولا يَعُودُ إلى مُجَرَّدِ الَّذِينَ آمَنُوا لِأنَّكَ لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا، فَصَحَّتْ صَلاتُهم لَمْ يَكُنْ كَلامًا مَنظُومًا ولَوْ قُلْتَ: الَّذِينَ صَلَّوْا فَصَحَّتْ صَلاتُهم صَحَّ الكَلامُ، فَعُلِمَ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما حَصَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿راوَدُوهُ﴾ والضَّمِيرُ في راوَدُوهُ عائِدٌ إلى المُنْذِرِينَ المُتَمارِينَ بِالنُّذُرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ وقالَ في يس: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] فَما الفَرْقُ ؟ نَقُولُ: هَذا مِمّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِنَ الطَّمْسِ الحَجْبُ عَنِ الإدْراكِ، فَما جُعِلَ عَلى بَصَرِهِمْ شَيْءٌ غَيْرَ أنَّهم دَخَلُوا ولَمْ يَرَوْا هُناكَ شَيْئًا فَكانُوا كالمَطْمُوسِينَ، وفي يس أرادَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِمْ غِشاوَةً، أيْ ألْزَقَ أحَدَ الجَفْنَيْنِ بِالآخَرِ فَيَكُونُ عَلى العَيْنِ جِلْدَةٌ فَيَكُونُ قَدْ طُمِسَ عَلَيْها، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهم عَمُوا وصارَتْ عَيْنُهم مَعَ وجْهِهِمْ كالصَّفْحَةِ الواحِدَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ لِأنَّهم إنْ بَقُوا مُصِرِّينَ ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا هُناكَ لا يَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا، والطَّمْسُ بِالمَعْنى الَّذِي قالَهُ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ عَذابٌ، فَنَقُولُ: الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هاهُنا ما وقَعَ وهو طَمْسُ العَيْنِ وإذْهابُ ضَوْئِها وصُورَتِها
صفحة ٥٥
بِالكُلِّيَّةِ حَتّى صارَتْ وُجُوهُهم كالصَّفْحَةِ المَلْساءِ ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الإنْكارُ لِأنَّهُ أمْرٌ وقَعَ، وأمّا هُناكَ فَقَدَ خَوَّفَهم بِالمُمْكِنِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ فاخْتارَ ما يُصَدِّقُهُ كُلُّ أحَدٍ، ويُعْرَفُ بِهِ وهو الطَّمْسُ عَلى العَيْنِ؛ لِأنَّ إطْباقَ الجَفْنِ عَلى العَيْنِ أمْرٌ كَثِيرُ الوُقُوعِ، وهو بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ فَقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ وما شَقَقْنا جُفُونَهم عَنْ عَيْنِهِمْ، وهو أمْرٌ ظاهِرُ الإمْكانِ كَثِيرُ الوُقُوعِ، والطَّمْسُ عَلى ما وقَعَ لِقَوْمِ لُوطٍ نادِرٌ، فَقالَ هُناكَ: ”عَلى أعْيُنِهِمْ“ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى القَبُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ خِطابٌ مِمَّنْ وقَعَ ومَعَ مَن وقَعَ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ فَقُلْتُ: عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ذُوقُوا عَذابِي.
ثانِيها: هَذا خِطابٌ مَعَ كُلِّ مُكَذِّبٍ تَقْدِيرُهُ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ فَذُوقُوا عَذابِي فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا ذاقُوهُ.
ثالِثُها: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ كَلامِ النّاسِ فَإنَّ الواحِدَ مِنَ المُلُوكِ إذا أمَرَ بِضَرْبِ مُجْرِمٍ وهو شَدِيدُ الغَضَبِ فَإذا ضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وهو يَصْرُخُ والمَلِكُ يَسْمَعُ صُراخَهُ يَقُولُ عِنْدَ سَماعِ صُراخِهِ: ذُقْ إنَّكَ مُجْرِمٌ مُسْتَأْهِلٌ، ويَعْلَمُ المَلِكُ أنَّ المُعَذَّبَ لا يَسْمَعُ كَلامَهُ ويُخاطِبُ بِكَلامِهِ المُسْتَغِيثَ الصّارِخَ. وهَذا كَثِيرٌ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى يُسْمَعُ إذا عَذَّبَ مُعانِدًا كانَ قَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَقُولُ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ ولا يَكُونُ بِهِ مُخاطِبًا لِمَن يَسْمَعُ ويُجِيبُ، وذَلِكَ إظْهارُ العَدْلِ أيْ لَسْتُ بِغافِلٍ عَنْ تَعْذِيبِكَ فَتَتَخَلَّصَ بِالصُّراخِ والضَّراعَةِ، وإنَّما أنا بِكَ عالِمٌ وأنْتَ لَهُ أهْلٌ لِما قَدْ صَدَرَ مِنكَ، فَإنْ قِيلَ: هَذا وقَعَ بِغَيْرِ الفاءِ، وأمّا بِالفاءِ فَلا تَقُولُ، وبِالفاءِ فَإنَّهُ رُبَّما يَقُولُ: كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ فَذُوقُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النُّذُرُ كَيْفَ يُذاقُ ؟ نَقُولُ: مَعْناهُ ذُقْ فِعْلَكَ أيْ: مُجازاةَ فِعْلِكَ ومُوجَبَهُ ويُقالُ: ذُقِ الألَمَ عَلى فِعْلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ كَقَوْلِهِمْ: ذُقِ الألَمَ، وقَوْلُهُ: (ونُذُرِ) كَقَوْلِهِمْ ذُقْ فِعْلَكَ أيْ ذُقْ ما لَزِمَ مِن إنْذارِي، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا لا يَصِحُّ العَطْفُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ وما لَزِمَ مِن إنْذارِي وهو العَذابُ يَكُونُ كَقَوْلِ القائِلِ: ذُوقُوا عَذابِي وعَذابِي ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ أيِ: العاجِلَ مِنهُ، وما لَزِمَ مِن إنْذارِي وهو العَذابُ الآجِلُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ كانَ بِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذُوقُوا عَذابِي العاجِلَ وعَذابِي الآجِلَ، فَإنْ قِيلَ: هُما لَمْ يَكُونا في زَمانٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ يُقالُ: ذُوقُوا، نَقُولُ: العَذابُ الآجِلُ أوَّلُهُ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ العَذابِ العاجِلِ، فَهُما كالواقِعِ في زَمانٍ واحِدٍ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences