Ar-RaziAr‑Rahman · 55:31–38

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:31–38

55:31–32Page 532

سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١

We will attend to you, O prominent beings.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

التَّحْقِيقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولْنَذْكُرْ أوَّلًا ما قِيلَ فِيهِ تَبَرُّكًا بِأقْوالِ المَشايِخِ ثُمَّ نُحَقِّقُهُ بِالبَيانِ الشّافِي، فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وأكْثَرُهم عَلى أنَّ المُرادَ سَنَقْصِدُكم بِالفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: خَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ عَلى ما هي عادَةُ اسْتِعْمالِ النّاسِ، فَإنَّ السَّيِّدَ يَقُولُ لِعَبْدِهِ عِنْدَ الغَضَبِ: سَأفْرُغُ لَكَ، وقَدْ يَكُونُ السَّيِّدُ فارِغًا جالِسًا لا يَمْنَعُهُ شُغْلٌ، وأمّا التَّحْقِيقُ فِيهِ، فَنَقُولُ: عَدَمُ الفَراغِ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في فِعْلٍ لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ إيجادُ فِعْلٍ آخَرَ فَإنَّ مَن يَخِيطُ يَقُولُ: ما أنا بِفارِغٍ لِلْكِتابَةِ، لَكِنْ عَدَمُ الفَراغِ قَدْ يَكُونُ لِكَوْنِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ مانِعًا لِلْفاعِلِ مِنَ الفِعْلِ الآخَرِ، يُقالُ: هو مَشْغُولٌ بِكَذا عَنْ كَذا كَما في قَوْلِ القائِلِ: أنا مَشْغُولٌ بِالخِياطَةِ عَنِ الكِتابَةِ، وقَدْ يَكُونُ عَدَمُ الفَراغِ لِكَوْنِ الفِعْلِ مانِعًا مِنَ الفِعْلِ لا لِكَوْنِهِ مانِعًا مِنَ الفاعِلِ، كالَّذِي يُحَرِّكُ جِسْمًا في زَمانٍ لا يُمْكِنُ تَسْكِينُهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَهو لَيْسَ بِفارِغٍ لِلتَّسْكِينِ، ولَكِنْ لا يُقالُ في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ أنا مَشْغُولٌ بِالتَّحْرِيكِ عَنِ التَّسْكِينِ، فَإنَّ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لَوْ كانَ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِهِ بَلْ كانَ في نَفْسِ المَحَلِّ حَرَكَةٌ لا بِفِعْلِ ذَلِكَ الفاعِلِ لا يُمْكِنُهُ التَّسْكِينُ فَلَيْسَ امْتِناعُهُ مِنهُ إلّا لِاسْتِحالَتِهِ بِالتَّحْرِيكِ، وفي الصُّورَةِ الأُولى لَوْلا اشْتِغالُهُ بِالخِياطَةِ لَتَمَكَّنَ مِنَ الكِتابَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا صارَ عَدَمُ الفَراغِ قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: بِشُغْلٍ والآخَرُ لَيْسَ بِشُغْلٍ، فَنَقُولُ: إذا كانَ اللَّهُ تَعالى بِاخْتِيارِهِ أوْجَدَ الإنْسانَ وأبْقاهُ مُدَّةً أرادَها بِمَحْضِ القُدْرَةِ والإرادَةِ لا يُمْكِنُ مَعَ هَذا إعْدامُهُ، فَهو في فِعْلٍ لا يَمْنَعُ الفاعِلَ لَكِنْ يَمْنَعُ الفِعْلَ، ومِثْلُ هَذا بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ بِفَراغٍ، وإنْ كانَ لَهُ شُغْلٌ، فَإذا أوْجَدَ ما أرادَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أمْكَنَ الإعْدامُ والزِّيادَةُ في آنِهِ فَيَتَحَقَّقُ الفَراغُ، لَكِنْ لَمّا كانَ لِلْإنْسانِ مُشاهَدَةٌ مُقْتَصِرَةٌ عَلى أفْعالِ نَفْسِهِ وأفْعالِ أبْناءِ جِنْسِهِ وعَدَمُ الفِراغِ مِنهم بِسَبَبِ الشُّغْلِ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى فارِغٌ فَحَمَلَ الخَلْقُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِفارِغٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ الفِعْلُ وهو لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ يَلْزَمُهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى غَيْرِ مَعْناهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ قَوْلًا آخَرَ غَيْرُ قَوْلِ المَشايِخِ، بَلْ هو بَيانٌ لِقَوْلِهِمْ: سَنَقْصِدُكم، غَيْرَ أنَّ هَذا مُبَيَّنٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى أنْ هَدانا لِلْبَيانِ مِن غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ قَوْلِ أرْبابِ اللِّسانِ. واعْلَمْ أنَّ أصْلَ الفَراغِ بِمَعْنى الخُلُوِّ، لَكِنْ ذَلِكَ إنْ كانَ في المَكانِ فَيَتَّسِعُ لِيَتَمَكَّنَ آخَرُ، وإنْ كانَ في زَمانٍ فَيَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ، فالأصْلُ أنَّ زَمانَ الفاعِلِ فارِغٌ عَنْ فِعْلِهِ وغَيْرُ فارِغٍ لَكِنَّ المَكانَ مَرْئِيٌّ بِالخُلُوِّ فِيهِ، فَيُطْلَقُ الفَراغَ عَلى خُلُوِّ المَكانِ في الظَّرْفِ الفُلانِيِّ والزَّمانُ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلا يُرى خُلُوُّهُ. ويُقالُ: فُلانٌ في زَمانِ كَذا فارِغٌ لِأنَّ فُلانًا هو المَرْئِيُّ لا الزَّمانَ، والأصْلُ أنَّ هَذا الزَّمانَ مِن أزْمِنَةِ فُلانٍ فَيُمْكِنُهُ وصْفُهُ لِلْفِعْلِ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ اسْتِعْمالٌ عَلى مُلاحَظَةِ الأصْلِ، لِأنَّ المَكانَ إذا خَلا يُقالُ: لِكَذا ولا يُقالُ: إلى كَذا، فَكَذَلِكَ الزَّمانُ، لَكِنْ لَمّا نُقِلَ إلى الفاعِلِ وقِيلَ: الفاعِلُ عَلى فَراغٍ وهو عِنْدَ الفَراغِ يَقْصِدُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، قِيلَ في الفاعِلِ: فَرَغَ مِن كَذا إلى كَذا، وفي الظَّرْفِ يُقالُ: فَرَغَ مِن كَذا لِكَذا، فَقالَ لَكم عَلى مُلاحَظَةِ الأصْلِ، وهو يُقَوِّي ما ذَكَرْنا أنَّ المانِعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ. وأمّا ”أيُّها“ فَنَقُولُ: الحِكْمَةُ في نِداءِ المُبْهَمِ والإتْيانُ بِالوَصْفِ بَعْدَهُ هي أنَّ المُنادِيَ يُرِيدُ صَوْنَ كَلامِهِ عَنِ الضَّياعِ، فَيَقُولُ أوَّلًا: يا أيْ نِداءٌ لِمُبَهَمٍ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ ويَتَنَبَّهُ لِكَلامِهِ مَن يَقْصِدُهُ، ثُمَّ عِنْدَ إقْبالِ السّامِعِينَ يُخَصِّصُ المَقْصُودَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ والتُزِمَ فِيهِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ أوْ بِاسْمِ الإشارَةِ، فَتَقُولُ: يا أيُّها الرَّجُلُ أوْ يا أيُّهَذا لا الأعْرَفُ مِنهُ وهو العَلَمُ، لِأنَّ بَيْنَ المُبْهَمِ الواقِعِ عَلى كُلِّ جِنْسٍ والعَلَمِ المُمَيَّزِ عَنْ كُلِّ شَخْصٍ تَباعُدًا. وثانِيهِما: تَوَسُّطُ التَّنْبِيهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ

صفحة ٩٩

الوَصْفِ لِأنَّ الأصْلَ في أيِ الإضافَةُ لِما أنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ فَيُحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ، وأصْلُ التَّمْيِيزِ عَلى ما بَيَّنّا الإضافَةُ، فَوَسَّطَ بَيْنَهُما لِتَعْوِيضِهِ عَنِ الإضافَةِ، والتُزِمَ أيْضًا حَذْفُ لامِ التَّعْرِيفِ عِنْدَ زَوالِ أيْ فَلا تَقُولُ: يا الرَّجُلُ لِأنَّ في ذَلِكَ تَطْوِيلًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَإنَّكَ لا تُفِيدُ بِاللّامِ التَّنْبِيهَ الَّذِي ذَكَرْنا، فَقَوْلُكَ: يا رَجُلُ مُفِيدٌ فَلا حاجَةَ إلى اللّامِ، فَهو يُوجِبُ إسْقاطَ اللّامِ عِنْدَ الإضافَةِ المَعْنَوِيَّةِ، فَإنَّها لَمّا أفادَتِ التَّعْرِيفَ كانَ إثْباتُ اللّامِ تَطْوِيلًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ لِكَوْنِهِ جَمْعًا بَيْنَ المُعَرَّفَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الثَّقَلانِ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ الجِنُّ والإنْسُ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُما سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما مُثْقَلَيْنِ بِالذُّنُوبِ.

ثانِيهِما: سُمِّيا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِما ثَقِيلَيْنِ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَإنَّ التُّرابَ وإنْ لَطُفَ في الخَلْقِ لِيَتَمَّ خَلْقُ آدَمَ لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ ثَقِيلًا، وأمّا النّارُ فَلَمّا وُلِدَ فِيها خَلْقُ الجِنِّ كَثُفَتْ يَسِيرًا، فَكَما أنَّ التُّرابَ لَطُفَ يَسِيرًا فَكَذَلِكَ النّارُ صارَتْ ثَقِيلَةً، فَهُما ثَقَلانِ فَسُمِّيا بِذَلِكَ.

ثالِثُها: الثَّقِيلُ أحَدُهُما لا غَيْرُ وسُمِّيَ الآخَرُ بِهِ لِلْمُجاوَرَةِ والِاصْطِحابِ كَما يُقالُ: العُمَرانِ والقَمَرانِ وأحَدُهُما عُمَرُ وقَمَرٌ، أوْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العُمُومَ بِالنَّوْعَيْنِ الحاضِرَيْنِ، تَقُولُ: يا أيُّها الثَّقَلُ الَّذِي هو كَذا، والثَّقَلُ الَّذِي لَيْسَ كَذا، والثَّقَلُ الأمْرُ العَظِيمُ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ» .

55:33–34Page 532

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣

O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ التَّرْتِيبِ وحُسْنِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ وبَيَّنّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شُغْلٌ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: فَلِمَ كانَ التَّأْخِيرُ إذا لَمْ يَكُنْ شُغْلٌ هُناكَ مانِعٌ ؟ فَقالَ: المُسْتَعْجِلُ يَسْتَعْجِلُ إمّا لِخَوْفِ فَواتِ الأمْرِ بِالتَّأْخِيرِ، وإمّا لِحاجَةٍ في الحالِ، وإمّا لِمُجَرَّدِ الِاخْتِيارِ والإرادَةِ عَلى وجْهِ التَّأْخِيرِ، وبَيَّنَ عَدَمَ الحاجَةِ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ لِأنَّ ما يَبْقى بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، فَبَيَّنَ عَدَمَ الخَوْفِ مِنَ الفَواتِ، وقالَ: لا يَفُوتُونَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولَوْ أمْكَنَ خُرُوجُهم عَنْهُما لَما خَرَجُوا عَنْ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، فَهو آخِذُهم أيْنَ كانُوا وكَيْفَ كانُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْشَرُ الجَماعَةُ العَظِيمَةُ، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ المَعْشَرَ العَدَدُ الكامِلُ الكَثِيرُ الَّذِي لا عَدَدَ بَعْدَهُ، إلّا بِالِابْتِداءِ فِيهِ حَيْثُ يُعِيدُ الآحادَ ويَقُولُ: أحَدَ عَشَرَ واثْنا عَشَرَ وعِشْرُونَ وثَلاثُونَ، أيْ ثَلاثُ عَشَراتٍ فالمَعْشَرُ كَأنَّهُ مَحَلُّ العَشْرِ الَّذِي هو الكَثْرَةُ الكامِلَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الخِطابُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ في الآخِرَةِ، فَإنَّ الجِنَّ والإنْسَ يُرِيدُونَ الفِرارَ مِنَ العَذابِ فَيَجِدُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُحِيطِينَ بِأقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأوْلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ عامٌّ بِمَعْنى لا مَهْرَبَ ولا مَخْرَجَ لَكم عَنْ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَما تَوَلَّيْتُمْ فَثَمَّ مُلْكُ اللَّهِ، وأيْنَما تَكُونُوا أتاكم حُكْمُ اللَّهِ.

صفحة ١٠٠

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الجِنِّ عَلى الإنْسِ هَهُنا وتَقْدِيمِ الإنْسِ عَلى الجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ؟ نَقُولُ: النُّفُوذُ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالجِنِّ ألْيَقُ إنْ أمْكَنَ، والإتْيانُ بِمِثْلِ القُرْآنِ بِالإنْسِ ألْيَقُ إنْ أمْكَنَ، فَقَدَّمَ في كُلِّ مَوْضِعٍ مَن يُظَنُّ بِهِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى: ﴿لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ يَحْتِمُلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ بَيانًا بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ، أيْ ما تَنْفُذُونَ ولا تَنْفُذُونَ إلّا بِقُوَّةٍ ولَيْسَ لَكم قُوَّةٌ عَلى ذَلِكَ.

ثانِيها: أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الأمْرِ الأوَّلِ، وبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُكم، وتَقْدِيرُهُ ما تَنْفُذُوا وإنْ نَفَذْتُمْ ما تَنْفُذُونَ إلّا ومَعَكم سُلْطانُ اللَّهِ، كَما يَقُولُ: خَرَجَ القَوْمُ بِأهْلِهِمْ أيْ مَعَهم. ثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّفُوذِ ما هو المَقْصُودُ مِنهُ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ نُفُوذَهم إشارَةٌ إلى طَلَبِ خَلاصِهِمْ فَقالَ: لا تَنْفُذُونَ مِن أقْطارِ السَّماواتِ، ولا تَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ ولا تَجِدُونَ ما تَطْلُبُونَ مِنَ النُّفُوذِ وهو الخَلاصُ مِنَ العَذابِ إلّا بِسُلْطانٍ مِنَ اللَّهِ يُجِيرُكم وإلّا فَلا مُجِيرَ لَكم، كَما تَقُولُ: لا يَنْفَعُكَ البُكاءُ إلّا إذا صَدَقْتَ وتُرِيدُ بِهِ أنَّ الصِّدْقَ وحْدَهُ يَنْفَعُكَ، لا أنَّكَ إنْ صَدَقْتَ فَيَنْفَعُكَ البُكاءُ. رابِعُها: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، ووَجْهُهُ هو كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الغافِلُ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَخْرُجَ بِذِهْنِكَ عَنْ أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فَإذا أنْتَ أبَدًا تُشاهِدُ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ثُمَّ هَبْ أنَّكَ تَنْفُذُ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ، فاعْلَمْ أنَّكَ لا تَنْفُذُ إلّا بِسُلْطانٍ تَجِدُهُ خارِجَ السَّماواتِ والأرْضِ قاطِعٍ دالٍّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى والسُّلْطانُ هو القُوَّةُ الكامِلَةُ.

55:35–36Page 532

يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥

There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ نَقُولُ: إنْ قُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ نِداءٌ يُنادى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يَوْمَ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ﴾ فَلا يَبْقى لَكُما انْتِصارٌ إنِ اسْتَطَعْتُما النُّفُوذَ فانْفُذا، وإنْ قُلْنا: إنَّ النِّداءَ في الدُّنْيا، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَكم مِنَ اللَّهِ فَيُمْكِنُكُمُ الفِرارُ قَبْلَ الوُقُوعِ في العَذابِ ولا ناصِرَ لَكم فَيُخَلِّصُكم مِنَ النّارِ بَعْدَ وُقُوعِكم فِيها وإرْسالِها عَلَيْكم، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ لِئَلّا تَقَعُوا في العَذابِ فَفِرُّوا ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ لَكم أنْ لا فِرارَ لَكم ولا بُدَّ مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ، فَإذا وقَعْتُمْ فِيهِ وأُرْسِلَ عَلَيْكم فاعْلَمُوا أنَّكم لا تُنْصَرُونَ فَلا خَلاصَ لَكم إذَنْ، لِأنَّ الخَلاصَ إمّا بِالدَّفْعِ قَبْلَ الوُقُوعِ وإمّا بِالرَّفْعِ بَعْدَهُ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ ثَنّى الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُما﴾ مَعَ أنَّهُ جُمِعَ قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ والخِطابُ مَعَ الطّائِفَتَيْنِ. وقالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ وعَظَمَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا بِاجْتِماعِكم وقُوَّتِكم فانْفُذُوا، ولا تَسْتَطِيعُونَ لِعَجْزِكم فَقَدْ بانَ عِنْدَ اجْتِماعِكم واعْتِضادِكم بَعْضُكم بِبَعْضٍ فَهو عِنْدَ افْتِراقِكم أظْهَرُ، فَهو خِطابٌ عامٌّ مَعَ كُلِّ أحَدٍ عِنْدَ الِانْضِمامِ إلى جَمِيعِ مَن عَداهُ مِنَ الأعْوانِ والإخْوانِ،

صفحة ١٠١

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ فَهو لِبَيانِ الإرْسالِ عَلى النَّوْعَيْنِ لا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ لِأنَّ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ لا يُرْسَلُ عَلَيْهِمُ العَذابُ والنّارُ، فَهو يُرْسَلُ عَلى النَّوْعَيْنِ ويَتَخَلَّصُ مِنهُ بَعْضٌ مِنهُما بِفَضْلِ اللَّهِ ولا يَخْرُجُ أحَدٌ مِنَ الأقْطارِ أصْلًا، وهَذا يَتَأيَّدُ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ: لا فِرارَ لَكم قَبْلَ الوُقُوعِ، ولا خَلاصَ لَكم عِنْدَ الوُقُوعِ لَكِنْ عَدَمُ الفِرارِ عامٌّ وعَدَمُ الخَلاصِ لَيْسَ بِعامٍّ. والجَوابُ الثّانِي مِن حَيْثُ اللَّفْظِ: هو أنَّ الخِطابَ مَعَ المَعْشَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيُّها المَعْشَرُ وقَوْلُهُ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ النِّداءِ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ وهُما نَوْعانِ ولَيْسَ الكَلامُ مَذْكُورًا بِحَرْفِ واوِ العَطْفِ حَتّى يَكُونَ النَّوْعانِ مُنادَيَيْنِ في الأوَّلِ، وعِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالنِّداءِ فالتَّثْنِيَةُ أوْلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ وهَذا يَتَأيَّدُ بِقَوْلِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ وحَيْثُ صَرَّحَ بِالنِّداءِ جَمَعَ الضَّمِيرَ، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنِّداءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الشُّواظُ وما النُّحاسُ ؟ نَقُولُ: الشُّواظُ لَهَبُ النّارِ وهو لِسانُهُ، وقِيلَ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا لِلْمُخْتَلِطِ بِالدُّخانِ الَّذِي مِنَ الحَطَبِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الحُكَماءِ: إنَّ النّارَ إذا صارَتْ خالِصَةً لا تُرى كالَّتِي تَكُونُ في الكِيرِ الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ الِاتِّقادِ، وكَما في التَّنُّورِ المَسْجُورِ فَإنَّهُ يُرى فِيهِ نُورٌ وهو نارٌ. وأمّا النُّحاسُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما الدُّخانُ، والثّانِي القِطْرُ وهو النُّحاسُ المَشْهُورُ عِنْدَنا، ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ الأمْرَيْنِ بَعْدَ خِطابِ النَّوْعَيْنِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِاخْتِصاصِ كُلِّ واحِدٍ بِواحِدٍ. وحِينَئِذٍ فالنّارُ الخَفِيفُ لِلْإنْسِ لِأنَّهُ يُخالِفُ جَوْهَرَهُ، والنُّحاسُ الثَّقِيلُ لِلْجِنِّ لِأنَّهُ يُخالِفُ جَوْهَرَهُ أيْضًا. فَإنَّ الإنْسَ ثَقِيلٌ والنّارَ خَفِيفَةٌ، والجِنَّ خِفافٌ والنُّحاسَ ثَقِيلٌ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: المُرادُ مِنَ النُّحاسِ الدُّخانُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وُرُودُهُما عَلى حَدٍّ واحِدٍ مِنهُما وهو الظّاهِرُ الأصَحُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَن قَرَأ ”نُحاسٍ“ بِالجَرِّ كَيْفَ يَعْرِبُهُ. ولَوْ زَعَمَ أنَّهُ عُطِفَ عَلى النّارِ يَكُونُ شُواظٌ مِن نُحاسٍ، والشُّواظُ لا يَكُونُ مِن نُحاسٍ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ مِن نُحاسٍ كَقَوْلِهِمْ: تَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا. وثانِيهِما: وهو الأظْهَرُ أنْ يَقُولَ: الشُّواظُ لَمْ يَكُنْ إلّا عِنْدَما يَكُونُ في النّارِ أجْزاءٌ هُوائِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ، وهو الدُّخانُ، فالشُّواظُ مُرَكَّبٌ مِن نارٍ ومِن نُحاسٍ وهو الدُّخانُ، وعَلى هَذا فالمُرْسَلُ شَيْءٌ واحِدٌ لا شَيْئانِ غَيْرَ أنَّهُ مُرَكَّبٌ، فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا لا فائِدَةَ لِتَخْصِيصِ الشُّواظِ بِالإرْسالِ إلّا بَيانُ كَوْنِ تِلْكَ النّارِ بَعْدُ غَيْرَ قَوِيَّةٍ قُوَّةً تُذْهِبُ عَنْهُ الدُّخانُ، نَقُولُ: العَذابُ بِالنّارِ الَّتِي لا تُرى دُونَ العَذابُ بِالنّارِ الَّتِي تُرى، لِتَقَدُّمِ الخَوْفِ عَلى الوُقُوعِ فِيهِ، وامْتِدادِ العَذابِ، والنّارُ الصِّرْفَةُ لا تُرى أوْ تُرى كالنُّورِ، فَلا يَكُونُ لَها لَهِيبٌ وهَيْبَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الِانْتِصارِ، فَلا يَنْتَصِرُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ولا هُما بِغَيْرِهِما، وإنْ كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ في الدُّنْيا: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] والِانْتِصارُ التَّلَبُّسُ بِالنُّصْرَةِ، يُقالُ لِمَن أخَذَ الثَّأْرَ انْتَصَرَ مِنهُ كَأنَّهُ انْتَزَعَ النُّصْرَةَ مِنهُ لِنَفْسِهِ وتَلَبَّسَ بِها، ومِن هَذا البابِ الِانْتِقامُ والِادِّخارُ والِادِّهانُ، والَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّ الِانْتِصارَ بِمَعْنى الِامْتِناعِ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ بِمَعْنى لا تَمْتَنِعانِ، وهو في الحَقِيقَةِ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا لِأنَّهُ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِالنُّصْرَةِ فَهو مُمْتَنِعٌ لِذَلِكَ.

55:37–38Page 532

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧

And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨

So which of the favors of your Lord would you deny? -

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إشارَةً إلى ما هو

صفحة ١٠٢

أعْظَمُ مِن إرْسالِ الشُّواظِ عَلى الإنْسِ والجِنِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما يَخافُ مِنهُ الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَخافُ مِنهُ كُلُّ واحِدٍ مِمَّنْ لَهُ إدْراكٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلَكِ حَيْثُ تَخْلُو أماكِنُهم بِالشَّقِّ ومَساكِنُ الجِنِّ والإنْسِ بِالخَرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ إشارَةً إلى سُكّانِ الأرْضِ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ بَيانًا لِحالِ سُكّانِ السَّماءِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في الأصْلِ لِلتَّعْقِيبِ عَلى وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:

(مِنها): التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ لِلشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَتَعَلَّقُ أحَدُهُما بِالآخَرِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ: قَعَدَ زَيْدٌ فَقامَ عَمْرٌو، لِمَن سَألَكَ عَنْ قُعُودِ زَيْدٍ وقِيامِ عَمْرٍو، وإنَّهُما كانا مَعًا أوْ مُتَعاقِبَيْنِ.

(ومِنها): التَّعْقِيبُ الذِّهْنِيُّ لِلَّذِينَ يَتَعَلَّقُ أحَدُهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ فَقامَ عَمْرٌو إكْرامًا لَهُ إذْ يَكُونُ في مِثْلِ هَذا قِيامُ عَمَرٍو مَعَ مَجِيءِ زَيْدٍ زَمانًا.

(ومِنها): التَّعْقِيبُ في القَوْلِ كَقَوْلِكَ: لا أخافُ الأمِيرَ فالمَلِكَ فالسُّلْطانَ، كَأنَّكَ تَقُولُ: أقُولُ لا أخافُ الأمِيرَ، وأقُولُ لا أخافُ المَلِكَ، وأقُولُ لا أخافُ السُّلْطانَ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالفاءُ هُنا تَحْتَمِلُ الأوْجُهَ جَمِيعًا.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ إرْسالَ الشُّواظِ عَلَيْهِمْ يَكُونُ قَبْلَ انْشِقاقِ السَّماواتِ، ويَكُونُ ذَلِكَ الإرْسالُ إشارَةً إلى عَذابِ القَبْرِ، وإلى ما يَكُونُ عِنْدَ سَوْقِ المُجْرِمِينَ إلى المَحْشَرِ، إذْ ورَدَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الشُّواظَ يَسُوقُهم إلى المَحْشَرِ، فَيَهْرَبُونَ مِنها إلى أنْ يَجْتَمِعُوا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا مَعْناهُ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ، فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ يَكُونُ العَذابُ الألِيمُ، والحِسابُ الشَّدِيدُ عَلى ما سَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وأمّا الثّانِي: فَوَجْهُهُ أنْ يُقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَوْنِ السَّماءِ تَكُونُ حَمْراءَ، إشارَةً إلى أنَّ لَهِيبَها يَصِلُ إلى السَّماءِ ويَجْعَلُها كالحَدِيدِ المُذابِ الأحْمَرِ.

وأمّا الثّالِثُ: فَوَجْهُهُ أنْ يُقالَ: لَمّا قالَ: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ في وقْتِ إرْسالِ الشُّواظِ عَلَيْكُما قالَ: فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ وصارَتْ كالمُهْلِ، وهو كالطِّينِ الذّائِبِ، كَيْفَ تَنْتَصِرانِ ؟ إشارَةً إلى أنَّ الشُّواظَ المُرْسَلَ لَهَبٌ واحِدٌ، أوْ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ وذابَتْ، وصارَتِ الأرْضُ والجَوُّ والسَّماءُ كُلُّها نارًا فَكَيْفَ تَنْتَصِرانِ ؟ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ (إذا) قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُفاجَأةِ وإنْ كانَتْ في أوْجُهِها ظَرْفًا، لَكِنْ بَيْنَها فَرْقٌ.

فالأوَّلُ: مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١، ٢]

والثّانِي: مِثْلَ قَوْلِهِ: إذا أكْرَمْتَنِي أُكْرِمْكَ ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وفي الأوَّلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الفِعْلُ في الوَقْتِ المَذْكُورِ مُتَّصِلًا بِهِ وفي الثّانِي لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: إذا عَلَّمْتَنِي تُثابُ يَكُونُ الثَّوابُ بَعْدَهُ زَمانًا لَكِنَّ اسْتِحْقاقَهُ يَثْبُتُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُتَّصِلًا بِهِ.

والثّالِثُ: مِثالُ ما يَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا قَدْ أقْبَلَ الرَّكْبُ أمّا لَوْ قالَ: خَرَجْتُ إذْ أقْبَلَ الرَّكْبُ فَهو في جَوابِ مَن يَقُولُ مَتى خَرَجْتَ ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: عَلى أيِّ وجْهٍ اسْتَعْمَلَ ”إذا“ هاهُنا ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: الظَّرْفِيَّةُ المُجَرَّدَةُ عَلى أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الزَّمانِيِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ بَيانٌ لِوَقْتِ العَذابِ، كَأنَّهُ قالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ يَكُونُ العَذابُ أيْ بَعْدَ إرْسالِ الشُّواظِ، وعِنْدَ انْشِقاقِ السَّماءِ يَكُونُ.

وثانِيهِما: الشَّرْطِيَّةُ وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ، وهو قَوْلُنا: ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ عِنْدَ إرْسالِ الشُّواظِ فَكَيْفَ تَنْتَصِرانِ إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ، كَأنَّهُ قالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَلا تَتَوَقَّعُوا الِانْتِصارَ أصْلًا، وأمّا الحَمْلُ عَلى المُفاجَأةِ عَلى أنْ يُقالَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ فَإذا السَّماءُ قَدِ انْشَقَّتْ فَبَعِيدٌ، ولا يُحْمَلُ ذَلِكَ إلّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الذِّهْنِيِّ.

صفحة ١٠٣

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المُخْتارُ مِنَ الأوْجُهِ ؟ نَقُولُ: الشَّرْطِيَّةُ وحِينَئِذٍ لَهُ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا رَأْسًا لِيَفْرِضَ السّامِعُ بَعْدَهُ كُلَّ هائِلٍ، كَما يَقُولُ القائِلُ: إذا غَضِبَ السُّلْطانُ عَلى فُلانٍ لا يَدْرِي أحَدٌ ماذا يَفْعَلُهُ، ثُمَّ رُبَّما يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ إذا غَضِبَ السُّلْطانُ مُتَعَجِّبًا آتِيًا بِقَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى تَهْوِيلِ الأمْرِ، لِيَذْهَبَ السّامِعُ مَعَ كُلِّ مَذْهَبٍ، ويَقُولُ: كَأنَّهُ إذا غَضِبَ السُّلْطانُ يَقْتُلُ، ويَقُولُ الآخَرُ: إذا غَضِبَ السُّلْطانُ، يَنْهَبُ ويَقُولُ الآخَرُ غَيْرَ ذَلِكَ.

وثانِيهِما: ما بَيَّنّا مِن بَيانِ عَدَمِ الِانْتِصارِ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] إلى أنْ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا أُرْسِلَ عَلَيْهِما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٍ فَلا يَنْتَصِرانِ، فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كَيْفَ يَنْتَصِرانِ ؟ فَيَكُونُ الأمْرُ عَسِيرًا، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ يَكُونُ الأمْرُ عَسِيرًا في غايَةِ العُسْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ يَلْقى المَرْءُ فِعْلَهُ ويُحاسَبُ حِسابَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] الآيَةَ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما المَعْنى مِنَ الِانْشِقاقِ ؟ نَقُولُ: حَقِيقَتُهُ ذَوَبانُها وخَرابُها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] إشارَةً إلى خَرابِها ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: انْشَقَّتْ بِالغَمامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ مِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِالغَمامِ﴾ أيْ مَعَ الغَمامِ فَيَكُونُ مِثْلَ ما ذَكَرْنا هَهُنا مِنَ الِانْفِطارِ والخَرابِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّها في الحالِ تَكُونُ حَمْراءَ، يُقالُ: فَرَسٌ ورْدٌ إذا أُثْبِتَ لِلْفَرَسِ الحُمْرَةُ، وحُجْرَةٌ ورْدَةٌ أيْ حَمْراءُ اللَّوْنِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَهِيبَ النّارِ يَرْتَفِعُ في السَّماءِ فَتَذُوبُ فَتَكُونُ كالصُّفْرِ الذّائِبِ حَمْراءَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: ورْدَةٌ لِلْمَرَّةِ مِنَ الوُرُودِ كالرَّكْعَةِ والسَّجْدَةِ والجَلْسَةِ والقَعْدَةِ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والجُلُوسِ والقُعُودِ، وحِينَئِذٍ الضَّمِيرُ في كانَتْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] أيِ الكائِنَةُ أوِ الدّاهِيَةُ وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِتَأْنِيثِ الظّاهِرِ وإنْ كانَ شَيْئًا مُذَكَّرًا، فَكَذا هَهُنا قالَ: ﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ واحِدَةً أيِ الحَرَكَةُ الَّتِي بِها الِانْشِقاقُ كانَتْ ورْدَةً واحِدَةً، وتَزَلْزَلَ الكُلُّ وخَرِبَ دُفْعَةً، والحَرَكَةُ مَعْلُومَةٌ بِالِانْشِقاقِ لِأنَّ المُنْشَقَّ يَتَحَرَّكُ، ويَتَزَلْزَلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالدِّهانِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: جَمْعُ دُهْنٍ.

وثانِيهِما: أنَّ الدِّهانَ هو الأدِيمُ الأحْمَرُ، فَإنْ قِيلَ: الأدِيمُ الأحْمَرُ مُناسِبٌ لِلْوَرْدَةِ فَيَكُونُ مَعْناهُ كانَتِ السَّماءُ كالأدِيمِ الأحْمَرِ، ولَكِنْ ما المُناسَبَةُ بَيْنَ الوَرْدَةِ وبَيْنَ الدِّهانِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الدِّهانِ ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] وهو عَكَرُ الزَّيْتِ وبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ، فَإنَّ الوَرْدَ يُطْلَقُ عَلى الأسَدِ فَيُقالُ: أسَدٌ ورْدٌ، فَلَيْسَ الوَرْدُ هو الأحْمَرَ القانِي.

والثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ بِالدُّهْنِ لَيْسَ في اللَّوْنِ بَلْ في الذَّوَبانِ.

والثّالِثُ: هو أنَّ الدُّهْنَ المُذابَ يَنْصَبُّ انْصِبابَةً واحِدَةً ويَذُوبُ دُفْعَةً، والحَدِيدُ والرَّصاصُ لا يَذُوبُ غايَةَ الذَّوَبانِ، فَتَكُونُ حَرَكَةُ الدُّهْنِ بَعْدَ الذَّوَبانِ أسْرَعَ مِن حَرَكَةِ غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ حَرَكَتُها: تَكُونُ ورْدَةً واحِدَةً كالدِّهانِ المَصْبُوبَةِ صَبًّا لا كالرَّصاصِ الَّذِي يَذُوبُ مِنهُ ألْطَفُهُ ويُنْتَفَعُ بِهِ ويَبْقى الباقِي، وكَذَلِكَ الحَدِيدُ والنُّحاسُ، وجَمَعَ الدِّهانَ لِعَظَمَةِ السَّماءِ وكَثْرَةِ ما يَحْصُلُ مِن ذَوَبانِها لِاخْتِلافِ أجْزائِها، فَإنَّ الكَواكِبَ تُخالِفُ غَيْرَها.

صفحة ١٠٤

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском