Ar-RaziAr‑Rahman · 55:26–30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:26–30

55:26Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأرْضِ، وهي مَعْلُومَةٌ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ [فاطر: ٤٥] الآيَةَ وعَلى هَذا فَلَهُ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ ويَجْزِمُ بِأنَّهُ إذا كانَ في البَحْرِ فَرُوحُهُ وجِسْمُهُ ومالُهُ في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا خَرَجَ إلى البَرِّ ونَظَرَ إلى الثَّباتِ الَّذِي لِلْأرْضِ والتَّمَكُّنِ الَّذِي لَهُ فِيها يَنْسى أمْرَهُ فَذَكَّرَهُ وقالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكُلُّ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ فَإنَّهُ كَمَن عَلى وجْهِ الماءِ، ولَوْ أمْعَنَ العاقِلُ النَّظَرَ لَكانَ رُسُوبُ الأرْضِ الثَّقِيلَةِ في الماءِ الَّذِي هي عَلَيْهِ أقْرَبَ إلى العَقْلِ مِن رُسُوبِ الفُلْكِ الخَفِيفَةِ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجارِيَةِ إلّا أنَّهُ بِضَرُورَةِ ما قَبْلَها كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الجَوارِي ولا شَكَّ في أنَّ كُلَّ مَن فِيها إلى الفَناءِ أقْرَبُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ إنْكارُ كَوْنِهِ في مُلْكِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ في تِلْكَ الحالَةِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ الأوَّلُ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٩٣

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿مَن﴾ لِلْعُقَلاءِ وكُلُّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مَعَ الأرْضِ فانٍ، فَما فائِدَةُ الِاخْتِصاصِ بِالعُقَلاءِ ؟ نَقُولُ: المُنْتَفِعُ بِالتَّخْوِيفِ هو العاقِلُ فَخَصَّهُ تَعالى بِالذِّكْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفانِي هو الَّذِي فَنِيَ وكُلُّ مَن عَلَيْها سَيَفْنى فَهو باقٍ بَعْدُ لَيْسَ بِفانٍ، نَقُولُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] وكَما يُقالُ لِلْقَرِيبِ إنَّهُ واصِلٌ، وجَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ وُجُودَ الإنْسانِ عَرَضٌ وهو غَيْرُ باقٍ ولَيْسَ بِباقٍ فَهو فانٍ، فَأمْرُ الدُّنْيا بَيْنَ شَيْئَيْنِ حُدُوثٍ وعَدَمٍ، أمّا البَقاءُ فَلا بَقاءَ لَهُ لِأنَّ البَقاءَ اسْتِمْرارٌ، ولا يُقالُ هَذا تَثْبِيتٌ بِالمَذْهَبِ الباطِلِ الَّذِي هو القَوْلُ بِأنَّ الجِسْمَ لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَما قِيلَ في العَرَضِ، لِأنّا نَقُولُ قَوْلُهُ ﴿مَن﴾ بَدَلُ قَوْلِهِ ”ما“ يَنْفِي ذَلِكَ التَّوَهُّمَ لِأنِّي قُلْتُ: مَن عَلَيْها فانٍ لا بَقاءَ لَهُ، وما قُلْتُ: ما عَلَيْها فانٍ، ومَن مَعَ كَوْنِهِ عَلى الأرْضِ يَتَناوَلُ جِسْمًا قامَ بِهِ أعْراضٌ بَعْضُها الحَياةُ والأعْراضُ غَيْرُ باقِيَةٍ، فالمَجْمُوعُ لَمْ يَبْقَ كَما كانَ وإنَّما الباقِي أحَدُ جُزْأيْهِ وهو الجِسْمُ ولَيْسَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ لَفْظَةُ ”مَن“، فالفانِي لَيْسَ ما عَلَيْها وما عَلَيْها لَيْسَ بِباقٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفائِدَةُ في بَيانِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانٍ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ فَوائِدُ (مِنها): الحَثُّ عَلى العِبادَةِ وصَرْفِ الزَّمانِ اليَسِيرِ إلى الطّاعَةِ، (ومِنها): المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ فَلا يَقُولُ: إذا كانَ في نِعْمَةٍ إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومُلْكِهِ، (ومِنها): الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ والضُّرَّ زائِلٌ، ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا والزَّجْرُ عَلى الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المُلُوكِ وتَرْكِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ، فَيَبْقى القَرِيبُ مِنهم عَنْ قَرِيبٍ في نَدَمٍ عَظِيمٍ، لِأنَّهُ إنْ ماتَ قَبْلَهم يَلْقى اللَّهَ كالعَبْدِ الآبِقِ، وإنْ ماتَ المَلِكُ قَبْلَهُ فَيَبْقى بَيْنَ الخَلْقِ وكُلُّ أحَدٍ يَنْتَقِمُ مِنهُ ويَتَشَفّى فِيهِ، ويَسْتَحِي مِمَّنْ كانَ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وإنْ ماتا جَمِيعًا فَلِقاءُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوَفِّي في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، (ومِنها): الحَثُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.

55:27–28Page 532

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الوَجْهُ يُطْلَقُ عَلى الذّاتِ والمُجَسِّمُ يَحْمِلُ الوَجْهَ عَلى العُضْوِ وهو خِلافُ العَقْلِ والنَّقْلِ أعْنِي القُرْآنَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى إلّا وجْهُ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القَوْلِ الحَقِّ لا إشْكالَ فِيهِ لِأنَّ المَعْنى لا يَبْقى غَيْرُ حَقِيقَةِ اللَّهِ أوْ غَيْرُ ذاتِ اللَّهِ شَيْءٌ وهو كَذَلِكَ، وعَلى قَوْلِ المُجَسِّمِ يَلْزَمُ أنْ لا تَبْقى يَدُهُ الَّتِي أثْبَتَها ورِجْلُهُ الَّتِي قالَ بِها، لا يُقالُ: فَعَلى قَوْلِكم أيْضًا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى عِلْمُ اللَّهِ ولا قُدْرَةُ اللَّهِ، لِأنَّ الوَجْهَ جَعَلْتُمُوهُ ذاتًا، والذّاتُ غَيْرُ الصِّفاتِ فَإذا قُلْتَ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا حَقِيقَةَ اللَّهِ، خَرَجَتِ الصِّفاتُ عَنْها، فَيَكُونُ قَوْلُكم نَفْيًا لِلصِّفاتِ. نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَذَلِكَ أمْرٌ يُذْكَرُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ قَوْلَ القائِلِ: لَمْ يَبْقَ لِفُلانٍ إلّا ثَوْبٌ يَتَناوَلُ الثَّوْبَ وما قامَ بِهِ مِنَ اللَّوْنِ والطُّولِ والعَرْضِ، وإذا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا كُمُّهُ لا يَدُلُّ عَلى بَقاءِ جَيْبِهِ وذَيْلِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُنا: يَبْقى ذاتُ اللَّهِ تَعالى يَتَناوَلُ صِفاتِهِ، وإذا قُلْتُمْ: لا يَبْقى غَيْرُ وجْهِهِ بِمَعْنى العُضْوِ يَلْزَمُهُ أنْ لا تَبْقى يَدُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَما السَّبَبُ في حُسْنِ إطْلاقِ لَفْظِ الوَجْهِ عَلى الذّاتِ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عُرْفِ النّاسِ،

صفحة ٩٤

فَإنَّ الوَجْهَ يُسْتَعْمَلُ في العُرْفِ لِحَقِيقَةِ الإنْسانِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى وجْهَ غَيْرِهِ يَقُولُ: رَأيْتُهُ، وإذا رَأى غَيْرَ الوَجْهِ مِنَ اليَدِ والرِّجْلِ مَثَلًا لا يَقُولُ رَأيْتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اطِّلاعَ الإنْسانَ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ في أكْثَرِ الأمْرِ يَحْصُلُ بِالحِسِّ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا رَأىَ شَيْئًا عَلِمَ مِنهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حالَ غَيْبَتِهِ، لِأنَّ الحِسَّ لا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ المَرْئِيِّ وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ إنَّ الحِسَّ يُدْرِكُ والحَدْسَ يَحْكُمُ، فَإذا رَأىَ شَيْئًا بِحِسِّهِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأمْرٍ بِحَدْسِهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ اجْتَمَعَ في وجْهِهِ أعْضاءٌ كَثِيرَةٌ كُلُّ واحِدٍ يَدُلُّ عَلى أمْرٍ، فَإذا رَأى الإنْسانُ وجْهَ الإنْسانِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأحْكامٍ ما كانَ يَحْكُمُ بِها لَوْلا رُؤْيَتُهُ وجْهَهُ، فَكانَ أدَلَّ عَلى حَقِيقَةِ الإنْسانِ وأحْكامِهِ مِن غَيْرِهِ، فاسْتُعْمِلَ الوَجْهُ في الحَقِيقَةِ في الإنْسانِ ثُمَّ نُقِلَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما لَيْسَ بِجِسْمٍ، يُقالُ في الكَلامِ هَذا وجْهٌ حَسَنٌ وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الوَجْهَ مِنَ المُواجَهَةِ كَما هو المَسْطُورُ في البَعْضِ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ إذِ الأمْرُ عَلى العَكْسِ، لِأنَّ الفِعْلَ مِنَ المَصْدَرِ والمَصْدَرَ مِنَ الِاسْمِ الأصْلِيِّ وإنْ كانَ بِالنَّقْلِ، فالوَجْهُ أوَّلُ ما وُضِعَ لِلْعُضْوِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ واشْتُقَّ مِنهُ غَيْرُهُ، ويَعْرِفُ ذَلِكَ العارِفُ بِالتَّصْرِيفِ البارِعِ في الأدَبِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ: ويَبْقى رَبُّكَ أوِ اللَّهُ أوْ غَيْرُهُ فَحَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن غَيْرِ وُقُوعٍ في تَوَهُّمِ ما هو ابْتِداعٌ، نَقُولُ: ما كانَ يَقُومُ مَقامَ الوَجْهِ لَفَظٌ آخَرُ ولا وجْهَ فِيهِ إلّا ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ سائِرَ الأسْماءِ المَعْرُوفَةِ لِلَّهِ تَعالى أسْماءُ الفاعِلِ كالرَّبِّ والخالِقِ، واللَّهُ عِنْدَ البَعْضِ بِمَعْنى المَعْبُودِ، فَلَوْ قالَ: ويَبْقى رَبُّكَ رَبُّكَ، وقَوْلُنا: رَبُّكَ مَعْنَيانِ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ أحَدُهُما أنْ يُقالَ: شَيْءٌ مِن كُلِّ رَبِّكَ، ثانِيهِما أنْ يُقالَ: يَبْقى رَبُّكَ مَعَ أنَّهُ حالَةَ البَقاءِ رَبُّكَ فَيَكُونُ المَرْبُوبَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: يَبْقى الخالِقُ والرّازِقُ وغَيْرُهُما.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في لَفْظِ الرَّبِّ وإضافَةِ الوَجْهِ إلَيْهِ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقالَ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] ؟ نَقُولُ: المُرادُ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هو العِبادَةُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فَظاهِرٌ لِأنَّ المَذْكُورَ هُناكَ الصَّلاةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ فالمَذْكُورُ هو الزَّكاةُ، قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: ٣٨] ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ ولَفْظُ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى العِبادَةِ، لِأنَّ اللَّهَ هو المَعْبُودُ، والمَذْكُورُ في هَذا المَوْضِعِ النِّعَمُ الَّتِي بِها تَرْبِيَةُ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ﴾ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعَ كُلِّ أحَدٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ أيُّها السّامِعُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ خِطابًا مَعَ الِاثْنَيْنِ، وقالَ: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ خِطابًا مَعَ الواحِدِ ؟ نَقُولُ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ وقَعَتِ الإشارَةُ إلى فَناءِ كُلِّ أحَدٍ، وبَقاءِ اللَّهِ فَقالَ ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ أيُّها السّامِعُ فَلا تَلْتَفِتْ إلى أحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ كُلَّ مَن عَداهُ فانٍ، والمُخاطِبُ كَثِيرًا ما يَخْرُجُ عَنِ الإرادَةِ في الكَلامِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: لِمَن يَشْكُو إلَيْكَ مِن أهْلِ مَوْضِعٍ سَأُعاقِبُ لِأجْلِكَ كُلَّ مَن في ذَلِكَ المَوْضِعِ. يَخْرُجُ المُخاطِبُ عَنِ الوَعِيدِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ المَوْضِعِ فَقالَ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِيُعْلِمَ كُلَّ أحَدٍ أنَّ غَيْرَهُ فانٍ، ولَوْ قالَ: وجْهُ رَبِّكُما لَكانَ كُلُّ واحِدٍ يُخْرِجُ نَفْسَهُ ورَفِيقَهُ المُخاطَبَ مِنَ الفَناءِ، فَإنْ قُلْتَ: لَوْ قالَ ”ويَبْقى وجْهُ الرَّبِّ“ مِن غَيْرِ خِطابٍ كانَ أدَلَّ عَلى فَناءِ الكُلِّ ؟ نَقُولُ: كَأنَّ الخِطابَ في الرَّبِّ إشارَةٌ إلى اللُّطْفِ والإبْقاءَ إشارَةٌ إلى القَهْرِ، والمَوْضِعُ مَوْضُعُ بَيانِ اللُّطْفِ

صفحة ٩٥

وتَعْدِيدِ النِّعَمِ، فَلَوْ قالَ: بِلَفْظِ الرَّبِّ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ عادَةٌ جارِيَةٌ وهي أنَّهُ لا يُتْرَكُ اسْتِعْمالُهُ مَعَ الإضافَةِ. فالعَبْدُ يَقُولُ لِي: رَبَّنا اغْفِرْ لَنا، ورَبِّ اغْفِرْ لِي، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ﴾ [الشعراء: ٢٦] و﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] وحَيْثُ تَرَكَ الإضافَةَ ذَكَرَهُ مَعَ صِفَةٍ أُخْرى مِن أوْصافِ اللَّفْظِ، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ولَفْظُ الرَّبِّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ، يُقالُ: رَبَّهُ يُرَبِّهِ رَبًّا مِثْلَ رَبّاهُ يُرَبِّيهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مِنَ الرَّبِّ الَّذِي هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرّابِّ كالطِّبِّ لِلطَّبِيبِ، والسَّمْعِ لِلْحاسَّةِ، والبُخْلِ لِلْبَخِيلِ، وأمْثالُ ذَلِكَ لَكِنْ مِن بابِ فَعَلَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ كَأنَّهُ فَعَلَ مِن بابِ فَعَلَ يَفْعَلُ أيْ فَعَلَ الَّذِي لِلْغَرِيزِيِّ كَما يُقالُ فِيما إذا قُلْنا: فُلانٌ أعْلَمُ وأحْكَمُ، فَكانَ وصْفًا لَهُ مِن بابِ فَعَلَ اللّازِمِ لِيَخْرُجَ عَنِ التَّعَدِّي.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿الجَلالِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ مِن بابِ النَّفْيِ، كَقَوْلِنا: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ، ولِهَذا يُقالُ: جَلَّ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا، وجَلَّ أنْ يَكُونَ عاجِزًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجَلالَ هو بِمَعْنى العَظَمَةِ غَيْرَ أنَّ العَظَمَةَ أصْلُها في القُوَّةِ، والجَلالُ في الفِعْلِ، فَهو عَظِيمٌ لا يَسَعُهُ عَقْلٌ ضَعِيفٌ، فَجَلَّ أنْ يَسَعَهُ كُلُّ فَرْضٍ مَعْقُولٍ: (﴿والإكْرامِ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ صِفَةٍ هي مِن بابِ الإثْباتِ، كَقَوْلِنا: حَيٌّ قادِرٌ عالِمٌ، وأمّا السَّمِيعُ والبَصِيرُ فَإنَّهُما مِن بابِ الإثْباتِ كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مِن بابِ النَّفْيِ، وصِفاتُ بابِ النَّفْيِ قَبْلَ صِفاتِ بابِ الإثْباتِ عِنْدَنا، لِأنّا أوَّلًا نَجِدُ الدَّلِيلَ وهو العالَمُ فَنَقُولُ: العالَمُ مُحْتاجٌ إلى شَيْءٍ وذَلِكَ الشَّيْءُ لَيْسَ مِثْلَ العالَمِ فَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ ولا مُحْتاجٍ، ولا مُمْكِنٍ، ثُمَّ نُثْبِتُ لَهُ القُدْرَةَ والعِلْمَ وغَيْرَهُما، ومِن هُنا قالَ تَعالى لِعِبادِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] وقالَ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» ونَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، نَفْيُ صِفاتِ غَيْرِ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: الجِسْمُ لَيْسَ بِإلَهٍ لَزِمَ مِنهُ قَوْلُكَ: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ و﴿الجَلالِ والإكْرامِ﴾ وصْفانِ مُرَتَّبانِ عَلى أمْرَيْنِ سابِقَيْنِ، فالجَلالُ مُرَتَّبٌ عَلى فَناءِ الغَيْرِ والإكْرامُ عَلى بَقائِهِ تَعالى، فَيَبْقى الفَرْدُ وقَدْ عَزَّ أنْ يُحَدَّ أمْرُهُ بِفَناءِ مَن عَداهُ وما عَداهُ، ويَبْقى وهو مُكْرِمٌ قادِرٌ عالِمٌ فَيُوجِدُ بَعْدَ فَنائِهِمْ مَن يُرِيدُ. وقُرِئَ: ”ذُو الجَلالِ“، و”ذِي الجَلالِ“ . وسَنَذْكُرُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ في تَفْسِيرِ آخِرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

55:29–30Page 532

يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩

Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ مَسْئُولًا وهَذا مَنقُولٌ مَعْقُولٌ، وفِيهِ إشْكالٌ. وهو أنَّهُ يُفْضِي إلى التَّناقُضِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ كانَ إشارَةً إلى بَقائِهِ بَعْدَ فَناءِ مَن عَلى الأرْضِ، فَكَيْفَ يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَسْئُولًا لِمَن في الأرْضِ ؟ فَأمّا إذا قُلْنا: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى [ الأُمُورِ ] الجارِيَةِ [ في يَوْمِنا ] فَلا إشْكالَ في هَذا الوَجْهِ، وأمّا عَلى الصَّحِيحِ فَنَقُولُ: عَنْهُ أجْوِبَةٌ. أحَدُها: لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ فانٍ نَظَرًا إلَيْهِ ولا يَبْقى إلّا بِإبْقاءِ اللَّهِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مَسْئُولًا. ثانِيها: أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا مَعْنًى لا حَقِيقَةً، لِأنَّ الكُلَّ إذا فَنَوْا ولَمْ يَكُنْ وُجُودٌ إلّا بِاللَّهِ، فَكَأنَّ القَوْمَ فَرَضُوا سائِلِينَ بِلِسانِ الحالِ. ثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَبْقى﴾ لِلِاسْتِمْرارِ فَيَبْقى ويُعِيدُ مَن كانَ في الأرْضِ ويَكُونُ مَسْئُولًا. والثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ وهو أظْهَرُ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٩٦

المَسْألَةُ الأُولى: ماذا يَسْألُهُ السّائِلُونَ ؟ فَنَقُولُ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ سُؤالُ اسْتِعْطاءٍ. فَيَسْألُهُ كُلُّ أحَدٍ الرَّحْمَةَ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ.

ثانِيها: أنَّهُ سُؤالُ اسْتِعْلامٍ أيْ عِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو، فَكُلُّ أحَدٍ يَسْألُهُ عَنْ عاقِبَةِ أمْرِهِ وعَمّا فِيهِ صَلاحُهُ وفَسادُهُ. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ يَعْتَرِفُ بِجَهْلِهِ وعِلْمِ اللَّهِ. نَقُولُ: هَذا كَلامٌ في حَقِيقَةِ الأمْرِ مِن جاهِلٍ، فَإنْ كانَ مِن جاهِلٍ مُعانِدٍ فَهو في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا وارِدٌ، فَإنَّ مِنَ المُعانِدِينَ مَن لا يَعْتَرِفُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ فَلا يَسْألُهُ شَيْئًا بِلِسانِهِ، وإنْ كانَ يَسْألُهُ بِلِسانِ حالِهِ لِإمْكانِهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ جاهِلٌ بِما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَعْلُوماتِ.

ثالِثُها: أنَّ ذَلِكَ سُؤالُ اسْتِخْراجِ أمْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْألُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ ويَقُولُونَ: إلَهَنا ماذا نَفْعَلُ وبِماذا تَأْمُرُنا، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا آخَرَ عَنِ الإشْكالِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: يَسْألُهُ حالٌ لِأنَّهُ يَقُولُ: قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ومَن عَلَيْها تَكُونُ الأرْضُ مَكانَهُ ومُعْتَمِدَةً ولَوْلاها لا يَعِيشُ. وأمّا مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ الأرْضِيَّةِ فَهم فِيها ولَيْسُوا عَلَيْها ولا تَضُرُّهم زَلْزَلَتُها، فَعِنْدَما يَفْنى مَن عَلَيْها ويَبْقى اللَّهُ تَعالى لا يَفْنى هَؤُلاءِ في تِلْكَ الحالِ فَيَسْألُونَهُ ويَقُولُونَ: ماذا نَفْعَلُ فَيَأْمُرُهم بِما يَأْمُرُهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، ثُمَّ يَقُولُ لَهم: عِنْدَما يَشاءُ مُوتُوا فَيَمُوتُوا. هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: ﴿يَسْألُهُ﴾ حالٌ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ لا إشْكالَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هو عائِدٌ إلى مَن ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ المَشْهُورُ أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ اتِّفاقُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِي ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الشَّأْنِ فَقالَ: ”«يَغْفِرُ ذَنْبًا ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ مَن يَشاءُ ويَضَعُ مَن يَشاءُ» “ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو عائِدٌ إلى يَوْمٍ و﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظَرْفُ سُؤالِهِمْ أيْ يَقَعُ سُؤالُهم في كُلِّ يَوْمٍ، وهو في شَأْنٍ يَكُونُ جُمْلَةً وُصِفَ بِها يَوْمٌ وهو نَكِرَةٌ كَما يُقالُ: يَسْألُنِي فُلانٌ كُلَّ يَوْمٍ هو يَوْمُ راحَتِي أيْ يَسْألُنِي أيّامَ الرّاحَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ يَكُونُ صِفَةً مُمَيِّزَةً لِلْأيّامِ الَّتِي فِيها شَأْنٌ عَنِ اليَوْمِ الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] فَإنَّهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ هو السّائِلَ وهو المُجِيبَ، ولا يُسْألُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ لَيْسَ يَوْمًا هو في شَأْنٍ يَتَعَلَّقُ بِالسّائِلِينَ مِنَ النّاسِ والمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وإنَّما يَسْألُونَهُ في يَوْمٍ هو في شَأْنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فَيَطْلُبُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ أوْ يَسْتَخْرِجُونَ أمْرَهُ بِما يَفْعَلُونَ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُنافِي ما ورَدَ في الخَبَرِ، نَقُولُ: لا مُنافاةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَوابِ مَن قالَ: ما هَذا الشَّأْنُ ؟ فَقالَ: ”«يَغْفِرُ ذَنْبًا [ ويُفَرِّجُ كَرْبًا» ] “ أيْ فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ بَعْضَ الأيّامِ مَوْسُومَةً بِوَسْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالخَلْقِ مِن مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والتَّفْرِيجِ عَنِ المَكْرُوبِ فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في تِلْكَ الأيّامِ الَّتِي في ذَلِكَ الشَّأْنِ، وجَعَلَ بَعْضَها مَوْسُومَةً بِأنْ لا داعِي فِيها ولا سائِلٌ، وكَيْفَ لا نَقُولُ بِهَذا، ولَوْ تَرَكْنا كُلَّ يَوْمٍ عَلى عُمُومِهِ لَكانَ كُلُّ يَوْمٍ فِيهِ فِعْلٌ وأمْرٌ وشَأْنٌ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى القَوْلِ بِالقِدَمِ والدَّوامِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَعَلى المَشْهُورِ يَكُونُ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ يَوْمٍ ووَقْتٍ في شَأْنٍ، وقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، نَقُولُ: فِيهِ أجْوِبَةٌ مَنقُولَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ فَلا نَبْخَلُ بِها وأجْوِبَةٌ مَعْقُولَةٌ نَذْكُرُها بَعْدَها: (أمّا المَنقُولَةُ) فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، ومَعْناهُ أنَّ القَلَمَ جَفَّ بِما يَكُونُ في كُلِّ [ يَوْمٍ و] وقْتٍ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِالفِعْلِ فِيهِ فَيُوَجَدُ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وقالَ بَعْضُهم: شُئُونٌ يُبْدِيها لا

صفحة ٩٧

شُئُونٌ يَبْتَدِيها، وهو مِثْلُ الأوَّلِ مَعْنًى، أيْ لا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ، ولَكِنْ يَأْتِي وقْتٌ قَدَّرَ اللَّهُ فِيهِ فِعْلَهُ فَيَبْدُو فِيهِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ، وهَذانِ القَوْلانِ يُنْسَبانِ إلى الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ أجابَ بِهِما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ، وقالَ بَعْضُهم: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] ويَشْفِي سَقِيمًا ويُمْرِضُ سَلِيمًا، ويُعِزُّ ذَلِيلًا ويُذِلُّ عَزِيزًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَغْفِرُ ذَنْبًا ويُفَرِّجُ كَرْبًا» “ وهو أحْسَنُ وأبْلَغُ حَيْثُ بَيَّنَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ والآخَرُ بِالدُّنْيا، وقَدَّمَ الأُخْرَوِيَّ عَلى الدُّنْيَوِيِّ (وأمّا المَعْقُولَةُ): فَهي أنْ نَقُولَ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، ومَن يَسْألُهُ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِما أرادَ وقَضى وأبْرَمَ فِيهِ حُكْمَهُ وأمْضى، غَيْرَ أنَّ ما حَكَمَهُ يَظْهَرُ كُلَّ يَوْمٍ، فَنَقُولُ: أبْرَمَ اللَّهُ اليَوْمَ رِزْقَ فُلانٍ ولَمْ يَرْزُقْهُ أمْسِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ عِلْمُ خَلْقِهِ بِما أحاطَ بِهِ عِلْمُهُ، فَتَسْألُهُ المَلائِكَةُ كُلَّ يَوْمٍ إنَّكَ يا إلَهَنا في هَذا اليَوْمِ في أيِّ شَأْنٍ في نَظَرِنا وعِلْمِنا. الثّانِي: هو أنَّ الفِعْلَ يَتَحَقَّقُ بِأمْرَيْنِ مِن جانِبِ الفاعِلِ بِأمْرٍ خاصٍّ، ومِن جانِبِ المَفْعُولِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولا يُمْكِنُ غَيْرُهُ وعَلى وجْهٍ يَخْتارُهُ الفاعِلُ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

(مِثالُ الأوَّلِ): تَحْرِيكُ السّاكِنِ لا يُمْكِنُ إلّا بِإزالَةِ السُّكُونِ عَنْهُ والإتْيانِ بِالحَرَكَةِ عَقِيبَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ.

(ومِثالُ الثّانِي): تَسْكِينُ السّاكِنُ فَإنَّهُ يُمْكِنُ مَعَ إبْقاءِ السُّكُونِ فِيهِ ومَعَ إزالَتِهِ عَقِيبَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ أوْ مَعَ فَصْلٍ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ السُّكُونَ ولا يُحَرِّكُهُ مَعَ بَقاءِ الجِسْمِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ الأجْسامَ الكَثِيرَةَ في زَمانٍ واحِدٍ، وخَلَقَ فِيها صِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ في غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَإيجادُها فِيهِ لا في زَمانٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمانِ. فَمَن خَلَقَهُ فَقِيرًا في زَمانٍ لَمْ يُمْكِنْ خَلْقُهُ غَنِيًّا في عَيْنِ ذَلِكَ الزَّمانِ مَعَ خَلْقِهِ فَقِيرًا فِيهِ وهَذا ظاهِرٌ، والَّذِي يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ العَجْزُ أوْ يُتَوَهَّمُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ العَجْزُ في خِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ فَقِيرًا في زَمانٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ غَنِيًّا لَما وقَعَ الغِنى فِيهِ مَعَ أنَّهُ أرادَهُ، فَيَلْزَمُ العَجْزُ مِن خِلافِ ما قُلْنا، لا فِيما قُلْنا، فَإذَنْ كُلُّ زَمانٍ هو غَيْرُ الزَّمانِ الآخَرِ فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ المُفَسِّرِينَ: أغْنى فَقِيرًا وأفْقَرَ غَنِيًّا، وأعَزَّ ذَلِيلًا وأذَلَّ عَزِيزًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأضْدادِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الضِّدَّيْنِ لَيْسا مُنْحَصِرَيْنِ في مُخْتَلِفَيْنِ، بَلِ المِثْلانِ في حُكْمِهِما فَإنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ، فَمَن وُجِدَ فِيهِ حَرَكَةٌ إلى مَكانٍ في زَمانٍ لا يُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ فِيهِ في ذَلِكَ الزَّمانِ حَرَكَةٌ أُخْرى أيْضًا إلى ذَلِكَ المَكانِ، ولَيْسَ شَأْنُ اللَّهِ مُقْتَصِرًا عَلى إفْقارِ غَنِيٍّ أوْ إغْناءِ فَقِيرٍ في يَوْمِنا دُونَ إفْقارِهِ أوْ إغْنائِهِ أمْسِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَجْمَعَ في زَيْدٍ إغْناءً هو أمْسِي مَعَ إغَناءٍ هو يَوْمِي، فالغِنى المُسْتَمِرُّ لِلْغَنِيِّ في نَظَرِنا في الأمْرِ مُتَبَدِّلُ الحالِ، فَهو أيْضًا مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِكَوْنِهِ: لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ومَعْناهُ أنَّ الشَّأْنَ الواحِدَ لا يَصِيرُ مانِعًا لَهُ تَعالى عَنْ شَأْنٍ آخَرَ كَما أنَّهُ يَكُونُ مانِعًا لَنا، مِثالُهُ: واحِدٌ مِنّا إذا أرادَ تَسْوِيدَ جِسْمٍ بِصَبْغَةٍ يُسَخِّنُهُ بِالنّارِ، أوْ تَبْيِيضَ جِسْمٍ يُبَرِّدُهُ بِالماءِ. والماءُ والنّارُ مُتَضادّانِ إذا طُلِبَ مِنهُ أحَدُهُما وشَرَعَ فِيهِ يَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ مِن فِعْلِ الآخَرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ الفِعْلُ مانِعًا مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ تَسْوِيدَ جِسْمٍ وتَبْيِيضَ آخَرَ لا تَنافِيَ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ تَسْخِينُهُ وتَسْوِيدُهُ بِصَبْغَةٍ لا تَنافِيَ فِيهِ، فالفِعْلُ صارَ مانِعًا لِلْفاعِلِ مِن فِعْلِهِ ولَمْ يَصِرْ مانِعًا مِنَ الفِعْلِ، وفي حَقِّ اللَّهِ ما لا يَمْنَعُ الفِعْلَ لا يَمْنَعُ الفاعِلَ، فَيُوجِدُ تَعالى مِنَ الأفْعالِ المُخْتَلِفَةِ ما لا يُحْصَرُ ولا يُحْصى في آنٍ واحِدٍ، أمّا ما يُمْنَعُ مِنَ الفِعْلِ كالَّذِي يُسَوِّدُ جِسْمًا في آنٍ لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يُبَيِّضَهُ في ذَلِكَ الآنِ، فَهو قَدْ يَمْنَعُ الفاعِلَ أيْضًا وقَدْ لا يَمْنَعُ ولَكِنْ لا بُدَّ مِن مَنعِهِ لِلْفاعِلِ، فالتَّسْوِيدُ لا يُمْكِنُ مَعَهُ التَّبْيِيضُ، واللَّهُ تَعالى لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ أصْلًا لَكِنَّ أسْبابَهُ تَمْنَعُ أسْبابًا أُخَرَ لا تَمْنَعُ الفاعِلَ. إذا عَلِمْتَ هَذا البَحْثَ فَقَدْ أفادَكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском